تشغيل الوضع الليلي

رسائل من الطف

منذ 7 سنوات عدد المشاهدات : 2317

عندما يمسي مَن في الدار محاربًا لشعائر الله (سبحانه وتعالى)

فتذكّر قوله: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن ١٤]

يكفيك فخرًا جهاد قلبك المواسي لدمع السبايا.

اخترنا لكم

تقييم المرأة بين التطفيف والمغالاة ونظرة الإسلام العادلة

لا يختلف اثنان في أن المرأة عانت ما عانت من ألوان الشقاء وأصناف الهوان والعناء... فقد كانت مهدورة الحق ومسترقّة للرجل يستخدمها كيفما شاء، لدرجة أن منحه العرف الجاهلي الحق في دفنها وهي لا تزال على قيد الحياة لتلفظ أنفاسها الاخيرة تحت التراب، وترتقي روحها إلى رب الأرباب، شاكية ظلم الجاهلية الجهلاء وطغيانها... كما كانت النظرة إلى المرأة في العصور القديمة على أنها مخلوقٌ قاصرٌ منحطٌ تارةً وشيطانٌ يسوّل الخطيئة ويوحي بالشر تارة أخرى ، ومما رسّخ هذه النظرة الظالمة للمرأة في المجتمع الكتبُ السماوية المحرفة، فالتوراة مثلاً قد وضحت رأيها في المرأة في الكلمات الآتية: " درتُ أنا وقلبي لأعلم ولأبحث ولأطلب حكمة وعقلاً، ولأعرف الشر أنه جهالة، والحماقة أنها جنون، فوجدت أمرّ من الموت المرأة، التي هي شباك، وقلبها شراك، ويداها قيود " (الاصحاح 14 الفقرة 17) (1). وأما في وجهة نظر المسيحية - خلال العصور الوسطى – فقد كانت تُعدّ مخلوقاً شيطانياً دنساً، يجب الابتعاد عنه. فقد جاء في كتاب تاريخ أخلاق اوربا: «وكانوا يفرون من ظل النساء، ويتأثمون من قربهن والاجتماع بهن، وكانوا يعتقدون أن مصادفتهن في الطريق والتحدث إليهن - ولو كُنَّ أمهات وأزواجاً أو شقيقات - تحبط أعمالهم وجهودهم الروحية»(2). ولم تكن المرأة في المجتمع العربي الجاهلي بأفضل حال، فقد عانت من الظلم ما عانت هي الأخرى، وقد لخص معاناتها الأستاذ الندوي في حياة المرأة في المجتمع العربي الجاهلي، حيث قال: «وكانت المرأة في المجتمع الجاهلي عرضة غبن وحيف، تُؤكل حقوقها وتُبتز أموالها، وتحرم من إرثها، وتُعضل بعد الطلاق أو وفاة الزوج من أن تنكح زوجاً ترضاه، وتورث كما يورث المتاع أو الدابة، وكانت المرأة في الجاهلية يُطفّف معها الكيل، فيتمتع الرجل بحقوقه ولا تتمتع هي بحقوقها، ومن المأكولات ما هو خالص للذكور ومحرم على الإناث، وكان يسوغ للرجل أن يتزوج ما يشاء من النساء من غير تحديد. وقد بلغت كراهة البنات إلى حدّ الوأد، وكانوا يقتلون البنات بقسوة، فقد يتأخر وأد الموؤودة لسفر الوالد وشغله، فلا يئدها إلّا وقد كبرت وصارت تعقل، وكان بعضهم يلقي الأنثى من شاهق»(3). وبعد كل ذلك التطفيف في تقييم المرأة والغبن الذي عانت منه، جاء دور المغالاة في تقييم المرأة الغربية الظاهري حيث منحت الحقوق كالحق في الملكية والإرث ،وحُرّرت من سلطة الأب والزوج ومُنحت حرية الطلاق وحرية التبذل فاستشعرت مساواتها مع الرجل وابتهجت لذلك غافلة عن أنها بالمقابل قد خسرت دينها وأخلاقها وكرامتها وأمنها وطمأنينتها وراحتها والدفء الأسري... فقد كان عليها بعد أداء مهامها النسوية من الحمل والوضع والارضاع والتربية القيام بأعمال الرجل دون أدنى حسبان للفارق الجسماني بينهما كما تكفلت بمهامه فأصبحت مسؤولة عن النفقة على نفسها وعيالها كما هو مسؤول ... ولم يكتفوا باستغلال قواها البدنية واستنزاف طاقتها النفسية وحسب بل استغلوا أنوثتها أيضاً كسلعة رخيصة تجذب الزبائن وتصرف البضائع، مستثيرين الغرائز الحيوانية في نفوسهم، فأي استغلال أسوأ وأبشع من هذا الاستغلال الذي يعده البعض تحرراً للمرأة وما هو في الواقع سوى إستعبادها لشهوات الرجل ولنزواته؟؟ وبين التطفيف المجحف والمغالاة الفاحشة في تقييم المرأة تظهر لنا الأحكام الإسلامية مشرقة بازغة كالشمس المضيئة التي أنارت حياة المرأة ومنحتها كل الدفئ... فقد صحح الإسلام تقييم المرأة وأعاد إليها اعتبارها ومكانتها، ومنحها حقوقها المادية والأدبية بلا إفراط فيها ولا تفريط، وبدون أن تبذل أي مقابل تجاهها أو تخسر شأنها وكرامتها ، فقد ساواها بالرجل في المفاهيم الإنسانية، واتحادها معه في المبدأ والمعاد، وحرمة الدم والعرض والمال، ونيل الجزاء الأخروي على الأعمال ، قال (تعالى) : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (الحجرات: 13). وقال : «مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (النحل: 97). وقال : "وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ (9)" (التكوير: 8 - 9). كما منحها حرية اختيار الزوج الكفوء، فلا يصح تزويجها إلا برضاها، وَحَرَّم كذلك استيراثها قسراً وإكراهاً، قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا» (النساء: 19). وفرض للزوجة على زوجها حق الإعالة ولو كانت ثرية موسرة. وللمنزلة الرفيعة التي حظيت بها المرأة المسلمة فقد تمكنت من محاججة الخليفة الثاني وهو يخطب في المسلمين وينهاهم عن المغالاة في المهور ،فقالت: ما ذاك لك. فقال: ولمَه؟ أجابت: لأن اللّه تعالى يقول «وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا» (النساء: 20). فرجع عمر عن رأيه، وقال: امرأة أصابت ورجل أخطأ.(4) ـــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) مقارنة الأديان ج 3 الاسلام ص 196 بتصرف للدكتور أحمد شلبي. (2) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، للسيد الندوي ص 160. (3) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، للسيد الندوي ص 57 بتصرف. (4) سورة البقرة آية(٣٢)، تفسير القرطبي

اخرى
منذ 8 سنوات
3021

الغديرُ رسالةُ النّبي للأمّة

بقلم: وجدان الشوهاني ينتابُني القلقُ بمَن هم حولي، حتى إنّي بدأتُ أشُكّ في صحةِ عقيدتي في بعض الأحيان! ها هو يومُ الغدير يطلُّ علينا من جديد، ولكنّي أرى ذلك اليوم من منظارٍ مختلفٍ عن الكثيرين؛ فالكثيرُ يفهمُ من تلك الأحداث وما جرى بعد حادثةِ الغدير، أنّ الخلافَ شيعيٌ سنّيٌ فقط، ولكنّي أراهُ أوسعَ من ذلك، فكما هو شيعيٌ سنّيٌ هو شيعيٌ شيعيٌ أيضًا! فثرثرةُ العقلِ تقودني إلى تتبعِ أحداثِ ما جرى بدقةٍ متناهية؛ لأفهم الرسالة السّماويّة التي بيّنها النبي (صلى الله عليه وآله)، ولأقفَ على حقيقةِ معتقدي، عسى أن يرحل عنّي ذلك القلق. فما جرى لم يكن محضَ صدفة، وليس حدثًا عابرًا، فكلُّ ما حدث قد تمَّ بترتيبٍ إلهي، ولأهمية الأمر، كان تدبيرُ الله (تعالى) حاضرًا في كلِّ مفاصلَ الحادثة. تلك الواقعةُ التي تبدأ بقول الله (جلَّ وعلا): "يا أيها الرسول بلّغْ"، فهذه الآيةُ نزلتْ على النبي (صلوات الله عليه وآله ) في حجّه.. صيغةُ الأمر في الفعل (بلّغ) أرهقتني بكثرةِ التفكير في معناها، فهناك أمرٌ مهمٌ وجبَ على النبي أنْ يُبلّغ الأمةَ به، وفي نفس الأمر تشيرُ إلى صفةٍ ثابتةٍ في النبي وهي التبليغ، ومن هنا جاء من صفاته (المبلّغ). تُرى هل تلك الصفةُ يمكنُ أنْ تنتقلَ للبعض الذي سيخصهم الله (تعالى) بعنايته؟ سؤال علينا أنْ لا نغفلَ عنه، ولكن لنُكمِل عسى أنْ نجدَ الإجابةَ؛ فالكلُّ ينتظرُ التبليغ المهم. متى سيقومُ النبيُ بتبليغه؟ فقد أنهى الجميعُ أعمالَ الحج، وبدأ التهيؤ للعودة للديار بعد أن ودّع الجميعُ بيتَ الله الحرام. لم يختر النبي أيَّ مكانٍ من الأماكن التي جرت بها فريضة الحج، ليس تهاونًا كما يتصوّره البعض حتى وصل التوهم لبعض الشيعة، إنّما المكانُ قد جرى وفق تدبير الله (تعالى).. فتلك الأماكنُ يكونُ الحاجُّ فيها مشغولًا بأعمالِ الحجِ، وربما لا ينتبه الكثيرُ لكلامِ النبي (صلى الله عليه وآله)، وهذا خلافُ أهميةِ الأمرِ الذي جاء في الآية. بدأ المسيرُ، حتى وصلَ الجميعُ إلى مُفترقِ طرقٍ، إنّه غديرُ خُمٍ، هكذا هو اسمه، وهكذا جرى تدبيرُ الإلهِ في اختيارِ المكانِ الذي يجمعُ كافةَ المسلمين من كلِّ البلاد. جاء النداءُ؛ ليتوقف الجميع! الكلُّ يسألُ: ماذا جرى؟ هل هناك شيء؟ - نعم؛ فالنبيُّ سوف يخطبُ بكم جميعًا قبلَ أن تفترقوا. نصبوا للنبي منبرًا ليراه الجميع، خطب خُطبتَه المعروفة؛ ليُعلنَ عن تنصيبِ علي بن أبي طالب (عليه السلام) أميرًا للمؤمنين ووليًا وإمامًا بعده. والجميعُ منتبهٌ لذلك التنصيب، ولكن السؤال: هل كان الجميعُ يعي معناه؟ مهلًا، لنعد إلى سؤالٍ طرحناه سابقًا يخصُّ صفةَ (المبلّغ)؛ فجوابُ السؤال عن الصفةِ لا يفهمه إلّا من وعى حقيقة الولاية والإمامة وإمرة المؤمنين.. إن الولاية تستلزم انتقال كُلِّ صفاتِ النبي وخصائصه إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام ) باستثناء النبوة؛ فكما إنّه يجبُ على الأمة طاعةُ النبي (صلى الله عليه وآله) يجبُ أيضًا طاعةُ علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وفي كلِّ شيءٍ حتى التبليغ. فالخلاف الشيعي السني كان في إثبات المعنى وإنكاره، على حين الخلاف الشيعي الشيعي كان في طاعةِ الإمامِ والسيرِ على نهجه بكلِّ حذافيره، فالطاعةُ ليستْ مقتصرةً على صلاةٍ وصومٍ وغيرها من العبادات، وإنّما الطاعةُ تكمنُ في نظامٍ إلهي مُتكاملٍ على مستوى القيادة والإدارة والمنهج بالإضافة إلى العبادة. وهنا نفهمُ معنى السؤال الثاني؛ لأن الكثيرَ لا يفهم أنّ الإمامةَ طاعةٌ مُطلقةٌ في كلِّ شيء.. فكم منّا يؤمنُ بإمامةِ علي (عليه السلام)، ويفرحُ بيوم الغدير، ويبتهلُ إلى الله (تعالى) ويُرسلُ التهاني، ولكنّه إذا توّلى منصبًا سياسيًا نراه لا يسيرُ بنهجِ علي فيسرق! ولو كان طالبًا أكاديميًا لا نراهُ يسيرً بنهج علي فيغش!، ولو كان بقالًا أو موظفًا أو... وحتى النساء تفعلُ ما تفعلُ! فيضعنا فعلُهم أمامَ سؤالٍ: أين نهجُ علي؟! وأين الولايةُ التي احتفلوا بها وقدّموا من أجلها التهاني؟! لا أتكلمُ عن الجميع، وإنّما كلامي للبعض.. وهذا هو الخلاف الشيعي الشيعي؛ فعدمُ فهمِ معنى الولاية قادنا إلى متاهات، ونحنُ من جعلنا دائرةَ الخلافِ تتسع. ولا عجب في ذلك، فالجميعُ يعلمُ بحضور شخصياتٍ بارزة في مبايعة يوم الغدير كأبي بكرٍ وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وطلحة والزبير، ولو تمعّنا في الأسماء جيّدًا سنجدهم أبطالًا لكثيرٍ من الأحداث التي جرت فيما بعد، أهمّها السقيفة! هذه الأسماءُ هي أوّلُ من لبّتْ أمرَ النبي بعد أنْ بلّغ الأمّة بالأمر المهم وهي البيعة لعلي بن أبي طالب (عليه السلام )، وكانت مبايعتهم على مرأى ومسمع الجميع، فكانوا ممّن أطاع الله والنبي (صلى الله عليه وآله) في بيعتهم للإمام علي (عليه السلام)، خصوصًا أنّهم نادوه بإمرة المؤمنين! وهذا يعني أنّهم فهموا من خطبة النبي أنّ عليًا أميرهم وتجب طاعته؛ لأنها طاعةُ الله ونبيّه، ولكن هل ستستمر هذه الطاعة إنْ غاب عنهم شخص النبي؟ ما جرى من أحداثِ السقيفة كشف حقيقة تلك المبايعة. ولكن علينا أنْ نفهمَ أنّ السقيفةَ قد رسمتْ للأمّة منهجًا مغايرًا لمنهجِ النبي وعلي (عليهما وآلهما السلام). وهنا نقفُ مندهشين أمام البعض ممن يُبايعُ الإمام في يوم الغدير بزيارة مرقدِه ولكنّه يسيرُ بمنهج السقيفة بالخفاء! أيُّ نفاقٍ يحملُ هؤلاءِ، هذا النفاقُ الذي بانَ في تعاملهم مع المرجعية؛ فالمقلدون كثيرون كما أنّ المبايعين لعلي (عليه السلام) كثيرون، ولكن إنْ جئنا إلى التطبيق، فلن نجدَ إلّا النزر القليل. وهنا نفهمُ الربطَ الحقيقي بين ما جرى في واقعةِ الغدير وبين علاقتِنا بالإمام الحجة (عجّل الله فرجه) وعلاقتنا بمرجعيتنا. فرسالةُ النبي (صلى الله عليه وآله) للأمّة، رسالةٌ مهمة تحتاج منّا مزيدًا من الوعي، والانتباه؛ إذ إنَّ نكرانَ إمامةِ علي (عليه السلام) لا يختلفُ كثيرًا عن إنكارِ التقليد؛ لأنّه سيقودُ لإنكار إمامةِ الحجة (عجّل الله فرجه). وعدمُ السير بمنهج علي (عليه السلام) لا يختلفُ كثيرًا عن عدمِ الأخذِ بوصايا المرجعية والسير وفقَ منهجِ الهوى الذي وضعه أهل السقيفة. فاليوم مطلوبٌ منّا ألّا ننظر للأمر من منظارِ المذهبية، بل علينا أنْ ننظر لتلك الولاية من منظار التطبيق؛ لأنّ وفق منظار التطبيق سيسقطُ الكثيرُ سواءً على مستوى من يخالفنا في المذهب أو يتفق معنا بالمذهب! ولكي نُزيلَ الأوهامَ والقلق الذي يكادُ أنْ يقتل المُنصفين أقول: إنَّ رسالةَ النبي (صلى الله عليه وآله) للأمّة في يومِ الغدير عميقةٌ في محتواها، تحتاجُ للعقول الواعية.. فنبيُّكم يُنادي وإمامُكم يُنادي ومرجعُكم يُنادي الولايةُ تطبيقُ منهجٍ، وليس فقط مذهب! فهل فيكم مَن يعي ذلك النداء؟!

اخرى
منذ 6 سنوات
2235

منهجية الخطاب الحسيني يوم عاشوراء

الخطاب الحسيني هو خطاب إسلامي أصيل متكامل الجوانب شرعياً وإنسانياً وأخلاقياً وقيمياً واجتماعياً وسياسياً ، إنه باختصار: منهج حياة . مرَّ الخطاب الحسيني بمراحل عديدة منذ انطلاقة النهضة واستمر لما بعدها بما رسَّخ من مبادئ وقيم لا زالت خالدة حتى يومنا هذا ، ولتشعّب مراحل الخطاب الحسيني وتنوّعها فلكل مرحلة من مراحله لها أسبابها وظروفها وواقعها الموضوعي ونتائجها التي لا نستطيع الالمام بها في هذه الأسطر، ورعاية للاختصار سنقف على أهم ما تميز به الخطاب الحسيني في يوم عاشوراء فقط، لأنه اليوم الذي ترجم بوضوح كل محطات الخطاب الحسيني وأهدافه. ولعل أول وأهم مفردات منهج الخطاب الحسيني في يوم عاشوراء هي التوكل على الله والالتجاء إليه، فقد روي عن الإمام السجاد (عليه السلام) :( لما أصبحت الخيل تُقبل على الحسين (عليه السلام) رفع يديه وقال :اللهم أنت ثقتي في كل كرب ، ورجائي في كل شدة ، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة ، كممن كرب يضعف عنه الفؤاد ، وتقلّ فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ، ويشمت فيه العدو ،أنزلتُه بك وشكوته إليك ، رغبة مني إليك عمن سواك ، ففرّجته وكشفته ، فأنت ولي كل نعمة ، وصاحب كل حسنة ، ومنتهى كل رغبة)(1) يتبين من الخطاب الحسيني في هذا الدعاء أن حركة الإمام الحسين (عليه السلام) مرتبطة بالله تعالى هدفاً وسلوكا ًوغاية ووسيلة من خلال التوجه والخضوع لله تعالى والدعاء بنفس الكيفية في حالة السراء والضراء مما تعزِّز من الارتباط بالله تعالى والتسليم المطلق لحكمه وإرادته. وبدأ الخطاب الحسيني يعلن عن مبادئه في أول مواجهة صبيحة يوم عاشوراء حينما أُوقدتْ النار في الخندق الذي يحصِّن المخيم الحسيني من مباغتة الأعداء من الخلف فصاح الشمر بأعلى صوته : يا حسين أتعجّلت بالنار قبل يوم القيامة ؟ فقال الحسين (عليه السلام) :أنت أولى بها صلياً. ورام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم فمنعه الحسين (عليه السلام) من ذلك ، فقال له : دعني حتى أرميه ، فقال له الحسين (عليه السلام) : لا ترمه! فاني أكره أن أبدأهم بقتال)(2) إنها أخلاقية الحرب في الإسلام وهذه مبادئ الحسين التي لا يتخلى عنها أبداً فهي ثابتة عنده في السلم والحرب ، إنها ذات المبادئ التي منعت مسلم بن عقيل (عليه السلام) أن يفتك بابن زياد في دار هانئ بن عروة ، وهي ذات المبادئ التي تسلَّحَ بها أمير المؤمنين (عليه السلام) ضد خصومه ورفضه للغدر ، فالمنهج هو ذات المنهج ، منهج الرسالة المحمدية الأصيلة . بعد هذا الإعلان عن القيم والمبادئ الحقة التي انتهجها الخطاب الحسيني يوم عاشوراء لإبراز هوية النهضة الحسينية وأصولها، أكمل الخطاب الحسيني مسيرته في إرساء قواعد العدالة والإصلاح في هذه الأمة عن طريق النصح والإرشاد وإلقاء الحجة فحاول الإمام الحسين (عليه السلام) أن يخاطبهم، إلا إنهم أبوا حتى أن يسمعوا الحق وعلا ضجيجهم ولغطهم ورضخوا في نهاية الأمر فخطب فيهم خطبته المشهورة والتي سنقتطف جزءاً منها: (ألا لعنة الله على الناكثين الذين ينقضون الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً فأنتم والله هم ،ألا وإن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ، ورسوله والمؤمنون ، وحجور طابت وطهرت ، وأنوف حمية ، ونفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام ، على مصارع الكرام ، ألا وإني زاحف بهذه الأسرة على قلة العدد وخذلان الناصر)(3) كان الخطاب في هذه الخطبة شديد اللهجة حيث عاتبهم الامام الحسين (عليه السلام) على نكثهم الوعود وتخاذلهم عن نصرته وثباته على موقفه رغم هذا الخذلان. كما حاول زهير بن القين وبرير بن خضير بلغة العقل والمنطق ان يتحدثوا مع جيش بن سعد إلا إنهم رفضوا أن يسمعوا لهم أيضاً. وهنا بدا المشهد واضحاً أن لا جدال ولا حوار ينفع مع القوم، فهم يلهثون وراء أطماعهم وأسيادهم فاستعمل الإمام الحسين (عليه السلام) أسلوباً آخر في المحاججة فعاد على ظهر فرسه ووقف أمام الجيش وخاطبهم قائلا: (أما بعد فانسبوني فأنظروا من أنا، ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، وأنظروا هل يحل لكم قتلي، وانتهاك حرمتي، ألست ابن بنت نبيكم، وابن وصيه وابن عمّه، وأوّل المؤمنين بالله، والمصدّق لرسوله بما جاء من عند ربّه؟ أو ليس حمزة سيّد الشهداء عم أبي؟ أو ليس جعفر الشهيد الطيار ذو الجناحين عمّي؟ أو لم يبلغكم قول مستفيض فيكم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لي ولأخي: (هذان سيّدا شباب أهل الجنّة)، فإن صدّقتموني بما أقول وهو الحق، والله ما تعمّدت الكذب منذ علمتُ أنّ الله يمقت عليه أهله، ويضرّ به من اختلقه، وإن كذّبتموني، فإنّ فيكم من أن سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري، وأبا سعيد الخدري، وسهل بن سعد الساعدي، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، يخبرونكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لي ولأخي)(4) فقاطعه الشمر لعنه الله وأكمل الإمام الحسين (عليه السلام) خطابه الاحتجاجي بتغيير محور الاحتجاج الذي يطرحه في كل مرة، فقال (عليه السلام): (إن كنتم في شك من هذا القول، أ فتشكّون فيّ أنّي ابن بنت نبيكم؟ فو الله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم، ولا في غيركم، أنا ابن بنت نبيكم خاصة ، أخبروني أتطلبوني بقتيل منكم قتلته؟ أو مال لكم استهلكته؟ أو بقصاص من جراحة؟)(5) وأيضاً لم يستجب له احد فأعاد الخطاب الحجاجي مرة أخرى ولكن بمصاديق واقعية فقال: (أما ترون سيف رسول الله ولامة حربه وعمامة علي؟ قالوا نعم. قال: فلم تقاتلوني؟ أجابوا :طاعة للأمير بن زياد(6) وهنا بعد أن أجابوه بأن قتالهم لهم طاعة للحاكم الظالم واتضح أن لا رأي لهم ولا حكمة فهم مجرد أدوات قتل لمعارضي سادة الحكم، فأخبرهم الامام الحسين (عليه السلام) بمصيرهم وما سيقع عليهم بعد استشهاده وأنه عهد معهود من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو تعبير عن مشروعية ثورته واتصالها بأصل الشريعة ورسولها بقوله سلام الله عليه : (أما واللَهِ لاَ تَلْبَثُونَ إلاَّ كَرَيْثِمَا يُرْكَبُ الْفَرَسُ ، حَتَّي‌ تَدُورَ بِكُمْ دَوْرَ الرَّحَي‌ ! وَ تَقْلَقَ بِكُمْ قَلَقَ الْمِحْوَرِ ! عَهْدٌ عَهِدَهُ إِلَي‌َّ أَبِي‌ عَنْ جَدِّي‌ ؛ فَأَجْمِعُو´ا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُو´ا إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ إِنِّي‌ تَوَكَّلْتُ عَلَي‌ اللَهِ رَبِّي‌ وَ رَبِّكُم‌ مَا مِن‌ دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذُ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي‌ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ)(7). إن أسلوب إلقاء الحجة والاحتجاج بالأدلة الشرعية والبراهين من أههم مفردات الخطاب الحسيني يوم عاشوراء واكثرها تأثيراً لمتانة الأدلة وتنوّع الأساليب الاحتجاجية والموعظة الحسنة بين ثنايا هذا الخطاب، إلا إن عمر بن سعد لعنه الله كان مصِّراً على قتال الإمام الحسين طمعاً بحكم الري ، وهنا انتهى دور الحوار والنصح بعد إلقاء الحجة، فأخبر الامام الحسين (عليه السلام) عمر بن سعد بمصيره الأسود وسوء عاقبته: (أي عمر أتزعم أنك تقتلني ويوليك الدعي بلاد الري وجرجان، والله لا تهنأ بذلك، عهد معهود، فاصنع ما أنت صانع، فإنك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة، وكأني برأسك على قصبة يتراماه الصبيان بالكوفة، ويتخذونه غرضاً بينهم فصرف بوجهه عنه مغضباً)(8) وبدأ عمر بن سعد القتال قائلا :(اشهدوا أني أول من رمى ، ثم ترامى الناس وتبارزوا)(9) وبدأت المعركة وانجلت الغبرة عن الحملة الاولى بخمسين قتيل من اصحاب الحسين سلام الله عليهم أجمعين كان الإمام الحسين يجلس فيها عند الشهداء ويدعو لهم ، وقد طغت الرحمة والرأفة على مفردات الخطاب الحسيني فيها. وفي الحملة الثانية لأصحاب الحسين (عليه السلام) كان الخطاب الطاغي على مفردات المنهج الحسيني هو خطاب التشجيع والحث على القتال واستنهاض همم بقية الاصحاب خاصة عندما اشتدت حملات جيش العدو على مخيم الحسين وأمطروه بوابل من السهام حتى لم يبقَ أحد من أصحاب الحسين إلا وأصابه سهم وتمثل ذلك بقوله (عليه السلام) :(قوموا رحمكم الله الى الموت الذي لا بدَّ منه فإن هذه السهام رسل القوم إليكم)(10) . ودارت رحى الحرب، حتى حان وقت الزوال وهو موعد الصلاة الأخيرة وموعد اللقاء الأخير مع الخالق في هذه الدنيا، فلم تمنع السهام والأسنة والرماح الإمام الحسين وأصحابه من العروج الملكوتي في الصلاة، والحرب لمّا تضع أوزارها وإنها لعمري من روائع منهج الخطاب الحسيني الالتزام بالصلاة في أصعب المواقف والظروف ، واستمرت المعركة وأقمار بنو هاشم من آل الرسول يتساقطون الواحد تلو الآخر على رمضاء كربلاء فتحول الخطاب الحسيني إلى خطاب مشحون بالعاطفة وانطلقت صرخات الاستغاثة بعد أن حز ّّفي نفسه الأبية عويل النساء وصراخ الاطفال والأيتام من آل محمد فوقف بأبي هو وأمي ينادي: (هل من ذاب عن حرم رسول الله؟ هل من موَّحد يخاف الله فينا؟ هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا)(11) فلم يجبه أحد غير صراخ العائلة المروِّع كما ازداد الصراخ بعد أن ذُبِحَ الرضيع بين يدي الحسين (سلام الله عليه) وهو لا زال كالطود الأشّم لم يضعف ولم يتزعزع قيد أنملة بل راح يناجي ربه وهو يرمي الدم إلى السماء(هوَّنَ ما نزل بي أنه بعين الله)(12). وبعد استشهاد أخيه وحامل لوائه العباس (عليه السلام) انكسر ظهر الإمام الحسين بأبي هو وأمي لكن لم ينكسر الخطاب الحسيني فالخطاب هو هو خطاب يملؤه القوة والإباء حتى بعد أن اقتحم الميدان ليصل إلى الفرات عند أخيه أبي الفضل أصابه سهم بحنكه فانتزع السهم وهو يقول: (اللهم إني أشكو إليك ما يُفعل بابن بنت نبيك)(13) وهنا اشتكى الإمام الحسين الى الله ما جرى عليه بعد أن ألَمَّ به الخطب وفدح به المصاب. ورغم بقاء إمامنا الحسين (سلام الله عليه) وحيداً فريداً بين الوحوش البشرية ممن لا يردعهم دين ولا حمية إلا إن الغيرة الهاشمية على حرم رسول الله كانت هي الطاغية على مفردات الخطاب الحسيني في لحظاته الأخيرة فصاح بهم (انا الذي أقاتلكم والنساء ليس عليهن جناح فامنعوا عُتاتكم من التعرض لحُرَمي ما دمت حيًا)(14) فتقدم الشمر وعشرة من رجاله نحو المخيم فصاح فيهم: ( ويلكم يا شيعة آل سفيان, إن لم يكن لكم دين, وكنتم لا تخافون يوم المعاد, فكونوا أحراراً في دنياكم [هذه]. وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون. فناداه شمر: ما تقول يا ابن فاطمة؟ فقال: أقول إني أقاتلكم وتقاتلونني, والنساء ليس عليهن جناح. فامنعوا عتاتكم وجهالكم وطغاتكم من التعرض لحرمي ما دمت حياً. فقال شمر: لك ذلك يا ابن فاطمة)(15). وقاتل الحسين وحيداً أمام هذا الجيش العرمرم وصار جسده الشريف مرتعاً للسهام والنبال والرماح وطعن السيوف وفي كل جرح كان يذكر الله في آخر مفردات الخطاب الحسيني يوم عاشوراء الذي بدأه بذكر الله وختمه بذكر الله كما عاش بينهما لله وفي الله حتى حزّوا رأسه الشريف وهو يلهج بذكر الله ، ولم ينتهِ الخطاب الحسيني في هذه اللحظات بأفول شمس الحسين (عليه السلام) بل امتدّ كشعار ومدرسة ومشروع إصلاح ونهضة أمة وجهاد وتاريخ ورسالة مؤثرة في حركة البشرية حتى قيام الساعة. _____________________________ (1)تاريخ الامم والملوك للطبري/ج4/ص321 الارشاد للشيخ المفيد/ص233 (2) راجع الارشاد للشيخ المفيد/ص217 بتصرف (3) راجع مقتل الحسين للخوارزمي /ج2/ص6_7 تاريخ ابن عساكر /ص670 (4) تاريخ الامم والملوك للطبري/ج4/ص322 الكامل في التاريخ لابن الاثير /ج4/ص61 (5) تاريخ الامم والملوك للطبري/ج4/ص323 الكامل في التاريخ لابن الاثير /ج4/ص62 (6) مقتل الحسين للمقرم /ص233_234 (7)المصدر السابق ص235 (8)الكامل في التاريخ لابن الاثير / ج4/ص241 (9) الارشاد للشيخ المفيد/ص236 (10) مقتل الحسين للمقرم/ص237 (11) مقتل الحسين لابن طاووس/ ص49 (12) مقتل الحسين لابن طاووس /ص49 تاريخ الامم والملوك للطبري/ج4/ص342 ابن كثير/ج8/ص187 (13) الارشاد للشيخ المفيد/ص240 (14) مقتل الحسين لابن طاووس/ص50 (15) اعيان الشيعة لمحسن الامين العاملي/ج1/ص609 بحار الانوار للمجلسي /ج45/ص51 عبير المنظور

اخرى
منذ 8 سنوات
7442

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
89580

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
80530

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
61908

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 7 سنوات
52619

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 8 سنوات
49275

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
46834