تشغيل الوضع الليلي

إني ذاهبٌ الى ربي سَيهدين (١)

منذ 7 أشهر عدد المشاهدات : 1378

مناجاة نفسٍ ولِدت للتوّ!

بقلم: كاردينيا ياس
الوقت: ليلة عيد الفطر المبارك
المكان: بقعة من بقاع الارض
الشخصيات: أمة ً لله تعالى تتحاور مع (نفسها)
___________________________
تبدأ الحوارية تحديداً عند لحظة أحست الأمَة فيها بتعب وحزن شديدين لِوهنٍ أصابَ الروح...
نعم، الروح التي جاهدت ولا تزال على أن تبقى قوية بل وكانت تترجى أن تكون أقوى من ذي قبل... بدخولها شهر الله الفضيل.. فأول أيامها كانت تأمل... وتعمل... ثم تخفق ثم تندم فتستغفر.. وترجو رحمة ربها أن يعفو عنها.. وتتالت الأيام والمواقف....توفيقٌ هنا... يداخله امتحان فتنجو بفضل من الله... وامتحانٌ هناك تستعد له فإذا به يتخلله توفيق فلا تجد قوة من داخلها لتمد يديها وتتمسك بالتوفيق... فتحبط قليلًا... وسرعان ما تتدارك نفسها بالقول: يا الله، عليك أتوكل في أموري كلها...
وإن لم أوفق فيما مضى،
سأدعو ربي وأسعى لرضاه فيما بقى...
إخفاقات... بعضها صغير وآخر كبير... تقلبات... في المزاج... سلام داخلي يتخلله حروب... بسبب غضبٍ وتسرّع أو أفكار من هنا وهناك تغزو البال فلا تتركه ينعمُ بالراحة... ليتوجه إلى ربه كما يجب...
علمًا أنها -الأمَة- كانت تستعين بتدبر آيات كتاب الله المجيد،
وأحاديث نبي الرحمة محمد (صلى الله عليه وآله)
وتتابع سيرتهم ما استطاعت وسيرة الصحابة والعلماء... مع متابعة ومحاسبة (للنفس) وما يستتبع ذلك من تعديل وتهذيب أفكار أو توبيخ وتأديب...
إلّا أن ما ألمّ بِها في تلك الليلة كان حقًا يستحق أن تتوقف عنده... فقد كثرت شكاوي النفس اللوامة من النفس الأمارة بالسوء... لِما ألحقت بالأولى مِن ما لا تكفيه ساعات للشكوى!
الأمَة... تضيق ذرعًا من (نفسٍ أتعبتها)
وعند الفجر... تقطع سيل الأفكار ما بين لومٍ وندم وعزم على المضي يُخالطه ألم...
نعم، ألمٌ يعتصر قلبها.. فهي بالكاد تتقدم شبرًا نحو حبيبها... بجهاد ومحاولات حثيثة لإبقاء العمل بقالب الإخلاص... فإذا بها ترجع باعًا...
وأثناء محادثة كتابية عبر الجوال مع أخت لها... طلبت منها أن تدعو لها بالقوة غير مفصّلةٍ لها ما وراء ذلك الطلب... تنهدت... وطأطأت رأسها.. فإذا بها تُباغِت (النفس) (التي كانت أشبه بِلصٍ... سرقَ للتوّ دارًا أهلها نِيام... مُتسحّبًا بكل هدوء لئلًا يوقظ أحدهم)...
يا نفس...
قفي من فضلكِ لحظةً لو سمحتِ
ماذا بكِ؟
أ يُخالُ لكِ أنكِ تستطيعينَ أن تُبددي وتضيّعي ما جمعتهُ، بِأيامٍ نحن فيها بضيافة الكريم؟
أوَ تجرئين على... سحبي إلى ما لا يُحمد عقباه؟
النفس: لِمَ كل هذا التوبيخ؟ لم يصدر شيء يستدعي كل هذا؟
الأمَة: أَ ترينَ ما تقولينه مقنعًا؟
أنتِ نفسكِ... لا أراكِ مقتنعة به!
النفس (ترد بتلعثم): لا، لا..
يُخيل إليك هذا..
إنه من ضعف البدن...
فَصيامٌ ومرضٌ وظروفٌ... تَحدث مثل هكذا خيالات..
تقاطعها الأمَة:
_صيام!
وهل الصيام يُضعف أم يقوي!
مرض!
وهل المرض يُبعّد أم يقرب العبد وربه!
ظروف!
وهل خُلقنا بدارِ راحة؟
هَي دار امتحانٍ، وبالمحك يظهر المعدن الحقيقي...
تَستدرك النفس القول: لا عليكِ.. وإن يكن.. فهل يستحق ذلك؛ كل هذا الجلد لي؟! أتعبتني معكِ.
الأمَة: بَل أنتِ مَن أتعبتني.. لِما لا تتركينني وشأني؟ أمّارةٌ بالسوءِ أنتِ، إلّا ما رحِم ربي؛ ... وتزفر رئتاها أنفاسًا مثقلة بالندم على ما وحده ربي يعلمه...
النفس: والآن؟ أسنبقى على هذه الحال؟ ونحن مقبلون على عيدٍ، و الناسُ تستقبله بفرح وتحضير سواء بملبسٍ أو مأكلٍ أو حجوزاتِ سفر.. وأنت تقبعين هنا.. ولا أرى منكِ ما يوافق أيام الفرح!
إني لكِ ناصحة... اذهبي وتمتعي وافعلي ما يحلو لكِ...
تبتسم النفس... وتتنفس الصعداء... بعد تعبٍ حين يلوح لها بارقة الأمل الذي يأخذ بمجامع قلبها ما أن تراه؛ وتُتمتم:
العيد.. نعم، العيد...
تداهمها النفس بالقول: إيهٍ... وأخيرًا سَمِعنا منكِ ما يُفرح، نعم... انطلقي. .. هيّا نحو كل ما يسعدك ويريحك، فالعيدُ آتٍ... العيد آتٍ!
الأمة (ترمق إليها بنظرة حادة وتجيبها): لا تستعجلي... فليس الأمر كما يبدو لكِ، ومع ابتسامة تعلو روحها قبل وجهها تكَمل:
(وكل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد" (1)
جُلّ ما سأسعى له بإذن الله في يوم العيد... هو السعي... نعم السعي الحثيث لتحصين نفسي مِما يلبسها جلباب المعصية...
ولا أضع بأولوياتي أن يكون المهم هو استعدادًا لخروج أو شراء مأكلٍ أو ملبسٍ، فكما اذكر من طفولتي أن (ثوب العيد) كان له بهجة ورائحة خاصة لا تُنسى! ولابأس بذلك... إن وجدَ.. لكن جلبابي غير الجديد مع الطاعة خيرٌ من جلباب جديد مع معصية قديمة متلازمة، لا تكاد تنفك عني... حتى مع مروري بحمام ملكوتي لشهري رجب وشعبان واستضافتي مِن قبل رب العزة بشهر رمضان المبارك...
واختفى صوتها.. ولم تكمل... فَخِتامٌ كلامها ظهرَ جليًّا باِنتفاضتها من مكانها، واستبدلت الكلمات... بخطواتٍ... خطوات مُتسارعة... وقلبٍ ينبض حبًّا أكثر من ذي قبل... لخالقهِ...
النفس (الأمارة): إلى أين؟!
الأمَة -تحثّ الخُطى ولا تكاد تصدّق ما تراه بعين قلبها-: ها قد رُزِقت بعد مخاضٍ طال َكثيراً... بمولودٍ مباركٍ، وأيّما مولود!
نفسٌ ولِدت للتوّ... خرجت من ظلماتِ الغفلة و الهوى و الشيطان...
واذا بها بدل َ أن تناغي ..
تُناجي...
نعم تُناجي ربها ...بحبٍ ، وتهيم في محضر قدسه مُرتلةً :
(إني ذاهب ٌ الى ربي سيهدينِ)
(إني ذاهب ٌ الى ربي سيهدينِ)
وإلى الآن لم يُسْمَع لها تلك (الأمارة) همسٌ و لا صوتٌ!
_____
(1) نهج البلاغة، قصار الحكم، حكمة رقم428، ص101.
(2) سورة الصافات آية 99.

اخترنا لكم

شبهاتٌ حول مذهب التشيع/ في التوحيد (10)

بقلم: علوية الحسيني إله الشيعة لا تمكن رؤيته فهو عدم تمهيد: أخذ المجسمة بالتشنيع على مذهب الشيعة الامامية؛ ظنًا منهم أنّ القول بجسمية الله تعالى ولوازمها هي العقيدة الحقة، وبعيدًا عن الانحياز إلى مذهبٍ دون آخر سوف نبيّن عقيدة كلا المذهبين، واللوازم المترتبة عليها عقلًا ونقلًا، وعندئذٍ يتضح لأولي الألباب المذهب الحق. يذكر أنّ الشيعة الامامية قالوا بتنزيه الله تعالى عن كل الصفات السلبية، وأوجبوا سلبها عن الله تعالى؛ بتأويلها، فمنعوا عن الله تعالى الرؤية والمكان والشريك والجسم، بخلاف بعض المذاهب الأخرى التي أجازت تلك اللوازم عليه سبحانه (جلّ جلاله). وهنا مطالب: المطلب الأول: عقيدة الشيعة في رؤية الله تعالى. تعتقد الشيعة الامامية تبعًا لأهل البيت (عليهم السلام) أنّ رؤية الله تعالى ضرورية لترسيخ الإيمان (1)، فالعبادة بدون رؤية ليست عبادة حقيقية، لكن هذه الرؤية ليست الرؤية البصرية التي اعتقد بها بعض من خالفنا في العقيدة، بل هي الرؤية القلبية، استنادًا إلى أدلة عقلية ونقلية نزّهت الله تعالى عن الرؤية البصرية في الدنيا والآخرة. وليس كلّ ما لا يمكن رؤيته بالبصر فهو عدم؛ وكفى بالروح مثالًا، فلا عاقل يقول بعدمها رغم عدم إمكان رؤيتها. وما امتازت به الشيعة الامامية عن سائر المذاهب هو التأويل، وهذا ما تصدح به كتبنا، فمتى ما صادفنا نص ظاهره يثبت الرؤية البصرية وجب تأويله؛ تنزيهًا لله سبحانه وتعالى علوًا كبيرًا عن ذلك الظاهر. وعليه، لو تعارض ظهور الآيات مع الدليل العقلي القائل بتنزيه الله تعالى عن الرؤية، فيؤخذ بالدليل العقلي؛ لأنّه بمثابة القرينة المتصلة في علم التفسير، والقرينة تقدّم على ذي القرينة، فيقدّم الدليل العقلي على ذلك الظهور، ويُؤول الظهور بما ينفي عن الله تعالى أي نقص محتمل، كالجسمية التي هي لازم من لوازم الرؤية البصرية. ولتتضح الصورة نقول: أولًا: وجه امتناع رؤية الله تعالى عقلًا: 1/لو أمكن رؤيته تعالى لهيمنت عليه أبصارنا وأحاطت به فيكون الرائي (نحن المخلوقات) أقوى وأكمل من المرئي (الله سبحانه) وهذا باطل عقلاً؛ إذ جميعنا يشهد على نفسه بالافتقار إليه تعالى فكيف تنقلب الموازين هنا بجعل الله تعالى محدودًا تحده أبصار مخلوقاته! 2/لو كان الله تعالى مرئيًا لكان في جهة، والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. *بيان بطلان المقدم: (لو كان تعالى مرئيًا) إنّ الرؤية إمّا أن يكون المرئي فيها مقابلاً للرائي مباشرةً، كنظرنا إلى بعضنا. وإما أن يكون المرئي بحكم المقابل للرائي، أي بالواسطة، كنظرنا إلى المرآة التي تعكس صورتنا، فالصورة في المرآة بحكم الشيء المقابل نظرًا. والرؤية بكلا صورتيها محالة على الله تعالى. *بيان بطلان التالي: (لكان في جهة). الجهة هي مقصد المتحرك، ومتعلق الإشارة الحسية، فهي حيزٌ للشيء، وكلّ متحيّز محدود، والحد من صفات المخلوق لا الخالق، فامتنع كونه تعالى في جهة. ثانيًا: وجه امتناع رؤية الله تعالى نقلًا: 1/قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير} (2)، أخبرنا سبحانه أنّه لامثيل له حتى نجري قانون الرؤية عليه -وسائر ما ينطبق على المخلوقات-، فالعين لا تدرك الاّ الأجسام أو صور الأجسام، والله تعالى ليـــس بجسمٍ ولا صورة جسمٍ حتى تحيط أعيننا به. 2/قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي} (3)، فحرف (لن) يفيد التأبيد لغةً، فجاء نفي الله تعالى لرؤيته مؤبدًا -دنيا وآخرة، للنبي ولغيره-. ثالثًا: عبارات توحي بإمكان الرؤية البصرية. في تراث الشيعة الامامية هناك مقاطع من أدعية محمد وآل محمد (عليهم السلام)، أو من مناجاتهم، توحي للقارئ بإمكان رؤية الله تعالى بصريًّا، من قبيل: ما جاء في مناجاة الراغبين: "والزلفى لــديك، والتمتع بالنــظر إليك"، وما جاء في مناجاة المُحبّين: "واجتبيته لـمشاهدتك"، وما جاء في مناجاة المُتوسلين: "وأقررتَ أعينهم بالـنظر إليك يوم لقائك"، وما جاء في مناجاة المُفتقرين: "وشوقي لا يبله إلاّ النظر في وجـهك"، وما جاء في مناجاة الذّاكرين: "ولا تسكن النفوس إلاّ عند رؤيـاك"، وما جاء في مناجاة الزّاهدين: "وأقرر أعيننا يوم لقائك برؤيتك"، وغيرها كثير... وكل ما في هذه العبارات ينصرف إلى الرؤية الفؤاديّة، وليس الرؤية بالبصر وبالعين الباصرة؛ تأويلًا. فالإنسان المؤمن إذا وصل إلى أعلى مراتب الإيمان بحيث حصل له القطع واليقين والعلم المتين بــوجود الخالق العظيم من خلال الآثار والحقائق والآيات الدالة عليه سوف يرى الله تعالى -بقلبه المُـذعن، الـخالي عن الماديات، الصـافي من الشكوك والأوهام والترهات- رؤية نورانيّة معنوية. المطلب الثاني: عقيدة المجسِّمة في رؤية الله تعالى تعتقد المجسمة والمشبهة والكرامية بإمكان، بل بوجوب رؤية الله تعالى رؤية بصرية؛ لجمودهم على ظاهر النصوص القرآنية، والابتعاد عن نهج سادة التوحيد محمد وآل محمد (عليهم السلام)، وهذا ما أدى بهم إلى الاعتقاد بكونه تعالى جسمًا، وكلّ جسمٍ مرئي، إذًا ممكن رؤية الإله عندهم. ولتتضح الصورة نقول: أولًا: امكان رؤية الله تعالى عقلًا ذكروا أدلة على ذلك من قبيل: 1/إنّ الوجود مشترك معنوي بين الواجب والممكن، فإذا كان المنشأ هو الوجود، لا فرق حينئذ في جواز الرؤية بين تعلقها بالممكن أو الواجب، فيلزم من ذلك إمكان رؤية الباري عز وجل" (4) وهذا ما استدل به الأشاعرة. ويرد: بأنّ أبا الحسن الأشعري يقول بالاشترك اللفظي (5) وإنّه يقول بعدم زيادة الوجود عن الماهية وأنّ الوجود هو نفس الماهية (6). ثمّ أنّ الوجود وإن كان مشتركًا معنويًا إلاّ أنّ حقيقته ذات مراتب طولية مشككة، وما به الاشتراك عين ما به الامتياز؛ فلابدّ من خصائص تميّز وجود الواجب عن وجود الممكن. 2/ دليل الوجود: "أنّ كل موجود فلابد وأنْ تكون رؤيته ممكنة، وأنّ ما لا يمكن رؤيته فلا يمكن أنْ يكون موجودًا. قال الإيجي في المواقف: وهو طريقة الشيخ [أبي الحسن الأشعري إمام الأشاعرة]، والقاضي [أبي بكر الباقلاني وأكثر أئمتنا]" (7). ثانيًا: امكان رؤية الله تعالى نقلًا ننقل بعض كلماتهم وما رووه في هذا المجال: 1/ يقول عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتابه السنة: حدثني أبي، حدثنا أبو المغيرة الخولاني، حدثنا الأوزاعي، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، قال : إن الله (عز وجل) إذا أراد أن يخوف عباده أبدى عن بعضه إلى الأرض فعند ذلك تزلزل وإذا أراد أن تدمدم على قوم تجلى لها" (8). وأخرج الخبر بنفس هذا المضمون الطبراني في كتاب السنة حسب نقل ابن تيمية عنه في فتاواه الكبرى، يقول ابن تيمية: "لا يقال في صفات الله لفظ البعض، فهذا اللفظ قد نطق به أئمة الصحابة والتابعين وتابعيهم ذاكرين وآثرين، قال أبو القاسم الطبراني في كتاب السنة: حدثنا حفص بن عمرو، حدثنا عمرو بن عثمان الكلابي، حدثنا موسى بن أعين، عن الأوزاعي" (9) إلى آخر الخبر. 2/ التجلي الخنصري! ويستمر تشويه التوحيـد من قبل عقيدة بني التجسيم، إنّ إلــههم تجّلى للجبل بمقدار الخنصـر! أخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في السنة حيث قال: حدثني خلاد ابن اسلم، حدثنا النضر بن شميل أنبأنا حماد يعني ابن سلمة، حدثنا ثابت، عن يروي بن مالك، عن رسول الله (صلى الله عليه (وآله) وسلم): انه قرأ هذه الآية ( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا ) قال: تجلى بسط كفه ووضع إبهامه على خنـصره" (10). 3/ ويستمر التشويه العقدي، حتى يصل الأمر إلى أن تحد رؤية الإله بالزمان، وبالتفاوت بين جنسٍ وآخر، فيراه المؤمنون أكثر من المؤمنات! لعمري لم أعلم أنّ قاعدة للذكر مثل حظ الانثيين جارية حتى في رؤية إلههم! أخرج الدار قطني، عن أنس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم): "إذا كان يوم القيامة رأى المؤمنون ربهم (عز وجل) فأحدثهم عهدًا بالنظر إليه في كل جمعة، ويراه المؤمنات يوم الفطر ويوم النحر" (11). ثالثًا: ما يشكل على عقيدة المجسمة 1/ عقلًا: أ- إذا كان لله تعالى أبعاض لكان مركبًا! فررتم من نسب الجوارح له بكلفتكم -بقولكم بلا كيف-، والآن حصحص الحق فأزلّ الله تعالى ألسنتكم بنطق شيخ التجسيم ابن تيمية حينما قال: إنّ الإله يتجلّى بعضه! تكاد السماوات تقع على الأرض من عقيدتكم يا قوم، فكيف بتلفظّكم ودفاعكم عن هذا الكفر الصريح؟! وطالما كان الإله مركبًا إذًا هو محتاج، والاحتياج نقصٌ، والنقص من صفات الممكن دون الواجب. وبذا صيرتموه جــوهرًا، والجوهر حادثٌ؛ بدلالة عدم خلّوه من الحوادث، فكل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث. ب- إنّ القول بالرؤية البصرية لله تعالى هي إحاطة منّا به سبحانه، فيحيط المحاط بالمحيط، وهذا باطل عقلًا. 2/ نقلاً: أ- قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير} (12) فالنفي الوارد في الآية واضح؛ معللاً سبحانه بالسبب من عدم رؤيته تعالى بأنّه هو الذي يدرك الأبصار ويحيط بهم حيث هو خبير بشؤون أصحاب الأبصار، وليس العكس. ب- قوله تعالى: {فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِم} (13)، وقال تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا ۗ لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرا} (14). فلو كانت رؤية الله تعالى مشروعة لما سلّط عليهم العذاب، وذمَّ فعلهم. _________________________ (1) من كلام لأمير المؤمنين (عليه السلام) حينما سأله ذعلب اليماني فقال: هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟ فقال (عليه السلام): أ فأعبد ما لا أرى؟ فقال: وكيف تراه؟ فقال: لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القــلوب بــحقائق الايمان. (2) الشورى: 11. (3) الأعراف: 134. (4) شرح المواقف: للايجي، ج8، ص 139. (5) شرح المقاصد: للتفتازاني ج، 1 ص 307. (6) المواقف 48 (7) المصدر نفسه، 302. (8) كتاب السنة: لأحمد بن حنبل، ج2، ص 470، ح1069. (9) الفتاوى الكبرى: لابن تيمية، ج5، ص 87. (10) كتاب السنة: لأحمد بن حنبل، ج2، ص 525، ح 1205. (11) الدر المنثور: للسيوطي، ج6، ص293. (12) الأنعام: 103. (13) النساء: 153. (14) الفرقان: 21. وَسُبْحانَكَ اللّهُمَّ طَوَتِ الْأَبْصارُ في صُنْعِكَ مَديدَتَها، وَثَنَتِ الْأَلْبابُ عَنْ كُنْهِكَ أَعِنَّتَها، فَأَنْتَ الْمُدْرِكُ غَيْرُ الْمُدْرَكِ، وَالْمُحيطُ غَيْرُ الْمُحاط.

العقائد
منذ 4 أشهر
939

الإنتقاص مِن الشـعائر الحُسينيـّة

تعالت أصواتُ قيلٍ باطلة مثل سالفها، اقتبسوا جهالات مِن جهّال، وأضاليل مِن ضُلاّل، فنصبوا للناس أشراكاً مِن حبائل مِن قولِ زور، عطفوا الحقّ على أهوائهم، اعتزلوا البدع وبينها اضطجعوا، ينادون تارةً بإغلاق المواكب الحسينيّة، وتارةً بعدم مشاركة المتجاهرين بالذنب في احياء الشعائر، وتارةً بالتشكيك بصحة الشعائر، وتارةً بصرف مال المواكب الحسينيّة على احتياجات محافظات اخرى مِن البلد ! فظنّ هؤلاء أنّ الرجولة تتمثل في التملص من الخدمة الحسينيّة والمطالبة بتوفير ذلك المال المعدّ للخدمة فيها وصرفه على المحافظات لتوفير الماء والكهرباء لها ! – هذا إن كانت لديهم نخوة وطنيّة فعلاً؛ لأنّ هكذا ترّهات هدفها واضح للجميع. أغاب عن اولئك أنّ الشعائر الحسينيّة لــو منع أهل الأرض منها لــنزل أهل السماء وأحيوها، فجميعنا قد طرقت سمعه الروايات المبيّنة لحال الملائكة التي تنزل شعثاً غبراً لتطوف بقبر الحسين (عليه السلام) وتقيم الشعائر. روي "عن يونس عن الإمام الرضا (عليه السلام): من زار قبر الحسين (عليه السلام) فقد حج واعتمر. قال: قلت: يطرح عنه حجة الإسلام؟ قال: لا، هي حجة الضعيف حتى يقوى ويحج إلى بيت الله الحرام، أما علمتَ أنّ البيت يطوف به كل يوم سبعون ألف ملك، حتى إذا أدركهم الليل صعدوا ونزل غيرهم، فطافوا بالبيت حتى الصباح، وإنّ الحسين (عليه السلام) لأكرم على الله من البيت، وأنّه في وقت كل صلاة لينزل عليه سبعون ألف ملك، شعث غبر لا تقع عليه النوبة إلى يوم القيامة"(1). فيتضح لنا أنّ المحارب للشعائر الحسينيّة لا يخلو مِن أن يكون : 1) جاهلاً مغروراً كــالذي ينشر الشبهات التي يثيرها الاعداء . 2) طامعاً مُعادياً كــالذي يهدف إلى تمزيق وحدة أبناء المذهب. روي عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) أنّه قال : (قصم ظهري رجلان: جاهلٌ متنسّك وعالمٌ متهتّك)(2) وكلاهما لا شكّ مُحاسب؛ لــكون الاول لم يتعلم ولم يتأكد من صحة ما اُلقي عليه من شبهات فـأسرع في نشرها, وقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) والحرمة تشتد اذا كان القوم الذين يصيبونهم هم أهل بيت النبوة (صلوات ربي عليهم أجمعين) . وأمّا الثاني فـــلكون العالم المتهتك جاحداً بالحق رغم معرفته به قال تعالى: ( َوجَحَدُوا بِها واستَيقنَتها انفُسَهم ظُلماً وَعُلواً فانظُر كَيفَ كانَ عاقبةُ المُفسِدِين) وذيل الآية يشير إلى الله تعالى سيعاقب الجاحد المفسد. روي انّه "سأل عبد الله بن رياح القاضي أعمى عن عمائه فقال : كنت حضرت كربلاء وما قاتلت فنمت فرأيت شخصاً هائلاً قال لي أجب رسول الله [صلى الله عليه وآله] فقلت : لا اطيق ! فجرّني إلى رسول الله [صلى الله عليه وآله] فوجدته حزيناً وفي يده حربه وبسط قدامه نطع وملك قبله قائم في يده سيف من النار فيهم فتحرقهم ثم يحيون ويقتلهم ايضاً هكذا فقلت : السلام عليك يا رسول الله والله ما ضربت بسيف ولا طعنت برمح ولا رميت سهماً. فقال النبي [صلى الله عليه وآله]: ألستَ كثـّرتَ السواد ؟ فسلمني وأخذ من طست فيه دم فكحلني من ذلك الدم فاحترقت عيناي فلما انتبهت كنت اعمى"(3). وهـــذا معــناه : أنّ هذا الرجل لم يكن راضياً بالمجيء والمشاركة في قتل الإمام الحسين (سلام الله عليه) ولكـــنه كان يخاف نقمة ابن زياد ففكر أن يذهب ولا يمارس أي فعل، بل يكتفي بمغادرة الكوفة والحضور في كربلاء مقر العسكر ولكن معتزلاً القتال. فهو لم يحمل على أحد سيفاً، ولم يطعن برمح، ولم يرم بنبل، أي لم تتلوّث يده ، ولكنّه مع ذلك لقي ذلك العقاب الأليم . فإذا كان هذا حال من مثله فكيف بمن شــارك في قتل الامام أو حــارب شعائره من بعده؟! النظرة الفقهيّة للموضوع : تصدّى فقهاؤنا العظام لمَن يحاول اضلال الآخرين عقدياً، فجاءت فتوى المرجعية العليا بحرمة ذلك، كما نصت في منهاجها: "يُــحرم حـفظ كتب الضلال، ونشـرها، وقرائتـها، وبـيعها، وشرائها مـع احتمال ترتب الضلال لنفسه أو لغيره(4). والمقصود بكتب الضلال ما يشتمل على العقائد والآراء الباطلة سواء كانت مخالفة للدين أو المذهب. فالحرمة هنا منوطة بالتأثر وقصد التأثير على الآخرين بنقل ما هو مخالف عقدياً. وفي سؤالٍ مفاده: "هل يجوز مشاهدة قناة فضائية ضالة من الناحية العقائديّـة؟ كان الجواب: يجوز إذا وثق من نفسه عدم التأثر بالكلام الباطل المضل"(5). أيضاً هنا لم يكن الحكم مطلقاً، بل قيّد بالوثوق من التأثر وعدمه. النظرة القانونيّة للموضوع: القانون الوضعي بدوره أيضاً تعرّض لذلك وعدّ تصرّف التشكيك أو التقليل مِن شأن الشعائر الدينيّة جريمة، وبإمكان كلّ مَن مسّت شعائره بسوء تقديم دعوى قضائية ضد مَن انتهكها. وقد نصّ القانون على ما يلي: "يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات، أو بغرامة لا تزيد على ثلثمائة دينار[وتقديرها بالثمن الحالي يرجع إلى الخبير القضائي]: 1 – مَن اعتدى بإحدى طرق العلانية على معتقد لإحدى الطوائف الدينيّة، أو حقَّر من شعائرها. 2 – مَن تعمَّد التشويش على اقامة شعائر طائفة دينيّة، أو على حفل، أو اجتماع ديني، أو تعمَّد منع أو تعطيل اقامة شيء من ذلك. 3 – مَن خرَّب، أو أتلف، أو شوَّه، أو دنَّس بناءً معداً لإقامة شعائر طائفة دينيّة، أو رمزاً، أو شيئاً آخر له حرمة دينيّة. 4 – مَن طبع ونشر كتاباً مقتبساً عند طائفة دينيّة إذا حرَّف نصه عمداً تحريفاً يغيِّر من معناه، أو إذا استخفَّ بحكم من أحكامه، أو شيء من تعاليمه. 5 – مَن أهان علناً رمزاً، أو شخصاً هو موضع تقديس أو تمجيد او احترام لدى طائفة دينيّة. 6 – مَن قلَّد علناً ناسكاً، أو حفلاً دينيا بقصد السخرية منه"(6). فاتقوا الله يا قوم ولا تتعلقوا بحنادسِ الجهالة ومهاويِّ الضلالة. _____________________ (1) كامل الزيارات، ص 159، بحار الأنوار: 98/ 40. (2) منية المريد: ١٨١، غرر الحكم: ٩٦٦٥ نحوه، بحار الأنوار: ٢ / 111 / 25. (3) البحار: 45 / 303. (4)منهاج الصالحين، للسيّد السيستانيّ: 2/ م٣٦. (5) نص جواب استفتاء في الموقع الالكتروني للسيّد السيستانيّ. (6) قانون العقوبات العراقي المعدّل رقم 111/ م372 الجرائم التي تمس الشعور الديني، ف1-6. أعاذنا الله تعالى وإيّاكم مِن سبات العقل وقبح الزلل، والحمدُ لله المتفرد بالأزل، وصلِ اللّهم على محمّدٍ وآله أفضل الكل. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنة
2736

من بركات القرآن

لا تجد كتاباً في هذه الدنيا أكثر بركةً ونفعاً للإنسانية كلِّها من القرآن الكريم، هذا الكتاب الذي شاء الله تبارك وتعالىٰ أن يجعله خالداً إلىٰ يوم القيامة من دون أن تمسَّه يد التحريف، وهذه من أهمّ الميزات التي تميَّز بها القرآن الكريم عن غيره من الكتب السماوية المنزلة. إنَّ من يجالس هذا الكتاب العظيم، فإنَّه لن يُعدَم الفائدة أبداً، فمُجالِسه في زيادة مستمرَّة. يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «اعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لَا يَغُشُّ، وَالْهَادِي الَّذِي لَا يُضِلُّ، وَالمُحَدِّثُ الَّذِي لَا يَكْذِبُ، وَمَا جَالَسَ هَذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلَّا قَامَ عَنْه بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، زِيَادَةٍ فِي هُدىٰ أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمىٰ»(1). إنَّه يُمثِّل الغنىٰ المطلق، الذي غفل عن غناه الكثير من الناس، فإنَّ الروايات تؤكِّد أنَّ من كان عنده القرآن، فهو من أغنىٰ الناس، ومن ذلك ما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «... ومن أُوتي القرآن فظنَّ أنَّ أحداً من الناس أُوتي أفضل ممَّا أُوتي فقد عظَّم ما حقَّر الله وحقَّر ما عظَّم الله»(2). إنَّ قلوبنا لتصدأ كما يصدأ الحديد، لسبب وآخر، فالهموم في الحياة، والذنوب التي نحتطبها بإرادتنا واختيارنا، والتصـرُّفات اللا مسؤولة التي تصدر منّا، والألفاظ التي نرمي بها من دون تروٍّ ولا حكمة، وغيرها كثير، أُمور تؤدّي إلىٰ أن يُصاب القلب بالصدأ، والرين، والغفلة، وقد ينتكس! لذلك، احتجنا أن نعمل علىٰ جلاء قلوبنا بمجلاة باستمرار، وليس هناك كمثل القرآن مجلياً لها. روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: «إنَّ القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد»، قيل: فما جلاؤها يا رسول الله؟ قال: «كثرة تلاوة كتاب لله تعالىٰ، وكثرة الذكر لله »(3). هناك أسباب كثيرة قد تعمل في قلوبنا أعمالاً تجعل منه كالحجارة، وربَّما أشدّ، وليس هناك ما يمكنه أن يُليِّنها كالقرآن الكريم، إذ هو جلاء الصدور وشفاء لها من كلِّ داء، ومن هنا، ورد عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: «الغناء واللهو ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء العشب، والذي نفسـي بيده! إنَّ القرآن والذكر لينبتان الإيمان في القلب كما ينبت الماء العشب»(4). وإذا أردت أن تجعل النور في بيتك، فما عليك إلَّا أن تتلو القرآن فيه، ليُزهِر لأهل السماء كأحلىٰ وأجمل ما يكون النور. يقول الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) : «نوِّروا بيوتكم بتلاوة القرآن، ولا تتَّخذوها قبوراً كما فعلت اليهود والنصارىٰ، صلّوا في الكنائس والبيع وعطَّلوا بيوتهم، فإنَّ البيت إذا كثر فيه تلاوة القرآن كثر خيره، واتَّسع أهله، وأضاء لأهل السماء كما تضيئ نجوم السماء لأهل الدنيا»(5). ___________________ (1) نهج البلاغة: 252/ الخطبة: 176. (2) الكافي للكليني 2: 604/ باب فضل حامل القرآن/ ح 5. (3) كنز العمّال للمتَّقي الهندي 2: 241/ ح 3924. (4) كنز العمّال للمتَّقي الهندي 15: 221/ ح 40670. (5) الكافي للكليني 2: 610/ باب البيوت التي يُقرأ فيها القرآن/ ح 1. من كتاب قطاف شهر رمضان/ صفحة (٩٧-٩٩) الشيخ حسين عبدالرضا الاسدي

اخرى
منذ سنة
1098

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
25498

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
25468

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
25446

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
25384

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنة
11770

تأملات فتاة

تأملات فتاة في جوف الليل بعد أن هدأت الأنفاس وعاد كلٌّ إلى مكانه الذي يشعر فيه بالأمان والراحة، وبعد أن هدأت زقزقة العصافير وآوت إلى أعشاشها وانسل كل حبيب إلى حبيبه، في ساعة يخلو الإنسان مع ربه، لينظر كم هي نعم الله اللامتناهية، قد أغدقت عليه بين هذا وذاك، وبين نسمة هواء تدخل البهجة للنفس، ينسل زائر غريب إلى داخل النفس، هو معها، ولكن يبدو غريباً عنها، هو يرافقها ولكن ينأى بنفسه إن رأى أنها لاتخاطبه، ولكنه يحوم حولها، فإذا سبحت في فضاء الدنيا أصبح هو القارب الذي يحملها، ويوسوس لها، فتضعف أمام إصراره وحيله لتجده هو المنقذ والمخلص، فيسير في أغوار اللامعقول ليوصلها إلى أعماق التيه والضياع، يُجمّل لها الدنيا، نعم، في تلك اللحظات أخذتني نفسي مع ذلك المجنون، لأتسأل من انا؟ ماذا حققت في هذه الدنيا؟ أتراني فعلاً أعيش في هذه الدنيا؟ ترى هل يشعر من حولي بوجودي؟ أفعلاً أنا أعيش وسط هذا العالم الذي يأخذ كل شيء مني ولا يعطيني اي شيء؟ ولِمَ أنا هكذا؟ وأخذت الأسئلة تنهش بي من كل مكان، حتى خُيّل لي أني وسط بحر متلاطم الأمواج، كل موجة تحمل معها ألف سؤال وسؤال، وهو يخاطبني ويحفزّني ويجمّل لي صورة اللامعقول ويرسم أمامي لوحة البهجة الكاذبة، بزخارفها الخداعة، حتى كدت أُرافقه وخيّل لي أنه منقذي، ومددت يدي ليصطحبني لعالمه الجميل، كما زينه لي، وكما جعلني لا أرى إلا عالمه، وهممت بالنهوض معه، وأنا فرحة أكاد أحلق في سماء البهجة والسرور، ولمّا هممْتُ بالنهوض وإذا بصوت يأتي إلى مسامعي يهتف لي: رويداً رويداً أيتها الفتاة، أهكذا ينسى الإنسان حبيبه؟! أهكذا يخذل المعشوق معشوقه؟! أهكذا يترك الرفيق رفيقه؟! فأُصبتُ بقشعريرة في بدني وارتجاف في مفاصل جسمي، ودقات قلب كادت أن تُخرج صاحبها من قفصه الصدري، وخاطبت نفسي: ماذا تريدين ان تفعلين؟ أهكذا جزاء من أراد بك خيراً وروضّك؟ مهلاً أيتها النفس الأمارة بالسوء، عودي إلى رشدك، واعلمي أن عطاء الله ليس له حدود. فاقنعي بما قسم لك، ولا تخسري الدنيا والآخرة. حنان ستار رواش

اخرى
منذ سنة
11202