تشغيل الوضع الليلي

وخزات الاشتياق

منذ 3 سنوات عدد المشاهدات : 2231

بقلم: صفاء الندى
حَضرتُ عزاء أحد أقربائي وكان إنسانًا صالحًا تناهشتهُ الأمراض من كل جانب فقابلها بالصبرِ والرضا بما قدّر الله وقضى، ومات محتسبًا راجيًا ما عند الله تعالى من الثوابِ العظيم جزاء صبره (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر/١٠]
وعندما جلستُ في المجلسِ جاءت إحدى الأخوات من أهل العزاء وبيدها كُتيبات قرآنية صغيرة تحتوي سوَرًا محددة كسورة يس والملك وغيرها، عُرِفت هذه السور أنّها ذات نفع للميت إذا أُهدي ثواب قراءتها له وأخذت توزعها على الحاضرات وناولتني إحداهن فبدأتُ بالقراءة وقبل أن أنهي قراءتي سمعتُ صوت طفلة تبكي وبكل ما أُوتيت حنجرتها من قوة ولما تمعنت بالأمر علمتُ أنها (سلمى) ابنة المتوفي الصغيرة ذات الأربع سنوات... دَخَلَت لمجلسِ النساء وهي تصرخ: أريدُ أبي... أريدُ أبي
فالتَّفَ حولها الجميع يهدئونها ويحاولون إسكاتها ولكنها لم تهدأ فلقد عصفت بها رياح الشوق العاتية، فمنذ ثلاثة أيام لم ترَ والدها!
جلبوا لها بعض الألعاب لتتسلى بها بلا فائدة، واستمرت في بكائها الهستيري، إلى أن جاءها عمها، وقد كانت تحبه جدًا، وما أن رأته، حتى ركضت صوبه مسرعة واحتضنته ونامت بين يديه، فحملها ليضعها على سريرها...
-كم كُنتِ متعبة لتنامي بهذه السرعة بين يديه...

ولعلكِ يا صغيرتي شممتِ رائحة أبيكِ فيه فسكنتْ نفسكِ ونمتِ، وستستيقظين بعد سويعات بمشيئة الله ليحوطك القريب والبعيد بعنايتهم ورأفتهم فأنت بين أهلكِ ومحبيكِ.
حينها... لاحت في مخيلتي صورة لطفلةِ الحسين "رقية" فاغتمَّ فؤادي وماجت حسراتي تتلاطم على ساحل أفكاري، وتساءلت بيني ونفسي ودموعي تجري وكأنها تُسابق تساؤلاتي:
- ماذا عن مولاتي رقية، وقد ذاقت ألم اليتم محاطة بالأعداء؟!
-لا ترى حولها سوى الشمس الحارقة، والرمال الساخنة، والقلوب المتحجرة، والوجوه المفزعة، والخيام المحترقة، والأجساد المقطعة...
وعندما جاء الليل مثقلًا بهولِ المصاب حلَّت على "رقية" وخزات الاشتياق...
نعم، للشوق وخزات مؤلمة مفززة تُذيب القلب.
- هل يتحملها قلب رقية الصغير؟ لا... لا…
فأطلقت سراح صرخاتها للسماءِ:
أريدُ أبي... أريدُ أبي الحسين... أريدُ رائحة أبي…
ما ألطفهُ من أب وما أعظمهُ من إمام!
لن ألومكِ يا طفلتي، فهو الحسين وكفى!
-اقتربت منها عمتها زينب تهدئ روعها... أمها تواسيها، تحتضنها، تسمعها من الوعود المعلقة الكثير الكثير أنّها سَترى أباها عن قريب وأنّها ستعود إلى الديارِ، وأنّها، وأنّها... لعلها تنام فيخيب مسعاها.

هاجَ الأطفال وبدوا بالبكاءِ جميعًا... إنه الليل كما قلتُ لكم، يُزلزل القلوب الراسية ويُثير الحمم الراكدة، وقد وصل بكاؤهم لمسامع الأمير النائم... أميرهم الظالم... الغاشم... وشَرَعَ الحراس بالصراخ أيضًا خشية غضب أميرهم وهددوا الأطفال بالضربِ بالسياطِ إن لم يسكتوا... فسكت الجميع... إلا رقـية ...
رقية لن تسكت، ولن تخاف، ولن ترتجف... إلا شـوقًا لأبيها الحسين (عليه السلام)
استشاط غضبًا أميرهم الحاقد، الحاكم بالسيف والدينار... وتساءل: من الباكي؟
فأجابوه فزعين: بنتٌ للحسين (عليه السلام).
-إذا أراد أميركم أن ينام ملئ عينيه فليجد حلًا لما اقترفت يداه من إثمٍ وجرم، أوجدوا لها عمًا كالعباس، ترى هيبته الحانية فتأمن من مخاوفها وهواجسها... أوجدوا لها أخًا كالأكبر، يُـلاعبها ويُـؤنسها.... أوجدوا لها أبًا كالحسين (عليه السلام)، يُـحدثها ويُـلاطفها ويُـقبلها... فتغدوا كما كانت رقية بنت الحسين، وليست رقية المسبية اليتيمة الحزينة...
ولكن... أنّى لهم ذلك!
نعم، لقد وجد أميرهم الحل وأصدر أوامره للحراس: أليست تريد أباها فلتذهبوا برأسه إليها! هيا تحركوا…
فوضعوه أمام مولاتي بإناء مغطى... ازداد بكاؤها وعويلها وقالت حانقة... متعجبة: طعام! ليس هذا ما أريد! ليس هذا ما أتمناه!
قال لها الحراس: إنه هنا... إنه هنا... بل جزء منه هنا.
-ارفعي الغطاء سيدتي وستفهمين لَغزَ كلامهم ومغزى حديثهم... رفعي الغطاء ليُرفع الغطاء عن أطفالنا طول الزمن فنراهم يقتلون في كل بقعة بلا رحمة وبلا شفقة وبلا اكتراث.
-ارفعي الغطاء عن الضمير والوجدان في دواخلنا وليظل عريانًا ترتعد فرائصه وجلًا من فعالِنا وآثامنا... إلى أن يأتيه المهدي الموعود فيكسيه من الحُلل أجملها وأنقاها وأدومها
-هل رفعتِ الغطاء سيدتي؟! خبريني ماذا وجدتِ؟!
-نعم... كما قالوا: جزء منه هنا، ولكنهم لا يفقهون ولا يعون الأمور بحقيقتها وجوهرها فهم كالأنعام بل أضلُ سبيلًا...
إن الحسين هنا بكل روحه، بكل نوره، بكل وجعه...
هنا أزاحت الغطاء رقـية! فسكن أنينها وخُنِقَت عبراتها، وحان رحيلها...
شمّت رقـية عطر أبيها الحسين (عليه السلام)، لتحلق عاليًا كعصفورة هاربة من وحوشنا الأرضية .... فتتلقفها السّماء بكل حنان وعطف.

اخترنا لكم

جسر اللقاء...

بقلم: يا راهب آل محمد كانَ مُمسكًا بعصا صغيرةٍ، يرسمُ على وجهِ الأرضِ قيودًا وسلاسلَ وزنزانةً ضيّقةً ويداه ترتجفان غيظًا، ثم أطلقَ زفرةً عاليةً حكتْ عن عواصفِ الهمومِ والغمومِ التي في داخلِه، قائلًا بعدَها: _ لقد اشتقتُ إليه كثيرًا، وأشعرُ أنَّ قلبي قد تفتّتَ من الحنينِ إليه، تُرى متى سيُطِلُّ علينا مرةً أخرى بوجهه النوراني وثغره الباسم؟! هل سترى أعينُنا عينيه الجميلتين ثانيةً؟! كم أتمنّى ذلك يا صديقي. كانَ الآخرُ سارحًا بأفكارِه، وهو ينظرُ إلى ماءِ النهرِ الجاري الذي جلسا بجانبه، حين شدَّ انتباهَه ما تفوّهَ به صديقُه، فأطلقَ هو الآخرُ حسرةً مُتقطعةً كادتْ أنْ تكتمَ على أنفاسِه ليردّ على صاحبه: _ آهٍ يا صاحبي لقد قُلتُ شيئًا يسيرًا من مرارةِ ما أقاسيه وأعانيه من طولِ غيبتِه وبعده، صدِّقْني إنّني عندما أشربُ الماءَ أشعرُ بمرارةٍ تسري داخلَ فمي وكأنّي أتجرّعُ السمَّ الزعافَ ولستُ أشربُ ماءً عذبًا! أتعلمُ أنّي كُلّما أضعُ خدّي على الوسادةِ أتذكّره وأتذكّرُ عذابَه وما يُقاسيه، أهرعُ مفزوعًا إلى الخارجِ لأتنفّسَ الهواءَ وأنظرَ للسماءِ باكيًا؛ لأنّي أعلمُ بأنّه في طامورةٍ ضيقة.. صدِّقني مُجرَّد التخيُّلِ يُشعِرُني بالضيق، فما بالك لو كنتُ محبوسًا فيها حقًّا؟! آهٍ يا صديقي.. ما أقول. _ إنّني أدعو اللهَ (تعالى) دائمًا أنْ يُخفِّفَ عنه، وأنْ يعجِّلَ له الفرج من سجنه، كم طلبتُ منه (تعالى) مرارًا وتكرارًا أنْ يُريَني شخصَه بخيرٍ وعافيةٍ، وأنْ نتنعّمَ بوجوده بيننا؛ لأنّنا من دونه في تيهٍ وضلالٍ، لا أحدَ يرحمُنا ويجمعُنا تحتَ خيمته. _ أما أنا فأشعرُ باليُتمِ والغُربةِ، الناسُ حولي في كُلِّ مكانٍ ولكنّي لا أراهم، أبحثُ عنه في كُلِّ الوجوهِ لكن لا أحدَ يشبهُ وجهَه، ولا أحدَ يحملُ ريحه ولا عطرَ أنفاسه.. لقد ماتَ بداخلي كُلُّ طعمٍ للحياة؛ فعيناي لا تُبصران سوى سوادٍ حالكٍ غطّى على كُلِّ حياتي، وأنفي يتنفّسُ هواءً حارقًا يمرُّ على أحشائي كالسكاكين، وقلبي ينبضُ بالألمِ والحرقةِ والحسرةِ.. ليس لهذه الدُنيا أيُّ طعمٍ للحياةِ عندي، بل إنّها ماتتْ فيّ، وما وجودي الآن إلا بسببِ بصيصِ أملٍ يشدُّني نحو الآتي لعلَّ اللهَ (تعالى) يرحمُني فأرى سيّدي مرةً أخرى؛ لأتذوّقَ طعمَ الحياةِ التي فقدتُها. نظرَ عليٌ نحو محمدٍ ثم رفعَ رأسَه نحوَ السماءِ وسالتْ دموعُه على خدّيه ثم قال متألمًا: _ لقد دعوتُ اللهَ (تعالى) أنْ يُخلِّصَني من هذه الحياةِ الكئيبة، إنْ لم يكنْ لي نصيبٌ أنْ أرى وجهَه ثانيةً. سكتَ عليٌ قليلًا، ثم أردفَ مُطرقًا برأسه: _ محمد لي إليك حاجة؟! فقد ترى محبوبَنا ذاتَ يومٍ.. أبلغْه عنّي السلامَ، وقُلْ له: لقد انتظرتُه طويلًا، وتمنّيتُ أنْ يأتيَ لأُقبِّلَ يديه، ويضعهما على رأسي لأشعرَ بحنانِه وعطفه... سكتَ بعدَها عليٌ مصدومًا؛ لأنّه سمعَ شهقاتٍ ونشيجًا عاليًا من محمدٍ، نظرَ إليه مُتسائلًا: _ ما بك يا محمد؟! ردَّ محمدٌ عليه بصوتٍ مُتقطِّعٍ قائلًا: _ وماذا إنْ لم أرَه؟! ولم أُكحلْ عيني برؤيةِ نورِ وجهِه؟! ماذا لو لم ألتقِه مُجدّدًا؟! أخبرني ماذا سأفعل؟! وضعَ عليٌ يدَه على كتفِ مُحمدٍ وقال له: _ فلتنهضْ يا صديقي، هيّا سيحلُّ الظلامُ قريبًا، وإنْ شاءَ اللهُ (تعالى) سيعودُ حبيبُنا قريبًا، ونُسرُّ برؤيتِه ونعيشُ تحتَ جناحه. مسحَ محمدٌ وجهَه بكُمِّ ثوبِه وأمسكَ بيدِ عليٍ التي امتدّتْ إليه لتُنهضه بابتسامةٍ حزينةٍ.. قامَ على قدميه وهو يُشيحُ بنظرِه إلى قصرٍ كبيرٍ ثم يُديرُ بصرَه إلى ناحيةٍ من نواحيه لتلتمعَ في عينيه دمعةٌ لما مرَّ في خاطره. قالَ عليٌ وهو ينظرُ إلى المحلِّ الذي ينظرُ إليه محمدٌ مُتسائلًا: _ محمد ما حالُه الآن؟ وهل يعلمُ أنَّ صلاةَ المغربِ سيحينُ وقتُها قريبًا؟ أهو صائمٌ اليومَ أم لا؟ وما إفطارُه يا تُرى؟ بل هل سيُقدِّمون له الإفطار؟ محمد.. سأفقدُ صوابي من شِدّةِ التفكيرِ، هل حقًّا يجرؤون عليه ويضربونه ويؤذونه بالشتائمِ والعذاب؟! عمَّ صمتٌ بعدَ آخرِ عبارةٍ نطقَها عليٌ، ثم بدأ كلامُ الدموعِ التي انهمرتْ على خدَّيّ كُلٍّ منهما من دونِ استئذانٍ لتحكيَ مرارةَ ما كانَ يعيشه ذلكما الاثنان من حُرقةٍ ووجد. نادى المُنادي للصلاةِ ليحينَ موعدُ افتراقهما من جديد، كما في كُلِّ يومٍ ليلتقيا في اليومِ التالي في المكانِ نفسه، ويشكوانِ يُتمَهما لبعضِهما. كانا يتلظّيانِ بنارِ شوقهما، ويعدّانِ الليالي والأيامَ ليريا شعلةَ الضياءِ التي ستُشرِقُ على ظلماتِ أيامِهم الحالكةِ وتطردُ غمامَ الهمومِ والغمومِ الجاثمِ على صدورِهم بسببِ طولِ غيابِه وامتدادِ بُعدِه، ولتخضرَّ صحراءُ صدورِهم التي باتتْ ظامئةً لتروى بفيضِ وردِه العذب.. كانا شاحبي الوجه، وقد غطّى اليُتمُ على قلوبِهم الفاقدة، والدموعُ تسيلُ على خدّيهما من شِدّةِ الوجد والشوق، كانا يتحرّقانِ ويكتويان بنارِ الحنينِ.. يسألُ أحدهما الآخر: أما آنَ لهذا الحزنِ من نفادٍ؟! أما آنَ لهذه الغيبةِ من انتهاء؟! وفي يومٍ تصوَّرَ شيعةُ آلِ محمدٍ (صلى الله عليه وآله) أنّه الأكثرُ بركةً عليهم، صارتِ الأبوابُ تُطرَقُ بابًا تلوَ بابٍ وصوتُ المنادي يُنادي: _ أبشِروا يا شيعةَ علي.. إنَّ الفرجَ قادمٌ.. إن الفرجَ قادمٌ، المُلتقى قريبٌ، ستُزاحُ مرارةُ الصبرِ والألمِ بلذّةِ الوصال، إمامُكم قادمٌ والمُلتقى يومَ الجمعةِ ظهرًا على الجسر ببغداد! خرجَ عليٌ من دارِه حافيًا يتعثّرُ بسببِ ما سمعَه - أحقًّا ما قال المُنادي؟! أم أنّه يتخيّلُ من شِدّةِ شوقِه لمثلِ هكذا أخبار وصلَ إلى دارِ محمدٍ.. وما إنْ همَّ بطرقِ البابِ حتى فُتِحَ بوجهه ليرى صديقَه بحالٍ لم يكنْ بأحسنَ منه. قال محمدٌ مُتلهفًا: _ علي أسمعت؟! كنتُ قادمًا إليك، أسمعت ما قالَ المُنادي؟! ردَّ عليٌ بابتسامة: _ أجل .. أجل، لقد سمعتُه.. ظننتُ أنّي أتخيّل.. يا الله.. هل حقًّا سيكونُ ما قال؟! وكأنَّ نسمةَ هواءٍ باردٍ مرّتْ على تلك القلوبِ المُحترقةِ لتسكنَ شيئًا من لهيبِها، ارتسمتْ ابتساماتُ الحُبِّ على الشفاه، لعلَّ اللقاءَ يقربُ، وليتَ الجمعةَ تدنو، وتُختصرُ المسافاتُ؛ فلهفةُ القُربِ زادتْ بعدَ أنْ جاءَها أملٌ ليُحييها.. هذه المرة حديثُهم كانَ مُختلفًا جدًا؛ فهم قريبًا سيكونون بخدمةِ السيدِ عبيدًا طائعين.. قالَ عليٌ وهو يرمي حجرًا في النهر: _ أتعلمُ ما سأفعلُه عندما أراه؟! قال محمدٍ، وهو يضعُ قدميه داخلَ الماء: _ ماذا؟! _ سأركض باتجاهه حافيًا، وأنحني لأقبِّلَ قدميه وأقول له: أقبلني عبدًا من عبيدك، أو خادمًا لك طوالَ عمري، ولا أرضى بأنْ تعتقَني يومًا. قال محمدٌ وهو يبتسمُ شوقًا لتلك اللحظة: _ أما أنا فسأحملُ له الوردَ والريحانَ، وأقبِّلُ يديه وأضعهما على صدري ليزهرَ قلبي بعد طولِ الانتظار؛ فقد صارَ كأرضٍ جرداء تشقّقتْ لطولِ غيبةِ غيثها. _ محمد، أينَ سينزلُ مولانا بعدَ خروجِه من السجن؟! ابتسمَ محمدٌ وهو يتخيّلُ الشيعةَ وهي تُحيطُ بالإمامِ وكُلٌّ منهم يدعوه ليتفضّلَ عليه بقبولِ دعوتِه للنزولِ في بيتِه، والإمامُ يُقابلُهم بالابتسامةِ والحب.. ثم قالَ لعلي وهو ينظرُ إليه مُستبشرًا: _ سأدعوه إلى بيتِنا ليحلَّ ضيفًا علينا. قال علي: _ الجميعُ يتمنّى أنْ يقبلَ الإمامُ دعوتَه، و يا سعدَ من وقعَ الاختيارُ عليه. قال محمدٌ وهو يخرجُ من الماء: _ لا يهُمُّ كُلُّ هذا الآن، المهمُّ أنْ يعودَ إلينا سالمًا معافى، ونراه بيننا ثانية. _ أشعرُ بأنَّ الوقتَ لا يمضي، وكأنَّ الساعةَ قد مُدّتْ لألفِ ساعةٍ، فكيفَ سنصبرُ ليومِ الجمعة؟ _ معك حقٌّ، ولكنّنا صبرنا كثيرًا، وستمرُّ هذه الأيامُ أيضًا لكنّها ستُعانِدُنا وتمرُّ ببُطءٍ شديد. جافاهم النومُ لتلك الليالي، وبدآ يعدّان اللحظات والثواني، أو هل ينامُ العاشقُ إذا حانَ لقاءُ معشوقِه؟! أو يهدأُ قلبُ يتيمٍ قالوا له إنّ أباه في الطريقِ إليه؟! وفي صبيحةِ اليومِ الموعود، حملا القلوب والأماني والورود، لرؤيةِ إمامهما بعد طولِ غيابٍ مستبشرين بأنّهما بعد لحظاتٍ سيكونان بين أحضانه ويلثمان ثرى نعليه ويُقبِّلان كفّيه وجبينه.. كانا واقفين، والأنظارُ تشخصُ إلى جسرِ الرصافة، وإذا بنعشٍ قد لاحَ للأبصارِ يحملُه أربعةُ رجال، خفقتِ القلوبُ خوفًا وبدأتِ النظراتُ تتوزّعُ بينهم باستفهامٍ، لكنّهم عاندوا أحاسيسهم وأبعدوا أعينَهم عن تلك الجنازة لكنّ القلوبَ هفتْ لها.. قلوبٌ تضطربُ، وأنفاسٌ تصعدُ وتنزلُ مُتقاطعةً وأيدٍ ترتجف، أحاسيسُ مُبعثرةٌ، وآمالٌ لا ترضى أنْ تتلاشى، أنظارُهم ترنو إلى جهةِ القصرِ لعلَّ العبدَ الصالحَ يأتي وحيدًا ماشيًا ببُطءٍ من ثقلِ الحديدِ والأصفاد، وقلوبهم تحلّقتْ حولَ ذلك النعشِ، تقطرُ دمًا، وتتقطّعُ بسيوفِ الغدر والنفاق، مازالوا بينَ أملٍ ويأسٍ وشهيقٍ وزفير حتى سمعوا ذلك الصوتَ الذي نادى ليزلزلَ الآمالَ ويُحطِّمَ جبالَ الأماني ويبني أكوامَ الأحزانِ والآلام .. _ هذا إمامُ الرافضة.. هذا إمامُ الرافضة.. بدأ ذلك الصوتُ بالتردُّدِ في أسماعِهم وكأنّهم لا يُريدون أنْ يُميّزوا ما يقولون، لكن هذا ما قالوه حقًّا وهذا ما فعلوه براهبِ بني هاشم.. لقد أذاقوه السمَّ صائمًا وحيدًا مُعذّبًا صابرًا مُحتسِبًا.. تبدّلتِ الضحكاتُ إلى صرخاتٍ، والسرورُ إلى دموعٍ وآهات، وسقطتِ الورودُ من أيديهم مُعلنةً عن ذبولِها وموتها.. أيّ مصابٍ وأيّ جرحٍ؟! جاؤوا ليستقبلوا إمامَهم حيًّا يُكلِّمُهم ويُكلِّمونه، وإذا بهم يرون جثمانَه جنودًا يحملونه.. لم يبقَ للكلامِ باقية، عمَّ البُكاءُ كُلَّ دارٍ وناحية، وانتهتْ رحلةُ الانتظارِ لسنين عديدة، بفراقٍ لا لقاء بعده إلى يومِ القيامة.

المناسبات الدينية
منذ 3 أشهر
185

تجلياتٌ معرفية في الخطاب المهدوي (9)

بقلم: علوية الحسيني "واحفظني في غيبتي إلى أنْ تأذن لي في ظهوري" *قوله: "احفظني" الحفظ عرفًا هو الصون، والوقاية من أمرٍ ما. *وقوله: "في غيبتي" إشارةً من الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) إلى الغيبة، صغرى كانت أو كبرى، إلا أنه الآن للكبرى أقرب؛ خصوصاً مع قوله (إلى أنْ تأذن لي في ظهوري)، فالإذن بالظهور أقرب إلى الغيبة الكبرى من الصغرى. ولم يحدد الإمام زمنًا معيّنًا في غيبته، ويطلب من الله (تعالى) الحفظ، إيمانًا منه بأنّ نظام الكون هو نظام العلّة والمعلول، والعلّة التامة لهذا الكون كلّه هو الله (تعالى)، فتتجلى حاجة معلولاته له (تعالى). ومن إطلاق كلام الإمام نستفيد دروسًا عقدية في العبودية الخالصة لله الواحد الأحد، وأدب التذلل في الكلام مع الخالق. وهذا ديدن السلف من أجداده (عليهم السلام)، في طلب الحوائج من الله (تعالى) بتذلل؛ حيث جاء في دعاء جدّه الإمام الحسين (عليه السلام) أنّه قال: " إلهي هذا ذُلّي ظاهِرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَهذا حالي لا يَخْفى عَلَيْكَ، مِنْكَ أطْلُبُ الْوُصُولُ إلَيْكَ، وِبَكَ أسْتَدِلُّ عَلَيْكَ، فَاهْدِني بِنُورِكَ إلَيْكَ، وَأقِمْني بِصِدْقِ الْعُبُودِيَّةِ بَيْنَ يَدَيْك"(1). نعم, قد يتعرض الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) إلى الضر كالمرض، والبرد، والحر، والعطش؛ فهو وإن كان معصومًا إلاّ أنّه بشرٌ مثلنا، "كما تعتقد الشيعة الإمامية "(2). ولعله بقوله هذا أعطى درسًا بليغًا للغلاة الذين يجعلون لمقام الأئمة (عليهم السلام) مقام الألوهية، فسلك الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) مسلك أجداده الذين كانوا يحذرون من الانحراف مع الغلاة؛ حيث روي عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) أنّه قال: "لا تقولوا فينا ربا وقولوا ما شئتم ولن تبلغوا "(3). وبالتالي يجب الإذعان بأنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) يحتاج إلى الله (تعالى) ولهذا طلب الحفظ في غيبته. *وقوله: "إلى" فهذا الحرف يفيد الغاية، وانسجامًا مع سياق دعاء الإمام تكون الغاية زمانية. فيحتمل أنْ يكون المعنى: (احفظني في غيبتي حتى تأذن في ظهوري)، فظاهرًا أنّ الإمام يشير إلى درجات حفظه، فجعل حفظه في غيبته قبل ظهوره حفظًا مهمًا، يكون هو أكثر حرصًا على طلبه من الله (تعالى)؛ حتى ينجز له ربّه (تعالى) وعده الذي وعده به. ويؤيد ذلك سياق دعائه (عجّل الله فرجه الشريف) بمفرداته السابقة: "اللّهمّ احجبني عن عيون أعدائي, واجمع بيني وبين أوليائي، وأنجز لي ما وعدتني"، فوحدة السياق ظاهرة في انصراف الكلام نحو مرحلة ما قبل الظهور، وحفاظًا عليها يكون معنى (إلى) في قول الإمام "واحفظني في غيبتي إلى أن تأذن في ظهوري" بمعنى الغاية، أي احفظني قبل الظهور؛ إلحاحًا منه (عجّل الله فرجه الشريف) على الله (تعالى)، وقد تم بيان السبب أعلاه. وهذا لا يتنافى مع طلب حفظه زمن ظهوره، لكنه أحوج إليه زمن الغيبة. *وقوله: "أن تأذن في ظهوري" إنّ أمر الإذن له بالظهور راجع إلى الوقت الذي يحدده الله (تعالى)؛ "روي عن الإمام الجواد (عليه السلام): "... يجتمع إليه من أصحابه عدة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا... فإذا اجتمعت له هذه العدة من أهل الإخلاص أظهر الله أمره"(4). نعم، بعض الروايات وصفت مجريات الظهور، وكانت على ثلاثة أصناف: 1/ روايات حددت العلامات الحتمية قبل ظهور الإمام، ومنها ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "خمس علامات قبل قيام القائم: الصيحة والسفياني والخسف وقتل النفس الزكية واليماني"(5). 2/ روايات حددت وصْف سـنة ظهور الإمام، منها: ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "لا يخرج القائم إلا في وتر من السنين تسع وثلاث وخمس وإحدى"(6). 3/ روايات وصفت يـوم ظهور الإمام العلني، ومنها: ما "قال أبو جعفر (عليه السلام): كأني بالقائم يوم عاشوراء يوم السبت قائمًا بين الركن والمقام،...فيملأها عدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا"(7). لكن رغم تلك المعارف، يبقى العلم اجماليًا بالنسبة لنا؛ فيبقى هناك أمر غيبي، وهو (في أيّ سنةٍ وترية سيأذن الله (تعالى) بظهور الإمام؟). هذا ما لا يعلمه إلاّ الله (سبحانه وتعالى)، لكنه (تعالى) لم يترك عباده سدى، فقد رسم قواعد كليّة لنبيّه الخاتم محمد (صلى الله عليه وآله)، وبدوره نقلها إلى أهل بيته (عليهم السلام)، ووصلت بعضها إلينا، منها ما "روي عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله): لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من ولدي فيملأ الأرض عدلًا وقسطًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا"(8). حيث أعطت هذه الرواية قاعدة حتمية بتحقق ظهور الإمام، وبثت في العباد روح الإخلاص بالعبادة، والعمل على تهذيب النفس، والاستعداد الروحي ليوم الظهور. فزرعت فيهم الأمل لمواجهة مجهولية يوم الظهور. وأما الإمام فلا زال يترقب هلال الظهور، على مرّ العصور. وعند التأمل في روايات الظهور يظهر أنّ الظهور قسمان؛ ظهور أول سرّي أصغر، وظهور ثاني علني أكبر، وقال بذلك بعض العلماء. 1/ الظهور العلني الأكبر وهو ظهوره في مكّة المكرَّمة بين الركن والمقام في العاشر من محرَّم الحرام. 2/ الظهور السري الأصغر يمكن أن يُراد من الظهور الأصغر أحد الاحتمالين التاليين: الاحتمال الأوَّل: أن يُراد من الظهور الأصغر هو ظهور ذكره (عليه السلام) على ألسن الناس، خصوصًا بعد وقوع علامات الظهور، وأهمّها الصيحة، الأمر الذي أشارت إليه بعض الروايات الشريفة. عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «إذا نادى منادٍ من السماء: إنَّ الحقَّ في آل محمّد، فعند ذلك يظهر المهدي على أفواه الناس، ويُشربون حبّه، فلا يكون لهم ذكر غيره» كنز العمّال للمتَّقي الهندي ١٤: ٥٨٨/ ح ٣٩٦٦٥. الاحتمال الثاني: أن يُراد من الظهور الأصغر هو ظهوره الابتدائي لخاصَّة شيعته في المدينة المنوَّرة، "(9). وممكن ترجيح الاحتمال الثاني؛ بلحاظ أنّه أقرب إلى كونه ظهورًا, وأقرب إلى انطباق اللفظ (الظهور) عليه - رغم صحة الاحتمال الأول-. ومن خلال ذلك يتضح أنّ الله (تعالى) سيستجيب لدعاء الإمام "وأنجز لي ما وعدتني" فسيظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون، ظهورًا أكبر كان او أصغرا، بل كلاهما، مع اليقين بأنّ الإمام محفوظ بحفظ الله (تعالى)، كيف لا؟ وقد ادّخره لزمنٍ يطفح فيه كيل الظلم والجور! ليستبدل بذلك قسطًا وعدلاً وإيمانا. ومن خلال التأمل في روايات الظهور الأصغر يتضح لنا سبب إلحاح الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بالدعاء بأن يحفظه الله (تعالى)؛ حيث أنّ الروايات الواصلة لنا تشير إلى مهاجمة جيش السفياني للمكان الذي سيظهر به الإمام ظهورًا أوليًا سريًا، وهي المدينة المنورة، روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: "يبعث السفياني بجيش إلى المدينة فيأخذون من قدروا عليه من آل محمّد صلى الله عليه وآله ويقتل من بني هاشم رجالاً ونساءً، فعند ذلك يهرب المهدي والمنتصر من المدينة إلى مكّة، فيبعث في طلبهما وقد لحقا بحرم الله وأمنه"(10). وهناك نظرية افترضت كيفية كشف السفياني لظهور الإمام الأولي، وممارسة الإمام لمهامه بشخصيته الثانوية، غير المعلنة لجميع الناس، " فقالت: إنّ السفياني يتتبع التحركات السياسية والعقائدية وتمييز المهدوية منها من غيرها، إلى أنْ يصل لخبر ظهور الإمام، فيرسل إليه جيشًا ليعتقله"(11). ونلاحظ هنا الخطر المحدق بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) في المدينة فيما لو اعتقله جيش السفياني، ولهذا نجده (أرواحنا فداه) يلح على الله (تعالى) بالدعاء ليحفظه، بل وابتدأ دعاءه بـ"اللهم احجبني عن عيون أعدائي"، فما كشف الله (تعالى) شخص الإمام لجيش السفياني إلاّ لحكمةٍ بالغةٍ هو (تعالى) أعلم بها، ولا تعني عدم استجابة لدعاء وليّه، بل مجريات غيبه وحكمته تقتضي أن تحدث، مع إنّ الحفظ لوليّه متحقق. لذا نجد أنّ الروايات تخبرنا بأنّ الله (تعالى) سيأمر الإمام بالاختفاء من المدينة، والظهور بمكة المكرمة؛ روي عن الإمام السجاد (عليه السلام) أنّه قال: "فإذا ظهر السفياني اختفى المهدي ثم يظهر بعد ذلك"(12). ومن بعد الظهور الأصغر يظهر الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) ظهورًا أكبرًا في مكة المكرمة، ويصله قادة جيشه، ويحاججه بعض الناس هناك؛ طالبين منه الدليل على إمامته، بل خلافته على الأرض، فيؤمن بعضهم، ويعاديه آخرون، ثم يصلي الإمام بأتباعه، ويصلي بهم العشاءين، ثم يخطب بهم؛ روي عن أبي جعفر (عليه السلام): "ثم يظهر المهدي بمكة عند العشاء، ومعه راية رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقميصه وسيفه، وعلامات، ونور، وبيان، فإذا صلى العشاء نادى بأعلى صوته يقول: أذكركم الله أيها الناس، ومقامكم بين يدي ربكم، فقد اتخذ الحجة، وبعث الأنبياء، وأنزل الكتاب، وأمركم أنْ لا تشركوا به شيئًا، وأنْ تحافظوا على طاعته وطاعة رسوله، وأنْ تحيوا ما أحيا القرآن، وتميتوا ما أمات، وتكونوا أعوانًا على الهدى، ووزرًا على التقوى، فإنّ الدنيا قد دنا فناؤها وزوالها، وآذنت بالوداع، فإنّي أدعوكم إلى الله وإلى رسوله، والعمل بكتابه، وإماتة الباطل، وإحياء سنته.."(13). وبهذا يكون الله تعالى قد أنجز وعده، وحفظ وليّه. ______________ (1) مفاتيح الجنان: للشيخ عباس القمي، ص226. (2) ظ: عقائد الامامية: للشيخ المظفر, ص85. (3) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي، ج25، باب نفي الغلو، ص347. (4) معجم أحاديث الامام المهدي: للشيخ الكوراني, ج4, ص39, ح1360. (5) الكافي: للشيخ الكليني, ج8, ص310, ح483. (6) الغيبة: للشيخ الطوسي, ج1, ص473. عنه إثبات الهداة: للشيخ محمد الحر العاملي, ج ٣, ص514, ح354. (7) الغيبة: للشيخ الطوسي, ج1, ص473. عنه البحار: للعلامة المجلسي, ج٥٢ , ص٢٩٠, ح30, وإثبات الهداة: للشيخ محمد الحر العاملي, ٣ج, ص514, ح353, ومنتخب الأثر في الإمام الثاني عشر: للشيخ لطف الله الكلبايكاني, ص464, ح4. (8) الغيبة: للشيخ الطوسي, ج ١, ص445, عن إثبات الهداة: للشيخ محمد الحر العاملي, ج٣, ص514, ح350. (9) على ضفاف الانتظار: للشيخ حسين الأسدي, ص180-181. (10) معجم الملاحم والفتن/ الده سرخي ٣: ٢٣. (11) السفياني حتم مر: للسيد جلال الموسوي, ص79. (12) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج52, ص213. (13) معجم أحاديث الامام المهدي: للشيخ الكوراني, ج3, ص295, ح832. اللهم احفظ وليّك من بين يديه, ومن خلفه, وعن يمينه, وعن شماله, ومن فوقه, ومن تحته, بحفظ الإيمان, يا رحيم, يا رحمن.

العقائد
منذ سنتين
1178

عبس وتكبر

عبس وتكبر . وفيه اعتلى الكبر .. وفينا الوجع يا بشر .. صغر أم كبر ..أقبل أم أدبر.. إنها حكايا لا تسر .. .بين ثنايا فكاك الأشر .. لحمهم من طين مسنون لحجر . . نضج في رحم بشر .. أعمى وبعدها أبصر .. .وكل عينيه لاتبصر لتبصر .. وتهاوت بين آل البشر .. وأصبح جمعهم لا يسر .. وللرحمة سجن كبير قفله كبر .. .ومفتاحه فُقد كمثل ضياع ماء وجه البشر .. وهي قابعة لوحدها نوُمها السهر .. وقولها حكايا لا تسر .. تقبع بين أكف لئيمة فلا باب للمفر .. وأي مفر وعدوى الشر تشر .. سليلة طليلة لسانها أشر.. تتحدث بمهلها وكلا مهدها وهزيز ركبها جمع كثر .. سليمة جليسة كرسي عتيد من صنع الكفر .. تجالس أناساً هم ليسوا من جنس البشر ... إن في جنسهم قال إبليس ما له المسر .. فأشرى نفوسهم والجسم فقط لبشر. . .إنها حكايا بفاه بعض البشر .. طويت مطية لكبر من أصغر الصغر ... لوليد ماء بشر .. وتوالي فنائها تحت أقدام البشر.. إنها قافية حكاها الزمان بعين البصر .. كالطائر كلما ارتفع صغر في عين الناس الكبر .. قالها أمير المؤمنين ولنصحه هل من معتبر ..

اخرى
منذ 4 سنوات
1322

التعليقات

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 3 سنوات
133244

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
123672

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 3 سنوات
80199

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 4 سنوات
74065

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
73664

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 4 سنوات
69335