تشغيل الوضع الليلي

تجلياتٌ معرفية في الخطاب المهدوي(5)

منذ 3 أشهر عدد المشاهدات : 1588

بقلم: علوية الحسيني
"وَأسْألُكُمْ بِحَقَّ اللهِ وَرَسُولِهِ وَبِحَقَّي - فَإنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقَّ الْقُرْبَى مِنْ رَسُول اللهِ - إِلاَّ أعْنَتُمُونَا وَمَنَعْتُمُونَا مِمَّنْ يَظْلِمُنَا، فَقَدْ اُخِفْنَا وَظُلِمْنَا وَطُردْنَا مِنْ دِيَارنَا وَأبْنَائِنَا وَبُغِيَ عَلَيْنَا، وَدُفِعْنَا عَنْ حَقّنَا، فَأوْتَرَ أهْلُ الْبَاطِل عَلَيْنَا، فَاللهَ اللهَ فِينَا لاَ تَخْذُلُونَا وَانْصُرُونَا يَنْصُرْكُمُ الله".

هنا في هذا المقطع الخطابي، كلام الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) موجه إلى أنصاره، إذ مثلما يوجد من يسمع خطابه من صنف المحاججين، فكذلك يسمعه من صنف الموالين، فيطلب الدعاء منهم والمعونة، ويبين ظلامته، وظلامة أجداده (عليهم السلام).

*وقوله: "وَأسْألُكُمْ بِحَقَّ اللهِ وَرَسُولِه"
"أسألكم" السؤال هو صيغة تدل على الطلب.
وإن قيل: إنّ الإمام أعلى درجةً من مواليه –بالعصمة والجعل الإلهي- فكيف يسأل العالي الداني؟
فُيقال: بأنّ السياق القرآني استخدم هذه الصيغة على لسان النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) من قبيل قوله: {قل لا أسألكم عليه أجرًا إلاّ المودة في القربى}، فها هو النبي (صلى الله عليه وآله) يسأل قومه -موالين ومعارضين- المودة في قربته. فكذا الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) في خطابه مستخدمًا إياها.

-"بِحَقَّ اللهِ"
حق الله تعالى هو الإيمان بأصول وفروع دينه، والتحلي بأخلاقه المنزلة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، والتي حفظها وبلّغها الإمام (عجّل الله فرجه الشريف).
وقد جاءت روايات معبرة عن حق الله تعالى مبيّنةً أنّ ذلك الحق هو العبادة؛ فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "حقّ الله على العباد أن يعبدوه ، ولا يشركوا به شيئا"(1).
وأخرى بيّنت أنّ حق الله تعالى هو العلم، والعمل بالعلم؛ روي عن زرارة بن أعين، أنّه قال: "سألت أبا جعفر الباقر (عليه السلام): ما حق الله على العباد؟ قال: أن يقولوا ما يعلمون، ويقفوا عندما لا يعلمون"(2).

-"وَرَسُولِه" أما حق رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهو طاعته، والالتزام بأحاديثه، ومن ضمنها حديث الثقلين، الذي اوصى فيه النبي (صلى الله عليه وآله) بالتمسك بالثقل الاكبر -القرآن الكريم-، والثقل الأصغر -أهل البيت عليهم السلام-
روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "إني تارك فيكم الثقلين ما إنْ تمسَّكْتُم بهما لن تضلوا؛ كتاب الله المنزل وعــترتي أهل بيتي"(3).

-"وَبِحَقَّي فَإنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقَّ الْقُرْبَى مِنْ رَسُول اللهِ"
وللإمام (عجّل الله فرجه الشريف) حق خاص على مواليه، منصوص عليه من قبل جدّه رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) وهو حق القربى، فلقرابة الإمام (عجّل الله فرجه الشريف)، ورجوع نسبه الطاهر إلى النبي (صلى الله عليه وآله) شرافة، وتميز وميزة، توجب طاعته والإيمان به؛ حيث سبق وأن أوصى النبي (صلى الله عليه وآله) بقربته امتثالاً لأمر إلهي، حيث قال تعالى على لسان نبيه محمد (صلى الله عليه وآله): {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ}(4).
العلاّمة الطباطبائي (قدّس سرّه) في تفسيره لهذه الآية ذكر "أنّ الأمر الذي نَفَته الآية هو الأجرُ على تبليغ الرسالة والدعوة الدينيّة، وعن الإمام الحسن بن عليّ (عليهما السّلام) أنّه خَطَب الناسَ بعد شهادة أمير المؤمنين بن عليّ (عليهما السّلام)، فقال: أنا من أهلِ البيت الذين افترض الله مودّتهم على كلّ مسلم، فقال: قُل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّةَ في القُربى)"(5).
وبما أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) من أهل البيت (عليهم السلام)، فيشمله حق المودة في القربى. وهو (عجّل الله فرجه الشريف) يسأل الناس بحقه عليهم.

*وقوله: "إِلاَّ أعْنَتُمُونَا وَمَنَعْتُمُونَا مِمَّنْ يَظْلِمُنَا"
متعلق الدعاء او القسم: المعونة ودفع الأذى من الظالمين والاعانة، والمنع من أذى الأعداء يتحقق بالدفاع والنصرة عن أهل البيت (عليهم السلام).

*وقوله: "فَقَدْ اُخِفْنَا"
والمراد من ذلك ما خاف منه أهل البيت (عليهم السلام) من قبل أعدائهم، وهذا لا ينافي عصمتهم كخيفة النبي موسى (عليه السلام).
والمتتبع لسيرة الأطهار محمد وآل محمد (عليهم السلام) يجد أنّ أعداءهم قد أخافوهم وروعوهم من أولهم إلى قائمهم.

*وقوله: "وَظُلِمْنَا"
قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُون}(6). فجميع أعداء محمد وآل محمد (عليه وعليهم السلام) كذّبوا الله تعالى وآياته؛ تحقيقًا لمصالحهم وأهوائهم. وأشد ظلامة مرّت عليهم (عليهم السلام) هي واقعة كربلاء، وما جرى على الإمام الحسين (عليه السلام)، ونسائه، وعياله، كما هو واضح.
*وقوله: "وَطُردْنَا مِنْ دِيَارنَا وَأبْنَائِنَا"
كما طُرد الإمام الحسين وأهله (عليهم السلام) من مكة المكرمة، وطرد الامام الهادي وابنه العسكري من المدينة إلى سرّ من رأى.

*وقوله: "وَبُغِيَ عَلَيْنَا"
بغى الشّخص أي "تجاوَز الحدَّ واعْتَدى ، تسلَّط وظلَم"(7).
وكلّ انسانٍ يعقل انّ أشد أنواع الظلم هو الجرأة على حدود الله التي أوضحها في كتابه الكريم أو على لسان نبيّه الأكرم محمد (صلّى الله عليه وآله) ، حيث قال تعالى: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}(8)، أي: أساء إلى حدود الله بالتعرض لسخط الله تعالى ومقته، ونيل سطوته.
فحدودُ الله هي حدود محمّد وآله (عليهم السلام)، ومَن تعدّى على تلك الحدود فهو ظالمٌ لامحالة، وقد توعّد الله تعالى الظالمين بقوله تعالى: {قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا}(9). ونِعمَ به سبحانه مِن حكيمٍ ما أعدله.

*وقوله: "وَدُفِعْنَا عَنْ حَقّنَا"
وأجلى مثالٍ لذلك هو دفع من اجتمع تحت السقيفة حق الخلافة عن الإمام علي (عليه السلام). ودفع معاوية ذلك الحق للإمام الحسن (عليه السلام). ويزيد عن الإمام الحسين (عليه السلام)، وهكذا سائر الأئمة (عليهم السلام).

*وقوله: "فَأوْتَرَ أهْلُ الْبَاطِل عَلَيْنَا"
لعلّ مراد الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) قطعونا عن أهلنا بالقتل، فأوتروا أهل البيت (عليهم السلام)، كما قالت السيّدة زينب (عليها السلام) للطاغية يزيد: "وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة، بإراقتك دماء ذرية محمد (صلى الله عليه وآله) ونجوم الأرض من آل عبد المطلب وتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم فلتردن وشيكا موردهم ولتودن أنك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت"(10).

*وقوله: "فَاللهَ اللهَ فِينَا لاَ تَخْذُلُونَا وَانْصُرُونَا يَنْصُرْكُمُ الله"
وهذا مثيل طلب الإمام الحسين (عليه السلام) النصرة من مواليه في واقعة كربلاء، حينما قال: ألاّ من ناصر ينصرنا.
فلعل طلب الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) النصرة والمعونة من مواليه حتى يأخذ بثأر من رضي بذلك التخويف، والظلم، والطرد، والبغي، والدفع عن الحق من ذراري أعداء أهل البيت (عليهم السلام).
وبما أنّ محمدًا وآل محمد (عليهم السلام) هم أشرف خلق الله تعالى، بل هم بابه تعالى، فتكون نصرتهم نصرةً لله عزّ اسمه وتباركت قدرته؛ فمن ينصر الله فقد نصره الله، قال تعالى في كتابه الكريم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}(11).
فظاهر الآية يقول بوجود طرفين، الله تعالى، وناصر الله. وهناك طرف ثالث هو أولياء الله؛ لقرينة خارجية منفصلة، وهي آية كريمة اخرى تقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ}(12).
فالنصرة فرع الطاعة، فكما أنّ طاعة الله تعالى ورسوله وأولي الأمر –أهل البيت عليهم السلام- واجبة، كذلك نصرتهم جميعًا واجبة؛ فلازم اللازم لازم.
اذًا فالثلاثية في آية النصرة محتملة كما تحتمل الثنائية.
وتتحقق النصرة أما بالقول، فلعلّ الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يطلب نصرتنا له بنقل كلامه حين ظهوره، وكيفية محاججته لأعدائه، أو بالرد القولي على كلّ من جحد الإمام ولم يحضر خطبته (عجّل الله فرجه الشريف).
أو بالفعل، فلعلّ الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يطلب نصرتنا له بمحاربة الظالمين الجاحدين، ونصرة خليفة ربّ العالمين.
أو بالقلب، فلعلّ الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يطلب نصرتنا له بالدعاء الخفي، وهذا الاحتمال وارد لمن يعيش في بلدةٍ مكتظة بمخالفين له في العقيدة، فيشكّل مجرّد التجاهر بالدعاء بالنصرة لإمام الزمان (عجّل الله فرجه الشريف) خطرًا عليه وعلى إمامه، فكيف به لو نصره قوليًّا، أو حتى فعليّا؟!. فتتعيّن عليه النصرة القلبية.
وعلى كل حال، كأن الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) هنا يريد تذكير الناس بمظلومية أهل البيت (عليهم السلام)، ويُعلمهم أنّ الإيمان بهم إيمانٌ جمعي، فليس بمؤمن من آمن بالأئمة وأنكر القائم منهم (عليهم السلام)، ومن وقف على إمامة إمامٍ، ورغم ذلك فالإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يعطيهم فرصة للإيمان والتوبة.
__________________
(1) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي، ج 3، ص 10. ج 71، ص 3، 11.
(2) المصدر السابق: ج2، ص113، ح2.
(3) أمالي الطوسي: للشيخ الطوسي، ص161.
(4) الشورى: 23.
(5) تفسير الميزان: للعلامة الطباطبائي، ج 52، ص18.
(6) الأنعام: 21.
(7)ظ: القاموس المحيط.
(8) البقرة: 229.
(9) الكهف: 87.
(10) زينب الكبرى (عليها السلام) من المهد الى اللحد: للسيد محمد كاظم القزويني، ص401.
(11) محمد: 7.
(12) النساء: 59.

اللهم عجّل فرجه، وأيّده بالنصر، وانصر ناصريه، واخذل خاذليه، ودمدم على من نصب له، وكذَّب به.

اخترنا لكم

قافلةُ النورِ والإباءِ

بقلم: أم باقر الربيعي قافلة مجّللة بنور إلهي مهيب، يُضيء البوادي القفار في لياليه المظلمة، مكّللة بتاج الشموخ والعزة والكرامة والإباءِ، محفوفة بملائكة السماء، تهليل وتكبير وتمجيد وتعظيم، وقرآن يُتلى وأكفٌّ ترفع، وعزيمة صُلبة وقلوب مقبلة على الله لا خائفة ولا وجلة، شيب وشبان ونساء وأطفال وصغار رُضّع، تحمل بين أياديها أكفان الشهادة وقيود الأسر، موقنة بالنصر وإعلاء كلمة الحق، عارفة بما سيؤول إليه مصيرها، صابرة محتسبة ذلك عند الله تعالى، قد ودّعت قبور أحبتها وداعًا ليس بعده عودة، وتزودت منها تزود الظمآن إلى الماء، سائرة نحو هدفها الحقيقي الواقعي وهو التغيير والإصلاح، معلنة الثورة على الحاكم الظالم المتجاهر بالفسق والفُجور، الذي عطّل أحكام الدين وأبعد الخلافة الإسلامية عن مسارها الشرعي، فأعلنها الإمام الحسين (عليه السلام) صراحة بقوله لمّا طالبه مروان بن الحكم بالبيعة ليزيد؛ حيث قال: "فعلى الإسلام السلام اذا بُليت الأمة براعٍ مثل يزيد" (1). فلابد من النهوض وتقديم الغالي والنفيس لأجل الإسلام، بانتفاضة تعيد للناس رشدها وصوابها المُضاع، فبدأت –تلك القافلة- تقترب من أرض الشهادة تتلو تراتيل الإباء "هيهات منّا الذلة" حاملة شعار الإصلاح والتغيير "إنَّي لم اخرج اشرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي (صلى الله عليه وآله) أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وابي علي بن أبي طالب (عليه السلام)" (2). _________________ 1- الخوارزمي :مقتل الحسين 1 /184_185. 2- بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 44- الصفحة 329.

اخرى
منذ شهرين
655

تربية الأبناء بين الحاضر والمستقبل

إنّ التربية هي علاقة تفاعل بين الأبوين والأبناء. وكلما زاد هذا التفاعل ازداد الانسجام وأصبحت الرؤيا التربوية أكثر وضوحاً للأبوين، وأصبح الأمر أقل تعقيداً، فالتربية عملية شاقه لايفهما الا اللبيب الحاذق من المربين، والزمن في تغير مستمر وتعقيد كثير، بسبب التطور التقني والمعلوماتي الذي يمرّ بسرعة لذلك وجب علينا الاستعداد بشكل كامل لمواجهة كل التغيرات الحاصلة التي من شأنها أن تؤثر سلباً على طريقة تعاملنا مع أبنائنا، إذا لم نحسن التصرف بشكل صحيح، وما أجمل تلك الحكمة الرائعة التي قالها امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام حين قال: (لاتقسروا أبناءكم على آدابكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم) قد بين أمير المؤمنين (عليه السلام) منذ مايقارب 1400 سنة ما سيحدث من تطور معلوماتي تقني يؤثر في كل محطات الحياة فالتغير السريع، الذي شهدته التكنولوجية قد سرّع من التغيرات الحياتية والاجتماعية في كل شيء وأصبحت الفروق بين جيل وجيل شاسعة للغاية وهذا ما سبب فوضى عارمة لدى كثير من الأسر المسلمة، والآن نعاني من صراع مستمر بين أصول وتقاليد تربوية راسخة وبين رغبات وتطلعات الأجيال الجديدة؛ فالآداب تتغير مع مرور الأيام وتغير الزمان، فطريقة اللبس والآكل مثلاً تغيرت وفقاً للتقدم السريع الذي مر به الزمن ولاضير من ترك المجال للأبناء في التعبير عن أفكارهم وتطلعاتهم وآرائهم ما دامت في طول الشريعة السمحاء لا في عرضها؛ فالتربية السليمة هي تلك التي توفر الأفكار والأدوات والأساليب التي تساعد الصغار على الأستعداد للعيش وفق أسس الأسلام المحمدي الأصيل انسجاماً مع التطور الحضاري والتقني ....... قاسم المشرفاوي

اخرى
منذ سنة
987

حــقوق الإنسان مـابين القانون والشريعة

شهدَ العراق انتهاكات كبيرة بحق أبنائه منذ سنين مضت ولازال، وآخر انتهاكٍ لحقوق أفراده اليوم هو عـدم توفير ماءٍ صالحٍ للشرب في بعض محافظاته وعلى رأسها البصرة الفيحاء. [في شهري آب وأيلول من عام 2018م] ولا أملك للأهالي الكرام فيها سوى الدعاء, وما تسطره حروفي اليوم موضحة للجميع حــق المواطن في توفير مقومات الحياة. للإنسان حق في أن يعيش في وطنه حياة كريمة، وفي أن تتوفر متطلباته الأساسية من طعام وشراب ومسكن, ولابدّ لكلّ دولةٍ من توفير تلك المتطلبات لشعوبها. وسوف أسرد الموضوع ضمن مطالب أربعة, أتناول في الاول منها التعريف بحقوق الإنسان, وفي الثلاثة منها استعراض رأي القانون الدولي, والدّين الإسلامي, ثم المرجعيّة العليا. المطلب الأول: المراد بحقوق الإنسان هي المعايير الأساسية التي لا يمكن للناس من دونها أن يعيشوا بكرامة كبشر, فهي ضمانات عالمية تحمي الأفراد والجماعات من الإجراءات الحكومية التي تمسّ الحريات الأساسية والكرامة الانسانية. وتعد حضارات وادي الرافدين من أقدم الحضارات البشرية وأولها اهتماماً بحقوق الأنسان، إذ تعتبر الوثائق السومرية من أقدم الوثائق التي اهتمت بحقوق الإنسان، من خلال اهتمامها بالقانون والعدالة والحرية، والتي كانت من أساسيات الفكر العراقي القديم من بدأ التدوين (الكتابة) في الألف الثالث قبل الميلاد. الـمطلب الثاني: رأي المواثيق الدولية نصّت المواثيق والاتفاقيات والعهود الدولية على ضرورة احترام حقوق الإنسان وشمولية تطبيقها, فعند انتهاء الحرب العالمية الثانية أُنشئت منظمة دولية تدعى (منظمة الامم المتحدة)، وبفضل ميثاق هذه المنظمة دخلت مسألة حقوق الانسان دائرة القانون الدولي الوضعي، إذ تضمّن ميثاق المنظمة عدّة نصوص بشأن حقوق الانسان. وقد استهلت الامم المتحدة ميثاقها بالعبارات التالية: "نحن شعوب الامم المتحدة قد آلينا على أنفسنا ان ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب...التي جلبت على الانسانية مرتين احزانناً يعجز عنها الوصف وان نؤكد من جديد ايماننا بالحقوق الانسانية للإنسان ولكرامته وقدرته وكما للرجال والنساء والامم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية"(1). كما وأنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي نشر في 10/كانون الأول/1948نصّ على التالي: "لكل شخص الحق في مستوى كافٍ للمعيشة وفي المساعدة الطبية اذا مرض"(2). فها هي النصوص القانونية الدولية كفيلة بتوفير حقوق الإنسان أبسطها وأعظمها، فأين السلطات المختصة مِن الانقياد لذلك وتحقيق سبل العيش لأبناء البصرة الكرام وغيرها من المدن؟! أم إنّها تلجأ للنصوص القانونيّة فقط حال تزامن الانتخابات لتحاول إكساء العملية الانتخابية بثوب المشروعية والأولوية ؟! فـكما أنّ للمواطن حق الانتخاب، فلــه حق الانتفاع مِن ثروات بلده. المـطلب الـثالث: رأي الدِّين الإسلامي: لما كان الاسلام خاتم الأديان السماوية وأنّ الرسول محمد(صلّى الله عليه وآله) هو خاتم الأنبياء والمرسلين، فيعد الاسلام دين البشرية جمعاء, وأنّ حقوق الانسان التي أقرها الاسلام للإنسان هي حقوقاً ليست طبيعية فحسب، بل إنّها نعمة من الله تعالى, اذ لم يترك القرآن الكريم والأحاديث الشريفة امراً يتعلق بحقوق الأنسان الاّ وتحدثا عنه . والموارد الطبيعية هي من حقوق الله تعالى التي وهبها لعباده ، وليست هي حقاً خاصاً لفرد أو فئة أو لجيل عن جيل آخر, بل هي حق عام للبشرية كافة. فقد دعا الإسلام إلى آداب سلوكية عند الانتفاع من تلك الموارد التي من المؤكد أنها تؤثر على الكمية المستهلكة منه. لقد عالج الإسلام مشاكل المياه في التلوث والإسراف وسوء الاستخدام منذ 14 قرناً من الزمان بما قرره من آداب وقواعد وأحكام للمحافظة على الماء وترشيد استهلاكه، فالماء هو مصدر الحياة، والمحافظة عليه تعني المحافظة على الحياة بأشكالها المختلفة. ولو تأملنا في الآيات البينات والأحاديث الشريفة لوجدنا القيم والآداب والأسس والقواعد للمحافظة على الماء وحمايته من التلوث، منها ما يلي: 1- نهى الإسلام عن الإفساد في الأرض، فقال الله تعالى: {كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين}(3), وقال تعالى: {وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض}(4). ومعلوم أنّ تلويث الماء بشتى طرق التلويث المختلفة هو إفساد في الأرض لما يترتب عليه من أضرار جسيمة لكل من يستخدم هذا الماء الملوث من كافة المخلوقات. 2. أقر الإسلام مبدأ (لا ضرر ولا ضرار)، فكل ما يضر بالمسلمين في رزقهم ومأكلهم ومشربهم فقد نهى الإسلام عنه، وتلوث الماء من أكبر أشكال الضرر، حيث يتسبب في حالات كثيرة من إزهاق الأرواح وقتل الأحياء ونشر الأوبئة والأمراض، ودرء هذا التلوث واجب ودافع للضرر. 3- قال أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) في اشارة إلى وجوب المحافظة على الكرامة الإنسانية بما فيها من حقوق مخاطباً الحكّام: "اتقوا الله في عباده وبلاده، فإنّكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم..."(5). المطلب الرابع: رأي المرجعية العليا بالأوضاع الراهنة في محافظة البصرة قال سماحة السيد السيستاني على لسان وكيله : "إنّ محافظة البصرة الفيحاء هي الاولى في رفد البلد بالموارد المالية, وهي الاولى في عدد الشهداء والجرحى الذين قدمتهم في معركة الدفاع ضد عصابات داعش الارهابية ولا تزال تمتلئ شوارعها وازقتها بصور آلاف الشهداء الذين بذلوا أرواحهم في سبيل انقاذ العراق وحماية أهله ومقدساته، فليس من الإنصاف بل ولا من المقبول أبداً أن تكون هذه المحافظة المعطاء من أكثر مناطق العراق بؤساً وحرماناً، يعاني الكثير من أهلها شظف العيش وقلّة الخدمات العامة وانتشار الامراض والاوبئة ولا يجد معظم الشباب فيها فرصاً للعمل بما يناسب امكاناتهم ومؤهلاتهم. وإنّ المسؤولين في الحكومتين المركزية والمحلية مطالبون بالتعامل بجدية وواقعية مع طلبات المواطنين, والعمل على تحقيق ما يمكن تحقيقه منها بصورة عاجلة، ووضع برنامج واضح ومدروس لحل بقية المشاكل القائمة بوتيرة متصاعدة. ويتطلب ذلك اتباع سياسة حازمة وشديدة مع الفاسدين ومنع استحواذهم على موارد البلد بأساليبهم الملتوية" ____________________ (1) ميثاق منظمة الامم المتحدة, الديباجة. (2)الإعلان العالمي لحقوق الإنسان, الحق 28. (3) البقرة: 60. (4) القصص: 77. (5) نهج البلاغة: ج2، ص8. اللّهمّ اكشف هذه الغمّة عن هذه الأمة بظهور وليّك, وعجّل لنا ظهوره, فإنّهم يرونهم بعيدا, ونراهُ قريبا. علوية الحسيني.

اخرى
منذ سنة
1234

التعليقات

يتصدر الان

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
20347

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
18661

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
18107

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
11377

تأملات فتاة

تأملات فتاة في جوف الليل بعد أن هدأت الأنفاس وعاد كلٌّ إلى مكانه الذي يشعر فيه بالأمان والراحة، وبعد أن هدأت زقزقة العصافير وآوت إلى أعشاشها وانسل كل حبيب إلى حبيبه، في ساعة يخلو الإنسان مع ربه، لينظر كم هي نعم الله اللامتناهية، قد أغدقت عليه بين هذا وذاك، وبين نسمة هواء تدخل البهجة للنفس، ينسل زائر غريب إلى داخل النفس، هو معها، ولكن يبدو غريباً عنها، هو يرافقها ولكن ينأى بنفسه إن رأى أنها لاتخاطبه، ولكنه يحوم حولها، فإذا سبحت في فضاء الدنيا أصبح هو القارب الذي يحملها، ويوسوس لها، فتضعف أمام إصراره وحيله لتجده هو المنقذ والمخلص، فيسير في أغوار اللامعقول ليوصلها إلى أعماق التيه والضياع، يُجمّل لها الدنيا، نعم، في تلك اللحظات أخذتني نفسي مع ذلك المجنون، لأتسأل من انا؟ ماذا حققت في هذه الدنيا؟ أتراني فعلاً أعيش في هذه الدنيا؟ ترى هل يشعر من حولي بوجودي؟ أفعلاً أنا أعيش وسط هذا العالم الذي يأخذ كل شيء مني ولا يعطيني اي شيء؟ ولِمَ أنا هكذا؟ وأخذت الأسئلة تنهش بي من كل مكان، حتى خُيّل لي أني وسط بحر متلاطم الأمواج، كل موجة تحمل معها ألف سؤال وسؤال، وهو يخاطبني ويحفزّني ويجمّل لي صورة اللامعقول ويرسم أمامي لوحة البهجة الكاذبة، بزخارفها الخداعة، حتى كدت أُرافقه وخيّل لي أنه منقذي، ومددت يدي ليصطحبني لعالمه الجميل، كما زينه لي، وكما جعلني لا أرى إلا عالمه، وهممت بالنهوض معه، وأنا فرحة أكاد أحلق في سماء البهجة والسرور، ولمّا هممْتُ بالنهوض وإذا بصوت يأتي إلى مسامعي يهتف لي: رويداً رويداً أيتها الفتاة، أهكذا ينسى الإنسان حبيبه؟! أهكذا يخذل المعشوق معشوقه؟! أهكذا يترك الرفيق رفيقه؟! فأُصبتُ بقشعريرة في بدني وارتجاف في مفاصل جسمي، ودقات قلب كادت أن تُخرج صاحبها من قفصه الصدري، وخاطبت نفسي: ماذا تريدين ان تفعلين؟ أهكذا جزاء من أراد بك خيراً وروضّك؟ مهلاً أيتها النفس الأمارة بالسوء، عودي إلى رشدك، واعلمي أن عطاء الله ليس له حدود. فاقنعي بما قسم لك، ولا تخسري الدنيا والآخرة. حنان ستار رواش

اخرى
منذ سنة
10451

صاحبوا عيالكم بالمعروف

إن الأسرة التي تبنى على أسس اسلامية بناء صحيحاً ستكون حصناً حصيناً للمجتمع. بل هي أمنع حصونه على الإطلاق لأنها تحصِّن الأفراد من الزلل. والإسلام يحافظ على هذا الحصن من الداخل بتحمّل المسؤولية الملقاة على عاتق الزوج والزوجة. قال تعالى: ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24]. إن البيت والأولاد أمانة ومسؤولية أمام الله عز وجل.. فالأمانات كثيرة وليست مقتصرة على الودائع فحسب وإنما لها مفهوم واسع كما بين القرآن الكريم. ومن ضمن هذه الأمانات: الزوجة والأولاد. إن الله عز وجل عرض الأمانة على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان. فقال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: 72]. أيها الأب إن التأسيس السليم للأولاد ليس لبناء جسم سليم فقط بل مع ذلك لابد من بناء قلب سليم , فتأسيس القلب الطائع لله يعود على سائر الجسم بسلامته . ومن الخطأ أن يعتقد الآباء أن مهمتهم تقتصر على تحمل الأعباء الاقتصادية فقط، فيهملون الجوانب التربوية الأخرى من تأديب وتربية ومصاحبة ومراقبة لأبنائهم. قال تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ﴾ [النساء: 11]. وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال: "لا يزال المؤمن يورث أهل بيته العلم والأدب الصالح حتى يدخلهم الجنة" ميزان الحكمة ج١ هناك البعض من الأزواج يكثرون من الأولاد وربما يكثرون من الزوجات، ولكنهم يسيؤون سياسة عائلاتهم. ويكون الاهتمام بأسرته آخر هواجسه. فهو يترك لزوجاته وأولاده الحبل على الغارب. لايسأل عن زوجته ولايهتم لمستقبل أولاده وإنما همه ملاذه وراحته. هناك الكثير من الآباء يرون أنهم يملكون الحق الأوحد، وأن الأبناء دائما على خطأ، فيشعر الأبناء أن آباءهم لا يملكون لغة الحوار والتفاهم معهم، وأنهم يسيؤون إليهم دائماً؛ وهو ما يحدث فجوة كبيرة بين الآباء والأبناء. عن رسول اللَّه( صلى الله عليه وآله ) قال: "أكرموا أولادكم وأحسنوا ادابهم يغفر لكم"ميزان الحكمة ج١ص٥٦ ثمة فئة من الآباء وبحجة التمسك بالدين، يحرمون على أولادهم ما يحلّلون لأنفسهم وذلك جهل بحقيقة الدين يحرمون ما أحل الله لعباده من ملذات ويجعلون من البيت سجناً مؤبداً للزوجة وللأولاد خاصة البنات. الإسلام لم يمنع من أخذ الزوجة والأولاد وترفيهم بما حلّل الله لأن الأصل في الإسلام الإباحة، فكل ما أنعم الله به على العبد محلل ومباح. ونعم الله لاتعد ولاتحصى، إلا ما ثبتت حرمته بالدليل لايجوز للأب أن يوفر لنفسه من راحة ونعيم ما لايوفرهما لزوجة وأولاده، إن أباً كهذا ليس أهلاً لأن يكون أباً، فإن هناك كثيراً من الأسر والمجتمعات تعاني من هذه المآسي ومن هذه الأوضاع والمشكلات اتجاه أولادها. إن أباً كهذا يدمر الأسس الأخلاقية والمفاهيم الدينية في الأسرة الإسلامية، وليتقِ الله أولئك الذين يضيقون على عيالهم باسم الدين.

اخرى
منذ سنة
9709