تشغيل الوضع الليلي

مشاكل المراهقين وأسبابها

منذ سنة عدد المشاهدات : 326

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين سيدنا محمد واله الطيبين الطاهرين.
إن كثرة المشاكل التي يقع بها الشباب المراهقون والفتيات المراهقات لها أسبابها الخاصة التي تقود بالمراهق لارتكاب الخطأ.
نحن لا نعطي مبررات للشاب والشابة لفعل الخطأ، لكن هناك أسباباً يمكن معالجتها وتفاديها قبل وقوعها لكي نحصل على جيل مثقف وواعي من الشباب.
إن المشكلات التي تطرأ على المراهقين يكون سببها الرئيسي هو عدم فهم طبيعة واحتياجات المرحلة من قبل الآباء والمربين، وكذلك عدم تهيئة الطفل والطفلة لهذه المرحلة قبل وصولها ولهذا يحتاج المراهقون في هذه الفترة الحساسة من حياتهم إلى التوجيه والإرشاد بعد فهم ووعي لهذه السلوكيات.
وذلك من أجل ضبط تصرفاتهم وتهذيب أنفسهم حتى نحافظ عليهم من الانحراف والانجراف وراء رغباتهم ونزواتهم، ونحتاج لذلك إلى تعامل يتسم بالهدوء والشفافية، واللطف بعيداً عن القسوة في التعامل الذي لا ينتج عنه سوى العناد والإصرار على الخطأ.
وعلى هذا المنظور اشتمل بحثنا الحالي على المشكلات التي يواجهها المراهقون وكيفية تعامل الأسرة معها وضرورة متابعتها من قبل الأهل من البداية ، فالوقاية خير من العلاج، وبناء على ما تم الاطلاع عليه من مراجع ومصادر متعددة، حاولت جمع هذه الحلول وأرجوا الفائدة منها والله ولي التوفيق.

عدم متابعة الأسرة للمراهقين والتبعات التي يقعون بها بعد ذلك.
إن المدة الزمنية التي تسمى (مراهقة) لا تستمر مع الأفراد خلال هذه الفترة فهي تختلف من شخص لآخر ومن مجتمع لمجتمع آخر فهي في المجتمع الريفي تختلف عن المجتمع المدني أو المنفتح وفي المجتمع المسلم عن المجتمع الكافر، ويختلف الشخص المتزوج عن الأعزب لوجود الأسباب المختلفة التي إما أن تساعد على تخطي المرحلة بسهولة ويسر أو تتأخر معه أكثر من السنوات.
لذلك تتضح لنا حقيقة مهمة وهي أن النمو لا ينتقل من مرحلة إلى اُخرى فجأة ولكنه تدريجي ومستمر ومتصل.
فالمراهق لا يترك عالم الطفولة ويصبح مراهقاً بين عشية وضحاها ولكن ينتقل من مرحلة إلى مرحلة انتقالاً تدريجياً ، ويتخذ هذا الانتقال بشكل نمو وتغير في جسمه وعقله ووجدانه مما يمكن أن نلخصه بأنه نوع من النمو السريع حيث ينمو الجسم من الداخل والخارج معاً.


إن الاُسرة التي تريد أن تحافظ على تربية أولادها بشكل صحيح وأخلاقي يجب عليهم أن يعدو عدتهم لهكذا مرحلة، فإن تربية الأطفال تحتاج إلى اهتمام وعناية فعندما يقترب الولد أو البنت من سن المراهقة فيجب على الأهل توعية أولادهم بهذه المرحلة والتغيرات التي تطرأ عليهم بجسمهم وعقلهم وعواطفهم، وبشكل صحيح بدل أن يتركوهم لكل من هب ودب.
ويجب على الأُسرة تدريب المراهقين على الحوار والنقاش وتبادل الآراء وأول خطوة في النقاش مع المراهقين هي الاعتراف بأن آراءه ومواقفه تستحق الاستماع وعندما تُرفض آراء المراهق تزيد المشكلات وعندما تقبل رأيه وتعترف به فإنه سيعطيك فرصة للحوار، وهذا الحوار الذي تستخدمه معه حتى في المواقف الحازمة.
لا بد أن يكون هناك قانون وعقوبة في ارتكاب المخالفة، وأنجح القوانين هي التي يشترك الوالدان والأبناء في وضعها، والكلام العاطفي والاسلوب اللطيف في التحدث مع المراهق هو من أهم الأساليب في وضع الاتفاقات بين الأهل.



يجب على الأهل والمربيين استثمار مرحلة المراهق والقدرات التي لديه إيحابياً وذلك بتوظيف وتوجيه طاقات المراهق لصالحه شخصياً ولصالح الأهل والمجتمع، ولكن بدون إجباره على شيء لا يرغب به، لأنه سيعود بمردود سلبي إذا كان لا يرغب بذلك.
وهذا لن يحصل إلا إذا مُنح المراهق الدعم العاطفي والحريّة ضمن حدود الدين والمجتمع والثقة، وتنمية تفكيره الإبداعي، وتشجيعه على القراءة والاطلاع وممارسة الرياضة والهوايات المفيدة، وتدريبه على مواجهة التحديات وتحمل المسؤولية واستثمار وقت فراغه بما يعود عليه بالنفع، لا أن تستغل المراهقة وتمحى شخصيته ووجوده بل أن تعطيه الحرية بتكوين شخصية قوية ناجحة وأنت تسانده وتقف بجانبه.
هناك الكثير من الأخطاء التي يرتكبها الأهل في تربية أبنائهم، وهم بأيديهم يقومون بدفع أولادهم وبناتهم لارتكاب الأخطاء والانحراف في الطريق غير الصحيح، مما يؤدي إلى ضياع مستقبلهم، وبالآخر يقولون :هذا الولد فاشل أو هذه البنت فاشلة.
أنتم من قام بزرع هكذا تصرفات عند أولادكم!
هناك بعض العوائل بسبب الجهل وبسبب التقاليد يعطي صلاحية كاملة للولد الذكر بالتصرف بمصير أخواته، وتمنع البنت من أبسط حقوقها، ويقوم هو في البيت يقرر بعد الأب مصير هذه الفتاة، حتى وإن كان هذا الولد لا يفهم شيئاً من الحياة، أو أصلا هو يحتاج إلى تربية لأنه مراهق، فمصيرها ومستقبلها معلق برأي هذا الاخ، وهذا الظلم والضياع ربما نجده في أفراد لا يُستهان بعددهم مجتمعنا.
هناك بعض الأسر تهمل أولادها في السنين الأولى من التربية، بعذر أنه لا زال طفلاً ويهملون تربيته وغرس الأخلاق وتعليمه، وبالتالي عندما يكبر يصعب عليهم معالجة تصرفاته.
أنت إيها الأب، وأنتِ إيتها الأُم، أنتم من تقومون بزرع ما تريدون من أخلاق وأدب، وأنتم تعطون الفرصة لأولادكم بتكوين شخصيتهم...
فإذا عملتم على أن تزرعوا في داخله حب التعلم وحب النجاح، وأنه شخص ناجح ويجب أن يجتهد، وأن الحياة أمامه وأنه يجب أن يسير بالطريق الصحيح للنجاح، فهذا يجعله يفكر أكثر بأن يكون رجلاً مستقلاً ناجحاً.
يجب أن تساندوه في تحقيق أهدافه، لا أن تقف موقف المتفرج لما يتعلمه من الخارج، ولا أن تهمل تربيته ولا تعلم ما يفعل بالشارع أو المدرسة ولا تعرف مستواه الدراسي، وبالآخر عندما يفشل تتكلم وتضع العقوبات على الولد.
لا يا أب
ولا يا أم
عذراً بل أنتم من يحتاج إلى عقوبة كبيرة!
لأنكم اهملتم هذه الأمانة الكبيرة، التي جعلكم الله مسؤولين عليها...

اخترنا لكم

التنّمر لدى الأطفال

بقلم: قاسم المشرفاوي ربما يرجع أبناؤنا من المدارس وهم في حالة نفسية سيئة، نلتفت إليهم ونسألهم ماذا بكم، يترددون قبل الإجابة على سؤالنا، وربما البعض من الأطفال لا يُجيب أهله ويشعر بالخوف إذا نقل مشاعره السلبية وقال بأن هنالك من يضايقه ويعتدي عليه لفظيًا أو جسديًا، لأن غالبية الآباء والأمهات يوبخون ويضربون أبناءهم ويعتبرون أن ضعفهم هو السبب في تنمر الأطفال الآخرين عليهم. أسلوب الأهل هذا يدفع بالأطفال إلى الانكفاء على الذات وعدم قول الحقيقة بما يشعرون لكي يتخلصوا من عقاب ذويهم، وبالتالي زيادة حالة التنمر ضدهم وعدم التوصل إلى حلول، لأن الأهل يجهلون الحل ويقتصرون على إثارة مشاعر الكراهية والعدائية في نفوس أبنائهم من أجل الانتقام والثأر، وهذا ما يزيد الأمر تعقيدًا ولا يحله. التنّمر هو مضايقة الآخرين والاعتداء عليهم لفظيًا وجسديًا والتنكيل بهم سبًّا أو ضربًا لإرضاء نوازع نفسية وذاتية في شخصية المتنّمر، وتكثر حالات التنمر لدى الطلاب في المدارس وخصوصًا إذا لم تكن المدرسة قد وضعت حلًا لمثل هذه المشكلة المنتشرة بكثرة. ولو بحثنا عن أسباب التنمر المنتشرة لدى الأطفال لوجدنا من أسبابها ما يلي: 1- تنّمر الزوج على زوجته والإساءة إليها عن طريق السب والشتم والضرب والمضايقة بكافة أشكالها كالاستهزاء بشكلها أو بطبخها أو بأسلوبها، مما يسبب ردة فعل لدى الأبناء حيث يتم عكس طريقة آبائهم على الآخرين من الأطفال من أجل التنفيس عن طاقتهم المكبوتة لإرضاء ذواتهم. 2- تكثر حالات التنُمر لدى الأطفال الذين يكون مستواهم الدراسي منخفضًا وسيئًا، حيث يسيء الأهل والمعلمون إلى هؤلاء الأطفال بالتقليل من شأنهم ومناداتهم بالفاشلين والأغبياء أو باستخدامهم للمقارنة مع أصدقائهم الأذكياء، لذلك نرى أن أغلبهم يتنمر على من هو أعلى منه بالمستوى الدراسي، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على خطأ أسلوب المقارنة الذي يستخدمه بعض المعلمين ظنًّا منهم بأنه أسلوب تحفيزي. فالتنمر سلوك ينتج عن شعور بالنقص، والطفل الذي لا يستطيع النجاح في الدراسة فإنه يصب سلوكه المتنمر على أصدقائه الذين استطاعوا أن يحققوا النجاح، فهو يعتدي عليهم وكأنهم السبب في فشله ورسوبه! 3- حالات الطلاق أحد أسباب التنمر، لأن الطفل يفقد الاهتمام المادي والنفسي وتصيبه آفات نفسية عديدة كالتوتر والقلق والذي من الممكن أن يعوض هذا الانكسار الداخلي بالاعتداء على الأطفال الآخرين ومضايقتهم والتنكيل بهم. 4- التفرقة في معاملة الأبناء وعدم العدل بينهم من الأسباب التي تدفع بأحدهم لمضايقة إخوته والاعتداء عليهم، لأن يشعر بأنهم أفضل منهم. أما لو تطرقنا إلى علاج التنّمر فمن الممكن أن يكون من خلال التالي: أ- الابتعاد عن المشاكل الأسرية التي غالبًا ما تحدث بين الزوجين. ب- استخدام الأساليب التربوية التي حث عليها الشرع المقدس وعلم النفس الإيجابي الذي ركز على توفير الحاجات النفسية للطفل من القبول والاحترام والحب وتنمية الضمير لدى الطفل منذ السنوات الأولى عن طريق غرس القيم التربوية كالتسامح واحترام الكبير وتوقيره واحترام حقوق الآخرين. ج- الابتعاد عن أساليب التحقير والاستهزاء والسخرية والانتقاد السلبي لشخصية الطفل، والعمل على رفع الروح الإيجابية لديه إذا أخفق من أجل إرجاعه إلى الطريق الصحيح ليشعر بأهميته ومكانته بين زملائه. د- محاربة التنمر واجب يقع على عاتق الأبوين أولًا وعاتق المدرسة، ويجب التنسيق بينهما من أجل القضاء على هذه الظاهرة الخطيرة التي تفتك بالمجتمع. و- يمكن عمل ورشات للطفل المتنمر من أجل معالجته نفسيًّا بالتنسيق مع الوالدين، وحبذا لو يكون الأمر من قبل المرشد النفسي الخاص بالمدرسة إن وجد. علمًا أن كثيرًا من أطفال المدارس تركوا المدرسة بسبب تعرضهم للتنمر من زملائهم، لأن التنمر يسبب انخفاض تقدير الذات وبالتالي فقدان الثقة بالنفس، فالطفل الذي يتعرض للاستهزاء من زملائه باستمرار ستتحطم صورته الذاتية ويكره المجيء إلى المدرسة لأنها المكان الذي يشعر بالانتقاص فيه، لذا يجب على المجتمع بشكل عام محاربة ظاهرة التنمر والقضاء عليها من أجل زرع بذور المحبة في نفوس الأطفال. والله المستعان…

اخرى
منذ 4 أشهر
239

من أسئلتكم

عالم البرزخ السؤال: عندما يرتكب الانسان الذنوب هل سيكون الحساب في عالم البرزخ أم يوم القيامة؟ وإذا حاسبه الله في عالم البرزخ على ذنوبه إذاً يوم القيامة على ماذا سيحاسب؟ هل ينتهي حسابه في البرزخ ويوم القيامة يدخل الجنة؟ الجواب: لا يقتصر حساب الله (تعالى) للإنسان على يوم القيامة فقط، وإنما يمر بعدة مراحل منذ نزع الروح وحتى انتهاء حسابه النهائي في يوم الآخرة وتقرير مصيره إما إلى الجنة أو النار؛ لما ورد عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله):"إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته، فاعبدوا الله كأنكم ترونه، واستغفروه كل ساعة"(1) وعنه (صلى الله عليه وآله) أيضاً: "إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته، يرى ما له من خير وشر"(2). من هُنا يُعلَم أن الإنسان بلا شك يُحاسب في عالم البرزخ، فيُثاب على عمله الصالح ويعذّب على عمله الطالح ــ كما سيتضح ــ. وعالم البرزخ هو عالمٌ بين عاَلَمي الدنيا والآخرة، وقد ذُكِر في كل من الكتاب الكريم والسنة المطهرة، قال (تعالى):"وَمِن وَرَائِهِم بَرزَخٌ إِلَى يَومِ يُبعَثُونَ"(3) وقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام):"والله ما أخاف عليكم إلّا البرزخ, فأمّا إذا صار الأمر إلينا, فنحن أولى بكم"(4)،يقصد (سلام الله عليه) الشفاعة يوم القيامة. وقد ذكرت بعض الروايات مراحل يتجلى فيها حساب الإنسان في عالم البرزخ، منها: ما روي عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: قيل للصادق (عليه السلام):"صف لنا الموت؟ قال: للمؤمن كأطيب ريح يشمه فينعس لطيبه وينقطع التعب والألم كله عنه، وللكافر كلسع الأفاعي ولذع العقارب أو أرشد. قيل: فإن قوماً يقولون: إنه أصعب من نشر بالمناشير وقرض بالمقاريض ورضخ بالأحجار وتدوير قطب الأرحية في الأحداق. قال: كذلك هو على بعض الكافرين والفاجرين بالله (عز وجل)، ألا ترون منهم من يعاني الشدائد فذلكم الذي هو أشد من هذا ألا أن من عذاب الآخرة فإنه أشد من عذاب الدنيا. قيل: فما بالنا نرى كافراً يسهل عليه النزاع فينطفئ وهو يحدث ويضحك ويتكلم، وفي المؤمنين أيضا من يكون كذلك وفي المؤمنين والكافرين من يقاسى عند سكرات الموت هذه الشدائد. فقال: ما كان من راحة للمؤمن هناك فهو عاجل ثوابه وما كان من شديدة فتمحيصه من ذنوبه ليرد الآخرة نقياً مستحقاً لثواب الأبد لا مانع له دونه وما كان من سهولة هناك على الكافر فليوفَ أجر حسناته في الدنيا ليرد الآخرة وليس له إلا ما يوجب عليه العذاب وما كان من شدة على الكافر هناك فهو ابتداء عذاب الله له بعد حسناته ذلكم بان الله عدل لا يجور"(5). فالرواية المتقدمة تشير بوضوح إلى إن كيفية نزع الروح ترتبط بكيفية الإنسان نفسه وما عليه من اعتقاد وعمل صالح أو طالح، فإن كان مؤمناً لا ذنب عليه سهّل الله (تعالى) عليه النزع وذلك عاجل ثوابه، وإن كان عليه بعض الذنوب شدّد الله (تعالى) عليه الموت تنقيةً له منها، وأما إن كان كافراً فإن كان له بعض الحسنات سهّل الله (تعالى) عليه النزع وفاءً لأجر حسناته وإن لم تكن لديه حسنات شدّد عليه الموت وذلك أول العذاب. كما أن لذنوب الإنسان أثراً واضحاً في سؤال منكر ونكير له كما روي عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: "إن المؤمن إذا اخرج من بيته شيعته الملائكة إلى قبره يزدحمون عليه حتى إذا انتهى به إلى قبره قالت له الارض: مرحباً بك وأهلاً أما والله لقد كنت أحب أن يمشي عليّ مثلك لترين ما أصنع بك فتوسع له مدّ بصره ويدخل عليه في قبره ملكاً القبر وهما قعيدا القبر منكر ونكير فيلقيان فيه الروح إلى حقويه فيقعدانه ويسألانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: الله، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: الاسلام، فيقولان: ومن نبيك؟ فيقول: محمد (صلى الله عليه وآله)ـ فيقولان: ومن إمامك؟ فيقول: فلان، قال: فينادي مناد من السماء: صدق عبدي افرشوا له في قبره من الجنة وافتحوا له في قبره بابا إلى الجنة وألبسوه من ثياب الجنة حتى يأتينا وما عندنا خير له، ثم يقال له: نم نومة عروس، نم نومة لا حلم فيها، قال: و إن كان كافراً خرجت الملائكة تشيعه إلى قبره يلعنونه حتى إذا انتهى به إلى قبره قالت له الارض: لا مرحباً بك ولا أهلاً أما والله لقد كنت أبغض أن يمشي علي مثلك لا جرم لترين ما أصنع بك اليوم فتضيق عليه حتى تلتقي جوانحه، قال: ثم يدخل عليه ملكا القبر وهما قعيدا القبر منكر ونكير. قال أبو بصير: جعلت فداك يدخلان على المؤمن والكافر في صورة واحدة؟ فقال: لا، قال: فيقعدانه ويلقيان فيه الروح إلى حقويه فيقولان له: من ربك؟ فيتلجلج ويقول: قد سمعت الناس يقولون، فيقولان له: لا دريت ويقولان له:ما دينك؟ فيتلجلج، فيقولان له: لا دريت، ويقولان له: من نبيك؟ فيقول: قد سمعت الناس يقولون، فيقولان له: لا دريت ويسأل عن إمام زمانه، قال: فينادي مناد من السماء: كذب عبدي، افرشوا له في قبره من النار وألبسوه من ثياب النار وافتحوا له بابا إلى النار حتى يأتينا وما عندنا شر له، فيضربانه بمرزبة ثلاث ضربات ليس منها ضربة ألا يتطايرقبره ناراً لو ضرب بتلك المرزبة جبال تهامة لكانت رميماً"(6) ومن الجدير بالذكر أن للكافر مصاديق كثيرة سوى الكافر المعهود والذي نعرفه، ولذا فإن لفظ الكافر في الرواية المتقدمة لا يقتصر عليه، ومن تلك المصاديق ما جاء في قوله (تعالى):"وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)"(7)، ومنها قوله:" وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)"(8) فمن لا يشكر الله (تعالى) ومن لا يؤدي فريضة الحج رغم وجوبها عليه هما من مصاديق الكافر وإن كان المسلمون يعاملونهم معاملة المسلمين، وبالتالي فلا نظن أنّنا بمنجاة عن هذا اللون من العذاب في البرزخ طالما كنّا نقترف تلك الذنوب. ومن البديهي أن عذاب البرزخ لا يكون بمستوىً واحد لجميع الناس وإنما يختلف ويتفاوت بين بعضهم البعض حسبما يقتضيه استحقاق كل منهم لعدالة الله (تعالى) وحكمته، بل قد تقتضي عدالته وحكمته أن يستحق بعضهم العذاب في البرزخ والآخرة، على حين لا يستحق البعض الآخر العذاب إلا في البرزخ فقط، فيما يستحق سواهم العذاب في الاخرة فقط, وكل هذا راجعٌ الى حكمته وتقديره, فهو (سبحانه) جعل لكل نوعٍ من العصيان نوعاً من العذاب, فعقوبة عالم البرزخ تكون على ذنوب تختلف عن الذنوب التي أوعد الله عليها العذاب في يوم القيامة. فقد روي عن الإمام علي (عليه السلام) قال: "عذاب القبر يكون من النميمة والبول وعزب الرجل عن أهله"(9). وعن الإمام الصادق (عليه السلام):"ان جل عذاب القبر في البول"(10). ومن الجدير بالذكر أن عالم البرزخ وإن كان عالم حسابٍ ولا عمل وهو بهذا يختلف عن عالم الدنيا، إلا أنه في الوقت نفسه هو عالمُ تكاملٍ، وهو بهذا يشابهها، غير أن التكامل فيه لا يكون بالعمل مباشرةً وإنما بآثاره كما ورد ذلك في بعض الروايات منها ما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله):"من سنَّ سنة حسنة عمل بها من بعده كان له أجره ومثل اجورهم من غير أن ينقص من اجورهم شيئا"(11)، وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: "ست خصال ينتفع بها المؤمن بعد موته : ولد صالح يستغفر له ، ومصحف يقرأ فيه ، وقليب يحفره ، وغرس يغرسه ، وصدقة ماء يجريه، وسنة حسنة يؤخذ بها بعده "(12). وبما أن آثار عمل الإنسان تسهم في تكامله في عالم البرزخ، إذن من الممكن جداً أن تسهم في رفع عذاب ذلك العالم عنه، كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام)، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):"مرّ عيسى بن مريم بقبر يعذّب صاحبه، ثم مرّ به من قابل فاذا هو ليس يعذب، فقال على نبينا وآله وعليه السلام : يا ربّ مررت بهذا القبر عام أول فكان صاحبه يعّذب ، ثم مررت به العام فاذا هو ليس يعذّب، فأوحى الله (عزّ وجل) إليه :يا روح الله أنه أدرك له ولد صالح، فأصلح طريقاً، وآوى يتيماً فغفرت له بما عمل ابنه ...."(13) بل ورد في بعض الروايات أن هناك أعمالاً تخلِّص الانسان من عذاب القبر، كما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: "سورة الملك هي المانعة تمنع من عذاب القبر"(14). ولا يقتصر التكامل في عالم البرزخ على رفع العذاب وتخفيفه بل وتشمل رفع درجات المؤمن كما في تقوية المسكين في دينه، فالمسكين تارةً يكون مسكيناً مادياً وأخرى يكون مسكيناً معنوياً، ومن أخطر المسكنة: المعنوية المسكنة في الدين أي الضعف فيه، ولذا كان العمل على تقوية هذا الجانب هو الأفضل اثراً في عالم البرزخ، فقد روي عن الإمام على بن أبي طالب (عليه السلام):"من قوى مسكيناً في دينه، ضعيفاً في معرفته على ناصب مخالف، فأفحمه لقنه الله (تعالى) يوم يدلى في قبره أن يقول: الله ربي، ومحمد نبيي، وعلي وليي، والكعبة قبلتي، والقرآن بهجتي وعدتي والمؤمنون إخواني. فيقول الله: أدليت بالحجة، فوجبت لك أعالي درجات الجنة، فعند ذلك يتحول عليه قبره أنزه رياض الجنة"(15) وكما أن هناك تكاملاً للإنسان في عالم البرزخ، فإن هناك تسافلاً أيضاً نتيجةً لآثار الأعمال السيئة في الحياة الدنيا فقد ورد عنه (صلى الله عليه وآله):" ومن سنَّ سنة سيئة فعمل بها بعده كان عليه وزره ومثل أوزارهم من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا "(16) فتزيد عذاب الميت أو قد تؤبده إلى قيام الساعة كما في بعض الفتاوى التي يصدرها بعض وعاظ السلاطين من الجهلة الذين يدّعون العلم والتي تحصد على مر الزمن النفوس البريئة تلو النفوس، وتدمر الأواصر الاجتماعية جيلاً بعد جيل، وتفتت الشعوب القوية وتحيلها إلى فريسةٍ سهلة لأعداء الإسلام. من كل ما تقدم يتضح تجلّي اللطف الإلهي للإنسان إذ منَّ عليه بعالم البرزخ؛ لأنه يتيح له فرصة التكامل من جهةٍ وهي فرصة لتنقية بعض المؤمنين مما اقترفوه من ذنوبٍ ليكونوا مؤهلين برحمة الله (تعالى) لدخول الجنة من جهةٍ أخرى. كما يتضح فيه تجلّي العدل الإلهي، إذا يُبقي على سجل الظالمين الطغاة مفتوحاً ليُسجّل فيه كل نتيجةٍ لأعمالهم الطالحة، وكل أثرٍ من آثار جرائمهم الفادحة في الحياة الدنيا وعلى مر العصور والأزمان. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) ميزان الحكمة ج4 ص244 (2) المصدر السابق (3) المؤمنون 100 (4) بحار الأنوار ج6 ص214 (5) علل الشرائع ج1 ص374 (6) الكافي ج3 ص240و241 (7) إبراهيم 7 (8) آل عمران 97 (9) وسائل الشيعة ج1 ص340 (10) المصدر السابق (11) ميزان الحكمة ج3 ص470 (12) تسلية الفؤاد ص 134 (13) الخصال ج1 ص331 (14) الكافي ج6 ص4 (15) المصدر السابق ج2 ص851 (16) بحار لأنوار ج6 ص229 (17) ميزان الحكمة ج3 ص470 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
185

خيرة النساء وظلم التاريخ (2)

الظلامة الثانية: حديث الأزواج بالرغم من أن الدين الإسلامي يُبيح للمرأة الزواج بزوجٍ آخر بعد وفاة زوجها أو طلاقها منه، وهذا أمرٌ واردٌ كثيراً في المجتمع الإسلامي لاسيما في صدر الإسلام، إلا أن تكرر ذلك كثيراً من امرأةٍ ما وبلوغ عدد الأزواج خارج الحد المألوف قد يشكل نوعاً من الانتقاص إليها وإلى عائلتها عرفاً. وهذا ما حصل مع عائشة بنت طلحة بن عبيد الله التي اشتهرت بتعدد الأزواج فلم يكن من بعض الحاسدين للبيت العلوي إلا أن نسبوا ما اشتهرت به عائشة إلى السيدة سكينة (سلام الله عليها) محاولةً منهم في الإساءة إلى البيت العلوي والانتقاص من شأنه والحط من رفعته. وقد وضعوا لتعداد أزواج السيدة سكينة (عليها السلام) عدة قوائم ظلماً وزوراً، ذكر منها السيد محمد علي الحلو أربع قوائم كلها تعود إلى راوٍ واحد وهو الزبير بن بكار عن عمه مصعب الزبيري وهما معروفان بكذبهما وضعفهما وانحرافهما عن العترة الطاهرة (صلوات الله عليهم)، وبالتالي فهي روايات ساقطة عن الاعتبار سنداً. وأما متناً فيتضح التهافت بينها جلياً، واضطراب الرواة وتضاربهم في افتعال هذه الأكذوبة، لكننا نعرض عنها روماً للاختصار محاولين الاقتصار على ذكر أسماء الأزواج فقط ليتسنى لنا مناقشتها تباعاً: 1ـ مصعب بن الزبير ، وقد ورد اسمه في القوائم الأربع (رواية الإصفهاني وابن سعد وابن خلكان وسبط ابن الجوزي). 2ـ عبدالله بن عثمان بن عبدالله بن حكيم بن حزام ، وقد ورد اسمه في القوائم الأربع أيضاً. 3ـ الأصبغ بن عبدالعزيز بن مروان ، كما في رواية ابن سعد ، أما الإصفهاني وابن خلكان وسبط ابن الجوزي فقالوا: لم يدخل بها . 4ـ زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان ، فهو برواية الإصفهاني وابن سعد وابن خلكان ، أما سبط ابن الجوزي فلم يذكره . 5ـ إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف ، لم يذكره غير الإصفهاني وابن سعد ، واتفقا أنه لم يدخل بها ، ولم يذكره ابن خلكان وسبط ابن الجوزي . 6ـ أما عبدالله بن الحسن بن علي ، فهو حسب رواية الإصفهاني فقط . ومن الواضح جداً أن واضع هذه الحادثة ومفتعلها قد اختار وبعناية فائقة الأشخاص الذين ادعى أنهم تزوجوا هذه السيدة الجليلة إذ إنهم جميعاً ممن ينصب العداء لأهل البيت (عليهم السلام)، فهم إما زبيريون أو أمويون أو مروانيون. وهذا الاختيار لم يأتِ اعتباطاً ولم يحدث صدفةً بل جاء لأغراض مقصودة ولأهداف منشودة سعى لتحقيقها وهي: الهدف السياسي: المتمثل بالتقليل من البون الشاسع بين كل من التوجهات السياسية الأموية والزبيرية والمروانية وبين توجه أهل البيت (عليهم السلام). الهدف الأيديولوجي: المتمثل بمحاولة تحسين الأيديولوجية الزبيرية والأموية والمروانية وإضفاء لمسة من الشرعية عليها؛ وذلك لأن الأطراف المختلفة خلافاً فكرياً عميقاً من البعيد إن لم يكن من المحال أن تتصاهر. محاولة التعتيم على الجرائم التي ارتكبها الأمويون والزبيريون والمروانيون بحق أهل البيت (عليهم السلام) بهذه المصاهرة المفتعلة بين الطرفين. وقد شهد التأريخ الاسلامي افتعال حوادث أخرى من قبل بعض المغرضين (عليهم السلام) والتشبث بها محاولةً منهم في تحقيق نفس الأهداف المذكورة آنفاً كافتعال حادثة زواج عمر بن الخطاب من أم كلثوم بنت أمير المؤمنين (عليهما السلام). ثانياً: الأزواج كما تقدم كلهم من أعداء أهل البيت (عليهم السلام)، أ فهل يُعقل أن يزوج الامام السجاد (عليه السلام) أخته الطاهرة بهكذا شخصيات نصبت العداء لأهل البيت (عليهم السلام)؟! أم هل انقرضت الرجال من على وجه الأرض ولم يبقَ إلا هؤلاء؟! ثالثاً: عند مناقشة كل شخصية من هذه الشخصيات، ترتسم علامة استفهام كبيرة إلى جانب علامة تعجب أكبر، لا سيما عند التأمل قليلاً بشخصية مصعب بن الزبير، أ فهل يُعقل ان يرضى الإمام السجاد (عليه السلام) بمصاهرة هذا الذي بلغ من عدائه لأهل البيت وحقده عليهم ان ضم قتلة الإمام الحسين (عليه السلام) إليه بل ونصبهم قادة لجيشه. كما جاء في الطبري (أن مصعب بن الزبير استقطب قتلة الحسين عليه السلام وأهل بيته، وجعلهم قادة جيشه؛ لإحباط محاولات المختار بن أبي عبيد الثقفي ، الذي تصدى لملاحقة قتلة الحسين وأهل بيته عليهم السلام )(2) كما طالت قائمة انتهاكاته بحق أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم، حتى أُغرق نفسه بدماء المطالبين بدم الامام الحسين (عليه السلام)، قال المسعودي: (فكان جملة من أدركه الإحصاء ممن قتله مصعب مع المختار سبعة آلاف رجل، كل هؤلاء طالبون بدم الحسين وقتلة أعدائه، فقتلهم مصعب وسماهم الخشبية، وتتبع مصعب الشيعة بالقتل بالكوفة وغيرها)(3)؟! ثم أولم يعلم (سلام الله عليه) بأن مصاهرته تعني بلا شك توافقاً سياسياً مع نهجه وتأييداً شرعياً له؟! فإن قيل: إن الزواج قد تم قهراً. قلنا: إن عبد الله بن الزبير لم يُحكِم سيطرته على المدينة بعد ليتمكن أخوه مصعب من قهر بني هاشم على الزواج من آمنة، فالهاشميون رفضوا البيعة لعبدالله بن الزبير، ولم يتمكن من إكراههم على ذلك فكيف يمكنه إكراههم على الزواج بعقيلتهم؟! ومن الملاحظ أن اسم مصعب بن الزبير قد تكرر في القوائم الأربعة مما يدل على حرص من افتعل مسألة تعدد أزواج السيدة الجليلة وتأكيده على وقوع هذا الزواج لما له من أثر سياسي كبير يحقق مصلحة الزبيريين. وبالرغم من ذلك التأكيد فإن الغربال يعجز عن أن يحجب ضوء الشمس، إذ لم يثبت زواج السيدة سكينة بنت الحسين (عليهما السلام) من مصعب لضعف الرواية أولاً وللقرائن الدالة على نفي ذلك ثانياً. وأما عبدالله بن عثمان ابن حزام فهو الآخر قد تكرر اسمه في القوائم الأربعة ولا غرابة في ذلك فإن أم عبد الله تكون رملة بنت الزبير بن العوام، مما دفع خؤولته الزبيريون الى التأكيد على وقوع هذا الزواج للمصلحة السياسية كما أسلفنا.. ومما يثير الشك في وقوع هذا الزواج من السيدة بنت الامام الحسين (عليه السلام) ، ما رواه أبو منصور البغدادي، عن المدائني، عن مجالد، عن الشعبي: أن سكينة نشزت على زوجها عبدالله ابن عثمان ابن حزام فشكتها أمه رملة بنت الزبير بن العوام إلى عبدالملك(4). ومن المعلوم أن المرأة عندما تنشز تُشكى الى ولي أمرها، فإذا صحت هذه الرواية فقد يكون المراد من (سكينة) امرأة تحمل هذا الاسم إلا أنها ليست بنت الامام الحسين (عليه السلام). وبالتالي لم يثبت زواجها من عبدالله بن عثمان ابن حزام أيضا لضعف الرواية سنداً ولعدم تمامية دلالتها . وأما الأصبغ بن عبدالعزيز بن مروان، فلا يمكن قبول خبر زواجه بها؛ وذلك لأن الأصبغ بن عبدالعزيز كان والياً لعبد الملك بن مروان في مصر، والسيدة آمنة بنت الحسين بقيت مقيمة في المدينة ولم تغادرها أبداً، فكيف يتسنى لهذا المرواني من زواجها؟ بل وإن قيل بعدم دخوله بها، فكيف ومتى وقع عقد الزواج؟ وأما زيد بن عمرو بن عثمان وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف فقد روي عنهما حدثٌ يشتركان به كلاهما وهو تفريق والي عبد الملك بن مروان بينهما وبين سكينة (5). فقد روي عن ابن سعد أنه قال: "فخلف عليها إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري كانت ولته نفسها، فتزوجها، فأقامت معه ثلاثة أشهر، فكتب هشام ابن عبدالملك إلى واليه بالمدينة أن فرق بينهما ففرق بينهما..."(6). كما روي عن ابن خلكان: "تزوجها زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان، فأمره سليمان بن عبد الملك بطلاقها ففعل..."(7). ومن الواضح للقارئ الكريم أن هذين النصين يفتقران إلى الواقعية من جهاتٍ عديدة: الأول: اشتراك كلا الشخصين في حدث واحد. الثاني: ما السبب الذي دفع كلاً من هشام بن عبدالملك وسليمان بن عبدالملك أن يأمرا إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف وعمرو بن عثمان بطلاق السيدة «آمنة» سكينة بنت الحسين؟ الثالث: من البعيد جداً إن لم يكن من المحال أن تولّي السيدة سكينة (عليها السلام) أمر نفسها إلى إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف ويتزوجها بناءً على هذه الولاية. إذ أين كان أولياء أمورها وهم خير الأولياء الإمام السجاد (عليه السلام)، ومن بعد استشهاده ولده الإمام الباقر(عليه السلام) حتى تولي أمر نفسها من يخالف أهل البيت (عليهم لسلام) في الفكر والرأي والموقف؟! لكل هذه التساؤلات التي يعجز التاريخ عن الإجابة عنها إجابة منطقية وافية، ولوجود قرائن يطول المقام بذكرها قد ذكرتها كتب التأريخ لا يمكن القبول بخبري زواجها (عليها السلام) من كلٍ من إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف وزيد بن عمرو بن عثمان. مما ذكر تُفتضح الأكذوبة التي جهدوا في إلصاقها بهذه السيدة الجليلة، مما يتضح أنها (سلام الله عليها) لم تتزوج إلا من عبدالله بن الحسن السبط الذي استشهد في واقعة الطف، ولم تتزوج بعده حتى ماتت (عليها أزكى التحية والسلام). وهكذا يحبط الله (تعالى) محاولات الظالمين الذين أرادوا تشويه تاريخ أهل البيت عليهم السلام، وتبقى شمس نورهم لا تحجبها سحب حقدهم مهما تزايد وتمدد، لأن الله وعد في كتابه يستحيل أن يأفل ويتبدد، كيف لا وهو القائل(عز من قائل):"يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32)"(8). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) للمزيد من التفصيل نحيل القارئ الكريم إلى كتاب عقيلة قريش آمنة بنت الحسين عليهما السلام الملقبة بسكينة، تأليف السيد محمد علي بن يحيى الحلو ص96 وما بعدها.. (2) الأغاني 161:16 (3) الطبقات الكبرى لابن سعد 475:8 في قسم النساء اللواتي لم يروين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وروين عن أزواجه وغيرهن. (4) وفيات الأعيان 394:2رقم 268(5)تذكرة الخواص سبط ابن الجوزي : 249 (6) أنظر تاريخ الطبري ج6 ص52 (7) مروج الذهب ج3 ص113 (8) التوبة 32 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 10 أشهر
352

التعليقات

يتصدر الان

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
11769

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
11652

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
11600

الطفل في المهد هو مشروع رجل المستقبل

إذا كان فلاسفة التربية الحديثة يجعلون الطفل ورقة بيضاء فإن الامام علي (عليه السلام) يجعله كالأرض ولاريب أن الامام كان أكثر عمقاً. ذلك لأن الورقة البيضاء تفتقر إلى عناصر البناء في حين أن الأرض تختزن عناصر الحياة فالطفل عندما يولد تكون فيه مثل هذه العناصر الحياتية ويكون لديه استعداد طيب للتفاعل مع محيطه، وبما أن محيطه الأول هو الأسرة لذلك يبدأ الإسلام على مستوى هذه الأسرة التي يتسلم زمامها بالدرجة الأولى الرجل على أساس أن القيمومة بيده شرط أن لا تكون صلاحيته مطلقة بل تكون مقيدة بما يفرضه عليه الشرع من حسن المعاشرة والعدالة والإحسان والرأفة والرحمة في عالم الاسرة، ومنه نعلم أن القيمومة للرجل ليس فيها انتقاص من دور المرأة. ولعل دور المرأة في الأسرة أخطر وأهم من دور الرجل؛ نظراً لضخامة المسؤوليات التي ينبغي لها أن تنهض بها، لا سيما أنها في بيتها ملكة غير متوجة لهذه الخلية. إن أول موضوع تربوي يهتم به الإسلام في باب تكوين الأسرة، بل ويعطيه الأولوية من حيث الأهمية هو اختيار الزوجة الصالحة التي سوف تصبح أماً وحاضنة لأولاد المستقبل. فيشير عليك ب(إذا أردت أن تخطب لنفسك فانظر أين تضع نفسك) حتى تكون الذرية صالحة، لأن المرأة التي تهز المهد بيمينها هي تهز العالم بشمالها… إن هذا الموجود الذي تراه طفلاً هو في حقيقته مرآة المستقبل. قد يتبوأ مناصب عالية يقود مجتمع واجيال، فإذا كان طيباً شمل خيره كل الناس. وإذا كان خبيثاً نشر الدمار والخراب في مجتمعه. لذلك يجب أن نعطي مسألة التربية كل اهتمامنا وأولوياتنا؛ باعتبار أن الطفل ليس مجرد ولد صغير أنت تقوم على تربيته كيفما دارت الأحوال. وإنما هو جرم صغير انطوى فيه عالم كبير من النظريات التي ستكون يوماً ما واقعاً ملموساً. وعلى هذا الأساس تكون مسؤوليتنا جسيمة أمام الله وأمام المجتمع. فانظر أين تضع نفسك. الإسلام والتربية: كل من طالع تاريخ الإسلام يجد أنه وخلال قرون قليلة استطاع أن يقدم إنجازاً حضارياً من الطراز الأول في بناء الإنسان… وبالتالي في بناء المجتمع وإقامة الحضارة الإنسانية الإسلامية… التي أنارت للبشرية دروبها ومسالكها ومعالم حياتها في شتى مجالات الحياة ولقرون متمادية، قبل أن يصاب بالانتكاسة السياسية والاخلاقية لأسباب ليس هذا محل ذكرها… وبتأمل قليل نجد أن الفضل في تقدمه وتطوره ذلك يعود إلى أسباب عديدة من أهمها مناهجه التربوية الصحيحة والخلاقة… إن الإسلام يرى أن المجتمع يتكون من أفراد (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)) سورة الحجرات. ويتم التكاثر تحت ظل قانون سماوي هو الزواج الشرعي. ويرى أن السلوكيات الخارجية تمثل أرضية للمستقبل… فإذا زرعت فيها ورداً فسوف تجني منها الورد… وإذا غرست شوكاً فلن تحصل منها على الليمون… والطفل يمثل الحلقة الأولى في تلك السلوكيات… لذلك لابد من النظر إليه على هذا الاساس، وعلى المجتمع أن يعي هذه الحقيقة…. فالدين الإسلامي يعطي للتربية أولوية قصوى... وله في ذلك منهج اعتمده الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) وأهل بيته الطاهرون (عليهم السلام) . ولخّص ذلك الموقف بقوله: صلى الله عليه واله :(إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) إن جوهر الرسالة المحمدية هي التربية والأخلاق بما يتضمن ذلك من بناء الإنسان نفسياً وروحياً واجتماعياً. ومن الواضح أنه يترتب على هذا المنهج إمكانية الأمر والنهي والأحكام والفصل في أمور الحياة... مما فرضه الإسلام على اتباعه. ومن خلال البحث نجد أن أولوية التربية مرتبطة بموقف فلسفي يتلخص بأن للرسالات والتشريعات والعلوم محوراً اساسياً هو الإنسان. فالإسلام يتوجه للإنسان من دون المخلوقات الأخرى لأن له دوراً في الحياة والعلوم والتشريعات والقوانين، فكل هذه المفاهيم مرتبطة دائماً بالإنسان ولا شيء غيره. فلا تنحصر مسؤولية الآباء في توفير المعيشة المادية للأطفال، بل إن مسؤوليتهم تبدأ بتربيتهم تربية إيمانية صالحة؛ فأن تاديب الأطفال وتربيتهم أهم في نظر الإسلام من الاهتمام باحتياجاتهم الجسدية رغم أهميتها. يقول الإمام عليه السلام (ما نحل والد ولداً نحلاً أفضل من أدب حسن) (1) وعنه (عليه السلام): (لاميراث كالأدب) (2) إن فطرة الإنسان من منظار قرآني وروائي تتقبل الإسلام وكل مايتعلق به من تشريعات. ومعنى ذلك أن الإسلام وتفصيلاته وقوانينه هي اشياء مقبولة في أصل وفطرة وأعماق الإنسان. وهذا يعني أن انحراف الإنسان عن تلك الفطرة لا بد أن يكون له أسبابه الواقعية الخارجة عن ذات الإنسان. ومن تلك الأسباب تقصير أبويه في الطفولة وسوء تعامل أساتذته في الصبا ورداءة المحيط الاجتماعي الذي يعيشه. ولهذا قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) )سورة الروم وهو ما يشير إليه الحديث الشريف: (كل مولود يولد على الفطره حتى يكون ابواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه) إن كل طفل يولد على أساس الفطرة الاسلامية، أي أنه يولد طيب النفس طاهر الروح نقي القلب محباً لعبادة الله تعالى، فإذا انحرف فيما بعد عرفنا أن ثمة أسباباً كانت وراء انحرافه، كأن يكون أبواه قصّرا في طهارة نطفته التي تكوّن منها بتناول الزاد الحرام، أو ممارسة الفعل الحرام وبما غذّياه الحرام أو سقياه الحرام بعد الولادة او رآهمها يفعلان ما لا يحسن أن يراه منهما عند بداية إدراكه فتأثر بهما واقتفى ما ليس له به علم من فعلهما، وكأن يكون قد رافق رفقاء سوء فأوحوا إليه من الأفعال ما جعل منه بعيداً عن تلك الفطرة. من هنا، تتبين أهمية ما نبهنا (عليه الإسلام) في تربوياته من أهمية دور الأبوين والمحيط الأسري والاجتماعي في تربية الطفل ورسم سلوكه المستقبلي. وأن كل من يُقَصِّر في دوره الملقى عليه في التربية، فإنه سيلاقي نتيجة تقصيره في عاجل الدنيا أو آجلها. لقد ذكر العلامة المجلسي في كتاب(حلية المتقين) بعضاً من الروايات التي تتطرق إلى هذه المواضيع ومنها، قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)(الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه) إن الإسلام وضع نُظُماً وحدوداً وقوانين تقف حائلاً دون ظهور نسل فاسد وناقص جسمياً ونفسياً. وإذا طبقت هذه القوانين قَلّتْ هذه الانحرافات والخلافات الشرعية والأخطاء. فإذا أحسن الأبوان التربية قلّ ظهور الأولاد المنحرفين... وكذا لو توفّرت الظروف الاجتماعية والثقافية التي تتناسب مع الفطرة الإنسانية. عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) (3) فليست تربية الأطفال واجباً وطنياً وإنسانياً فحسب، بل إنها فريضة روحية مقدسة وواجب شرعي لايمكن الافلات منه. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسوؤلية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشأة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. يقول الإمام الصادق (عليه السلام) (ويجب للولد على والده ثلاث خصال : اختياره لوالدته وتحسين اسمه والمبالغة في تاديبه) (4) ويمكن أن نفهم من هذا الحديث أن تأديب الولد حق وواجب في عاتق أبيه. ولذلك تجد أن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يُعلِّمنا أن ندعو الله عز وجل ليعيننا على أداء هذه المهمة. لكن ومع الأسف أن الواقع في كثير من الأحيان يختلف عن هذه التعاليم، ما أكثر الأمهات اللاتي يُعلّمنَ أطفالهن على الصفات البذيئة والسلوك الأهوج منذ الصغر. فيظل الأطفال مأسورين لتلك الأخلاق والصفات طيلة أيام حياتهم . وما أكثر الآباء المجرمين اللذين يحتقرون التعاليم الدينية والعلمية ويصطحبون أطفالهم إلى مجالس اللهو والعبث، ويرتكبون الأفعال القبيحة أمام عيونهم. وعلى أية حال فشقاوة وسعادة الأبناء ترتبط ارتباطا كبيراً بالأب والأم… التربية بعد الولادة: تؤثر على السعادة البشرية عدة عوامل يسميها بعض العلماء بمثلث مؤثرات الشخصية، وهي الوراثة والتربية والمجتمع. ولكن الملاحظة المهمة هنا هي أن أهمية التربية قد تتجاوز أهمية الوراثة والمجتمع إلى درجة أن بإمكانها أن توقف قانون الوراثة وتأثير المجتمع إلى حد ما فتتغلب عليهما إلّا في الموارد التي تكون الصفات الوراثية ذات طابع حتمي (أي لايمكن أن تتغير في الطفل مهما كانت العوامل الأخرى قوية أو كان ضغط المجتمع يتجاوز الحدود الطبيعية) وفي الحقيقة فإن معاملة الأبناء فن يستعصي على كثير من الآباء والأمهات في فترة من فترات الحياة، وكثيراً ما يتسائل الآباء عن السبل الناجعة للتعامل مع أبنائهم. إن أطفالنا جواهر، ويمكننا تربيتهم والحفاظ عليهم حسب ما رفدنا به الإسلام من نظم وقوانين، ولكن المفارقة هنا هي أن الكثير من الآباء هم الذين يحتاجون إلى توجيه قبل الأبناء. ولذلك يمكن أن نتجرأ ونقول بأن هناك الكثير من الأولاد إنما جاء فسادهم من خطأ الأباء في تربيتهم وإهمالهم وترك تعليمهم الطريق الصحيح. لقد أثبت الباحثون بشكل قاطع تأثير السنين الأولى من العمر على حياة الإنسان المستقبلية، فإحساس الولد بنفسه يأتي من خلال معاملتك له. فإن أنت أشعرته أنه ولد طيب وأحسسته بمحبتك فإنه سيكون عن نفسه فكرة أنه إنسان طيب مكرم، أما إذا كنت قليل الصبر معه وتنهال عليه باللوم والتوبيخ ليل نهار فإنك ستشعره بأنه (ولد غير طيب ) وربما ينتهي الأمر به إلى أمراض نفسية كالكآبة والإحباط أو التمرد والعصيان. لا بد أن نعرف أن هناك فرقاً بين ذات الإنسان وسلوكه، فذاته مكرّمة وعظية، أما السلوك فقد ينحرف عما رسمه الشرع والعقل له، وعلينا أن نوصل هذه الفكرة للطفل، ونوحي له بأن حسابنا معه حساب سلوك لا ذات. روي عن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): قال داود (عليه السلام): إلهي، كن لابني كما كنت لي. فأوحى الله اليه: ياداود قل لابنك: يكن لي كما كنت لي، أكن له كما كنتُ لك. وصايا ملكوتية: عليك أيها الأب أن تأخذ بيد أبنائك لطريق الله عز وجل، وأن تعلمهم أن يبتعدوا عن غيره من الطرق الملتوية. اغرس في قلوبهم تقوى الله وساعدهم على أن يبرّوك عندما تكبر وتشيخ. تذكر دوماً أن أولادك أمانة عندك وأنهم سيغادرون منزلك بعد وقت قصير فاحرص على تربيتهم وتوجيهم، أعطهم وقتك وانتباهك، ادرس نفسياتهم وشخصياتهم، فأن ذلك يساعدك في تربيتهم، وإذا مررت بظرف عسير فأعلم أن ذلك عابر. من المهم أن يعرف الأبوان كيف يتجاوبان برفق في وقت الرفق وبحزم في وقت الحزم، كما ينبغي أن تكون معاملة الوالدين وفق مبادى ثابتة. وأن يحرصوا على حب أطفالهم ولكن بحكمة. ينبغي على الأم أن لاتعتمد على سلطة الأب وهيمنته في تهديد أولادها وعقابهم، فيصبح الأب كما قال بعض أخصائيي التربية (في نظر ابنه كالشرطي للمجرم لا صلة بينهما إلا عند الاختلاف في الرغبات) ينبغي أن لا يظهر الزوجان خلافاتهم أمام أبنائهم، فأن ذلك قد يضعف نفوذهما أمام أولادهما وقد يستثمره الولد لمصلحته فيتمادى في أخطائه. يجب أن تترسخ لدى الطفل فكرة أن سلطة أبويه هي سلطة واحدة تتبادل الأدوار حسب الظرف الموضوعي. إن من أهم القضايا التي تثير اهتمام العاملين بالمنهج الإسلامي هي قضية الطفل المسلم في منهجك التربوي، يجب أن تضع نصب عينيك أحدث الطرق التربوية التي تنسجم مع النظرة الإسلامية للإنسان في بناء شخصيته الفكرية والروحية والعملية، وفي الأجواء التي يجب أن تثيرها من حوله من أجل أن يتغذّى سلوكه بجو علمي تربوي خاص. كما يتغذى بالكلمة وبالصورة. فكل هذا الوسائل لها تأثيرها في خلق أجواء مناسبة تساعد في تربية الطفل وتسهل الأمر على الوالدين، وعلى الشخص الذي يمارس عملية التربية أن يتحرك في موقع مناسب لصنع الجو المناسب للطفل. ونحتاج في سبيل الوصول إلى تربية نموذجية إسلامية إلى دراسة ودراية واطلاع واستفادة مما ينصح به أصحاب الخبرة في هذا المجال، كل ذلك من أجل صنع جيل إسلامي يعيش في خدمة الحياة والإنسان على أساس كلمة الله والسير على تأدية ما أراد الله منه. إن الدين الإسلامي يعلمنا كيف نربي أبناءنا ليكونوا مواطنين سعداء في دنياهم، ليس هذا فحسب، بل لكي نكسب ويكسبوا بنا الآخرة أيضاً. لأن الولد الذي يكون سبباً في إيذا الناس وإيذاء نفسه فهذا يتحمل بعض ذنبه الآباء إذا لم يكونوا قد قاموا بتربيته التربية الصالحة، كما حدث في إحدى المدن العربية أن لصاً محترفاً بعد أن سرق العديد من المنازل وأحدث الرعب في قلوب الناس، لأنه لم يكن يسرق فقط بل كان يهددهم بالقتل لو شعر بالخطر، وبعد أن وقع في يدي رجال الشرطة وحكم عليه القضاء بإصدار حكم الموت شنقاً طلب السارق من رجال الشرطة قلماً وورقة فأحضروا له ذلك وعكف على كتابة بعض السطور وقد جاء فيها: (هذا ما دفعني إليه والدي.. الذي تركني منذ طفولتي ولم يحسن أدبي وتربيتي) إن الأب هو المسوؤل الأول عما يفعله الابن، ولايعني ذلك بالطبع تبرأة الابن، إنما الذي نريد قوله أن الآباء يتحملون قسماً كبيراً من المسؤولية لمكان ولايتهم على أبنائهم قال الإمام السجاد (عليه السلام) في رسالة الحقوق عن حق الولد على الوالد: (فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره ) والوجدان شاهد على انه إن عمل ابنك عملاً حسناً قال له الناس: رحم الله والديك. وإن عمل سوءاً ألقى الناس اللوم على أبيه. فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه، معاقب على الإساءة إليه. قال أحد الخبراء في علم التربية: إن الخطورة تكمن ليس في أن الآباء يجهلون مسؤوليتهم تجاه الأبناء فقط وإنما في غفلتهم. ولربما يحدث ذلك لانشغالهم في أمور المعيشة، وبالتالي فإنهم لايقومون بتأدية واجبهم على أحسن ما يرام. وخاصة إذا كان الأبوان كلاهما يعمل ويرجع في آخر النهار متعباً مرهقاً… فهذا يؤدي بالتأكيد إلى التقصير في حق الأبناء في التربية… ويغدو الابن ضحية… وسيتعلم أخلاق وسلوكيات الشخص الذي يعتني به سواء بالحضانة أو الروضة أو المدرسة، طبعاً لانقصد من هذا أنه يجب على الأم والأب الجلوس وعدم العمل… ولكن يجب عليهم الموازنة بين حق العمل وحق الولد… هناك أمور عديدة يجهلها الآباء في التربية منها: - تشوّش الرؤية وغياب الهدف الواضح للتربية. -عدم الإلمام الكامل بمعرفة الأسس الفنية في معاملة الأبناء والتأثير فيهم. -غياب المقياس والمثل العليا للتربية المطلوبة أو الشعور بإيفاء حق التربية والواقع يكون عكس ذلك. -إهمال دور الأم وعدم إعدادها. -ضحالة ثقافة الوالدين وقصور وعيهما وتحاربهما. ومنه، نعلم أنه يلزم على ألآباء اعطاء فرصة للأولاد لتكوين شخصيتهم ومساعدتهم في ذلك. وخير مثال على ذلك عند امير المؤمنين علي (عليه السلام) حيث كان يسأل أولاده بحضور الناس بعض المسائل العلمية، وربما كان يحيل الجواب عن أسئلة الناس إليهم. وهذا الشي يعطي نتائج مهمة في التربية أهمها احترام الأولاد وإحياء شخصيتهم وتكوين ذاتهم. فمثلما يجب احترام حق الكبار، يجب احترام حق الصغار. بينما الواقع الذي نعيشه في معاملة الأبناء عكس ذلك تماما عند البعض..... إن بعض الآباء يعيشون خارج دائرة التربية، ففي سبيل راحتهم أو رغباتهم أو في سبيل عملهم قد يهملون تربية أولادهم ولايفكرون بأنهم بهذا الأسلوب سوف يسيرون بأولادهم نحو الشقاء وتدمير مستقبلهم وأخلاقهم وخاصة في مجتمعاتنا التي تكون أكثر العوائل في بدايتها يعيشون مع أهاليهم، فضيق المكان يجعلهم يقسون على أطفالهم من أجل راحتهم أو أن يتحكم اكثر من فرد داخل الأسرة في تربية الطفل واستعمال الأسلوب الخاطئ أو الضرب أو العقوبة بدون سبب فكل هذا يتسبب بتكوين شخصية مهزوزة وضعيفة لدى الأطفال. إن التربية الواعية هي التربية المبنية على الأسس الأخلاقية التي ترشد الإنسان أن لوجوده قيمة جوهرية لا يمكنه أن يتغافل عنها في حياته وهي الطريق لتخريج أفراد لا يضيّعون حياتهم في التوافه، وإنما يتعاملون مع وجودهم بالطريقة التي تتحقق فيها أهداف حياتهم البنّاءة وبالتالي يمكننا أن نتحدث عن المجتمع الذي يصبح قابلاً للحياة لإدراكه ويعرف لماذا يعيش وكيف يعيش. وتربية الفرد تبدأ منذ نعومة أظفاره بالتدريج السليم المطابق للأصول التربوية والعقائدية والأخلاقية، ومن هنا علينا أن نهتم بتربية أطفالنا على هذا النحو والأسلوب الذي يحقق الآمال المعلقة على الأجيال القادمة في الوصول إلى إرساء قواعد جديدة للتعامل على مستوى الفرد أو الأمة، فلا يعود الفرد ولا تعود الأمة فريسة بيد العابثين المستهترين بمصائر الناس من أجل تحقيق المصالح الشخصية أو الفئوية على حساب جهل الناس لقيمة الحياة. هناك آثار سلبية كثيرة تترتب على عدم احترام شخصية الولد، ومن أهمها تلك التي تتعلق في نفوس الأطفال، مثل عقدة الحقارة واهتزاز الشخصية وما شابه ذلك من صفات نفسية خطيرة تهدد كيان الطفل وتلاحقه حتى خريف عمره. بينما تستطيع أنت أيها الاب وأنتِ أيتها الام أن تكونا بمعزل عن كل تلك الآثار السيئة والنتائج السلبية بفعل شيء واحد وهو: الاحترام ولايعتقد أحد بأن احترامه لولده يلحق به ضرراً أو يسئ إلى سمعته. ترى ماذا سيحدث لو اصطحب الأب ولده إلى المجالس التي يحضرها الكبار؟ وماذا يحدث لو تعامل الوالد مع ولده على أساس من الاحترام والتقدير؟ وماذا يحدث لو احترم الكبار الصغار؟ هل يحدث غير النتائج الحميدة والطيبة التي تترك أثراً سحرياً في نفوس الأبناء وتسير بهم إلى مدارج العظمة والكمال؟ يجدر بنا أن نسجل هذه الفكرة التي تقول: إن قيمة الاحترام تظهر ويبرز أثرها النفسي حينما يتمثل الكبار باحترام الصغار. وإلّا فإن احترام الصغار للكبار أمر طبيعي مفروغ منه. فإن عظمة التواضع تبرز حينما يتواضع العظيم للداني والكبير للصغير، فلو احترم الصغير الكبير وزهد الفقير وتواضع الحقير حينئذ لا يكون قد صدر منهم أي فعل ذي بال يشار إليه بالتقدير والتعظيم، ولا أقل عند سواد الناس. ولكن العظمة حينما يحترم الإنسان من هو أصغر منه، ويتواضع لمن هو أدنى منه منزلة، وقد ورد في سيرة أعظم رجل عرفته الإنسانية وهو النبي الأعظم محمد (صلى الله عليه واله وسلم ) أنه كان يصافح الغني والفقير والصغير والكبير، ويسلم مبتدءاً على كل من لقيه من صغير أو كبير أسود أو أحمر، حراً أو عبداً، وكان يقول في ذلك: ليكون سنة من بعدي. إن لاحترام الأبناء نتائج ايجابية كثيرة، وباستطاعة أي أب أن يجرب ذلك، فلو كنت تريد من ابنك خدمة ما، فاطلب ذلك منه باحترام...وأومئ إليه بالثقة ثم اطلب منه ما تريد وانظر كيف ستكون النتيجة. هذا بالإضافة إلى أن الأبناء سيبادلون الآباء ذلك الإحساس، وسيعاملون آبائهم كما تعلموا وتعودوا عليه. لذلك فالأب حر في اختيار الطريقة التي يرغب أن يعامله بها ابناؤه في صغرهم وعند الكبر، تماماً كما أنك لاتستطيع أن تسحب مقداراً معيناً من المال من البنك إلا إذا كان لديك رصيد سابق قد أودعته فلا تستطيع أن تطالب أبناءك أو أي إنسان آخر بالاحترام وأنت لم تودع الاحترام في بنوكهم ولم تمنحهم الاهتمام. وهو مفاد ما ورد من الأمر بمعونة الأبناء على تعليمهم بر الآباء فاهتم بهم يهتموا بك، واحترمهم يحترموك، يقول الامام علي (عليه السلام ): (إجملوا في الخطاب تسمعوا جميل الجواب) إن هذه حقيقة حتمية وسنة كونية لايمكن تبديلها. (فمن جد وجد ومن زرع حصد) الأطفال هم فلذات الأكباد وريحانة الحياة وزهور الربيع وبلسم الجروح، وهم ذخر الإنسانية لغدها المشرق، وهم الذين سيحملون مسؤوليات العالم بعد أن ينتهي دور الجيل الذي سبقهم، لأن الإنسانية تسير بطريق تكاملي وبالتالي لابد أن تستمر. وهم ضمان استمراريتها وبقائها. وبما أنهم كنز الإنسانية ومستقبلها فعلينا أن نعمل على إعدادهم إعداداً مناسباً يتناسب مع حجم المسؤوليات المستقبلية التي ستلقى على عاتقهم، وذلك يكون عن طريق تربيتهم التربية الصالحة المبنية على الفهم المتكامل والصحيح للحياة، وعلى المربي عموماً أن يدرك أهمية هولاء الأطفال وأنهم سيكونون أهلاً للحياة ولمواجهة مسوولياتها. إن فهم هذه الخصوصية وترتيب الأثر المناسب عليها يساعدنا على إيجاد المجتمع الإنساني الفاضل الذي يتحلى بالأخلاق الكريمة، ذلك المجتمع الذي يقدس المثل العليا للإنسانية باعتبارها صمام أمان للحياة نظراً لما تحويه من مباديء سامية وخصال حميدة توصل أفراد المجتمع الإنساني إلى أهدافه النبيلة باعتناقها والتمسك بأهدافها… الطفولة عالم البراءة: عالم الصفاء والنقاء والتخيلات والأحلام الرائعة الجميلة هو عالم الطفولة، فهو العالم الملكوتي الذي ينطلق منه الإنسان في بداية سيرته الحياتية. فالطفل في سِنيّ حياته الأولى ينظر إلى الحياة بمنظار عالمه الطفولي البريء البعيد عن كل مايعكر صفوها فيتخيلها بمنظاره هذا عالماً تسوده المشاعر المرهفة الحساسة، وبعيداً عن كل الاشياء التي تجعل من الحياة حياة شر وخداع ونفاق. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل للحياة قبل أن يبدأ صراعه معها، وما أروعه من تصور وما أجمله من حلم، وكم يتمنى كل فرد إنساني أن يعود لطفولته البريئة ليسرح في أرجاء عالمها الذي كان يصور له الحياة كأنها ربيع مليء بالرياحين التي تشد الإنسان إليها بعطرها الساحر وشذاها الفواح، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلاينفذ إلى سره ولا يدري كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. فهو عالم بعيد كل البعد عن الشرور والآثام والحقد والكراهية، هو عالم غني بالمشاعر الجياشة التي تصور الحياة بستاناً عامراً بالاطاليب، حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. تعتبر مرحلة الطفولة من أهم المراحل في حياة الفرد: فالاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. فالطفل هو الثروة الحقيقية وأمل الغد، وليكن معلوماً أن ما نراه من حولنا المشاكل التي يتعرض لها الطفل في العالم من نبذ وقهر واضطهاد واستغلال وما يترتب على هذه المشاكل من اضطرابات نفسية وانحراف وجريمة وادمان. وما نرى من حالات العنف والعدوان في المدارس وحالات اختطاف وانحرافات سلوكية وخاصة في العالم الغربي، ومانشاهده من تعرض الطفل العربي إلى القهر والعدوان وخاصة في دول الحرب وبعض الظواهر الأخرى مثل ظاهرة أطفال الشوارع، والمتسولين والأحداث، كل ذلك له أسبابه الخاصة والتي تكون التربية واحدة من أهمها، وفي مقدمتها. يؤكد علماء النفس دائماً على أن أسباب الاضطرابات النفسية لدى الاطفال هو غالباً تنشأ من خلل في المعاملة من قبل الأهل. وأن الأطفال الذين تساء معاملتهم هم دائماً ضحايا للاضطرابات النفسية والانحرافات. وهذه الاضطرابات لاينتهي أثرها عند الطفولة فقط، وإنما قد تبقى آثارها لمرحلة الشباب والكهولة، ذلك لأنها تنطبع في شخصية الطفل وتوثر على حياته المستقبلية. فيصبح بالتالي شخصاً يعاني من عقد بداخله ولربما يصبح شخصاً ظالماً لمن حوله أو مجرماً حتى مع أقرب الناس إليه كإخوته وأطفاله وزوجته وأصدقائه. فلينتبه الأبوان لهذه المسوولية الملقاة على عاتقهما لأنهم لا يظلمون طفلهم فقط، إنما يظلمون مجتمعاً كاملاً. ومن هنا تعتبر الأسرة النواة الأولى لتنمية الطفل، والقالب الاجتماعي الأول الذي يصوغ شخصية الطفل في المجتمع، وهي المؤسسة التربوية الأم التي تساعده على تشكيل شخصيته بصفة عامة، وهذا ينعكس سلباً على شخصية الطفل، فيما لو اضطربت الأسرة وتفككت. لقد ثبت لدى الباحثين تأثير السنوات الثمان الأولى من العمر في باقي حياة الإنسان، وقد وجد انه إذا ما لبيت حاجات ورغبات الطفل في الأشهر الأولى من الطعام والراحة والمحبة وغير ذلك، فإن الطفل سيكون حظه في الحياة أوفر وأعظم… إن الأنماط السلوكية الأسرية تحدد ماسوف يفعله الطفل في مقتبل حياته أو مايستطيع أن يفعله. ولكي يحصل على الإشباع والرضا فعلى الأسرة أن تعمل على تنمية شخصيته. إن أهم عوامل نجاح وتكوين شخصية الطفل إنما هي مستمدة من العلاقة الحارة الوثيقة الدائمة التي تربط الطفل بأمه أو من يقوم مقامها بصفة دائمة وإن أي حرمان من حنان الإم تظهر آثاره في تعطيل النمو الجسمي والذهني والاجتماعي وفي اضطراب النمو النفسي للطفل. _______________________________ (1) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2ص625 (2) غرر الحكم ودرر الكلم للامدي ص831 (3) مكارم الاخلاق للطبرسي ص 232 (4) بحار الانوار ج 75 ص 236

اخرى
منذ سنة
8009

صوت العقل وصدى الإرادة

برغم مانشهده من بريق التقدم التكنلوجي الذي يأخذ بالألباب ويخطف الأبصار إلا أننا نلاحظ اليوم وجود أزمة اخلاقية رهيبة، خصوصاً فيما يتعلق بانتشار المحرمات وتفكّك المجتمعات وتمزقها، وذلك لأن هذا التقدم يتحرك بشكل قد لايوافق فطرة الإنسان. إن الله سبحانه قد زوّد الإنسان بالعقل والغريزة والإرادة، على أن الروح والنفس من المتفرعات، فالروح مثلاً تعود في النهاية إلى قوة العقل التي وقف العلم أمامها حائراً عن معرفة كنهها. إن في الإنسان عقلاً وغريزة وإرادة، وهي في صراع دائم، والغالب منها يحدّد سلوك الإنسان. فإذا غلبت الغريزة على العقل والإرادة انحدر الإنسان إلى مرتبة الحيوان وإذا كانت الغلبة للعقل ترقى الإنسان إلى مراتب الإنسانية السامية. وهنا قد يطرح سائل سؤال: لماذا خلق الله سبحانه الغرائز في الإنسان وماهي الغاية من ذلك؟ الجواب: إن الغرائز التي غرسها الله سبحانه في أعماقنا وإن كانت متضادة ومتجاذبة إلا أنها هادفة لأن الله سبحانه حكيم في تدبيره لايخلق الأشياء عبثاً، فكل شئ في هذا الكون خاضع لحكمته وتدبيره وهذا الصراع الذي يحدث هو من أجل التكامل، إذ لاتقدم إلا من خلال هذا الصراع، إن الله قد حشّد هذه الغرائز في داخل الإنسان من أجل التكامل والكمال فقد شاء سبحانه أن يخلق هذا الكائن ليكون مميزاً عن الحيوان وعن الملائكة فلو كان عقلاً فقط لأصبح ملاكاً ولو كان غريزة فقط لكان حيواناً، وبذلك ينتفي وجود كائن حي اسمه الإنسان . إن العقل يُصدر الأحكام ولكن لاتتنفذ تلك الأحكام إذا كانت الإرادة ضعيفة، فلاقيمة لتلك الأحكام بدون إرادة قوية تنفّذها فيخلو الميدان للغرائز التي تُسيِّر الإنسان وترسم له خط سلوكه، لأن العقل عُرضة لهجوم دائم تشنّه الغرائز عليه وهو يحاول أن يدافع عن نفسه وينفّذ أحكامه. فإذا كانت الإرادة قوية فإنها تحمي العقل وتدافع عنه ليصبح قابلاً للتنفيذ . إذن ما هي الإرادة؟ وكيف نقوّي الإرادة؟ الإرادة: هي القدرة والسيطرة على الذات، فهناك قدرات جسمانية وهناك قدرات ذاتية، فتحقّق المراد يكون على قدر على ما أراد تحقيقه وخطّط له بشكل صحيح. إن مايحدث في داخل النفس هو شبه مجلس تخطيط، فالعقل يخطّط ويصدر الأحكام أما التنفيذ متوقف على قوة إرادة الإنسان. إن الهدف من وجود الإنسان لن يتم بدون مزج العقل مع الغرائز. ولكي يكون سيره في محيط الإنسانية عليه أن يتحكم بهذه الغرائر بالاتجاه الإيجابي وهو ماحدّده له الله عز وجل فقط، فلو شذ عنها انحدر من مستواه الإنساني إلى المستوى البهيمي. ولهذا كان لقوة الإرادة والتوجُّه الصائب للعقل الحكم الفصل في تنفيذ ذلك... إن الإرادة تلعب دوراً مهماً في عملية تنفيذ الأحكام التي يصدرها العقل أو في إلغائها. فكيف يمكن أن نقوّي هذه الإرادة من أجل انتصار العقل على طغيان الغرائز وجبروتها؟ نجد الجواب المناسب لهذا السؤال عند سيد البلغاء أمير المؤمنين علي بن ابي طالب( عليه السلام) عندما يقول :(وأيم الله لأروضن نفسي رياضة تهش معها إلى القرص مطعوماً وتقبل بالملح مأدوماً ولأدعن مقلتي كعين ماء نضب معينها ،مستفرغة دموعها ،أتمتلئ السائمة من عشبها فتبرك وتشبع الربيضة من رعينها فتهدأ ويأكل علي من زاده فيهجع. ......) نهج البلاغه ج٣ص٧٥ من هذه الكلمة يتبين العلاج لتقوية الإرادة حسب ماذكر سيدنا ومولانا الامام امير المؤمنين( عليه السلام ) وهو :- الترويض للنفس لتقوية الإرادة. لو سألنا الإمام (عليه السلام) وكيف تروضها يا امير المؤمنين؟ فالإجابة عنده موجودة (إنما نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الفزع الاكبر). إذن الوسيلة هي التقوى التي تسيطر على الغرائز وتهذّبها والغاية هي الاطمئنان والأمان يوم الفزع الاكبر. إن الغرائز تلح على الإنسان بدليل ماجاء في القرآن الكريم (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (53)) سورة يوسف. يقع الذنب عندما يقوم الإنسان بفعلٍ بسبب شهواته وميوله خلافاً لما يحكم به عقله وإيمانه وتقابلها نفس لوامة تلح على صاحبها بالدافع الإخلاقي لكي تصبح مطمئنة وهنا يحدث النزاع بين العقل والغرائز. والإرادة القوية النابعة من تقوى الله تستطيع الانتصار، فكل إرادة لاتتغلب على العاطفة والشهوات تنهار وتفشل بسبب ضعفها وقلة إيمانها لأن حالة الذنب هي حالة عدم تملك النفس لذا قال (عليه السلام) في خطبته (ألا وان للتقوى مطايا ذلل )نهج البلاغه الخطبه ١٦ أي أنه يأمر والمطايا تطيع تسير إينما يوجهها دون أن تركل أو تعترض، وعلى هذه القاعدة نستطيع أن نقول إنّ لكل غريزة وظيفتها وهدفها، لاسيما إذا ربط الإنسان نفسه بالتعاليم الآلهيه التي وصلتنا إذ أن هذه التعاليم توجّه الغرائز بطريقها الصحيح الذي رسمه الله لها .

اخرى
منذ سنة
7895

صاحبوا عيالكم بالمعروف

إن الأسرة التي تبنى على أسس اسلامية بناء صحيحاً ستكون حصناً حصيناً للمجتمع. بل هي أمنع حصونه على الإطلاق لأنها تحصِّن الأفراد من الزلل. والإسلام يحافظ على هذا الحصن من الداخل بتحمّل المسؤولية الملقاة على عاتق الزوج والزوجة. قال تعالى: ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24]. إن البيت والأولاد أمانة ومسؤولية أمام الله عز وجل.. فالأمانات كثيرة وليست مقتصرة على الودائع فحسب وإنما لها مفهوم واسع كما بين القرآن الكريم. ومن ضمن هذه الأمانات: الزوجة والأولاد. إن الله عز وجل عرض الأمانة على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان. فقال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: 72]. أيها الأب إن التأسيس السليم للأولاد ليس لبناء جسم سليم فقط بل مع ذلك لابد من بناء قلب سليم , فتأسيس القلب الطائع لله يعود على سائر الجسم بسلامته . ومن الخطأ أن يعتقد الآباء أن مهمتهم تقتصر على تحمل الأعباء الاقتصادية فقط، فيهملون الجوانب التربوية الأخرى من تأديب وتربية ومصاحبة ومراقبة لأبنائهم. قال تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ﴾ [النساء: 11]. وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال: "لا يزال المؤمن يورث أهل بيته العلم والأدب الصالح حتى يدخلهم الجنة" ميزان الحكمة ج١ هناك البعض من الأزواج يكثرون من الأولاد وربما يكثرون من الزوجات، ولكنهم يسيؤون سياسة عائلاتهم. ويكون الاهتمام بأسرته آخر هواجسه. فهو يترك لزوجاته وأولاده الحبل على الغارب. لايسأل عن زوجته ولايهتم لمستقبل أولاده وإنما همه ملاذه وراحته. هناك الكثير من الآباء يرون أنهم يملكون الحق الأوحد، وأن الأبناء دائما على خطأ، فيشعر الأبناء أن آباءهم لا يملكون لغة الحوار والتفاهم معهم، وأنهم يسيؤون إليهم دائماً؛ وهو ما يحدث فجوة كبيرة بين الآباء والأبناء. عن رسول اللَّه( صلى الله عليه وآله ) قال: "أكرموا أولادكم وأحسنوا ادابهم يغفر لكم"ميزان الحكمة ج١ص٥٦ ثمة فئة من الآباء وبحجة التمسك بالدين، يحرمون على أولادهم ما يحلّلون لأنفسهم وذلك جهل بحقيقة الدين يحرمون ما أحل الله لعباده من ملذات ويجعلون من البيت سجناً مؤبداً للزوجة وللأولاد خاصة البنات. الإسلام لم يمنع من أخذ الزوجة والأولاد وترفيهم بما حلّل الله لأن الأصل في الإسلام الإباحة، فكل ما أنعم الله به على العبد محلل ومباح. ونعم الله لاتعد ولاتحصى، إلا ما ثبتت حرمته بالدليل لايجوز للأب أن يوفر لنفسه من راحة ونعيم ما لايوفرهما لزوجة وأولاده، إن أباً كهذا ليس أهلاً لأن يكون أباً، فإن هناك كثيراً من الأسر والمجتمعات تعاني من هذه المآسي ومن هذه الأوضاع والمشكلات اتجاه أولادها. إن أباً كهذا يدمر الأسس الأخلاقية والمفاهيم الدينية في الأسرة الإسلامية، وليتقِ الله أولئك الذين يضيقون على عيالهم باسم الدين.

اخرى
منذ سنة
7284