تشغيل الوضع الليلي

قلة الصبر على الأولاد

منذ سنتين عدد المشاهدات : 2962

في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها أغلب العوائل والبيوت بسبب ضغط المعيشة وصعوبتها، تتراكم في عقل الإنسان ضغوطات نفسية عديدة تؤدي إلى فقدان الصبر والاتزان في طريقة تعامله مع أحداث الحياة المختلفة.
ولكن يجب أن تبقى الآية الكريمة نصب أعيننا (فإن مع العسر يُسراً) لتعطينا الأمل وتجدد لنا الأيمان بأن الأحوال والظروف لا تبقى ثابتة، وإنما تتغير وفقاً لإيمان العبد بربه وسعيه نحو تحقيق الهدف.
ولكن البعض من الناس لا يستطيع الثبات أمام مشاكل الحياة وتحدياتها مما يؤدي إلى ظهور مشاكل عديدة تظهر علاماتها في الأسرة، فالتعب والضغط الذي يشعر به الأب بسبب العمل المستمر والذي يكون غير مريح أو ليس راضياً وقانعاً به، يؤدي بالأب إلى تفريغ كل طاقته السلبية بزوجته فتكون الزوجة كسلة المهملات والقمامة، باتخاذها مكان لتفريغ الكبت النفسي والضغط الذي يشعر به الزوج.
يجب أن يتحلى الزوج بالصبر والتحمل مهما كانت ظروف الحياة، وهذا الضغط الذي يُمارَس ضد الزوجة يدفع بها إلى ممارسة وإسقاط هذا الأسلوب المكتسب على الأبناء لا إرادياً، فعملية تفريغ المشاعر السلبية تحدث بشكل دائري ومتسلسل، والأبناء أيضاً تظهر على سلوكياتهم بوادر العدوانية والاعتداء على الآخرين من الأطفال.
إذن هي سلسلة أخطاء تحدث وتستمر بالانتشار بسرعة، مُحدثة عمليات عكسية على المجتمع ككُل، وتستمر معاناة الأبناء في ظل وجود آباء وأمهات غير منضبطين سلوكياً وفاقدين للسيطرة على النفس.

والحل الذي يجب على الأبوين اتخاذه هو:
أن يقوما بتقييم الحالة السلوكية والنفسية لهما من أجل العمل على إعادة البرمجة الذاتية لهما للوصول إلى الضبط الذاتي الذي يكون سبباً في إدارة الذات بشكل صحيح، وبالتالي الوصول إلى إسعاد الأسرة والعمل على بث روح التفاؤل فيها.

وهنا توجّب على الأبوين أن يعقدا النية الصادقة في محاولة تغيير نفسيهما والسيطرة على المشاعر والانفعالات غير المدروسة والمستعجلة، وهذا يتم عن طريق التحكم بالأفكار الواردة إلى العقل اللاواعي بواسطة العقل الواعي، فكل ما يسمح به العقل الواعي من أفكار، فإن العقل اللاواعي يقوم بتصديق تلك الأفكار والتعامل معها على أنها صحيحة باعتبار أن بوابة العقل الواعي سمحت بدخول تلك الأفكار.
فإذا كانت تلك البوابة بدون حارس واعي، فإن جميع الأفكار السلبية تدخل بسهولة إلى العقل الباطن وتستقر فيه، وبالتالي يتم تعامل الشخص مع تلك الأفكار دون التميّز بين ما هو إيجابي وما هو سلبي.
فعلى سبيل المثال: إذا تأخر الزوج في العمل أو في السفر فأن ما يخطر في عقل الزوجة من أفكار سلبية يمكن أن تكون قاتلة ومدمرة للعش الزوجي، فممكن أن تتخيل الزوجة بأن زوجها متزوج عليها أو لديه علاقات غير شرعية.. أو.. أو.. أو...

ومثل هذا التفكير والتخيلات تسبب أمراضاً بدنية كارتفاع ضغط الدم أو زيادة سرعة ضربات القلب أو مرض الوسواس المستمر، وأمراض نفسية عديدة، لذلك أوصانا النبي الكريم محمد (صلى الله عليه واله وآله) بالتفاؤل، فهو أحد العناصر التي تبعث في النفس الارتياح والسعادة.
وقد أثبت العلم الحديث أن التفكير الإيجابي يدفع الجسم إلى إفراز هرمون السيروتونين، وهو هرمون السعادة، والذي يجعل الإنسان يشعر بمشاعر الفرح والرضا عن الذات.
إذن، لنعمل سوية على طرد كل الأفكار والتصورات السلبية التي تهدم الأسرة والمجتمع، فالسماح لهذه الأفكار بالولوج إلى عقولنا تسبّب لنا فقدان الصبر والكآبة ويصبح الإنسان عصبي المزاج سريع التأثر والانفعال، وبعدها يكون ذا طبع حاد مع زوجته وأطفاله.
وكذلك الزوجة يجب عليها العمل على اكتساب صفة الصبر والعمل على التخلص من تلك الأفكار والتصورات الذهنية السلبية، فالمطلوب إذاً من الزوجين العمل الجاد على السيطرة على الأفكار الواردة إلى العقل الباطن والتحكم بها من أجل تنقية الأفكار وصقلها وتبني ما هو مفيد وهادف وناضج ، يدخل في إدارة الأسرة بشكل فعّال.
إن الأطفال الذين يعيشون في بيئة مشحونة بالتوتر والصياح والعصبية، يُصابون بأمراض نفسية عديدة إضافة إلى الأمراض البدنية والجسدية التي تكون نتيجة طبيعية لما يشهده هذا البيت من توترات وانعكاسات خطيرة.
إن عدم امتلاك بعض الآباء والأمهات لصفة الصبر والتحمل يجعلهم يُثارون لأتفه الأشياء التي تصدر من أطفالهم، والتي تكون في غالب الأحيان تصرفات طفولية تدخل في خانة اللعب والحركة والاكتشاف، فالطفل في عمر السنتين والثلاث يكون كثير الحركة واللعب محاولة منه للتعرف على الأشياء واكتشافها، وهذه التصرفات والسلوكيات تُثير حفيظة البعض من الأهل، الذين لا يمتلكون خبرة تربوية وفهم عالي للمراحل العمرية التي يمر بها الأطفال من أجل النمو.
فيجب على الأهل زيادة وعيهم المعرفي والتربوي بمتطلبات المراحل العمرية التي يمر بها أبناؤهم، فهذا يُجنبهم الخطأ في التعامل مع الأبناء، ويكسبهم خبرة في كيفية فهم تصرفات أبنائهم، والتمييز بين السلوك الطبيعي والشاذ، فوقوع الأطفال في بعض الأخطاء من الأمور الطبيعية التي يجب أن يتعامل معها الأهل بشكل طبيعي، لأن الأطفال يتعلمون من أخطائهم ويتطورون بمرور الوقت.
ونشاهد أن البعض من الأهل يطالب الأطفال بأشياء تفوق قدراتهم وطاقاتهم ويحاسبهم على عدم فعلها، وهنا يجب أن يلتفت الآباء والأمهات إلى أن ممارسة الضغط وفق هذا الأسلوب يسبب للأطفال فقدان الثقة بالنفس وانخفاض في تقدير الذات، وهذا يصيب للأطفال بمشاعر الخيبة والفشل وعدم القدرة على فعل الأشياء.

هي دعوة من أعماق القلب الى كل الآباء والأمهات من أجل العمل على اكتساب الصفات الحميدة، كالصبر والتحمل وفق المنهج الذي ذكرناه، للوصول إلى الاستقرار الأسري من خلال بناء جيل واعي مؤمن بالقيم والأخلاق وقادر على مواجهة كافة التحديات التي تعصف بالمجتمع والحياة.
والله ولي التوفيق

قاسم المشرفاوي

اخترنا لكم

مسائل خَمس في العقيدةِ المهدويّة (2) (نزولُ عِيسَى النَبيّ مِن السماء)

بقلم: علوية الحسيني المطلبُ الأوّل: نزولُ عِيسَى النَبيّ مِن السماءِ في زمنِ الظُهورِ والحكمةُ مِن ذلك. أجمَعَ المُسلمون علَى أنَّ نبيَّ اللهِ عيسى (عليه السلامُ) بَاقٍ وحَيٌّ، يَنزِلُ مِن السَمَاءِ إلى الأرضِ في آخرِ الزَمَانِ بعدَ أنْ رَفَعه اللهُ تعالى إِليه، قالَ اللهُ (تعالى): (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)(13). وقالَ أيضًا: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا)(14). وقد عَرضَ المُفسّرون لبيانِ حقيقةِ توفي النبي عيسى (عليه السلام)، ورَفْعِه إلى اللهِ تعالى، فذكرَ السيّد الطباطبائي (رضوان الله عليه) في تفسيرِ الميزانِ ما نصّه : "وبالجُملة، الذي يُفيده التدبرُ في سياق الآياتِ، وما ينضمُ إليها من الآياتِ المَربوطةِ بها، هو أنَّ عيسى (عليه السلام) لم يُتَوَف بِقَتْلٍ أو صَلبٍ ولا بالمَوتِ حَتفَ الأنفِ على نحو مَا نَعرِفُه مِن مِصدَاقِه"(15). وذكرَ الشيخُ جَعفرُ السبحاني في بيانِ ذلك أنَّ "المُتبَادَر مِن الآيةِ هو: إنِّي آخذُك وقَابضُك بين الناسِ, ورافعك إلي، فَتصيرُ الآيةُ دليلًا على رَفعِ المَسيح حَيًا، لا إماتَته وَرَفْعَه"(16). وإنَّ اللهَ تعالى رَفَعَه بِتَمَامِه إلى السَمَاء بروحِه وجسدِه جميعًا إلى السَماء؛ كي لا يَزعم النَصَارىَ أنَّ جسمَه بَقيَ مَصلوبًا، وروحَه رُفِعَتْ إلى السَمَاءِ"(17). وقد وعدَ اللهُ (تعالى) بنزول السيّد المسيح عيسى بن مريم في آخر الزمانِ، وتَعَهَدَ ببقائه حَيّاً ليقيمَ الحُجّةَ التامّةِ على أهلِ الكتابِ، وحَكَى ذلك في قولِه (تعالى): (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا)(18). وفي هذه الآيةِ الشريفةِ دِلالَةَ ظاهِرةٌ على ذلك, وقَد بيّنَ السيّدُ الطباطبائي هذا المعنَى في تَفسيرِه المِيزَانِ، وقال: "فَمِن هَذه الجِهَةِ لا صَرَاحَةَ للتوفي في المَوتِ على أنَّ قَولَه (تَعَالى) فِي رَدِّ دَعوى اليهود (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا* بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا)(19), يُؤيدُ ذلك فإنَّ اليهودَ كانت تَدّعي أنّهم قتلوا المسيحَ عيسى ابن مريم (عليهما السلام) وكذلك كانت تَظنُّ النصارى أنَّ اليهودَ قتلتْ عيسى ابن مريم (عليهما السلام) بالصَلْب، غير أنّهم كانوا يزعمون أنَّ اللهَ (سبحانهُ) رَفَعهُ بعد قتله مِن قبره إلى السماءِ على ما في الأناجيل، والآياتُ كما ترى تُكَذّبُ قصّةَ القَتلِ والصَلبِ صَريحًا، والذي يُعطيه ظاهرُ قوله (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) أنَّه حَيٌّ عند اللهِ، ولن يَموتَ حتى يُؤمِنَ به أهلُ الكتابِ"(20). ولم يقتصر أمرُ نزولِ السيّدِ المَسيحِ، عيسى بن مريم (عليه السلامُ) بحسبِ هذه الآيةِ القرآنية الشريفةِ على إقامةِ الحُجّةِ على أهل الكتابِ وحتى يؤمنوا به، لا بل وبتعاضدِ الرواياتِ المُعتبرةِ والمتواترةِ أنَّ لنزوله نحوِ علاقةٍ أصيلةٍ بخروجِ الإمام المَهدي (عليه السلام) ونصرته، والتصديق به والدعوة إليه، وبيانِ حقّه لأهل الكتابِ من غير المسلمين، وأشَارَ الشيخُ ناصرُ مَكارِم الشيرازي في تفسيره الأمثل إلى هذا التَعَاضُدِ الدلالي الَبيّنِ بين الآياتِ القرآنيةِ الشريفةِ والرواياتِ المُتكاثرةِ في حقيقةِ نزولِ السيِد المسيحِ معِ خروجِ الإمام المَهدي عليه السلام, وذكرَ ما نصّه: "وتَجْدِرُ الإشِارَةُ - هُنا - إلى أنَّ الضميرَ في عبارَةِ - قَبْلَ مَوْتِهِ - في الآية الشريفة- يَعودُ لأهلِ الكتابِ بناءً على التفسيرِ الذي ذكرناه، و قد يكونُ المَقصودُ في الآيةِ هو أنَّ جميعَ أهلِ الكتابِ يؤمنون بعيسى المسيح قبل مَوته، فاليهودُ يؤمنون بنبوته والمسيحيون يتخلّون عن الاعتقادِ بربوبية المسيح (عليه السلام)، ويَحدِثُ هذا - طبقاً للرواياتِ الإسلاميةِ - حين ينزلُ المسيحُ من السماءِ لدى ظهورِ المَهدي المُنتظرِ (عَجّلَ اللهُ تعالى فرجه الشريف)، وواضحٌ أنَّ عيسى المَسيحَ سيعلنُ في مِثلِ هذا اليومِ انضواءه تحتَ رايةِ الإسلامِ؛ لأنَّ الشريعةَ السماويةَ التي جاء بها إنما نَزلَتْ قبلَ الإسلامِ، ولذلك فهي منسوخةٌ به, وبناءً على هذا التفسير فإنَّ الضميرَ في عبارة - قَبْلَ مَوْتِهِ - يعودُ إلى عيسى المَسيحِ, وقد نُقِلَ عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله : كيف بكم إذا نزلَ فيكم ابن مريم وإمَامُكم منكم، وطبيعي أنَّ هذا التفسيرَ يشملُ اليهودَ والمَسيحيين المَوجودين في زَمنِ ظهورِ المَهدي المُنتظرِ (عَجّلَ اللهُ تَعالى فَرجَه الشريفَ)، ونُزولِ عيسى المَسيحِ (عليه السلام) مِن السَمَاءِ"(21). ولابُدَّ مِن بيانِ بعضِ رواياتِ أهلِ البيتِ (عَليهم السلام) في شَأنِ نزول النبي عيسى في آخر الزمانِ ومع ظهورِ الإمام المَهدي (عليه السلام)، حيث رُويَ عن الإمامِ الباقر(عليه السلام) أنّه قال: "إنَّ عيسى يَنزِلُ قبلَ يَومِ القيامةِ إلى الدنيا، فلا يَبقى أهلُ مِلّةٍ, يهودي ولا غيره إلاّ آمنَ به قبل مَوته، ويُصلي خَلْفَ المَهدي"(22) . وَوَرَدَ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): ينزلُ عيسى بن مريم فيقول أميرهم المَهدي: تَعَالَ صَلِّ بنا فيقولُ ألا إنَّ بعضكم على بعض أُمراءٌ تكرمةَ اللهِ (تعالى) هذه الأمةِ. قال : هذا حديثٌ صحيحٌ حَسن، رواه الحارث بن أبي اُسامة في مُسنده، ورواه الحافظُ أبو نعيم في عواليه"(23). فَأحاديثُ نزولِ السيّدِ المسيحِ عِيَسى بن مَريم كَثيرةٌ في مصادرِ الفَريقين، ومِنها الحَديثُ المَشهورُ عَن النبي (صَلّى اللهُ عليه وآله)، حيثُ قال: "كيفَ بِكُم إذا نَزَلَ عيسى بن مريم فيكم، وإمامُكم مِنكم"(24). ومنها "مَا ذَكَره نعيم في صَلاةِ عيسى خَلفَ المَهدي، ولم يُسَمّه، وأنَّ عِيسى يقولُ: إنّمَا بُعثتُ وزيرًا ولم أبعَث أميرًا، قَال: يَهبِطُ المَسيحُ عيسى بن مريم عندَ القنطرةِ البيضاءِ على بابِ دمشق الشرقي إلى طرفِ الشَجرِ، تحمله غمامةٌ، واضعٌ يديه على مَنكب ملكين، عليه ريطتان مؤتزرٌ بإحداهما مُرتدٍ بالأخرى، إذا أكبّ رأسه يقطر منه كالجمان، فيأتيه اليهودُ فيقولون: نحن أصحابُك، فيقول : كذبتم، ثم يأتيه النَصارى فيقولون: نحن أصحابُك، فيقول : كذبتم، بل أصحابي: المُهاجرون بقيةُ أصحابِ المَلحَمَةِ، فيأتي مَجمع المُسلمين حيث هم، فيجد خليفتهم يصلي بهم، فيتأخرُ للمسيح حين يراه، فيقول: يَا مَسيحَ اللهِ صَلّ بنا، فيقول: بل أنتَ فَصَلّ بأصحابك فقد رَضِي اللهُ عنك، فإنّمَا بُعثتُ وزيرًا ولم أُبعَث أميرًا، فيُصلِي بهم خليفةُ المهاجرين، ركعتين مرة واحدة وابن مريم فيهم، وقال في حديثٍ آخرٍ بإسناده عن حذيفةِ بن اليَمَانِ عن النبي (صلى الله عليه وآله): فيهبطُ عيسى، فيرحِبُ به الناسُ، ويفرحون بنزوله لتصديقِ حَديثِ رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) ثم يقولُ للمؤذِن: أقِمْ الصلاةَ، ثم يقولُ له الناس: صَلّ بنا، فيقولُ: انطلقوا إلى إمامِكم فليصلّ بكم، فإنّه نِعمَ الإمَامُ، فيصلّي بهم إمامُهم، فيصلي معَهم عيسى"(25). وإنَّ نزولَ السيد المسيح (عليه السلام) وبحسبِ دلالاتِ الرواياتِ المشهورةِ والمُعتبرةِ والكثيرةِ يكون مِن المَحتومِ الذي لابُدّ منه، وذلك للتأكيدِ الوثيق على سنخِ العلاقةِ المَكينةِ والوظيفيّةِ والتكليفية والقيادية بينه وبين خروجِ الإمام المهديِ (عليه السلامِ) كعلاقةِ المأموم بالإمامِ، فالنبي عيسى يصلّي خلفَ إمامٍ معصومٍ، وينصره، ويدعو إليه، ويُصدّقه، هذه كُلّها بُنَى عَقدِيّةٌ سَتقومُ عليها دولةُ الحقّ والعدلِ في آخرِ الزمانِ. وأمّا المسلمون فاعتقدوا برفعه حيًا إلى السماء، وآمنوا بنزوله في آخر الزمانِ مع المهدي المُنتظّر (عليهما السلام) وهذه الأمورُ كلها ستُحسَمُ بنزولِه إلى الأرضِ، والقيامِ مع الإمام الموعود، وذلك بالتغييرِ والإصلاحِ والدعوةِ إلى الاجتماعِ على كلمةٍ سواءٍ في توحيدِ اللهِ والإيمانِ برسله وأنبيائه، وإعلاءِ كلِمةِ الإسلامِ العُليا. وكما هو معهودٌ قرآنيًا من ذي قبل في الدعوةِ إلى ضرورةِ الاجتماعِ على كلمةٍ سواءٍ، كما حَكَى ذلك قوله (تعالى): (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)(29). ورُبما تكونُ الحكمةُ مِن نزولِ السَيّدِ المسيحِ مِن السماءِ في آخرِ الزمانِ دون غيره مِن الأنبياءِ؛ لأنّه مِن أنبياءِ أولي العَزم، وصَاحِبُ شَريعةٍ وكِتابٍ وله أتباعُ ومُعتقدون به، ومُنتظَرون له فنزوله يتكفّلُ بدورٍ عظيمٍ في هِدايةِ أتباعه والمؤمنين به، فِي مرحلَةٍ حسّاسَةٍ مِن التاريخِ الإنساني، والذي يَظهرُ الإمامُ المَهدي (عليه السلام) في نهايته، وقد يَكونُ النصارى أكبرَ قُوةٍ في العالَمِ آنذاك، مِمَا يتطّلبُ وساطةً مَوثوقةً بها عندهم لتقبّل دِينِ الإسلامِ الحَقِّ والإيمانِ به، عقيدةً ودولةً، وحَضَارَةً ومَنهجًا، والأخذِ بِحُكْمِ الإمامِ المهديِ (عليه السلام) فيهم، وبكُتبهم التي سيستخرِجَهَا لهم، وقد بيّنَت الرواياتُ الكثيرةُ هذا المَعنى، والذي سَيَتَحَقّقُ بظهورِ الإمَام المفدّى، وقيامِه بالحَقِّ. وفي أخبارِ الإمام المهدي (عجل الله فرجه) في آخرِ الزَمانِ ورَدَ أنّه: (يَستخرجُ تابوتَ السكينَةِ مِن غَارٍ بأنطاكية فيه التوراةُ التي أنزلَ اللهُ (تعالى) على مُوسى (عليه السلام) والإنجيلُ الذي أنزله اللهُ (عَزّ وجَلّ) على عيسى (عليه السلام) يَحْكُمُ بَينَ أهلِ التَورَاةِ بتوراتِهم وبين أهلِ الإنجيلِ بإنجيلِهم)(30). (13) آل عمران: 55. (14) الأنبياء: 157-159. (15) الميزان في تفسير القرآن، السيد محمد حسين الطباطبائي، ج5، ص136، ط قم المقدسة. (16) الإيمانُ والكُفرُ في الكتابِ والسنّةِ، الشيخ جعفر السبحاني، ص150. (17) رسالةٌ في حياةِ السَيد المَسيح، الشيخ جعفر السبحاني، ص145. (18) النساء: 159. (19) الأنبياء: 157-159. (20) الميزان في تفسير القرآن، السيد محمد حسين الطباطبائي، ج3، ص207، قم المقدسة. (21) الأمثلُ في تفسير كتابِ اللهِ المُنَزّلِ، الشيخُ ناصر مَكارم الشيرازي، ج3، ص534. (22) بحارُ الأنوار، المجلسي، ج9، ص195، بيروت، 1403ه. (23) بحارُ الأنوار، المجلسي، ج51، ص93، بيروت، 1403ه. (24) مُسنَدُ أحمد، أحمد بن حنبل، ج2، ص336، ط بيروت. (25) - التشريفُ بالمنن في التعريفِ بالفتنِ، السيد ابن طاووس، ص175، ط اصفهان، 1416ه. (26) الصف: 6-7. (27) كشفُ المُرادِ في شرحِ تجريدِ الاعتقادِ، العلاّمةُ الحلي، ص495، مؤسسة النشر الإسلامي لجماعةِ المدرسين بقم المشرّفَةِ. (28) الكافي, الكليني، ج1، ص199، طهران، 1388ه. (29) آل عمران: 64. (30) الفتَن، تأليفُ أبي عبد الله نعيم بن حماد المروزي ت 229 ه‍ / 844 م، ص220، دار الفكر 1414ه. المطلبُ الثاني يأتي في الحلقةِ الثانية إن شاء الحقُّ (تعالى)، والحمدُ لله ربِّ العالمِين، وصلّى الله على سيّدنا محمّدٍ وآلهِ الطاهرين.

اخرى
منذ 5 أشهر
657

إلى أين وصل مجتمعي؟

بقلم: حوراء كاظم الأب منشغل بجهازه النقال الذي أصبح جليسه وأنيسه، فهو يهتم به أكثر حتى من أطفاله. طفله الصغير يناديه (بابا، بابا) وهو غير آبه له وكأنه لا يسمع صوته قد ولج إلى عالم آخر، البنت تخرج بكامل زينتها، مكياج وألوان ملفتة للنظر مع أبويها تتدعي بأنها محجبة، تعني على قطعة القماش التي تغطي رأسها، فهذا يدل على الحداثة والتطور. النفاق: أصبح يزاحم الناس في حلقات جلساتهم. الخيانة الزوجية: أصبحت شيئًا مألوفًا، لكثرة ما يراه على مواقع التواصل الاجتماعي، فأصبح لا يرى جمال زوجته، قد غض بصره عن جمال روحها التي تشاركه الحياة بحلوها ومرها قد تغلل الشيطان بقلبه، فكثر الطلاق. الصدق: قد لملم حقائبه وذهب وهو يقول: لا مكان لي بين قلوب خلت من عن طاعة الله. الأطفال: يحملون الأجهزة الذكية التي تقدمها لهم الأم بحجة أنها تريد أن تنجز أعمالها المنزلية وقد غفلت عن أنها جعلت سلاحًا فتّاكًا بين أنامل طفلها... الغش: قد ألقى بستائره على البعض فأشعر بصرهم كثر القيل والقال ونقل الكلام الخالي من الصدق. البنات المراهقات دخلن إلى عالم أخر مليء بأشواك الغفلة والمعصية، قد سحر عقولهن، وجعلهن لا يعرفن سوى العلاقات المحرمة مع الجنس الآخر. لقمة الحلال: أصبحت صعبة المنال. الأم التي ذبلت كزهرة من أجلنا وأفنت سنين عمرها بين أيدينا لتوصلنا إلى أعلى الدرجات، ها هي الآن تُرمى كشخص غريب في دار المسنين، تجلس بين تلك الجدران قد ارتسمت على وجهها معاناة السنين، قد اختفت بذرة الرحمة... الطفولة: لم تعد كما كانت تفوح منها عطر البراءة والصفاء، كنا نجول بين زقاقات منطقنا كطيور، والابتسامة تطوق وجوهنا ،أجسامنا مليئة بالنشاط. الفسق والفجور بات في مجتمعنا متفشيًا. الغيبة بها يُبدأ الحديث ويختم. القرآن مركون في زاوية المكتبة قد ملأه الغبار، والهاتف النقال نظيف، والسبب هو أنه أصبح التواصل مع المخلوقين اكثر من الخالق. للأسف التطور قد ألقى بظلاله وضلاله على مجتمعنا فتغيرت الأرواح، فالكل يبحث عن التطور، ولا يفكر يومًا في تطور فكره لينهض من كبوته، ويحطم سلاسل الجهل، فتركنا التراث السماوي المحمدي وتمسكنا بأمور توصل المجتمع إلى الهاوية، فهل ظل التطور الذي جعلنا نصل إلى هذا المستوى المتدني؟ اترك الإجابة إلى القارئ.

اخرى
منذ 11 شهر
316

الإمام موسى بن جعفر وجسر الرصافة بلسان الطبيب النصراني....

بقلم: رحاب سالم البهادلي كنت أمشي وصديقي في بغداد، فوصلنا جسر الرصافة وأخذت أنظر اليه مطولاً، فسألني: ما بك أيها الطبيب، لماذا وقفت هنا، دعنا نكمل طريقنا؟! فقلت: آه آه، أتعرف إمام الشيعة موسى بن جعفر؟ فأجاب نعم، لكن سمعت أنهُ قد مات. -(الطبيب) نعم قد قُتلَ مسموماً، دعني أخبرك ما حدث... في مثل هذا اليوم قبل سنين مضت وقفتُ على جسر الرصافة بغداد كما نقف اليوم، في يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر رجب، رأيت الناس تهرع والمنادي ينادي هذا أمام الرافضة. كانت هناك جنازة يحملها أربعة من جلاوزة بني العباس، بدأت الناس تتجمع وتقترب من الجنازة وهم يبكون، وُضعت الجنازة وسط الجسر، ثم نادى المنادي من البلاط العباسي: "هذا إمام الرافضة، وقد مات حتف أنفه، فليأت كل من يريد النظر اليه..." فكان الناس يتفرّسون في وجه الإمام استجابة لنداء البلاط وتأكيداً لمدّعاه بأن الإمام لم يمت مقتولاً، وكان من بين هؤلاء الناس؛ جمعٌ من فقهاء بغداد ووجهائها ليؤكدوا لهم بأن الإمام توفي بشكل طبيعي من دون تقصير من السلطات الحاكمة، وكنت أنا من بين هؤلاء... فنظروا ولم يجدوا أثراً لجراح أو خدش، وأشهدهم السندي بن شاهك، قاتل الإمام وصاحب السجن المعروف بظلمهِ للشيعة وإمامهم على أنه مات حتف أنفه، فشهدوا على ذلك. علماً أن هذا التضليل لم يُجدِ نفعًا. وبعد أن اقتربتُ أنا من جنازة الإمام الكاظم، بعد أن كثر التشكيك بين الناس، ونظرت في راحة كف الإمام فقلت للناس: إن هذا الرجل قُتل بالسمّ، فقولوا لعشيرته أن يطالبوا بدمه... قلت ما قلت بصوت خافت خوفًا من السلطات الظالمة... هنا انفجرت قنبلة مدوية بوجه هارون العباسي واتباعه، فتدارك الأمر وألقى بمسؤولية الجريمة على السندي بن شاهك، ثم أخذ يلعن الأخير ليبين للرأي العام براءته من الجريمة، فاستدعى سليمان بن أبي جعفر، وهو أحد أبرز السفاحين في حكومة هارون، وأمره بأن يكرم جنازة الإمام لامتصاص نقمة الجماهير، فأخذ الأخير بإظهار الحزن فنزل من قصره ورمى عمامته وشقّ جيبه وأمر غلمانه وشرطته بإبعاد السجانين من حول الجنازة، وأمر المنادي بأن ينادي: "من أراد أن ينظر إلى الطيب ابن الطيب، والطاهر ابن الطاهر، فليحضر جنازة موسى بن جعفر" مرت ثلاثة أيام وجنازة الإمام الكاظم (عليه السلام) على جسر بغداد، بهدف كسب تأييد الناس وعلمائهم ووجهائهم لما جرى للإمام، فقد وضع محضراً بالقرب من الجنازة يوقع فيه من يرى الجنازة على أن الإمام لم يقتل مسمومًا على يد هارون الرشيد. وهذه تمثل سابقة خطيرة في حينها لم تعهدها الأمة منذ واقعة كربلاء وما جرى على الإمام الحسين (عليه السلام) هذا الإمعان في الاضطهاد ومحاولة حجب شخصية أئمة الشيعة من حساب أفراد الأمة، لم يكن إلا عندما يتعاظم خطرهم على السلطة، ففي عهد الإمام الكاظم كان الشيعة قد أوجدوا "دولة داخل دولة" ونجحوا في اختراق البلاط العباسي، وكان العديد من أعوان هارون ينتمون على التيار الشيعي، ويؤدون أدواراً هامة ومصيرية ضمن توجيهات الإمام (عليه السلام) وكان ذلك يتم ضمن تنظيم دقيق وسرية تامة، ولعل الاسم البارز في التاريخ من هؤلاء؛ (علي بن يقطين) أحد أبرز الوزراء في بلاط هارون العباسي... فقال: أراك تعرف الكثير عن الشيعة وإمامهم! (الطبيب) نعم وكل ما عرفته عن الشيعة وما جرى عليهم من صديق مقرب شيعي فأنا صاحب رأي محايد، لكن لا أقبل الظلم، ونحن جميعاً نعرف أن الشيعة وأئمتهم تعرضوا للظلم لكنهم حاولوا دخول الدولة العباسية، وهذا ما استشعره الأخير وحاول الكشف عن خيوط هذا التنظيم وامساك أحدهم بالدليل القاطع. فلم يُفلح أبداً، لذا توسّل بالجواسيس والعيون، وأيضاً بشراء الذمم؛ تماماً كما فعل معاوية وابنه يزيد لمواجهة التيار الشيعي في عهد الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) وحتى هاتين المحاولتين لم تفلحا بالمرّة في تطويق انتشار التشيع وامتداد ولاية الإمام الكاظم بين الأمة، فكانت تجبى إليه الحقوق الشرعية من أقصى خراسان ومن الأمصار الأُخرى دون أن يتمكن هارون وأعوانه من فعل شيء. يا صديقي، المشكلة الكبرى أمام هارون العباسي، كما هي مشكلة أي حاكم مستبد؛ هي الشريحة المثقفة في المجتمع، التي كانت آنذاك متمثلة بالفقهاء والعلماء والشعراء وأيضاً المتكلّمين (الفلاسفة)، فكان لهؤلاء تأثير كبير على الرأي العام، الأمر الذي استدعى هارون لاستمالتهم والإغداق عليهم، وعلى وجه التحديد الشعراء. وكما تعلم يا صديقي أنا طبيب وأعرف الكثير من الشخصيات، عدد كبير من بينهم كان في البلاط، وكيف أنّ آلاف الدنانير والدراهم كانت تنثر للمتزلفين والمداحين، وإذا كان لهؤلاء تأثير على العواطف فإن للعلماء والفقهاء تأثيراً على القلوب والعقول، كما تأثرتُ أنا بشخصية الإمام الحسين (عليه السلام) وبعده الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) نعم فتأثر قلبي بمحبة هذا الإمام المظلوم، لست أنا أول نصراني أتأثر، كان قبلي ذلك القس المسيحي، ولا يُنسى وهب منا نحن المسيح، لكنه التحق بالحسين (عليه السلام). يا صديقي، إنهم ليسوا للشيعة فقط، إنما هم لكل البشرية... يا صديقي إن ذكرى استشهاد موسى تُؤلم قلبي...

اخرى
منذ سنة
1767

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
58060

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
39137

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
32069

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
31092

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
30782

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
27534