تشغيل الوضع الليلي

دور الإمام الصادق (عليه السلام) في ترسيخ العقيدة المهدوية ووظيفة الخطيبة في ترسيخ الفكر العقيدي في المجتمع (الحلقة الأولى)

منذ 6 أشهر عدد المشاهدات : 1492

بقلم: دينا فؤاد
(ونُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) سورة القصص آية (5)
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين أبي القاسم محمد وآله الغر الميامين.
أما بعد...
إن القضية المهدوية قد أخذت جانبًا كبيرًا من اهتمام الباحثين والمفكرين في قضايا العصر، وبالذات في العالم الإسلامي خصوصًا بعد محاولات الدس العديدة من قبل المشككين سواء كانت من قبل المسلمين أو غيرهم.
ومن هنا كان الواجب إثراء هذه الساحة بالمؤلفات والبحوث التي تدحض هذه الدسائس وإظهار زيفها في وسط الشارع الإسلامي وبالأخص في الوسط الشيعي خصوصًا بعد قيام البعض بدس الشبهات حول مصداقية العقيدة المهدوية في هذا الوسط، ولهذا ينبغي علينا محاربة هذه الشبهات من خلال التأكيد على أن العقيدة المهدوية ليست مجرد فرضية عقلية، أو أنها توهمات نفسية يتوهمها البعض، بل هي قضية خارجية، لأن صاحبها موجود بالفعل ووجوده مرتبط بباقي الأئمة والذين ينتهون في ارتباطهم إلى السماء، فالله سبحانه هو الذي أوجدهم وأمر نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) بالنص عليهم، وقيام كل واحد منهم (عليهم السلام) بالنص على باقي الأئمة عند توليه منصب الإمامة، والتعريف بهم، وبالأخص التعريف بالإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف).
ومحور بحثنا عن تعريف الإمام الصادق (عليه السلام) بالقضية المهدوية وترسيخ هذه العقيدة في المجتمع، ومن هنا كان انطلاق البحث ليكون بعنوان:
دور الإمام الصادق (عليه السلام) في ترسيخ العقيدة المهدوية ووظيفة الخطيبة في ترسيخ الفكر العقيدي في المجتمع.
وقد قسمت بحثي إلى ثلاثة محاور:
المحور الأول: دور الإمام الصادق (عليه السلام) في التعريف بالعقيدة المهدوية.
المحور الثاني: دور الإمام الصادق (عليه السلام) في التصدي للشبهات الطاحنة بالعقيدة المهدوية.
المحور الثالث: دور الخطيبة في ترسيخ الفكر العقيدي في المجتمع.

مفهوم دور الإمام الصادق (عليه السلام) في ترسيخ العقيدة المهدوية في اللغة والاصطلاح
الدور في اللغة:
(هو مجموعة من المسؤوليات والأنشطة والصلاحيات الممنوحة لشخص أو فريق ويتم تعريف الدور في عملية، ويمكن لشخص أو فريق أن يكون له عدة ادوار). (1)
الدور اصطلاحًا: (هو السلوك الذي يقوم به الفرد في المركز الاجتماعي الذي يشغله). (2)
كما يعرف الدور أيضا بأنه: (مجموعة من الأفعال التي يقوم بها الفرد ليؤكد احتلاله المركز). (3)
وأما الإمام الصادق (عليه السلام) فهو غني عن التعريف، ومع ذلك سنتعرض في بحثنا هذا إلى ذكر نبذة مختصرة عنه.
ومعنى الترسيخ لغة: ([ر-س-خ].(مصدر رسخ): ترسيخ الفكرة في الذهن:- تثبيتها)(4).
فالإمام الصادق (عليه السلام) قام بترسيخ الأفكار والقواعد الصحيحة حول القضية المهدوية، وذاك من خلال التمهيد لظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه) والتعريف به، وذكر النصوص المفصلة عنه.
والعقيدة لغة: (العقد: الجمع بين أطراف الشيء، ويستعمل ذلك في الأجسام الصلبة كعقد الحبل، وعقد البناء، ثم يستعار ذلك للمعاني نحو: عقد البيع، والعهد، وغيرهما، كقوله تعالى: {عقدت ايمانكم} (5). (6)
والعقيدة اصطلاحًا: (هو ما يقصد به الاعتقاد دون العمل، أو هي الجانب النظري الذي يطلب به إيمانًا لا تؤثر فيه شبهة، كعقيدة وجود الله وبعثة الرسل). (7)
إن العقيدة المهدوية هي قضية بحد ذاتها كالقضية الحسينية، ولكن الفرق بينهما أن القضية الحسينية كانت تمهيدًا للقضية المهدوية من خلال الترابط في الإصلاح وغيره، ولكن اﻹصلاح مرتبط بصورة خاصة بالإمام المهدي (جعل الله فرجه الشريف) كما ارتبط بسيد الشهداء (عليه السلام)، فهو الذي يطلق عليه المصلح والمنقذ الذي يخرج ليملئ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا.
والقضية المهدوية تحتاج إلى ترسيخ عقيدي لدى الموالين وخصوصًا في زمن الإمام الصادق (عليه السلام) والذي كثر في زمنه المغالون والمشككون والمنافقون، وهذه القضية بالذات احتاجت إلى التوضيح وفي نفس الوقت إلى التأكيد؛ لأنها قد لاقت الإشكاليات العديدة سواء كانت من أبناء العامة أو من أبناء الخاصة المتوقفين على عدد معين من الأئمة.
نبذة مختصرة عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)
هو الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي السجاد بن الإمام الحسين سيد الشهداء بن الإمام علي بن أبي طالب (عليهم السلام).
ولد في المدينة المنورة في السنة الثمانين من الهجرة الشريفة (8)، وكان مضي روحه الشريفة إلى بارئها في العام (١٤٨) من الهجرة، في عمر الخامسة والستين. (9)
وهو خليفة أبيه الباقر (عليه السلام) ووصيه وأيضًا القائم من بعده بالإمامة (10)
وكان من أعبد أهل زمانه وأفضلهم، حتى أن علماء السيرة قالوا عنه: بأنه قد انشغل عن طلب الرئاسة بالعبادة، والذي ينظر إليه يعلم بأنه من سلالة النبيين. (11)
لقب بالصادق، وأيضًا بالصادق الأمين كجده المصطفى (صلوات الله عليه وآله)، وقيل في سبب تسميته بالصادق لصدق حديثه، وقيل: تمييزًا له عن أخ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) والذي لقب بالكذاب لادعائه الإمامة بغير حق كما رواه الشيخ الصدوق، (12) وقيل: لم يكن عليه زلل قط ولا تحريف. (13)
ولقد تميز الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) عن إخوته وبرز عليهم بالعلم والفضل، فقد كان أعظمهم في القدر وأنبههم في الذكر وأجلهم في الأمور العامة والخاصة، وكانت له الدلالات والبراهين الواضحة على إمامته التي انبهرت بها القلوب وأخسرت لها ألسن المخالفين. (14)

المحور الأول: الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) والعقيدة المهدوية
لقد فُتح المجال أمام الإمام الصادق (عليه السلام) لكي يعرّف بالإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) أكثر من باقي الأئمة (عليهم السلام)، بسبب الجوانب السياسية التي عاصرها الإمام من انتهاء الحكم الأموي وابتداء الحكم العباسي والتي بدورها ألهت الحكام في ذلك العصر عنه، وفسحت له المجال لكي يرتقي منبر الرسول (صلى الله عليه وآله) ويظهر العلوم المتنوعة والتي أصبحت مقصدًا للكثير من الطالبين لتلك العلوم.
حتى أن عدد الذين كانوا يحضرون دروسه بلغ أربعة آلاف بين فقيه ومفسر ومحدث. (15) وهذا ما ساعد الإمام أن يتكلم ويبشر بكل ما يتعلق بالإمام المنتظر المهدي وترسيخ عقيدته لدى الناس وخصوصًا الموالين من الشيعة.
والترسيخ من قبل الإمام الصادق (عليه السلام) لهذه العقيدة مهم جدًا؛ فإن الإنسان المؤمن قد يصاب بالشك أو الغموض أو الإيهام تجاه القضية المهدوية نتيجة مروره باﻵﻻم والمحن والمعاناة، فما بال الحال بغير المؤمن. (16) وفي هذا البحث سوف نسلط الضوء على دور الإمام الصادق(عليه السلام)في ترسيخ العقيدة المهدوية من خلال بذل الجهد في التعريف بها وتشخيصها من خلال أبعاد عديدة ومنها:

البعد الأول: التأكيد على الوحدة في الإمامة بالنسبة للعقيدة المهدوية:
إن هذا البعد ركز عليه الإمام الصادق (عليه السلام) من خلال إعطاء الصورة الصحيحة للعقيدة المهدوية والتعريف بها، وهذه الصورة تكمن في ارتباط هذه العقيدة بالإمامة، واستحالة الانفكاك بينهما؛ لأنهما مرتبطين بسلسلة تبدأ بالرسول (صلى الله عليه وآله) وتنتهي بالإمام الغائب الحاضر وهو المنتظر المهدي (عجل الله فرجه)، وهذا مايدل على أصالة القضية المهدوية؛ لأنها مما أكده الرسول الأعظم في الوجود الإسلامي وكذلك كل من تولى منصب الإمامة على التنصيص بتولي رجل من ذرية النبي يكون ظهوره في آخر الزمان يلقب بالمهدي.
وقد قام الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) بترسيخ أصل عقيدة الإمام المهدي من خلال نصوص عديدة منها ما ذكره (عليه السلام) بقوله: "خرج النبي (صلى الله عليه وآله) ذات يوم وهو مستبشر يضحك سرورًا فقال: ...إن جبرائيل أتاني فأقرأني من ربي السلام وقال:... ومنكم القائم يصلي عيسى بن مريم خلفه إذا أهبطه الله إلى الأرض من ذرية علي وفاطمة من ولد الحسين (عليهم السلام)". (17)
البعد الثاني: التعريف بالإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) وتعيينه:
لقد اهتم الإمام الصادق (عليه السلام) في هذا البعد اهتمامًا بالغًا حيث قام بالتعريف الشخصي لصاحب العقيدة المهدوية وتعيينه من خلال عدة نصوص وفي الكثير من المواضع التي أكد فيها ذلك ومنها: دفعه الصحيفة لداود بن كثير الرقي ليقرأها وفيها "..سطران السطر الأول لا إله إلا الله محمد رسول الله، والسطر الثاني أنّ عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم علي بن أبي طالب، والحسن بن علي، والحسين بن علي، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والخلف منهم الحجة لله...". (18)
ففي هذه الرواية يكون الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قد عرف بنسب الإمام المهدي وإلى من ينتهي فهي سلسلة مبدؤها النبي الخاتم ومنتهاها الإمام الخاتم، وبالإضافة إلى ذلك وهو الأهم يؤكد في أن تنصيبه كان من عند الله منذ خلق السموات والأرض، وإن انتخاب الأئمة لا يكون عشوائيًا، وأيضًا عرف الإمام الصادق (سلام الله عليه) بأنه تسلسله هو الثاني عشر من بين الأئمة (عليهم السلام)، والنصوص الأدلة على ذلك كثيرة.
وأيضًا قوله عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "إذا توالت ثلاثة أسماء من الأئمة من ولدي: محمد وعلي والحسن، فرابعهم هو القائم المأمول المنتظر". (19)

البعد الثالث: التعريف بالغيبة وعلامات الظهور وعصره:
ولقد ذكر الإمام الصادق (عليه السلام) الغيبة الطويلة للإمام المهدي منبهًا على عدم التشكيك به من خلال قوله: "إياكم والتنويه، أما والله ليغيبن سبتا من دهركم، وليخملن حتى يقال: مات، هلك، بأي واد سلك؟ ولتدمعن عليه عيون المؤمنين، وليكفأن تكفؤ السفينة في أمواج البحر، فلا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه، وكتب في قلبه الإيمان، وأيده بروح منه، ولترفعن اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يدري أي من أي". (20)
ولقد بين (عليه السلام) حكم من أنكر الغيبة للإمام المهدي بقوله: "من أقر بجميع الأئمة وجحد المهدي كان كمن أقر بجميع الأنبياء وجحد محمدا (صلى الله عليه وآله) نبوته، فقيل له: يا ابن رسول الله فمن المهدي من ولدك؟ قال: الخامس من ولد السابع، يغيب عنكم شخصه ولا يحل لكم تسميته". (21)
وتحدث (عليه السلام) عن غيبة الإمام مبينا أنها في الواقع غيبتين بقوله لأصحابه: "أن لصاحب هذا الأمر غيبتين إحداهما تطول حتى يقول بعضهم: مات، ويقول بعضهم: قتل، ويقول بعضهم: ذهب، حتى لا يبقى على أمره من أصحابه إلا نفر يسير لا يطلع على موضعه أحد من ولده ولا غيره إلا المولى الذي يلي أمره". (22)
وقد أوضح أبو عبد الله (عليه السلام) أن هناك خمس علامات تكون في عصر الغيبة وقبل ظهور صاحب الأمر، وهي: "اليماني والسفياني والمنادي ينادي من السماء وخسف بالبيداء وقتل النفس الزكية". (23)
______________________
1ـ المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، مادة دور.
2ـ إبراهيم ناصر، علم الاجتماع التربوي،ص173.
3ـ نبيل عبد الهادي، مقدمة في علم الاجتماع التربوي، 118.
4ـ المعجم الوسيط،مجمع اللغة العربية بالقاهرة،مادة رسخ.
5ـ سورة النساء/الآية:33.
6ـ الراغب الاصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن،مادة عقد.
7ـالفاضل الفاغوري،داود علي،العقيدة الإسلامية من القرآن الكريم، ص7.
8ـ ينظر،ابن الصباغ، الفصول المهمة في معرفة الأئمة، ج2، ص907.
9ـ ينظر، كبار المحدثين والمؤرخين، تاريخ أهل البيت (ع)، ص81.
10ـ ينظر،الزرباطي،حسين،بغية الحائر في أحوال أولاد الإمام الباقر(ع)،ص91.
11ـ ينظر، الميلاني، علي، شرح منهاج الكرامة في معرفة الإمامة، ص 162.
12ـ ينظر، لاوند، رمضان، الإمام الصادق علم وعقيدة، ص28.
13ـ ينظر، ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، ج3، ص394.
14ـ ينظر، محمد صادق محمد رضا الخرسان، الإمام الصادق عليه السلام والتنظيم للتنمية البشرية،ص7.
15ـ ينظر، القزويني، محمد كاظم، الإمام المهدي من المهد إلى الظهور، ص69.
16ـ ينظر، الحكيم، محمد باقر، دور أهل البيت عليهم السلام في بناء الجماعة الصالحة، ج1، ص198.
17ـ الكليني، محمد بن يعقوب، الروضة من الكافي، ج8، ص50.
18ـ أحمد بن عبيد الله بن عياش، مقتضب الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر، ص30-31.
19ـ الطبري الصغير، محمد بن جرير، دلائل الإمامة، ص447.
20ـ النعماني، محمد بن ابراهيم، كتاب الغيبة، ص154.
21ـ الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ص333.
22ـ الغيبة، الشيخ الطوسي، ص161، 120.
23ـ محسن عقيل، الإمام المهدي وعلامات الظهور عند الإمام الصادق، ص118.

اخترنا لكم

محادثة قبل السحر

بقلم: حنان الزيرجاوي اعتادت أن تتلو بعض آيات القرآن الكريم قبل أن تخلد إلى النوم، لتشعر بالطمأنينة والسعادة الغامرة؛ لتسافر في عالم الملكوت، وهي تتأمل في بليغ نطقه، وتتدبر جميل معانيه، وختمت تلاوتها بالآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم}ٌ. فآوت إلى فراشها وهي تردد هذه الآية الكريمة، وتسبح الله وتحوقله، سبحانك ربي كيف لمن يعاشره الإنسان ويحبه، ويغدق عليه مما رزقه الله، ويقابل هذا الإحسان بالعداء والبغض، هل فعلا من يفعلون ذلك يحملون قلبا بشريا وعواطف واحاسيس؟ كيف لمن يُحسن إليه، يقابل ذلك الإحسان بالإساءة؟ كانت تدور في رأسها تلك الأسئلة وغيرها، وهي تقلب صفحات التاريخ لتقف على تلك النماذج وتشمئز نفسها، كلما تذكرت واحدة منهن، وانتهى بها المطاف إلى خائنة فاقت الأخريات في كل شيء، فبدأت تخالجها أفكارها، كيف تجرأت هذه اللعينة على إمام معصوم كالإمام الجواد؟! فأخذتها الغفوة عنوة ليسري بها عالم أحلامها إلى زمن كان الإنسان يخشى أن يقال له شيعي. وهنا التفتت لترى باب ذلك الزمان قد فتح مصراعيه ليتلقفها بأكف حِنان، ودمعة حزن ليهمس بأُذنها: أراك مشوشة البال تغرقين ببحر أفكار تكاد تسلبك رغيد نومك . التفت إليه فأجبتُه: نعم... نعم... سبرت أغوار ذلك العالم الذي لم آلفه، ولم يتسن لي أن أرى ملامحه، فقدحت في قلبي التفاتة، وناديت في ذلك العالم: يامن يسمع صوتي، أُنادي... هل من مجيب على ندائي؟ وفي صخب عالم لم يألف الهدوء سرى إلى سمعي صوت لا أكاد أميز نبراته، وهو يهمس في أذني: ماذا؟ ماذا؟ ماذا؟ فأجبته وأنا تهزني قشعريرة خوف: نعم... نعم... فأعاد... ماذا تريدين وسط هذا الصخب؟ هنا استجمعت قواي وكأني أُصارع موجًا جارفًا: هل لي بإجراء مكالمة عبر اثير زمنكم؟ مكالمة! قالها متعجبًا ومستغربًا: ماذا تقصدين بمكالمة؟ في عالمنا الذي أعيش فيه من يريد أن يكلم شخصًا تبعده المسافات يتصل عبر أثير زماننا. مهلًا... مهلًا... دعيني آلف بل دعيني استبق الزمان لأهيئ لكِ ما تطلبين. مرت برهة صمت قاتلة، وإذا به يهمس لي ثانيًا: تفضلي... تفضلي أيها المتطفلة على الزمان فأثيرنا متاح لك... تكلمت في أثيرهم دون معرفة رقم هاتف، وناديت أريد أن أتكلم مع أم الفضل. فأدهشتني سرعة الإجابة: أي أم فضل تريدين؟ فلدينا الكثير الكثير، أهي صالحة أم طالحة؟ فأجبت: بل هي طالحة؟ أي نوع من الذنوب ارتكبت؟ فأجبت: لا أعلم عنها، وعن ذنوبها كثيرًا لكن أعلم أن لها ذنبًا يفوق كل الذنوب، هي قاتلة لبعلها وهو خير خلق الله في زمانه. - أم الفضل بنت المأمون إذن هي! فقلت: نعم. فبادرني: أن الاتصال بها صعب جدًا جدًا... ولكن انتظري قليلًا... وإذا بصوت يرتجف، ويتلعثم في الكلمات... أنا أم الفضل من يناديني... فدهشت وارتعدت فرائصي، ثم هدأت قليلًا وأنا أخاطب نفسي: هذا طلبك... هذا مرادك فبادرتها بالسؤال: كيف تجرأتِ على قتل إمام معصوم؟! وكيف للمرأة الرقيقة الحنونة أن تفعل ما فعلت؟! فإذا بذلك الصوت المرتعش يجيبني: كنت في زمان غير زمانكم، كنت احمل بغضًا وحقدًا، وحسدًا لو وجّهته نحو جبل لتضعضع، فقد غُذيت وتربيت وطعمت حقدًا، وبغضًا لأهل هذا البيت، بحقدي وبغضي هذا كنت اتمنى تقطيعه اربًا اربًا. ولكن لم يتسن لي ذلك، ولما جاءت الفرصة وطُلب مني أن أدس له سمًا فرحت فرحًا شديدًا، وكم كنت في نشوة الفرح وأنا أراه يتناوله، كنت مأمورة بدس السم فقط، ولكن بغضي لهم جعلني أفرغ البيت من الماء لأني أعلم أن المسموم يطلب الماء، وأوصدت الأبواب جميعًا بشكل محكم، وخرجت وأنا أشعر بالزهو لانتصار نفسي! هنا انقطع صوتها... ناديت... ناديت... لم يجبني أحد. وأنا أُنادي وإذا بأمي توقظني... وهي مفزوعة... ما بكِ؟ ما بكِ؟ فانتبهت، أنا كنت في عالم ليس عالمي... استغفرت الله وتوضأت، وجلست على سجادتي وأنا أبكي وأبكي على مصيبة إمامي الجواد (سلام الله عليه) الذي مات عطشانًا كجده الحسين (سلام الله عليه).

اخرى
منذ 5 أشهر
436

محاسبة النفس

بقلم: وجدان الشوهاني عادت عواصف الأفكار لتسلب النوم منّي وتصيبني بالأرق، وكأنّها تتقصدني أين ما ذهبتُ، فمرة أخوض غمار الحوار مع بعض الفتيات، ومرة أتحاور مع نفسي فتثور ثائرتي على كثير من الأمور، وبحثت في كلِّ تلك الأمور التي أخوض غمارها، فوجدتُ أني نسيتُ أهم شيء وهي: محاسبة النفس. وبدأت أسأل: لماذا لا يشغل تفكيرنا كتلك الأمور الدنيوية الأخرى؟ أُفكر دائمًا بالأسباب التي تبعدنا عن محاسبة النفس، هل هو الهرب أو الخوف من أمر مجهول أو ماذا؟ لا أعلم! وفجأة استذكرت عبارة لأحد الأساتذة في الجامعة عندما قال: (كل انسان رئيس جمهورية نفسه) فقلت في نفسي: لِمَ لا أعقد اجتماعًا طارئاً مع نفسي، وفي ذات الوقت كنت أضحك من سذاجتي، ثم أعدتُ التفكير في العبارة، خصوصًا وأنّ القائل أستاذ جامعي وهذا يعني أنّها عبارة علمية. فلِمَ الضحك! فلست ساذجة، بالعكس، فأنا في كامل قواي العقلية، وما دعوت له قد أشارت له روايات كثيرة، لنجرب جميعنا، فلن نخسر شيئًا. فلنعقد الاجتماع لتلك القوى النفسية في داخل كل إنسان: القوى العقلية والغضبية والشهوية والوهمية، فكلها تدعو لنفسها وتريد الرياسة على ذلك المخلوق الإنساني لتصدر أوامرها، ومَن يحظى بمقبولية يترأس. ولو علم الإنسان مَن يترأس في جمهوريته العظيمة عند غالب بني البشر لطأطأ رأسه خجلًا... فكم منّا يترأسه الغضب أو الشهوة أو الوهم؟ وكلها مهلكة للإنسان! وكم منّا جعل العقل هو الرئيس لينجو من المهلكات؟! عجيب أمر هذا الإنسان، يفكر في كلِّ شيء إلّا نفسه، يتركها للأهواء لتتلاعب فيها، ويقف أمام ذلك موقف غير المسؤول، مع أنّها أهم شيء عليه أن يرعاه ويتحمّل مسؤوليته. ولذا نجد أنّ الله سبحانه تعالى حرّم أذيّتها وحرّم الانتحار، وحرّم أن يرميها الإنسان في التهلكة، ومع كل تلك الأحكام نجده مهملًا مع نفسه... وهذا هو سبب ابتعادنا عن محاسبة أنفسنا... فالإهمال قادنا إلى أعظم المهالك، بل قادنا إلى التسافل في كثير من الأحيان حتى أصبحت تصرفاتنا حيوانية... فمرة نتصرف بطريقة الافتراس وكأننا في الغابة، ومرة بالغرائز اللاشعورية، فنجد أنّنا نكسر كلّ قوانين الأديان، فضلًا عن الاعراف السائدة، ومرة بالمكر والحيلة، ونادرًا ما نفكر بالعقل لِنَسلَم... وللأسف فنادرًا ما نجد أنّ العقل يفرض سيطرته على تلك القوى، وتكون له الكلمة الفصل. فلو جعلنا الرياسة للعقل، لرأينا الغضب يكون لله فقط، والشهوة بالحلال، ولا نعطي مجالًا للمكر والشيطنة أن تحرض هذه على هذه، وحينئذٍ يكون الإنسان إنسانًا كما أراده الله تعالى. وعليه، فإن أردنا أن نكون كما أرادنا الله تعالى، فعلينا بمحاسبة النفس، وإن أردنا أن نتسافل، فطرق التسافل كثيرة، وليس علينا سوى أن نسجن العقل في زنزانةٍ حتى لا يحكم أبدًا، ونترك باقي القوى تتناوب في الرياسة... ليكون الهلاك مصيرًا لا محالة منه.

اخرى
منذ 3 أسابيع
354

الوفاء للشهداء

انتصف الليل، خفتت الأضواء، ملأ الظلام السماء، لاتسمع إلا أصواتاً هنا وهناك... إنه الموعد للّقاء، إنهم سكان جنة الزهراء، كل ليلة لهم جولة في أروقة المدينة يشتاقون إلى من تركوه من الأصدقاء... هذه الليلة هم متوجهون إلى (علي أكبر). أصوات ضحكهم ومزاحهم تعلو إلى السماء، لكن من يسمعهم؟ صاح أحدهم: يامرتضى، أنت قائد كتيبتنا، إلى أين تذهب الليلة؟ قال: اتبعوني، بقي عندنا صديق وهو بالانتظار. قال الآخر: هل سنذهب إلى بيت مسلم؟ اشتقت لرؤيته، كان يمسح أحذيتنا ويقول قربة إلى الله ضحك الجميع. توجه الجميع إلى المستشفى وجدو (علي أكبر) في نزعاته الأخيرة فتح عينيه رآهم مجتمعين حول سريره، وقف مرتضى عند قدميه ومدّ يده، قال: ياأخي لماذا أنت متمسك بهذه الدنيا الدنية، تعال معنا لترى مانحن فيه، إنها الجنة في جنة الزهراء، خرجت روحه وترك البسمة تملأ ثغره وأضاء الغرفة بنور جسده. كبّر الأصدقاء كبّروا جميعاً وذكروا الصلاة على النبي وآله. ثم أعدوا موكب الزفاف لعلي أكبر ومعهم ملائكة الله، وكأن أكاليل الورد على رأس (علي) وهو ذاهب إلى مثواه الأخير. فجأة تركهم وصاح: تعالوا يا أصدقاء أ تذكرون أنه ميدان التحرير؟ هنا، هنا نجتمع بانتظار الحافلة، عندما نذهب لجبهات القتال! أ تذكرون آخر مرة جلسنا هنا وأكلت متاع مسلم؟ صاح الآخرون: نعم، مسلم لماذا تركناه؟ لم يبق إلا هو! شق البرق وسط السماء وكان الرعد يصيح: الله أكبر الله أكبر. أدار مرتضى ظهره، نظر إلى امرأة تقف على جانب الطريق، مالذي تفعله امرأة في هذا الوقت من الليل! اقترب نظر بهار، أنها زوجته ابتسمت فتح عينيه، وقال بهار: مالذي تفعلينه في هذا الوقت من الليل؟ قالت: والدمعة تملأ تلك العينين الجميلة: أنا بانتظارك، جئت لأراك. قال بهار: تلك العينان المليئتان بالأمل وهذا الجمال ماذا ينتظر؟ أنا أعرف أنك مؤمنة بالله وبرسوله، محبة لعلي والزهراء، اذهبي وتزوجي، انجبي أطفالاً استمري بالحياة، بكت وقالت: أنا وفية لك في حياتك وسأبقى كذلك، وأنت أ تعدني أنك لاتدخل الجنة بدوني؟ سأنتظرك على باب الجنة، خذ بيدي أ تعدني يا مرتضى؟ قطع تلك اللحظات الجميلة صوت أحدهم: يا مرتضى، نريد الذهاب لبيت مسلم، هيا معنا، قال مرتضى: سوف نذهب إليه غداً، اليوم يوم (علي أكبر) وقد يكون لنا بمسلم غداً لقاء.

اخرى
منذ سنة
827

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
25482

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
25468

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
25446

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
25384

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنة
11766

تأملات فتاة

تأملات فتاة في جوف الليل بعد أن هدأت الأنفاس وعاد كلٌّ إلى مكانه الذي يشعر فيه بالأمان والراحة، وبعد أن هدأت زقزقة العصافير وآوت إلى أعشاشها وانسل كل حبيب إلى حبيبه، في ساعة يخلو الإنسان مع ربه، لينظر كم هي نعم الله اللامتناهية، قد أغدقت عليه بين هذا وذاك، وبين نسمة هواء تدخل البهجة للنفس، ينسل زائر غريب إلى داخل النفس، هو معها، ولكن يبدو غريباً عنها، هو يرافقها ولكن ينأى بنفسه إن رأى أنها لاتخاطبه، ولكنه يحوم حولها، فإذا سبحت في فضاء الدنيا أصبح هو القارب الذي يحملها، ويوسوس لها، فتضعف أمام إصراره وحيله لتجده هو المنقذ والمخلص، فيسير في أغوار اللامعقول ليوصلها إلى أعماق التيه والضياع، يُجمّل لها الدنيا، نعم، في تلك اللحظات أخذتني نفسي مع ذلك المجنون، لأتسأل من انا؟ ماذا حققت في هذه الدنيا؟ أتراني فعلاً أعيش في هذه الدنيا؟ ترى هل يشعر من حولي بوجودي؟ أفعلاً أنا أعيش وسط هذا العالم الذي يأخذ كل شيء مني ولا يعطيني اي شيء؟ ولِمَ أنا هكذا؟ وأخذت الأسئلة تنهش بي من كل مكان، حتى خُيّل لي أني وسط بحر متلاطم الأمواج، كل موجة تحمل معها ألف سؤال وسؤال، وهو يخاطبني ويحفزّني ويجمّل لي صورة اللامعقول ويرسم أمامي لوحة البهجة الكاذبة، بزخارفها الخداعة، حتى كدت أُرافقه وخيّل لي أنه منقذي، ومددت يدي ليصطحبني لعالمه الجميل، كما زينه لي، وكما جعلني لا أرى إلا عالمه، وهممت بالنهوض معه، وأنا فرحة أكاد أحلق في سماء البهجة والسرور، ولمّا هممْتُ بالنهوض وإذا بصوت يأتي إلى مسامعي يهتف لي: رويداً رويداً أيتها الفتاة، أهكذا ينسى الإنسان حبيبه؟! أهكذا يخذل المعشوق معشوقه؟! أهكذا يترك الرفيق رفيقه؟! فأُصبتُ بقشعريرة في بدني وارتجاف في مفاصل جسمي، ودقات قلب كادت أن تُخرج صاحبها من قفصه الصدري، وخاطبت نفسي: ماذا تريدين ان تفعلين؟ أهكذا جزاء من أراد بك خيراً وروضّك؟ مهلاً أيتها النفس الأمارة بالسوء، عودي إلى رشدك، واعلمي أن عطاء الله ليس له حدود. فاقنعي بما قسم لك، ولا تخسري الدنيا والآخرة. حنان ستار رواش

اخرى
منذ سنة
11201