تشغيل الوضع الليلي

خاطرة

منذ 6 سنوات عدد المشاهدات : 1976

امسكتُ القَلمُ لِأكتُبَ عنها، وأُعبر عن حُزني في ليلة وفاتها، فانهَمرَتْ دُموعي على وجنتي كالمطر، وتساقطت على الورقة، فابتَلت بالدموع، تركتُ ما بينَ يَدي، وصعدتُ إلى السطح، لَعلي أتنفسُ بِشكلٍ أفضل بعدما خنقتني عبرتي عِندَ ذكرها، فنظرت إلى السماء، فرأيت القَمرَ بازغًا، وتراءت لي صورة بدرٍ آخر.، كان أكثر بزوغًا وجمالًا مِن هذا القمر، قد هوى أرضًا بعدما قطعوا ذراعيه، وأطفأوا بسهمٍ نورَ عينيه، فأظلمت لياليها، واتبعه سقوط الشمس فاسودت أيامها، وَسبقهُ تناثُر كواكب ثلاثة من أولادها، ثم رسمتُ بمخيلتي حال أُمٍ دنى أجلُها، هاجَ حَنينُها لِأولادها، لِتوصيهم كما توصي بقيةِ الأمهات أبناءها، ولكن هيهات، فَلم يبق لأمِ البنين من ولدٍ توصيه، ولا من يُجهزها ويَحمِلُ نعشها من أبنائها، فأغمضت عينيها بدموع منهمرة، واسبلت يديها، وَرحَلت إلى ربها، فازداد حُزني، واجهشتُ بالبُكاء، فسلامُ عليكِ يا كف العطاء، ورمز الوفاء، يا مواسيةً للزهراء، ورحمةُ اللهِ وبركاته

خادمة الزهراء

اخترنا لكم

اعلموا أني فاطمة...

بقلم: رضا الله غايتي ما أن نغوص في التاريخ الإسلامي وما تضمنه من أحداث جسام، وما أن نطالع صفحاته وما جرى فيها من ظلاماتٍ على خير الأنام، من رزية الخميس إلى ما ارتكب من جرائم بحق سيدة النساء وبعلها إمامنا الهمام، حتى تكاد تتمزق قلوبنا ألماً وتمتلأ نفوسنا أسىً ونتساءل عجباً: أنّى لأفواههم أن تنسب الهجر إلى الرسول؟! أولم يقرؤوا "إن هو إلا وحيٌ يوحى"؟! وأنّى لأيديهم أن تجترح ما اجترحت من جرائم بحق الزهراء البتول؟! أولم يعلموا أن رضا الله مرهون برضاها؟! وأنّى لسائر المسلمين أن يصمتوا إزاء كل ذلك؟! أولم يفقهوا القرآن أن من عقر ناقة صالح واحدٌ ولكن الله (تعالى) عمّهم بالعذاب لما عمّوه بالرضا؟! وبينما القلب والهٌ محزون، والنفس قد عُجنت بمشاعر الحيرة والشجون، قادني حبي لها وأسفي لما جرى عليها إلى مطالعة ما ألقاه قلبها المكلوم، من خطاب تاريخي في مسجد أبيها لكل من القاصي والداني معلوم، علّني أجد جواباً لتساؤلاتي وردّاً على ما أثار عجبي وحيرتي وألْهبَ آهاتي، وما أن قرأت كلمات سيدتي ومولاتي المعصومة بنت المعصوم، حتى لاح لي الردُّ بنور كلامها الساطع الذي بدّد سحب العجب وأزال حيرتي: "اعلموا أني فاطمة".. عجباً سيدتي ومولاتي!! وهل يخفى البدر في الليلة الظلماء؟! وهل هناك مَن تدانيكِ بالشجاعة والبلاغة في جميع النساء؟! قرأتُ إنها قالت ذلك إلقاءً للحجة على القوم لئلا يتذرعوا بجهلهم بهوية المتحدثة! ربما.. فلطالما أنكروا البديهيات وخالفوا أوضح الواضحات.. ولكن أولم تكن مطالبتها بحقها في ميراث أبيها وفي فدك كفيلةً بتحديد هويتها؟!.. فهل نتعقل أن تأمر حجة الحجج بأمرٍ غير ذي بال أو ليس ذا شأنٍ عظيم؟ وأخيراً.. وجدتُ ضالتي، فبقولها: (اعلموا أني فاطمة) تأمر بمعرفتها تلك المعرفة التي تنفع العارف أيّما نفع وتضر التارك لها والمخالف. معرفة مؤثرة لازمة للإيمان وموجبة للطاعة والالتزام. آخذة بأعناق العارفين بها إلى جادة الصواب وتطبيق الشريعة بإحكام. كفيلة بحفظ المسلمين من الفرقة فضلاً عن حفظ الإسلام.. من هنا يتضح أن السيدة الزهراء (عليها السلام) حينما قالت: "اعلموا اني فاطمة" لم تكن قاصدة التعريف بنفسها ونسبها من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتلك معرفة واضحة للعيان ولا تحتاج إلى بيان أو برهان، وإنما كانت قاصدة تذكيرهم بسمو مقامها ورفعة شأنها وعلو منزلتها، تريد أن تذكرهم بما ورد عن مجاهد حين قال: خرج النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وهو آخذ بيد فاطمة، فقال: "من عرف هذه فقد عرفها، ومن لم يعرفها فهي فاطمة بنت محمّد، وهي بضعة منّي، وهي قلبي، وهي روحي الّتي بين جنبي، من آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله"(1) ويطلق على هذه المعرفة في حال وقوفها على الذهن فقط بالمعرفة التحقيقية النظرية وهي المعرفة المتحصلة من البحث عن ذاتها من خلال التعرف على سماتها والاعتقاد بأنها معصومة بالاستناد إلى ما قاله المعصومون في حقها، لاسيما سيدهم الخاتم (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين). وبما أن العصمة تدل على الحجية، واتباع الحجة مؤداه دخول الجنة وخلافه دخول النار، فإن هذه المعرفة النظرية لا تضمن الاتباع وإن كانت تدعو إليه؛ لأنها توجب على من وقف عليها الطاعةَ والالتزام عقلاً، ولكن قد يخالف ذلك سلوكاً في حال عدم الانقياد للعقل، وبالتالي فلا تعصمه من ارتكاب الذنوب والخطل عند القول والزلل عند الفعل. قال (تعالى):" وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْـمُفْسِدِينَ "(2) على حين أن المرتبة الأخرى من المعرفة تفعل ذلك؛ لأن الانسان يتلبسها ويتشرب بها فتنتقل من مجرد التحقيق الذهني إلى التشرب الروحي. أي تكون علاقة العارف بمن يعرف علاقة قلبية أو فؤادية لا مجرد علاقة ذهنية؛ ولذا كان لها الأثر الواضح في السلوك فضلاً عن الاعتقاد؛ لأنها تحوّل الإنسان العارف بها إلى وجود قويّ خيريّ محرّك لطاقاته باتجاه الكمالات ملتزماً جادة السداد، وبذا تستبطن الاتباع وتأخذ بعنق العارف بها نحو الطاعة والانقياد. وبالتالي تعصم صاحبها بالعصمة الصغرى(3) من الذنوب والعصيان، وتنقذه من العذاب والنيران، وتقوده إلى حيث النعيم والجنان. ويطلق على هذه المرتبة من المعرفة بالمعرفة التحققية وقد بلغها المخلَصون كسلمان المحمدي وأبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر والمقداد وأصحاب الإمام الحسين (عليه السلام). فإذا كانت معرفتها (سلام الله عليها) توجب هذه الدرجة من التقوى العالية والثبات على الحق ونصرته والاستشهاد دونه ونبذ الباطل ومقارعته، يتضح لنا مدى غربتها بين المسلمين يومئذٍ (روحي وأرواح العالمين لها الفداء). فقد روي عن فضة (رضوان الله عليها) عنها (عليها السلام):"رفعت قوتي، وخانني جلدي، وشمت بي عدوي، والكمد قاتلي، يا أبتاه بقيت والهة وحيدة، وحيرانة فريدة، فقد انخمد صوتي، وانقطع ظهري، وتنغص عيشي، وتكدر دهري، فما أجد يا أبتاه بعدك أنيساً لوحشتي، ولا راداً لدمعتي ولا معيناً لضعفي، فقد فني بعدك محكم التنزيل، ومهبط جبرائيل، ومحل ميكائيل. انقلبت بعدك يا أبتاه الأسباب، وتغلقت دوني الأبواب"(4) فإن كنا نعجب من التاريخ ونتحرّق ألماً لما جرى فيه، فإن فيه لعبراً يجدر بنا الالتفات اليها؛ لأنه ما انفك يعيد نفسه. فما أشبه اليوم بأمسه، وما أشبه ظلامة إمام زماننا المنتظر (عجل الله فرجه) بظلامة جدته الزهراء (عليها السلام). فهما معاً بالرغم من أنهما حجج الله على العباد فقد عاشا بغربة بسبب جهل المسلمين بمقامهما الرفيع السامي. وبالرغم من أن لهما الولاية على جميع الكون فضلاً عن البلاد فقد غُصِبَ حقهما ظلماً وجوراً وتجاوزاً على الحكم الإلهي. فما أشبه من أحرق الدار فقيل له: إن في الدار فاطمة فقال: وإن، بمن يتجاهر بالذنوب والمعاصي وهو يعلم أن إمامه ناظرٌ إليه محزون يئن!! ولم تكتفِ بضعة المصطفى وروحه (سلام الله عليها) بإلقاء الخطب، بل استنصرت المسلمين. ولكن لجهلهم بمقامها الشريف وشأنها المنيف لم تجدهم إلا عن نصرة الحق متخاذلين. كما روى ابن قتيبة إذ قال: "وخرج علي كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله على دابة ليلاً في مجالس الأنصار تسألهم النصرة، فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر، ما عدلنا به، فيقول علي كرم الله وجهه: أ فكنتُ أدع رسول الله صلى الله عليه وآله في بيته لم أدفنه. وأخرج أنازع الناس سلطانه؟ فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم"(5) موقفٌ تكلّ عن وصفه الأقلام، وتعجز عن استيعابه الأفهام، أ فميزان رضا الله (جل وعلا) يدعوهم فلا يستجيبون؟! ويستنصرهم فلا ينتصرون؟! أ فبالركون إلى أمانٍ مزيف لسخط الله (جل جلاله) يتعرضون؟! أم بالقليل من متاع الدنيا لأخراهم وحياتهم الأبدية يضيعون؟! ألمي عليكِ سيدتي.. ألمي عليكِ وعلى بعلكِ مولاي ومولى المؤمنين. ولأن العاقل لابد أن يجمع بين العَبرة والعِبرة، فإننا نعيش الغيبة الكبرى لإمامنا صاحب العصر والزمان(عجل الله فرجه)، فهل نحن ممن عرفنا مقامه العظيم وأدخل السرور على قلبه المقدس بالخير والإحسان؟ أم أننا ممن جهل قدره الجليل وأحزن قلبه المفجوع بمصاب جدته وآبائه (عليهم السلام) ــ والعياذ بالله ــ بالذنوب والعصيان؟ ومن المعلوم أن من المتوقع ظهوره المبارك بغتةً، فهل تُرانا أعددنا العدة لنصرته بمعرفته المؤثرة وبالتقرب إليه في كل آن؟! سؤالٌ لا بدّ له من جواب وكل منا " عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ . وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ "(6) [القيامة 14و15] "اللهم عرفني نفسك فانك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف رسولك اللهم عرفني رسولك فانك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك اللهم عرفني حجتك فانك إن لم تعرفني حجتك ظللت عن ديني ، اللهم لا تمتني ميتة جاهلية ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني" ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الفصول المهمة ص 146 (2) النمل 14 (3) العصمة الصغرى هي العصمة التي تكتسب بالتقوى العالية المتولدة من دوام الالتزام بالأحكام الشرعية مع مراعاة الاحتياط والابتعاد عن الشبهات. وهي غير العصمة الواجبة: عصمة الأنبياء والأوصياء وسيدة النساء (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين). (4) بحار الانوار ج43 ص175 (5) الإمامة والسياسة ج1 ص19

اخرى
منذ 7 سنوات
5078

الإنترنت وأثره على الحياة الزوجية

أروقةٌ طالما غصت بالخصوم وشهدت على تبادل نظرات الحقد والألم في عينيهم بعد أن كانت يوماً إلى تحقيق الأحلام والآمال من أهم سبلهم... وقاعاتٌ تبعث الأجواء فيها على الأسى والتحطم، مشحونة باتهامات وهجاء وصراخ قد علا بنبرات التظلّم، حتى وكأنه أثاثها الخشبي قد تأوّه وتأوّه وودّ لو أنه أحرِق أشجاراً في جلباب خضرتها ولم يستمع إلى أشجان بلغت القمة في قساوتها.. وتلك القراطيس البيضاء التي لطالما خط عليها قلبان نابضان بالحب والأمل أحلامهما الوردية، أضحت مظلمة سوداء، قد سوَدتّها الدموع والآهات الممتزجة بحبر قلم بكى سواد عينه وهو يخط بألم كتاب الندم. فيا لها من مفارقة قرطاس أبيض قد تلوّن بالبهجة والفرحة ولم يلبث كثيراً حتى أحيلت بهجته إلى ظلمة وعتمة بقرطاس آخر. قرطاس أسّس أسرة ... وآخر هدمها... مشهد غاية في القساوة وكيف لا يكون كذلك وقد اكتنف نفوساً تتمزق، وقلوباً تتقطع، وفلذات أكباد تتشرد، بل وتتيتّم من أحد والديها رغم أنه لازال على قيد الحياة... ولكنه على قساوته بات مألوفاً جداً لدى المحامين والباحثين الإجتماعيين والقضاة ؛ ولا غرو في ذلك فقد عاشوا الكثير من تلك القصص المؤلمة وبشكل يومي حتى ألفوها !!!! ولطالما قرأوا في وجوه الخصوم أقسى ألوان المعاناة .. من المعلوم أن للطلاق أسباب كثيرة يطول البحث فيها، إلا أننا ارتأينا أن نسلط الضوء على أكثرها شيوعاً، وأشدها على الأسر اليوم وقوعاً، وهو ((الإنترنت )). يقول رئيس مجمع دار القضاء في بغداد الجديدة القاضي (أمير زين العابدين) إن “أهم سبب اليوم يؤدي الى زيادة حالات الطلاق هو الإنترنت، إذ كانت سابقاً حالات الخيانة الزوجية من الصعب إثباتها، إذ يفترض أن تحدث في فراش الزوجية، أما اليوم أصبح إثبات حالة الخيانة لدى الزوجين سهلة. فيكفي أن يتحدث الزوج أو الزوجة مع شخص آخر أو يمارس بعض الممارسات عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتثبت الخيانة وبعدها يقع الطلاق” (1). من جانبه (أرجع رئيس المركز العراقي لشؤون المرأة "الحسين الدرويش" السبب في تزايد حالات الطلاق إلى التكنولوجيا الحديثة، التي أثرت بشكل كبير على النساء والرجال، حيث إن أغلب حالات الطلاق كان سببها المباشر، أو غير مباشر، مواقع التواصل الاجتماعي )(2) ولكي نكون منصفين لا يمكننا الادعاء بأن الإنترنت هو السبب في الطلاق وهل يمكن أن تعد يوماً أداة ارتكاب جريمةٍ ما هي الجاني؟! بل لابد من وجود محرك هو الذي حركها، وفاعل بملئ إرادته قد أهوى بها على جسد الحياة الزوجية فأرداها قتيلة... ترى ما الذي ألجأه إلى استخدام الإنترنت بهذا الشكل الخطير؟ وكيف تمكّن مجرد جهاز صغير من تدمير عش أسرته الكبير؟ وهل يمكن معالجة الحياة الزوجية بعدئذٍ وعودتها إلى الحياة كسابق عهدها ؟؟ وكيف يمكن ذلك؟ ثم كيف يمكننا استخدام الإنترنت بشكل يخدم الحياة الزوجية ويسعدها؟ تساؤلات نحاول الإجابة عنها على نحو الإيجاز فيما يأتي .... الأسباب التي تُمهّد لاستخدام الإنترنت بشكل سلبي: يعد الانترنت مصدراً هاماً للمعلومات وهو أيضاً يوفر سبل اتصال سهلة ويسيرة وبذلك لا يمكن القول أن كل من يستخدمه فهو خاطئ، وإنما سوء استخدامه هو السلوك الخاطئ لما يترتب عليه من آثار خطيرة على المستخدم نفسه أولاً وعلى المحيطين به ثانياً لاسيما الزوجة. ومن أبرز الأسباب التي تمهد للاستخدام الخاطئ للإنترنت هي: أولاً: ضعف الوازع الديني ووهن الجانب الخُلُقي للمستخدم، واتّباعه لأهوائه وشهواته. ثانياً : الهروب من المشاكل : فقد يكون الواقع الذي يعيشه المستخدم لا يروق له لسبب أو لآخر فيعمد إلى الهروب منه واللجوء إلى الإنترنت. ومن المعلوم أن مجرد هروب الإنسان من الواقع وعدم مواجهته له يشكّل نقطة ضعف في شخصيته، وبالتالي فمن يقتحم الإنترنت بشخصية ضعيفة من المحتمل جداً أن يتأثر به سلباً. ثالثاً: حب الظهور: قد لا يجد الشخص تقديراً لذاته من قبل الآخرين في حياته الواقعية فيلجأ إلى الحياة الافتراضية التي يعيشها مع الكثير من الأشخاص عبر وسائل التواصل الاجتماعي والذين غالباً ما يتميزون بالمبالغة في المجاملات فيحصل بذلك على بغيته في تقدير الآخرين له. رابعاً: ولوج هذا العالم أساساً لأهداف غير أخلاقية ، من قبيل مشاهدة المواد المحرَّمة التي تعرض على بعض المواقع، أو لأجل خوض بعض المغامرات في تكوين علاقات مع الجنس الآخر مستغلاً ما تتّسم به وسائل التواصل الاجتماعي على مختلف أنواعها من سرية وسهولة التواصل فيها في أي زمان ومكان وتحت أي ظرف... آثار الاستخدام السلبي للإنترنت: لابد لكل سلوك سلبي من آثار سلبية تترتب عليه، وهكذا الاستخدام السلبي للانترنت، ومن أهم تلك الآثار: أولاً : كثرة استخدامه فضلاً عن الإدمان عليه الذي يلتهم جُلّ وقت المستخدم مما يؤثر سلباً على علاقاته ومسؤولياته، وأولها بلا شك علاقته الزوجية وواجباته تجاهها. وبذلك يعاني شريك الحياة من الحاجة إلى الاهتمام والفراغ العاطفي. وعلى الرغم من أن هذا الاستخدام السلبي لا يقتصر على الرجال وحسب إلا أنهم يشكلون النسبة العالية فيه، الأمر الذي يؤدّي إلى تضاعف الآثار السلبية؛ لأن المرأة كما هو معلوم بطبيعتها أكثر عاطفة وأشد حاجة إلى الحب والاهتمام .. ثانياً : مشاهدة ما يعرض من مواد لا أخلاقية تؤثر بشكل سلبي كبير على الحياة الزوجية ؛ لأنها تُفقِد من يشاهدها القناعة بحلاله الثابت لكثرة ما يشاهد من تعدد وتنوع وتغير المواد المحرمة . ومن الواضح أن حالة عدم الرضا عن شريك الحياة من جهة والرغبة الملحة في الحصول على نظير ما يشاهد من جهة أخرى تولّد الكثير من المشاكل مما يدفع بعض الأزواج إلى البحث عن بديل. وسواء كان ذلك البديل شرعياً من قبيل تعدد الزوجات والزواج المنقطع أو غير شرعي فإنه لا يجد ضالته البتّة ولا يشعر بالرضا قط؛ لأن سبب مشكلته لا تكمن في الخارج بل ينبع من داخله وهو فقدان القناعة... ثالثاً : التأثر بالحياة الافتراضية التي توفرها مواقع التواصل الاجتماعي والاهتمام بها على حساب الحياة الواقعية . فالكثير من المستخدمين يُبرزون أجمل ما فيهم من سمات بل وينتحلون أفضل وأرقى الصفات في الحياة الافتراضية، فينشرون منشورات تعكس للآخرين مدى تقواهم وتسامحهم وحسن معاملتهم للآخرين، أو منشورات قد تثير استعطاف الآخرين عليهم فيحصدون أزاء ذلك الاحترام المبالغ فيه وحسن المعاملة بل ونعته بأجمل الصفات، وفيهم من يتعمّد أن يدسّ السم بالعسل ومن كلا الجنسين على حد سواء، فتجد الرجل يكتب للمرأة أرق التعبيرات التي تُشعرها بأنها جوهرة بين يدي فحّام، وأنها مظلومة، وأنها في المكان الذي لا يناسبها وبين يدي الرجل الذي لا يستحقها، وما إلى ذلك فضلاً عن الكلمات الرقيقة من قبيل (منورة، كلامك عسل و...). ومن النساء أيضاً من تستغل منشور رجل يصف فيه بعض معاناته لتعلق له بأجمل تعابير المواساة وبأرق الكلمات المدعومة ببعض (السمايلات المناسبة لذلك)! وبهذا يجد كل من الزوج والزوجة الذين يسيئان استخدام الإنترنت ضالتهما في الحياة الافتراضية... وما أن يعودا إلى الحياة الواقعية حتى يخلعا تلك الشخصية الجذابة ليعودا إلى شخصيتهما الحقيقية والتي غالباً ما تختلف عنها، فمن الطبيعي أنهما لا يجدان نفس المعاملة الأولى، إلا أنهما وللأسف لا يدركان أن هذا أمر طبيعي للاختلاف الشاسع بين الشخصيتين وأن الخلل يكمن في داخلهما بل يعزوان إلى تقصير من يحيطون بهم في الحياة الواقعية، فيتذمران ويقارنان بين كلا الحياتين إلى أن ينتهي بهما الحال إلى هجران الحياة الواقعية ولو عاطفياً، فيعيشان في الواقع بالجسد فقط حاصران كل المشاعر والعواطف والحب والاهتمام في الحياة الافتراضية.. ومما لاشك فيه إن لهذا السلوك انعكاسات سلبية شديدة على الحياة الزوجية، حيث يعاني الشريك الجوع العاطفي والذي تترتب عليه الكثير من المشاكل الصحية والنفسية عليه بل ومع ضعف الوازع الديني قد تُلجؤه إلى الاتجاه نحو نفس السلوك الخاطئ في استخدام الإنترنت من قبيل الاخذ بالثأر الذي نسمع به وللأسف الشديد كثيراً هذه الأيام. رابعاً: الخيانة الزوجية: وقد بات هذا الأمر اليوم شائعاً بين ضعيفي الإيمان وسيئي الخلق ــ وقد تتعدى من مجرد خيانة إلكترونية إلى خيانة واقعية ــ مبررين جرمهم بالحاجة الى الحب ،وفعلهم القبيح بانعدام الاهتمام من قبل الشريك . إلا أن أغلبها تبريرات شيطانية ومعاذير شهوانية؛ لأن الكثير منهم يمارس الخيانة لأجل الخيانة فقط لا لسبب آخر... ومع ذلك فقد يكون البعض صادقاً في دعواه، إلا أن ذلك لا يبرر له مطلقاً أن يكون أسيراً لهواه، وكان الأجدر به أن يُطْلِع شريكه على مدى احتياجه الشديد إلى العاطفة والاهتمام فلربما يستجيب لذلك... بل وحتى في فرض عدم الاستجابة فلا تسوغ له الخيانة تحت أي عذر أو لأي سبب لأن المؤمن والمؤمنة مهما واجها من ابتلاءات من هذا القبيل فإن إيمانهما بالله (تعالى) هو حصنهم الحصين وتقواهم هي درعهم المتين ، فلا يمكن أن ينجرفا بسيل عاطفي ،أو يهويا بعاصفة شهوانية ... إذن الاستخدام السلبي للإنترنت إنما هو بمنزلة مِعْول هدّام يغرسه المستخدم ظلماً وجوراً في جسد حياته الزوجية. ويبقى هذا المِعْول يحطّم فيها طالما بقيَ المستخدم عاكفاً على استخدامه السلبي للإنترنت. وهكذا حتى تلفظ آخر أنفاسها ويُهد كيان الأسرة وتتفكك أجزاؤها كما تنفرط حبات العقد عند قطع الخيط. وبتكرر هذا المشهد المريع للتفكك الأسري وبشكل كبير وبصورة يومية... كيف يمكننا أن نتصور المجتمع بعد سنوات؟! ناقوس الخطر يومياً يقرع أجراسه ولكن للأسف الشديد ما من مستمع وما من متعظ وأنى لهم الاستماع وقد أسكرتهم نشوة الحرام، وكيف لهم الاتعاظ وقد أزال وعيهم الانغماس في الهوى والغرام... هل من علاج؟ على مستخدم الانترنت سلباً أن يعي أولاً أن جرمه الذي اقترفه ذو بعدين: بعد إلهي؛ لتعديه حدود الله (تعالى) ولاكتسابه الإثم العظيم بسبب علاقاته الملوثة ومشاهداته المحرمة من جهة، ولتقصيره في تحصين زوجه من الحرام ثانياً ، قال الله (تعالى) : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) " (3) وبعد دنيوي : إذ إن تدمير العلاقة الزوجية كثيراً ما يترتب عليها تفكُّك الأسرة وتشرُّد الابناء الذي يسهم في تفكُّك المجتمع فضلاً عن تقديم نفسيات معقدة تسهم في تدمير المجتمع وتهديد استقراره. فإذا وعى كل تلك المخاطر المحدقة به من كل جانب وكأنه يقترب بسلوكه الخطير هذا شيئاً فشيئاً من فم ثعبان كبير فاغرٍ فاه لم يتبقَ الكثير ليتمكن من ابتلاعه وتحطيم كل شيء جميل في حياته... عليه أن يُعجّل في التوبة إلى الله (تعالى) توبة نصوحاً بأن يستشعر الندم على كل ما اقترفه ويقرر الإقلاع عنه تماماً. ثم إن عليه أن لا ييأس، فما من مشكلة إلا ولها علاج، ولكن لا بد من توفّر النية الصادقة من قبل الطرفين أولاً، وأن يطلبا العون والمدد من الله (تعالى) ثانياً ، وأن يتحلّيا بالإرادة القوية والعزيمة اللازمة حتى القضاء على هذا المرض الخطير الذي ينهش في جسد علاقتهما الزوجية ثالثاً .... وبما أن وجود المشكلة في الحياة الزوجية كوجود المرض في الجسم إذن لابد من المصارحة والشفافية والحديث بكل وضوح لتشخيص موضع العلة بكل دقة للبحث عن العلاج المناسب لها. فإن كانت العلة في غياب روح الإنصات والتفهم من الطرف الآخر كان العلاج في أن يتّسم بهما، وإن كانت العلة في غياب الحب عن الحياة الزوجية وانعدام الاهتمام بالطرف الآخر كان العلاج في إيجادهما. وهكذا ثم إن على من يقيم أو تقيم علاقات عاطفية أن يحدث نفسه أو تحدث نفسها وبكل صراحة لو ظهر أو ظهرت على الشخصية الحقيقية للطرف الآخر فهل يا ترى يبقى يُكِنّ له أو لها كل ذلك التقدير والاحترام ويعامله أو يعاملها بكل تلك المعاملة الحسنة ؟ غالباً لا... إذن لِمَ العناء والبحث عن بديلٍ لو حلّ في الحياة الواقعية محل الزوج الحالي لما حُلّت المشكلة. ألم يكن من الأجدى أن يسعى الشخص إلى تغيير نفسه نحو الأفضل ليكسب شريكه ويجعل من حياته حياةً أجمل، وفي الوقت ذاته ينال رضا الله (تعالى) عنه ويجزيه بذلك الجزاء الأكمل... كما أن من الضروري تقنين استخدام الإنترنت ووضع حدود في التواصل مع الأجانب والأجنبيات عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتحديد زمن معين كأن يكون نصف ساعة أو ساعة فقط لتصفح تلك المواقع... وأخيراً العلاقة الزوجية مسؤولية طرفين فإذا ما أخطأ أحدهما فعلى الطرف الآخر أن يمد إليه يد العون وأن يساعده ويصبر عليه ولا يحبطه بل يشجعه بكل ما يتمكن ويصبر عليه حتى التشافي من مرضه. كيف يمكن إثراء الحياة الزوجية وإسعادها بالإنترنت؟ الإنترنت كما هو معلوم إنما هو كأي أداة ذات حدين يمكن استغلاله في الهدم والتدمير كما يمكن استثماره بالبناء والتعمير. ومن أبرز طرق استخدامه الايجابي هي: أولاً : يعد الإنترنت مصدراً ضخماً للكثير من المعلومات وفي شتى مجالات الحياة. وبهذا يمكن استثماره في إغناء الزوجين بالمعلومات الهامة عن الحياة الزوجية السليمة والسبل الكفيلة بإنجاحها فضلاً عن الحفاظ عليها جعلها حياة سعيدة بدءً من تعلم كيفية اختيار الشريك وما الأمور التي لابد أن تتوفر فيه مروراً بالتعرف على طبيعة تفكير الزوج الآخر، وإرشادات عن كيفية معاملته إلى كيفية احتواء المشاكل والقضاء عليها. وهو في كل تلك المراحل لا يوفر معلومات وحسب بل ويوفر مختصين من المتيسر جداً الاتصال بهم والاستفادة من خبرتهم. ثانياً: الإنترنت يساعد الزوج الذي اضطر إلى الابتعاد عن زوجته لسبب أو لآخر من مشاركتها في الأفراح والأتراح محيطاً بأخبارها وأحوالها، مغذّياً لها بالنصح والإرشاد والتوجيه غامراً إياها بأجواء الحب والحنان... ثالثاً: يمكن الاستعانة بالمحادثات الكتابية في فهم كل من الزوجين لبعضهما ، إذ إنها تشكل خير وسيط للتفاهم بين الأزواج الذين يعانون من حاجز الخجل.. وبذلك يتعرف كل منهما على ما يحب الطرف الآخر وما يكره. كما يمكن الاستعانة بها في تخطّي بعض العراقيل في سبيل حل المشاكل الزوجية. فمثلاً من لا يستطيع أو يأنف أن يعتذر كلامياً أو يفتقر إلى مهارة لغة الجسد التي تناسب ذلك يمكنه اللجوء إلى الكتابة المدعومة بالوجه المعتذر والآسف مثلاً، فيستشعر الطرف المقابل أنه فعلاً نادم وآسف فيقبل اعتذاره... ختاماً... الإنترنت أداة ذات حدين قد يستخدمها شخص فترفعه إلى درجات التكامل، وقد يستخدمه آخر فتهوي به إلى أدنى درجات التسافل... والعاقل من يستخدمه استخداماً إيجابياً ينفع نفسه ويطور ذاته ويُثري حياته الزوجية بمختلف مجالات الكمال ويزينها بشتى ألوان الجمال.. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) مجلة يلا ، مقال تحت عنوان (الزواج المبكر والخيانة الألكترونية ترفع معدلات الطلاق في العراق) نُشِر في مارس 7, 2016 (2) شبكة النبأ المعلوماتية ، مقال تحت عنوان (الطلاق في العراق: احصاءات صادمة لعام 2017) للكاتبة دلال العكيلي ، نُشِر في السبت 31 كانون الأول 2017 (3) التحريم 6

اخرى
منذ 8 سنوات
4511

إنَّ مَعيَ رَبّي

قال تعالى: ( فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون، قال كلا إن معي ربي سيهدين، فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، وأزلفنا ثم الآخرين، وأنجينا موسى ومن معه أجمعين، ثم أغرقنا الآخرين، إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين، وإن ربك لهو العزيز الرحيم) الآيات الشريفة تختصر لنا قصة الإنسان الذي يوكّل أمره إلى الله تعالى، ولا يرى في الوجود قوة فوق القوة الإلهية القاهرة ... يقترب جيش فرعون بكل جبروته وطغيانه وحقده، فيتراءى الجمعان؛ جمع فرعون وجمع موسى (عليه السلام) ويدنو بعضهم من بعض، وهنا يتزلزل قوم موسى ويأخذهم الخوف والفزع وتبلغ القلوب الحناجر ويعلو صوتهم {إنا لمدركون} سيدركنا جنود فرعون، سوف نُقتَل ونُعذَّب. وهنا وبكل اطمئنان، وبكل ثقة وإيمان بقضيته يقولها نبي الله موسى {كلا} لن يدركونا ولن يصلوا إلينا ولن ينالوا منّا ! عجيب هذه الثقة وهذا الاطمئنان.. ليس أمامهم إلّا البحر المتلاطم الأمواج وليس لديهم وسيلة ليركبوا بها البحر، ومع ذلك {كلا}! وليس لديهم سلاح أو ذخيرة أو جيش لمواجهة هذا الجيش المدرّب والمجهّز بكل أنواع السلاح في وقته والمملوء حقداً وحنقاً عليهم، ومع كل ذلك {كلا}! فعلى أي شيء أنت معتمد يا كليم الله في ثقتك هذه وإيمانك بعدم الوصول إليك وإلى قومك؟ ولأنّ قومه أيضاً سيطرحون نفس أسئلتنا ويستغربون بنفس طريقتنا؛ قال لهم مباشرة بعد قوله {كلا} قال: {إنّ معي ربّي سيهدين} إنها معية الحفظ، إنها معية النصرة، فربّي هو الحافظ لي وربّي هو الناصر لي ... فكيف لا أثق بأنّ ربي سيهديني إلى طريق النجاة ؟ وكيف لا أطمئن بأنّ ربي سيدلني إلى طريقٍ لا يدركني فرعون معه؟ ومباشرة وبدون أي تأخير تأتي الهداية الإلهية لطريقة الخلاص ويأتي النصر الإلهي الموعود:{فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وأزلفنا ثمّ الآخرين وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين}. نصرٌ إلهي ليس في حسابات مَنْ حساباتهم مادية محضة، نصرٌ إلهي خارج توقعات مَنْ توقعاتهم محدودة بحدود تفكيرهم الضيق، وفي هذا عبرة لنا إذا أردنا العبرة، وفي هذا آية لنا لو كنّا نؤمن بالآيات، فالله تعالى هو العزيز المنتقم من أعدائه وهو الرحيم بأوليائه. أحمد الحسناوي

اخرى
منذ 8 سنوات
8147

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
89578

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
80528

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
61902

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 7 سنوات
52617

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 8 سنوات
49273

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
46832