تشغيل الوضع الليلي

تداعيات إقصاء الغدير... بين الماضي والحاضر

منذ 6 أشهر عدد المشاهدات : 1291

بقلم: نرجس ابراهيم صافي
كان ولا زال المنهج الذي يسيرُ عليه آلُ عليّ ومن شايعهم وتابعهم محط بغض والطامعين بسامق المرتبة وعظيم المنزلة تلك، وفي كل عصر يبرزُ أسمٌ لتلك الطُغم العاتية، فمن آل أمية إلى بني العباس إلى المغول والعثمانيين...، وهم برغم اختلاف المُسميات والوجوه إلا أنهم يحملون نفسَ الضغائن والإحَن، يتوارثوها خلفًا عن سَلف.
ابتدأت حلقة الإقصاء بعدَ أن أُجبرَ الإمام على الجلوس في داره مدةَ خمس وعشرينَ سنة منذ السنة التي أُنكر فيها الغدير عَمليًا، وغُصبَ حقّهُ منه ومارَ الناس في طِخيةٍ دعجاء.
فظهرت المشاحنات والخلافات، فمن الهجوم الإقصائي على آل عليّ إلى غصب كُرسي الخلافة ثم حروب الرّدة واستمرارًا بما تلاها من حروبٍ حتى يومنا هذا، كلها تمخضت عن سلبِ حقِ عليّ (عليه السلام)، بل وحتى الحروب التي خاضها (عليه السلام) إبّانَ حكومته الظاهرية لم تكن لتحدث لو استقامت الأمة على ذلك المنهج الذي خُطّ لهم، ولكنها فُرضت عليه من قِبل أولئك الذين مكّنهم الأسبقون ممن لم تَرقْ لهم تلك الولاية، وذاك كله بسبب تجاهل الغدير ومحاولة تهميشه، وهذا ما يذكره (عليه السلام) في قوله: (ولو أنّ الأمّة منذ قَبض اللهُ نبيّه اتبعوني وأطاعوني لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم رغدًا إلى يوم القيامة) [سليم بن قيس، ح٢٥]
كانت تلك الأحقاد أيام حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله) خفيّة، أبرز ما ظهر منها بعدَ حين وأول بذور الإقصاء هي الصحيفة السوداء التي وقّعها خمسة من المنافقين _ممن ادعوا صحبة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) -في ظلّ الكعبة- وقيلَ في بيت أبي بكر تعاهدوا فيها: «إن ماتَ محمد أو قُتل أن يتظاهروا على عليّ (عليه السلام) فيزووا عنه هذا الأمر» (١)
وكان ذاك بعدَ أن شهدوا محمدًا النبي (صلى الله عليه وآله) يوصي بالخلافة بعده لصهره وابن عمه في الحادثة المشهورة بـ"الغدير" أثناء عودتهم من حجة الوداع، وإذا بأمين وحي الله يهرعُ إليه (صلى الله عليه وآله) ينقلُ له عن الله أن: (يَا أيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إليْكَ مِن رَبّكَ وَإِنْ لَمْ تَفعَلْ فَمَا بَلّغتَ رِسَالَتَهُ) (٢). محذرًا إياه من ضياع أجر الرسالة.
فصعدَ النبيّ على الأقتاب وشنّفَ أسماع قومهِ وأصدعهم بما أُمِرَ به، ثمّ أمرَ (صلى الله عليه وآله) أبا بكرٍ وعمرٍ وهما سابعا سبعة أن يُسلموا على عليّ (عليه السلام) بإمرة المؤمنين.
وما يذكرهُ أبو ذر بعدَ تلك الحادثة مما يشي بنفاق تلك الثلّة وادلهمام قلوبهم حيث قال: «فلمّا سلمنا عليه أقبلا... على أصحابهما معاذ وسالم وأبي عبيدة فقالا لهم: ما بالُ هذا الرجل ما زالَ يرفعُ خسيسةَ بن عمّه! وقال أحدهما: إنه ليُحسنُ أمرَ بن عمه! وقال الجميع: ما لنا عنده خير ما بقى عليٌّ!» (٣).
وهيهاتَ أن ينتهي العجب ممن يدعي أنه (صلى الله عليه وآله) ترك أمته سوامًا بلا راعٍ وهو الذي حينَ بعثَ إلى مؤتة أمّر عليهم جعفر بن أبي طالب ثم قال: «عليكم بجعفر فإن هلكَ فزيد بن حارثة فإن هلك فعبدُ الله بن رواحة..» (٤).
ولم يرضَ لهم أن يختاروا لأنفسهم في وجيز مدة، أ فهل يتركهم في طول مدة عمياء وشبهة؟! بلى والله لقد خطها لها، وأوضح سبل الحق وأنار طريقه لهم، ولكنهم ركبوا ما ركبوا بعدَ البيّنة وضلوا وضلّ من تابعهم وآزرهم.
«وأنّى بكم وقد عُمِّيت عليكم؛ أفنلزِمُكموها وأنتم لها كارهون» (٥).
فيالله وللتأريخ، أيظلم قطب دائرة الإمكان بقيام الحجة وحضور الشهود، وتُنكأ كلام شيعتهِ بدلَ أن تُبلسم في هذهِ الذّكرى في كل عام منذ أكثرَ من عشرة قرون.
ولحُزن الحظ أنه ليومنا هذا ما أن يُذكر الغدير حتى يُتهم القائل بنبش التأريخ وإشعال فتيل الطائفيّة ويُنعت بمختلف الشتائم، عجبًا وهل غَمزُ حق الخلافة من عليّ (عليه السلام) ذلك اليوم بحضور ستين ألف شاهد لا يعدُ طائفيّة؟ وهل الإمامة التي قرنها الرسول (صلى الله عليه وآله) يوم الغدير بأنها عِدل القرآن وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليهِ الحوض أصبحت من أنقاض التأريخ ولا علاقة لها بأصل من أصول الدين!
ولكنها للأسف كراية النُبل والعدل الذي عندَ آل عليّ دون ما سواهم ممن امتلأت صفحات التأريخ من نتانتهم فباتوا وهم يجوسون الأخبار خوفَ الفضيحة وأصبحوا وهم يرحضون عارهم وشنارهم وهيهات والله أن يرحضوها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) سُليم بن قيس الهلاليّ، ح ١٩.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٦٧.
(٣) سُليم بن قيس الهلاليّ، ح ٢٠
(٤) الطبرسي، الاحتجاج، ج٢، ح١
(٥) الصدوق، معاني الأخبار: ص٣٣٦ـ ٣٣٨.

اخترنا لكم

مرجعي ولكن!

يدعي البعض انتماءه للمرجعية ولكن،، *عندما نعتت ما وقع بالقرب من مطار بغداد الدولي أنه إعتداء غاشم و خرق سافر للسيادة العراقية وإنتهاك للمواثيق الدولية، لم يستشعر ذلك أبدا بل فرح واستبشر!! *وعندما نعتت الضحايا بأنهم شهداء وأبطال معارك الانتصار على الإرهابيين الدواعش، نعتهم بالعمالة وصرح باستحقاقهم الموت! *وعندما دعت إلى ضبط النفس والتصرف بحكمة خالف ذلك!

اخرى
منذ شهر
202

نوستالجيا المجتمع العراقي والأجندات السياسية

بقلم: حسين فرحان (الحنين إلى الماضي) هو التعريف المناسب لمصطلح النوستالجيا، حيث يلجأ الأنسان إلى استذكار مراحل مضت من حياته محاولًا استرجاع ما تناثر من تفاصيل للماضي، حيث المنزل القديم والزقاق وأصدقاء الطفولة والمغامرة وحتى الأشخاص الذين فقدهم بالموت أو بالهجرة. القضية طبيعية - ضمن هذه الحدود - لكنها تحولت عند البعض الى حالة مرضية حيث يقع الأفراط في أن يصبح الشخص جزءًا من الماضي، وقد عزاه بعض المختصين بهذا الشأن الى الهروب من الواقع السيء والغرق في هموم هذه الحياة أو بسبب تقدم العمر، فالماضي بالنسبة لمن أفرط بالتعلق به يعد حياة تم اكتشاف تفاصيلها ولم يعد فيها ما يخيف أو يسبب قلقًا، بخلاف الحاضر ومشاكله والمستقبل وما يخفيه. لم تكن النوستالجيا ذات يوم ظاهرة تمارس بشكل جماعي بقدر ما هي حالة طبيعية يعيشها كل إنسان، وتختلف حدتها من شخص لآخر بحسب الظرف الذي يعيشه، ولكن وبعد تطور وسائل الإعلام بصورة عامة ومواقع التواصل الاجتماعي عبر الانترنت بصورة خاصة ظهرت النوستالجيا بشكلها الجديد الذي يتيح للجميع ممارستها بطريقة أخرى تتخذ شكلًا جماعياً تتقارب فيه الرؤى والانفعالات، حتى أننا شهدناها بهيئة لم نعهدها سابقا - حين كان استذكار الماضي يتم بشكل فردي- وهي أن المادة الاعلامية المصدِّرة لها صنفت الماضي الى عقود زمنية أطلقت عليها (ذكريات جيل الستينيات والسبعينيات والثمانينيات وغيرها....)، مما سهل على المتلقي أن يعيش ذروة ذكرياته بيسر ودون خلط بين العقود والسنوات. اشتهرت هذه العاصفة الإعلامية بأسماء من أشهرها: (ذكريات الزمن الجميل) و (ذكريات جيل الطيبين)، وكل يرى الجمال والطيبة في زمانه دون زمان غيره، رغم أن بعض الأزمنة حملت الويلات والحروب والكوارث، لكنها تبقى قناعات شخصية يضفي عليها الإعلام صبغة هو يريدها. المجتمع العراقي كأي مجتمع آخر دخل في متاهة مواقع التواصل الاجتماعي واتجه الى نوستالجيا مخطط لها تخطيطًا محكمًا قد وضع فيها السم في الدسم، ولكن قبل أن نخوض في بعض التفاصيل ينبغي التعرف على تصنيف من نوع آخر أشارت إليه «سفيتلانا بويم»، في كتابها «The Future of Nostalgia»، حيث قسمت النوستالجيا إلى نزعتين: ((الأولى: نزعة استعادة (Restorative Nostalgia)، وتجعل من مفهوم «Nostos» أو العودة، المحرك لها، وتركز على إعادة بناء المفقود، ولا يفكر أصحاب هذه النزعة في أنهم يمتلكونها، بل يعتقدون أن مشروعهم السياسي يدور حول «الحقيقة». ونجد هذا جليًّا في الحركات السياسية والقومية خصوصًا في أنحاء العالم، والتي تتشارك محاولة إعادة صنع التاريخ واستلهام الرموز الوطنية والأساطير والحكاوي، وأحيانًا نظريات المؤامرة. صعود الحركات القومية التي تدعو إلى استعادة الأمجاد في أوروبا وأمريكا، كمثال، يأتي نتيجةً مباشرةً لاقتناع الناس بأن الأحوال كانت أفضل في الماضي، رغم الحروب العالمية والأهلية والعنصرية ضد الأقليات والمهاجرين، التي بدأت تعود من جديد لتتصدر المشهد. وحتى على الجانب الآخر من العالم، لا يزال الروس يبكون أيام الاتحاد السوفييتي. النزعة الثانية: اجترارية (Reflective Nostalgia)، وتدور حول «algia» المتمثلة في ألم الفقد، وهي نظرة أكثر شاعريةً نجد تأثيرها في الفن والأدب والشعر، وأيضًا حياتنا الخاصة. ترتبط هذه النزعة، بشكل وثيق، بمحاولة الهروب من إحباطات اللحظة الراهنة وتسارع وتيرة التحديث والاستهلاكية. وتتحدث «سفيتلانا بويم» عن حركة التحديث والثورة الصناعية التي فرضت إيقاعًا جديدًا للوقت لا يترك للإنسان المعاصر فرصة للتفكير، والذي يأخذ حيزًا من الوقت لم يعد متاحًا.)). الذي يهمنا من هذا الاقتباس هو النزعة الاولى (نزعة الاستعادة) وشواهدها - كما ورد - حيث تقوم بعض الحركات السياسية والقومية بمحاولات إعادة بناء المفقود واستعادة الأمجاد ومحاولة إعادة صنع التاريخ، وقد اتضح أن مصاديق هذه النزعة كانت حركات قومية في أمريكا وأوروبا وبكاء روسي على اتحاد سوفيتي سابق، ولا ننسى أن دونالد ترامب رفع شعار «أعيدوا أمريكا عظيمة كما كانت»، في انتخابات الرئاسة، وهو يعول على تأثير النوستالجيا وقدرتها على خداع الجماهير. عودا على بدء، السم الذي وضع في الدسم لمجتمعنا العراقي هو أن منشورات الزمن الجميل وجيل الطيبين التي تحاكي آلام هذا الشعب لم تخل من إشارات لحركات وجهات سياسية تدعو لنفسها ضمنا وتحلم بالعودة مجددا كالبعث ومن على شاكلته حين يصور للناس أن الجمال والطيبة كانت في زمانه ولن تعود الا بعودته.

اخرى
منذ شهر
284

حوارٌ مبين في زيارة الأمين (۸)

بقلم: علوية الحسيني/ ودعاء الربيعي "مشتاقةً إلى فرحة لقائك" موضوع هذه الفقرة هو الاشتياق الى لقاء الله جل وعلا. وقد ورد في حديث عن الإمام علي (عليه السلام): " من أحب لقاء الله سبحانه سلا عن الدنيا". وكالعادة نبينها من خلال أسئلة وأجوبتها. ■السؤال الأول: ما المراد من مفردة الاشتياق التي ذكرها الإمام السجاد )(عليه السلام) في زيارته، وماذا يقصد الامام من فرحة اللقاء، هل هي عند الموت أو في وقت آخر؟ ج/ كثيرٌ منّا يبحث عن الله تعالى، ويكأنّه ضائع! فماذا لو جعلناه فينا روحًا إن لم تكن موجودة سُلبت منّا الحياة؟! ماذا لو جعلنا موعد لقائنا معه ودًا نتوق إليه بلهفةٍ وشوق؟! ماذا لو تلذذنا بمناجاته وتركنا روحنا تهيم في سبحات كلامه، فتنهل من ذلك الفيض القدسيّ؟! ماذا لو أخلصنا له قلبنا وتركنا عقلنا لا يفكّر بسواه؟! ماذا لو أزلنا عن بصيرتنا حجاب الدنيا، وعن بصرنا غشاوة الغفلة والفانيات؛ لنستشعر حلاوة لقاء المعشوق الحقيقيّ والباقي السرمديّ، الله الواحد الأحد العليّ؟! حينها ستنجلي عن القلب أدرانه ووساوسه وأحقاده، ويغلبه صفاء الملكوت ونقاء السماوات وطمأنينة الجنّات. وعندئذٍ لانبحث عن الله تعالى لأنّه معنا أينما نكون، بَل نبحث عن ذاتنا الضائعة، ونعيش حالة فرحة لقائه القلبية. الاشتياق هو: "ميول النفس إلى شيء" (1). والفرح: هو حالة الابتهاج والاطمئنان. أمّا لقاء الله تعالى: فليس المراد به اللقاء الذي يكون بين شخصين في مكانٍ وزمانٍ ما؛ فالله تعالى ليس جسمًا حتى يحدّه مكان وزمان، لندّعي لقاءه بهذه الكيفية، سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرا... جاء في مناجاة الإمام زين العابدين (عليه السلام): "وَلَمْ تَجْعَلْ لِلْخَلْقِ طَرِيقاً إلى مَعْرِفَتِكَ إلاَّ بِالْعَجْزِ عَنْ مَعْرِفَتِك" (2). وعليه، فإنّ لقاء الله تعالى يكون لقاءً قلبيًا في كل آنٍ، وهو كالتالي تسلسلاً مع العوالم التي يعيشها الإنسان: 1- رؤية الله تعالى رؤية قلبية في الدنيا للمؤمنين، وشرطها ازالة الحجب المانعة من ذلك، كالمعاصي، ورذائل الأخلاق، وشدّة الإيمان بالله الواحد الأحد، ومستند ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) حينما سُئل فقيل له: "يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك حين عبدته؟ فقال: ويلك ما كنت أعبد ربا لم أره، وقال: كيف رأيته؟ قال: ويلك لا تدركه العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان" (3). فهنا سيّد الموحدين (عليه السلام) يصرّح أنّ رؤية الله تعالى تكون رؤية قلبية، تتمثل في تجلّي المعرفة الإلهية في قلب العبد المؤمن. 2- الموت، بشرط الاستعداد له، وحبّه، فمن يقبل على الموت يكن فرحًا بلقاء كرامة الله تعالى له، وحيث أنّ الإنسان بعد موته ينتقل إلى عالم البرزخ في قبره، فيكون قبره أمّا روضة من رياض الجنان، أو حفرة من حفر النيران، فتعرض على الميت مكانته حسب أعماله، فيكون فرحًا للقاء كرامته عند الله تعالى إذا كانَت الجنة مستقره، ويغتم إذا كانت النار مستقره؛ قال تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَاب} (4). فاذا كانت النار تعرض على أصحابها في قبورهم، فالجنة كذلك، وقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير تلك الآية الكريمة أنه قال: "البرزخ : القبر ، وفيه الثواب والعقاب بين الدنيا والآخرة" (5). 3- يوم القيامة، بشرط أن يكون قد عمل صالحًا في الدنيا، وأطاع ربّه، ومستند ذلك: أ) قول الله تعالى: { فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا} (6)، فمن عدل الله تعالى أنّه قد جعل معادًا إليه يرجع العباد، فيثيب المطيع، ويعاقب العاصي، وبالتالي من كان يريد لقاء كرامته عند ربّه –وهي الجنة- فليمتثل لأوامر ربّه في الدنيا، ولينتهِ عن نواهيه. ب) قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ* إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَة} (7)، فالوجوه التي تتصف بالنضارة أي بالإشراق هي التي تنظر إلى كرم ربّها، هكذا بالمضمون جاءت الروايات مفسرةً للآية الكريمة، مؤولة النظر إلى الله تعالى بالنظر إلى كرمه سبحانه. ج) والإمام زين العابدين (عليه السلام) يعطينا تمثيلاً آخرًا لمن يرجو لقاء الله تعالى، وذلك في دعائه الذي علّمه لأبي حمزة الثمالي، بقوله: " أبكي لخروجي من قبري عرياناً ذليلاً حاملاً ثقلي على ظهري، أنظر مرة عن يميني وأخرى عن شمالي، إذ الخلائق في شأن غير شأني، (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة، ووجوه يومئذ عليها غبرة ، ترهقها قترة وذلة)" (8). ■السؤال الثاني: لماذا لا تمكن رؤية الله تعالى يوم القيامة بالعين المجردة؟ ج/ إنّ عقيدتنا هي امتناع رؤية الله تعالى رؤية بصرية في الدنيا والآخرة؛ لأنّه تعالى ليس جسمًا حتى نقول ممكن أن نراه، فإنّ الجسم محاطٌ بزمانٍ ومكان، وتقدّس ربّنا عن ذلك، ويدل عليه باختصار: أن الله تبارك وتعالى موجود مجرد تجرداً تاماً، فلا يكون مرئياً بالعين المادية. ومما يُشير إلى هذه الحقيقة قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير} (9)، وقوله سبحانه: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير} (10). الإنسان المؤمن إذا وصل إلى أعلى مراتب الإيمان بحيث يحصل له القطع واليقين والعلم المتين بوجود الخالق العظيم من خلال الآثار والحقائق والآيات الدالة عليه سوف يرى الله تعالى - بقلبه، ووجدانه، وعقله المُذعن، الخالي عن الماديات، الصافي من الشكوك والتخيلات - رؤية نورانيّــة معنويـة. ■السؤال الثالث : كيف يجسد العبد المؤمن اشتياقه لله تعالى، هل هناك بعض الأعمال التي يؤكد بها العبد حبّه واشتياقه للباري عز وجل؟ ج/ ممكن أن تكون من تلك الأعمال: 1/ معرفة اصول الدّين. 2/ تعظيم الله تعالى والإحاطة بأدنى المعرفة به تعالى، وهي ما روي عَنْنِ الْفَتْحِ بْنِ يَزِيدَ عَن أَبِي الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلام) سَأَلْتُهُ عَنْ أَدْنَى الْمَعْرِفَةِ فَقَالَ: الاقْرَارُ بِأَنَّهُ لا إِلَهَ غَيْرُهُ ولا شِبْهَ لَهُ وَلا نَظِيرَ وأَنَّهُ قَدِيمٌ مُثْبَتٌ مَوْجُودٌ غَيْرُ فَقِيدٍ وأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ء"(11). 3/ الالتزام بفروع الدّين. 4/ التحلّي بأخلاق محمد وآله الطاهرين (عليهم السلام). 5/ التدبّر في آيات القرآن الكريم. 6/ المواظبة على الدعاء، والشعور الدائم بالافتقار لله تعالى. 7/ تزكية النفس وجهادها بطرق المشارطة، و المراقبة، و المحاسبة. 8/ الإسراع بالمبادرة إلى التوبة. ■السؤال الرابع: هل يتعارض الاشتياق لله تعالى مع حبّ الحياة الدنيا؟ ج/ عرفنا معنى لقاء الله تعالى، ولنعرف الآن آثار حبّ الدنيا، ثم نرى هل يتجاذب هذان القطبان أو يتنافران؟ روي "عن الصّادقِ عليه السلام في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم﴾ قال: هو القلب الذي سلِم من حب الدنيا"(12). والآن نربط بين لقاء الله تعالى وحب الدنيا، ونقول: أنّهما قطبان متنافران؛ بدليلٍ قرآني، وروائي. 1/ فأمّا القرآني: فهو قوله تعالى: {إِنَّ الَّذينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ* أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُون}(13)، فالآية ظاهرًا تقول أنّ الذين لا يرضون بلقاء الله تعالى –أي لا يكون همهم لقاء ربّهم- ورضوا بالدنيا، وطغى حبّهم لها على حبّهم لربّهم، فهم يعيشون في وحل الغفلة عمّا وراء عالم المادة، فالحياة ليست فقط طعاما، وشرابا، ولباسا، ونكاحا، وعلما لا يقرِّب إلى الله تعالى، بل هي أسمى من ذلك، وللتكامل خلقنا، فبالاستكمال نرتقي شيئًا فشيئًا عن عالم المادة إلى العوالم الأخرى. 2/ وأمّا الروائي، فهو ما روي عن مولى الموحّدين عليه السلام أنه قال: "كما أَن الشمس والليل لا يجتمعان كذلك حب اللَّه وحب الدنيا لا يجتمعان"(14). وهنا تساؤل: كيف تكون الدنيا حجابًا بيننا وبين لقاء الله تعالى، والحال بها نؤدي عباداتنا، وصالح معاملاتنا؟ يجيبنا على ذلك الإمام علي (عليه السلام) بما روي عنه أنّه قال لشخصٍ يذم الدنيا: "أيها الذامّ للدنيا، المغترّ بغرورها، المخدوع بأباطيلها، أتغترّ بالدنيا ثم تذمّها؟ - إلى أن قال - إن الدنيا دار صدق لمن صدّقها ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزوّد منها، ودار موعظة لمن اتّعظ بها، مسجد أحباء الله، ومصلّى ملائكة الله ومهبط وحي الله ومتجر أولياء الله..."(15). فاتضح أنّ الدنيا التي تحجب عن الله تعالى هي المذمومة، أما ما تقرب إليه فهي ممدوحة، وهي بالحقيقة مزرعة الآخرة. ______________ (1) لسان العرب: لابن منظور، مادة شوق. (2) الصحيفة السجادية: مناجاة العارفين، ص211. (3) التوحيد: للشيخ الصدوق، ب8، ح6. (4) غافر: 46. (5) تفسير القمي: لعلي بن ابراهيم، ج1، ص19. بحار الأنوار: للعلامة المجلسي، ج6، ص214. (6) الكهف: 110. (7) القيامة: 22-23. (8) مفاتيح الجنان: للشيخ عباس القمي، ص239. (9) الشورى: 11. (10) الأنعام: 103. (11) الكافي: للشيخ الكليني، ج1، ب 26، ح1. (12) مستدرك الوسائل: للميرزا النوري الطبرسي، ج12، ص40. (13) يونس: 7-8. (14) مصدر سابق، ص 42. (15) نهج البلاغة، ح131. سُبْحانَكَ اللّهُمَّ طَوَتِ الْأَبْصارُ في صُنْعِكَ مَديدَتَها، وَثَنَتِ الْأَلْبابُ عَنْ كُنْهِكَ أَعِنَّتَها، فَأَنْتَ الْمُدْرِكُ غَيْرُ الْمُدْرَكِ، وَالْمُحيطُ غَيْرُ الْمُحاط.

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ 3 أسابيع
180

التعليقات

يتصدر الان

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29179

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29065

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29062

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
28291

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنة
12795

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
12393