تشغيل الوضع الليلي

رِسَالةٌ توجيهيةٌ مِن بيتِ عِمرَان

منذ 7 أشهر عدد المشاهدات : 1677

بقلم: مريم الخفاجي
إنّ تهيئة السُّبُل الصَّحيحة، والسَّعي لبناء بيئةٍ نموذجيةٍ صالحة للأبناء، لا شكّ أمرٌ يتكفله الآباء والأمّهات في الدّرجة الأولى، ولعلّ الأمّ هي من تلعب الدّور الأساسي في ذلك أكثر من الأب، فالقرآن الكريم يُشيد بدورها المفصلي وصعوبة المرحلة التي تتبناها وتتحملها قبل الجميع، فتقول الآية الشريفة مشيرة لذلك: "حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً" (1)، فتكون الأمّ هي المُرابطة للطّفل في أدقّ وأخطر وأهمّ مراحل حياته، كيف لا وهي الحاضنة الأولى له، وبطبيعة الحال فإنّ الوعاء يشكّل عادة الحماية الأوليّة لما فيه، فإن كان فاسدًا فسد ما فيه، وإن كان صالحًا صَلُح ما فيه.
ولأهميّة هذه الفترة، وما يخصّ الجانب الروحي بالتحديد وحاجة ضخّ المفاهيم الأساسيّة فيه بشكلٍ سليمٍ تنبئ الآيات الشّريفة على لسان زوجة عمران (عليها السلام) مبيّنة أهمّ ما يجب على المرأة النظر فيه لحصادٍ مثمرٍ: "إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في‏ بَطْني‏ مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّميعُ الْعَليمُ فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى‏ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى‏ وَ إِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَ إِنِّي أُعيذُها بِكَ وَ ذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجيم" (2)
مما يلاحظ من الحكاية القرآنية أنّ زوجة عمران (عليها السلام) لم تفكّر تفكيرًا انتفاعيًا أنانيًا كما يفعل كثير من البشر بتفكيرهم الماديّ الشّخصيّ المحدود، كأن تتأمل في الطفل الموعودة به أن يحقّقَ لها منفعة ذاتية كوجاهةٍ أو سمعةٍ أو ما شابه، بل كان همّها الأول أن تجعله خادمًا لله بقولها: "مُحَرَّراً ً" وهو مفهوم يحقّق للطّفل جانب العبودية لله، فيضمن له فيما بعد عدم انصياعه لأيّ سيطرة بشريّة.
ثم انتقلت إلى العمل على جانب التّسمية، فأحسنت لولیدتها انتقاء الاسم المتضمّن لمفهوم عميق فقالت: "وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ" (3) وهي بلغتهم العابدة (4).
وقد انعكس هذا الاسم انعكاسًا إيجابيًا على ابنتها، حتى وصلت إلى مرحلة تكلّم عنها القرءان الكريم قائلاً: "وَ إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفاكِ عَلى‏ نِساءِ الْعالَمين" (5)
وهذا يبيّن أهمية اختيار الاسم للطّفل وتأثيره على سلوكيّاته وشخصيته، إذا ما وافقت تربية الأبوين للطفل المفاهيم الموجودة في التّسمية.
ثم في تتمة الآيات تنطق والدة مريم (عليها السلام) بطلبٍ يكمّل شخصية وليدتها حيث قالت: "إِنِّي أُعيذُها بِكَ وَ ذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجيمِ" (6)، فقد طلبت من اللَّه أن يعيذ مريم وذريتها من الشيطان الرجيم، فيجيرهم من وسوسته وتثبيطه ومكره وخدعه ومكائده، ليستطيعوا إثر هذه العناية السَّير في خط الطَّاعة من دون أيّ انحراف أو تعثّرٍ، فهو في الحقيقة تعويذ للثبات والصمود على العبودية لله، مقابل الخطّ المنحرف المتربّص بأهم مفهومٍ يجب ترسيخه عند بني البشر.
وعلى هذا الأساس فإنّ من أعظم المهام التي تقوم بها الأم -والأب أيضًا- في تربية الطفل من المنظار القرآني هو البناء الرّوحي الذي تتكئ عليه فيما بعد متبنيات الطفل العقائدية، وتنطلق منه أهدافه التي تُقوّم شخصيته تقويمًا يوصله إلى المبدأ الأساس وهو الله سبحانه وتعالی، فتكون قد حمت بذلك فطرته التي فطره الله عليها، وأنشأته منشأ الصَّالحين، ويتكوّن نتيجة ذلك مجتمع صالح بصلاح تلك التربية السَّليمة المبنية على محور العبودية الخالصة، البعيدة عن الماديات التي أصبحت في يومنا هذا منطلقًا لكل الرذائل، ومنشأ لتهتك الأجيال، ومن زوجة عمران (علیه السلام) ورؤيتها التوحيدية يمكن أن تنطلق نساء الأمّة انطلاقًا منهجيًا نبويًّا، لا شكّ فيه ولا شُبهة.
____________________
[1] سورة الأحقاف:15
[2] سورة آل عمران: 35/36
[3] سورة آل عمران: 36
[4] الطبرسي، الفضل بن الحسن, مجمع البيان في تفسير القران,ج2, ص,738
[5] سورة آل عمران: 42
[6] سورة آل عمران: 36

اخترنا لكم

فصل (قانون الألم)

بقلم: أم قنوت شرعتُ البارحة بقراءة فصل عنوانه "قانون الألم" في كتاب يعتني بتطوير الذات أو ما يسمى بـ "التنمية البشرية"، فثارت مشاعري مثلما فزّت أحاسيسي لزيارة صديق اسمه (الألم) لطالما لازمني منذ الطفولة، لم ينفصل عني اثناء الشباب، ولا حتى عند النضوج. لكنه زارني بحلّة جديدة وبأفكار لم أسمعها منه من قبل، لم يعد مستسلمًا باكيًا كما عهدته، أخبرني أن كل إنسان يحمل تجاربًا سيئة لا يحب أن يمر بها، لكن القليل منهم يقرر أن يجعل منها تجاربًا إيجابية، أبهرني بالتغيير الذي حدثَ له، أنصتُّ له بكل جوارحي لا أحرك ساكنًا، تارة يتكلّم فأتذكّر ماضيه عندما زارني باكيةً محتضنًا إياي بلا عون، وتارةً أتعجّب لتطوره وأغبطه عليه، وفي لحظة انتباه شدّني حزنه بالرغم من قوته، وسواد ملبسه بالرغم من التفاؤل الذي زرعه داخلي... قاطعته بتعجّب: ما لي أراكَ متشّحًا بالسواد؟! هل أحسست بألم رض الضلوع مثلي؟! صفير رياح عاشوراء قادك إليّ؟! لهيبُ نارٍ، أم صرخة يتيمة دوَت في مسمعك ومسمعي؟ هل أتيت تخبرني عن جبلِ صبرٍ حولّ الألم إلى نصرِ؟ عمَّ الصمت... جرَت الدموع... كلانا تذكّر يوم ألمٍ لا يُنسى عشناه سوية... استغثنا فيه ببضعة الرسول (صلى الله عليه وآله) وأم قتيل العبرات... فجاءنا الغوث محولًّا الضعف إلى قوة، مخبرًا عن شموخ نفسٍ لا تتوانى عن مد يد العون... مزيجٌ من سند أهل البيت (عليهم السلام) لملهوف، وبريقٌ من قوّة النفس؛ يبقى الألم تجربة تربّي السلوك، وتطوّع القسوة، تنمّي النفوس، وتزرع السلوى... ونعم الفصل كان... فصل "قانون الألم".

اخرى
منذ 5 أشهر
385

الإمام الحسن (عليه السلام) مُعِز المؤمنين

روي عن الإمام الصادق (عليه السلام):"إن أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الأمثل فالأمثل"(1). على الرغم من تباين البلاءات وتعددها، والتفاوت في قساوتها وشدتها، إلا أن البلاء بإساءة الأصحاب وخذلان الأحباب لهو البلاء الأصعب على النفس، والأشد وجعاً عليها من طعن الرماح، والأقسى ألماً من عميق الجراح. وهذا ما حدث مع سيدنا ومولانا الإمام الحسن (عليه السلام) حيث أساء اليه أصحابه أيما إساءة فهذا (عدي بن حاتم يقول: " أخرجتنا من العدل إلى الجور" . وبشير الهمداني وسليمان بن صرد الخزاعي يدخل كل منهما عليه هاتفاً: "السلام عليك يا مذل المؤمنين ". وخاطبه بعض أصحابه قائلاً: " يا بن رسول اللَّه أذللت رقابنا بتسليمك الأمر إلى هذا الطاغية ")(2). بل إن بعضهم تمادى كثيراً حتى قال ما يصعب على القلم خطه فضلاً عمّا يعجز اللسان عن التفوه به، ولكن إنما نذكره لبيان عظيم البلاء الذي بلي به الإمام الحسن (عليه السلام)، وشدة مظلوميته ممن بايعه على الطاعة والولاء، إذ قال:" يا عار أمير المؤمنين. فيقول[عليه السلام]: العار خير من النار"(3)، ومنهم من تمادى أكثر حتى صرَّح بتمنيه موت سبط الرسول (صلى الله عليه وآله) حيث كان يقول: "أما واللَّه لوددت أنك مت في ذلك اليوم ومتنا معك"(4). وقد كانوا يعتقدون بأن الامام (عليه السلام) يستحق أن توجه اليه كل تلك الإساءات فقط لأنه قبل أن يهادن معاوية! بينما المتتبع لسيرة الامام (عليه السلام) يجزم بأنه (عليه السلام) لم يكن ليترك الحزب الأموي الفاسد المتمثل بمعاوية، ولم يكن ليميل إلى الهدنة لولا أن الظروف التي أحاطته آنذاك اقتضت منه أن تكون الهدنة خياره الأوحد. فقد كان الامام الحسن (عليه السلام) مصمماً على السير على نهج أبيه أمير المؤمنين(عليه السلام) في قتال الفئة الباغية في الشام وعلى رأسها معاوية منذ تسلمه الخلافة بعد أبيه لاسيما بعد رفض الأخير مبايعته والدخول في طاعته بذريعة أنه أكبر منه سنا وأكثر منه في السياسة والحرب خبرة كما كان يتوهم.. وبما إن سياسة معاوية كانت قائمة على المراوغة والخداع والتجسس والتضليل الإعلامي فقد أرسل جاسوسين إلى البصرة والكوفة لكن الامام الحسن (عليه السلام) سرعان ما كشف أمرهما دونما أن يخبره أحد بذلك وقتلهما ، ثم أرسل كتاباً إلى معاوية يعلمه فيه بالجاسوسين فكانت صفعة قاسية منه (عليه السلام) بحق ذلك الثعلب الماكر فلم يتحمّل فأرسل إلى ولاة البلاد المسيطر عليها بإرسال الجيوش إليه ليقاتل الإمام الحسن عليه السلام. وبمجرّد سماع الامام (عليه السلام) بحركة معاوية للحرب أمر هو الآخر بالتحرك والتهيؤ لها ووضع الخطّة العسكرية اللاّزمة لمجابهة جيش معاوية، فقدّم للجيش مقدّمة في اثني عشر ألفاً، وولّى عليهم عبيد الله بن العباس ثم قيس بن سعد، ويكشف قراره في جعل الإمارة مترتّبة عن حنكته (عليه السلام) العسكرية وحكمته السياسية، إذ لو أمّر عليهم واحداً فبمجرّد سقوطه يضيع الجيش. وقد اختار (عليه السلام) بلاد ساباط لينزل فيها لانتظار التحاق بقية الجيش به من جهة و ليتطلع إلى أخبار المقدّمة المرسلة من جهة أخرى. ولاختبار أصحابه في بلاد ساباط ليعرف مقدار طاعتهم وولائهم له وليعرّفهم أنفسهم وليلقي الحجّة عليهم من جهة ثالثة، فألقى عليهم خطبة قصيرة تضمّنت الحث على طاعته وعدم مخالفة أمره وانّه ناظر لما فيه الخير والصلاح لهم. فظنوا أنه يريد بخطابه ذلك المصالحة لمعاوية، فشدّوا على فسطاطه فانتهبوه حتى أخذوا مصلاّه من تحته ورداءه من عاتقه، وجرحه رجل بخنجر في فخذه فشقّه حتّى بلغ العظم. وبذلك كشف مقدار إمكانية اعتماده عليهم فيما لو خاض بهم الحرب مع معاوية، وهم الذين لم تمضِ سوى أيام قلائل على مبايعتهم له بالطاعة والولاء والسلم لمَن سالمه والحرب لمَن حاربه ! وأما جيشه (عليه السلام) فقد تسلّل الكثير من أفراده إلى صفوف معاوية أو إلى الكوفة، بل إن بعضهم كتب إلى معاوية بالطاعة وهم من الشخصيات الذين نقضوا بيعة الإمام الحسن (عليه السلام) سرّاً واتفقوا على قتله إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً.. وعلى الرغم من تفكك عناصر جيش الامام الحسن (عليه السلام) وخيانة بعض قادته وجرحه من قبل من بايعه فقد كان لا يزال في موقف القوة والعزة بدليل أن معاوية هو الذي طلب الهدنة منه، بل وألحَّ عليه بذلك وناشده اللّه في حقن دماء أمة جده، وقد أعلن طلبه هذا فعلمه المعسكران، وكان لطلبه هذا أسباب : أولاً: لاعتقاد معاوية بانّ الهدنة تضفي على تسلطه وحكمه صفة الشرعية. ثانياً: لإسكات الإمام الحسن (عليه السلام) عن المطالبة بحقّه في الخلافة. ثالثاً: لخوفه من نتائج الحرب التي قد تودي بحياة الكثير من أنصاره فضلاً عن حياته، وقد أفصح عن ذلك في جوابه لعمرو بن العاص بقوله: «لا نخلص من قتلهم حتى يقتلوا أعدادهم من أهل الشام»(5). رابعاً: لما قد يترتب على الحرب من قتل الإمام الحسن (عليه السلام) الذي يوجب قيام العالم الإسلامي لأنه سيّد شباب أهل الجنة وابن النبي محمّد (صلى الله عليه وآله). وبهذا فإن الامام الحسن (عليه السلام) عندما قبل بالهدنة لم يكن قبوله من موقع الضعف والذل كما تصور أصحابه وآذوه بذلك، فضلاً عن الأعداء بل كان من موقع القوة والعزة بدليل إنه لم يقبل بالهدنة إلا بشروط دقيقة فرضها على معاوية حمايةً للضوابط الشرعية وحفاظاً على أهل بيت النبوة (عليهم السلام) وشيعتهم في أنحاء الدولة الإسلامية، وسدّ احتياجاتهم المالية والأمنية ورفع السبّ عن أمير المؤمنين عليه السلام، وانّ الحكم يكون له (عليه السلام) بعده، فإن لم يكن فلأخيه الإمام الحسين (عليه السلام)، وإن لم يكن فليس له تنصيب من قِبَله بل يكون ذلك بيد المسلمين. وأما الأسباب التي دعت الامام (عليه السلام) الى الهدنة فهي: أولاً: لعدم ثقته ببعض أفراد جيشه ممن يزعمون أنهم شيعةً له وما هم بذلك ــ حتى قال فيهم: "أرى والله أنّ معاوية خير لي من هؤلاء يزعمون انّهم لي شيعة ، ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي وأخذوا مالي"(6)ــ فضلاً عمن كانوا يدينون بالطاعة والولاء لأعدائه. ثانياً: لأنّ الهدنة فيها حفظ السبب المتصل بين الأرض والسماء المتمثل بشخصه المبارك وحفظ أهل بيته الطاهرين. وقد وضح ذلك قائلاً: « والله لئن آخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي وأؤمن به في أهلي خير من أن يقتلوني فتضيع أهل بيتي وأهلي، والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلما » (7). بل انّ في الهدنة حقن لدم الشيعة كلهم كما قال: «لولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلاّ قُتِل»(8). ثالثاً: لأنّ مهادنته لمعاوية وهو عزيز خير من قتله وهو أسير أو المنّ عليه بإطلاقه من الأسر فيكون عاراً على أهل البيت مدى الحياة، وقد كان معاوية يتمنى حصول ذلك لكيلا يكونوا هم الوحيدين بني الطلقاء! وقد كان الامام الحسن (عليه السلام) خبيراً بلؤم نفس معاوية وبخبث سريرته حيث قال: «والله لئن اسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسير أو يمنّ عليّ فيكون سبَة على بني هاشم آخر الدهر لمعاوية لا يزال يمنّ بها وعقبه على الحيّ منّا والميت»(9). رابعاً: لعدم وجدانه الأنصار الذين يعتمد عليهم في خوض الحرب، يقول: «والله ما سلّمت الأمر إليه إلاّ إنّي لم أجد أنصاراً ولو وجدت أنصاراً لقاتلته ليلي ونهاري حتى يحكم الله بيني وبينه»(10). خامساً: لأنّ في مهادنته لمعاوية صلاح الاُمّة وكفّ بعض المسلمين عن بعض والإبقاء على المؤمنين. قال (عليه السلام):«إنّي لو أردت بما فعلت الدنيا لم يكن معاوية بأصبر عند اللّقا ولا أثبت عند الحرب منّي، ولكنّي أردت صلاحكم وكف بعضكم عن بعض فارضوا بقدر الله وقضائه»(11) وقوله في جواب حجر بن عدي: «وما فعلتُ ما فعلتُ إلاّ إبقاء عليك والله كلُّ يوم في شأن»(12). سادساً: خوض الحرب على الرغم من عدم تكافؤ الطرفين ماديا أولاً و عدم تحقيقها لمصلحة مهمة ثانياً إنما إهراق لدماء المسلمين ولذا قال (عليه السلام):«ولكنّي خشيت أن يأتي يوم القيامة سبعون ألفاً أو ثمانون ألفاً تشخب أوداجهم دماً، كلهم يستعدي الله فيم هريق دمُه»(13). سابعاً: كان له في جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) أسوة حسنة سار عليها وصالح معاوية لاتحاد العلتين بين صلحه له وصلح رسول الله (صلى الله عليه وآله) لبني ضمرة وبني أشجع وأهل مكة حين انصرف من الحديبية كما قال: «يا أبا سعيد علّة مصالحتي لمعاوية علّة مصالحة رسول الله لبني ضمرة و... أولئك كفّار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفروا بالتأويل»(14). فالإمام الحسن (سلام الله عليه ) قد حفظ الدين والأمة الاسلامية لاسيما الشيعة بل وحفظ المعمورة قاطبة، إذ ليس بالبعيد أن يقضي معاوية اللعين على آل البيت (عليهم السلام) جميعاً فيما لو تمكن منهم لاسيما أن المؤشرات المادية أغلبها تصب في صالحه، وقد روي عن سليمان الجعفري قال: "سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) قلت: تخلو الأرض من حجة ؟ قال: لو خلت الأرض طرفة عين من حجة لساخت بأهلها "(15) فقد تصرف الامام الحسن (عليه لسلام) بحكمة بالغة إلا إن أصحابه قد جهلوها أو لم يلتفتوا اليها، فقد روي عنه (عليه السلام):"يا أبا سعيد إذا كنت إماما من قبل الله تعالى ذكره لم يجب ان يسفه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة وان كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبسا ألا ترى الخضر (عليه السلام) لما خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط موسى (عليه السلام) فعله لاشتباه وجه الحكمة عليه حتى أخبره فرضى هكذا أنا، سخطتم علي بجهلكم بوجه الحكمة فيه"(16) وقد صرح (عليه السلام) بأنه لم يذل المؤمنين بهدنته مع معاوية كما روي عنه(عليه السلام):"ما أنا بمذل المؤمنين، ولكني معز المؤمنين، إني لما رأيتكم ليس بكم عليهم قوة سلمت الأمر لأبقى أنا وأنتم بين أظهرهم، كما عاب العالم السفينة لتبقى لأصحابها، وكذلك نفسي وأنتم لنبقى بينهم "(17) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) ميزان الحكمة ج1 ص290 (2) أحاديث في الدين والثقافة والاجتماع ص85 (3) المصدر السابق (4) المصدر نفسه (5) صلح الإمام الحسن عليه السلام أسبابه ، نتائجه : ص110. (6) الاحتجاج : ج2 ، ص20ـــ (7) المصدر السابق (8) علل الشرائع : ص211 (9) المصدر السابق (10) المصدر نفسه (11) شرح نهج البلاغة : ج16، ص15 ، نقلا عن كتاب المجتبى (عليه لسلام) بين وميض الحرف ووهج القافية ص35 (12) المصدر السابق (13) نفس المصدر (14) علل الشرائع ج1 ص212 (15) مسند الامام الرضا ج1 ص280 (16) بحار الانوار ج44 ص2 (17) ميزان الحكمة ج5 ص233 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
2313

عيد جديد ... فهل نحن في تجديد؟!

العيد كل سعادة، العيد من الإعادة، فإذا عدت بالحسنات فعيدك عيد النجاحات، وإن عدت بالخطيئات فعيدك عيد المزريات. العيد كلمة حب في فم عاشق ولهان. العيد قبلة أم هي أم الحب والحنان. العيد في (ألفه) ائتلاف القلوب. وفي (لامه) ميلان الأرواح على كل مسكوب، وفي (عينه) عيون الأحباب وكلنا لهم نرغب ونؤوب، وفي (يائه) ينادي العشاق من مكان قريب، وفي (الدال) دلالة السعادة فهي منبع الريادة. روي عن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال: إنّما هو عيد لمن قبل الله صيامه وشكر قيامه وكل يوم لا تعصي الله فيه فهو عيد. إنما يفرح في يوم العيد من غُفر له فيعيش حلاوة المغفرة الإلهية، و يستلم جوائز الرحمن. فللفرح مواطن معينة كما جاء في القرآن الكريم: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}. أي إن الإنسان المؤمن عليه أن يفرح بما يقدمه من الهدف النهائي، وإلا فالفرح الذي لا مبرر له، ليس فرحاً هادفاً. قال العلامة المجلسي: فَإِذَا صَارَتْ لَيْلَةُ عِيدِ الْفِطْرِ وَ تُسَمَّى لَيْلَةَ مَنْحِ الْجَوَائِزِ، يُكَافِئُ اللَّهُ تَعَالَى الْعَامِلِينَ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ بِلَا حِسَاب‏. وَ عَنْ جَمِيلِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ( عليه السلام ) قَالَ : إِذَا كَانَ صَبِيحَةُ يَوْمِ‏ الْفِطْرِ نَادَى مُنَادٍ اغْدُوا إِلَى جَوَائِزِكُمْ . العيد يوم التهنئة بنِعمة الصيام، ونِعمة القيام، وشُكر الكريم المنان. العيد هي فرحة الطائع بطاعته، والمصلي بصلاته، والصائم بصيامه، والقائم بقيامه، والمتصدق بصدقته. أما من لم يُغفر له فأنى له أن يفرح ويمرح، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في خطبته المعروفة التي أدلى بها في الجمعة التي سبقت شهر رمضان: " فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ غُفْرَانَ اللَّهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ" إذن فمن لم يغفر له ولم يستلم الجائزة كيف يفرح! روي إن الإمام علي (عليه السلام): رأى أحدهم يضحك في العيد، وكأنه مرتاح لما هو فيه؛ فنبهه الإمام (عليه السلام) قائلاً: ليس العيد لمن لبس الجديد، وإنما العيد لمن أمن الوعيد. أي: العيد هو عيد مَن صام شهر رمضان، يرجوا الرضوان، والعِتق مِن النِّيران. وليس لهؤلاء الذين كانوا ينتهكون حرمة الشهر الفضيل، وكان همهم إشباع اللذات. في العيد أحكام تقمع الهوى وتطبيق عملي لما مر به المؤمن من الطاعات في شهر رمضان ومن ورائها حكم تغذي العقل لينتصر على مكائد الشيطان، ومن تحتها أسرار تصفي النفس وتتغلغل في الروح لترتقي بها لسلم الكمال، ومن بين يديها ذكريات تثمر لبذور جديدة زرعت في تلك الأيام الفضيلة في الحق والخير، وفي طيها عبر تجلي الحقائق وتظهرها من بواطن النفوس، وموازين تقيم العدل بين مخالف البشر، ومقاصد سديدة في جمع شتات الوحدة والقضاء على التفرقة والفتن، وإصلاح الذات ومعالجة الأرواح، وتجارب عملية عالية في التضحية بالمال، والصبر للطاعات، وجمح الشهوات. كيف يا احبائي نفرح؟ وكيف تريدون مني أن ابتسم وأمرح؟ وكيف تريدون مني أن أتكلم وأشرح؟ حتى وإن كان عيداً! عيدٌ ليس فيه الإمام صاحب القلب الحزين الأليم، إمام غاب وغابت معه حلاوة السنين، إمام هو العشق والحب في كل حين، آه آه نظرة منك إلينا، تبعث الإيمان فينا، وأعيش الدهر سعيد، لو نظرة منك أيها الإمام الشهيد. حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
1556

التعليقات

يتصدر الان

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29178

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29063

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29061

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
28290

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنة
12795

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
12389