تشغيل الوضع الليلي

خاطرة

منذ 6 أشهر عدد المشاهدات : 203

سيدي يا صاحب الامر
اخذني التسويف واماتت قلبي الغفلة...
لكنني مع تقصيري لم يتوقف قلبي عن ذكرك
ولم يبرد من الشوق إليك
ولعل انتظاري لك كان لي نجاة من حيث لا ادري
من الوقوع في الكثير من المعاصي؛
لأنك تشعر بقلبي
وكان يصلك سلامي
فكنت تدعو لي بظهر الغيب....
احبك سيدي واتوق لرؤيتك.
أخيرا ليس لدي أدنى شك انه علِم بهذه الكلمات

اخترنا لكم

فروا إلى الله من بلاء كورونا

بقلم: زينب الزيني مراجعة النفس وضبطها مشروعة عند الله (تعالى)، حتى أنّ المرجعية الحكيمة أوصت على لسان وكلائها بالحث على الرجوع إلى الله (سبحانه) وضبط النفس وعدم الخوف والهلع (فلا كاشفَ للبلاء إلا الله تعالى)، فعند نزول البلاء علينا المحافظة على أنفسنا بالوقاية الصحية، فالوقاية خيرٌ من العلاج، والالتزام بكلِّ ما أوصت به الدوائر الصحية للمرضى من التعقيم، وغسل اليدين، والابتعاد عن التجمعات؛ للحيطة والحذر من تفشي المرض وانتشاره.. هذا الوباء يحتمل وجهين، فمثلما هو نقمة ربما يكون نعمة: فهو نقمة إذا تمسك العبد بغروره وكبريائه، وتحدى المرض، ولم يقِ نفسه، ولم يساهم في وقاية أهله، واستهزأ به فلم يلتزم بالضوابط الصحية، وبالتالي ساعد على انتشاره، وهذا مأثومٌ شرعًا بلا شك؛ لأنّه أضرَّ بغيره علاوة على إضراره بنفسه، وقاعدة لزوم دفع الضرر عنه وعن غيره واجبة شرعًا في مثل هذه الظروف خاصة.. والوباء هذا ذاته هو نعمة إذا صحح الإنسان مساره أمام الله تعالى، ورجع وتاب وطلب العفو والعافية في الدين والدنيا؛ لأنه تنبيه وانذار من الله تعالى، فكلما كثر البلاء كثرت حاجة الانسان إلى الدعاء والتضرع إلى الله (عز وجل) بأن يرفع البلاء والوباء. قال (تعالى): "ولنبلونكم بشيءٍ من الخوفِ والجوعِ ونقصٍ من الأموالِ والأنفس والثمرات وبشر الصابرين" (البقرة ١٥٥). وقال أيضًا: "ونبلوكم حتى نعلمَ المجاهدين منكم والصابرين ونبلُو أخباركم"(محمد ٣١) فالله (تعالى) وإن كان ينزل العذاب على من يستحق العذاب بهذا الوباء، فهو أيضًا ينزل الرحمة والبركة به على من يستحق الرحمة، فيرفع مكانته ويجزيه الجنان على صبره ورضاه، قال (تعالى): "والله يحبُّ الصابرين "(آل عمران ١٤٦)، وقال (تعالى): "عذابي أُصيبُ به من أشاء ورحمتي وسعت كُلّ شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين بآياتنا يؤمنون" (الأعراف ١٥٦). آيات الرحمة كثيرة لا تعد ولا تحصى، قال (تعالى): "ربّنا اكشفْ عنا العذاب إنّا مؤمنون" (الدخان١٢). ولا ينجو من الابتلاء أحدٌ حتى من اصطفاهم الله من عبادهِ وهم الأنبياء (عليهم السلام)؛ لأن الله اذا أحبّ قومًا أبتلاهم، لذا فهم أكثر الناس ابتلاءً وعلى رأسهم نبينا الأعظم (صلى الله عليه وآله الطاهرين) وأهل بيته من بعده. فهو أرفعهم وأعلاهم درجةً لما ابتلاه الله بالدنيا فصبر فعوّضه الله بالآخرة، والآخرةُ خيرٌ وأبقى. قال (تعالى): "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب" (الزمر ١٠). فعلينا أن نحرصَ على طاعة الله (سبحانه وتعالى) في الشدة والرخاء، فإنَّ ذلك حلٌّ لكلِّ مشاكلنا وتفريجًا لهمومنا وتيسيرًا لأمورنا وإصلاحًا لأحوالنا. وعلينا ان ننجحَ أمامَ الله وهو يختبرنا، فلا نسخط من بلائه، ولا نسخر منه كما يفعل البعض، حيث يأخذ كلَّ شيءٍ على محمل السخرية والاستهزاء حتى بالموت والمرض أو يشمت بالآخرين، فيالها من قلوب قاسية بعيدة عن الله! هذا البلاء ما حلّ بنا إلا ليذكرنا ماذا يريد الله تعالى منا وماذا نعمل لكي يرضى خالقنا عنا؟ الكثير من البشر تمادى في كلِّ شيء بالدين واستخف بما جاء بكتاب الله المجيد، فأحلَّ ما حرمه الله تعالى وحرم ما أحله الله تعالى، حسبما يتماشى مع معتقداته الباطلة وأهوائه وشهواته، كما هُجرت فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... وبعد كلِّ ذلك يتساءل البعض اليوم وبكل صلافة: ماذا فعلنا يا الله لتُرسلَ علينا هذا البلاء والوباء؟! لقد فعلنا الكثير من المعاصي، لم نرحمْ بعضنا البعض، بدأنا بتوهين الدين، شغلتنا الفتن وعيوب الناس عن عيوبنا، كذبنا على أنفسنا أننا مسلمون نصلي ونصوم لكن لم نطبقْ أنّ الصلاةَ تنهى عن الفحشاء والمنكر، نتكلم بسوء على غيرنا، نطعن بالدين، نحرض على الفتن والطائفية، نساعد الظالم على ظلمه، جعلنا من الهواتف الذكية ساحةً لحربٍ إعلامية، نثير بها الفتن، نزيف بالإعلام، ونضلل بالحقائق، المسلم يقتل أخاه المسلم لأجل سلطة ومال وجاه، والإلحاد كثر، والفسوق انتشر، وساد التعري عند النساء، وعقوق الوالدين وقطع الأرحام، ونسينا أن كلَّ شيء بيد الله تعالى.. حسِبَ الانسان أنَّه يُخلد في الدنيا الفانية الزائلة، غفل عن أنَّ هناك رقيبًا يراقبه، وأن هناك قانونًا إلهيًا يخضع له الجميع لا فرق بين مسلم وكافر، قال (تعالى) :"ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون" (الأعراف ٩)، وقال (تعالى): "ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون" (الأنبياء ٣٥) وقد بشر الله (تعالى) بالفرج بعد العسر وأعاد هذا الوعد في أكثر من آيةٍ في كتابه المجيد لتأكيد هذه الحقيقة، قال (تعالى): "فإنّ مع العُسرِ يُسرا إنّ مع العُسرِ يُسرا" (الانشراح 5و6) فكم هو رحيمٌ الله (سبحانه)، حتى الابتلاء منه رحمة علاوةً على أنَّه يعقبه الفرج، وهذا دافعٌ للإنسان ليزيد حبه لله (تعالى)، وحبه (عز وجل) هو أعظم حب في الوجود ليس قبله أو بعده حبّ فبحبّه تعالى وقربه تعالج أمراض القلوب وتذهب نزعات النفس الشيطانية وينقذ المجتمع مما يعج به من الويلات والوباء المهلك للنفس والايمان. فعلينا أن نجعل من حبنا له (سبحانه) دافعًا لعمل الأعمال الصالحة ولفعل كل ما يقربنا منه، قال تعالى :"إنْ كنتم تحبون الله فاتبعوني يُحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفورٌ رحيم" (آل عمران ٣١)، والله يحبُّ التوابين والمتطهرين، والمتعففين، الزاهدين، الشاكرين الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر وغيرها من الأمور التي ذكرها الله بمحكم كتابه المجيد، قال (تعالى): "أنّ الله يحبُّ التوابين ويحبُّ المتطهرين"(البقرة٢٢٢) فمن أحبَّ الله واستشعر حبه له هانت عليه المشاق وانقلبت عليه المخاوف في حقه أمانًا وزالتْ عنه سحائب الظلمات وانكشفتْ عنه الهموم والغموم والأحزان وعمر قلبه بالسرور. إذن، لمَ الهلع والخوف؟ من فيروس أرعب العالم بأسره، رغم أنَّ عذاب الله تعالى وسخطه لم يرعبهم! أ ليس الأحرى بنا أنْ نخاف خالق هذا الفيروس ونخشاه ونتوكل عليه والتسليم إليه والرضا بقضائه؟ نعم، من الناحية النفسية، فإنَّ بعض الناس يصيبهم الخوف والهلع عند تعرضهم للأخطار ولكن هذ الشعور بالخوف لا ينافي الرجوع إلى الله (تعالى) أو الخوف من عذابه، بل إنَّه دافعٌ إليهما، إذ كلما كان خوفُ الإنسانِ شديدًا من الوباء كان أكثرُ إقبالًا على الله تعالى ومناجاته وعلى الاستعانة به والابتهال إليه كي يخلصه من هذا البلاء، والتوسل والتقرب إلى الله أكبر حصانة معنوية ضد الأمراض. فإن جمع العبد بينها وبين الإجراءات الوقائية المادية من تعقيم وما شاكل ذلك من الأساليب الوقائية الصحية الجيدة التي أوصت بها وزارة الصحة، كان من المتوكلين على الله (تعالى) لا من المتواكلين؛ لأن الله (عز وجل) ربط المسببات بالأسباب ولذلك لما أهمل الاعرابي البعير ودخل المسجد وقال: توكلت على الله، قال له النبي (صلى الله عليه وآله): (اعقِلْها وتوكل على الله)، وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام): (أوجب الله لعباده أن يطلبوا منه مقاصدهم بالأسباب التي سببها لذلك وأمرهم بذلك )، فإنْ كان العبد متوكلًا كان الله حسبه؛ قال (تعالى): "ومن يتوكل على الله فهو حسبه" (الطلاق ٣) كما إنَّ هذا الوباء هو أكبر درس للبشرية جمعاء، فعلى الرغم من تطور العالم بأحدث التقنيات لكنه عجز عن مواجهة فيروس لا يُرى بالعين المجردة قد خلقه الله (تعالى) بقدرته اللامتناهية، فيروس أهلك العالم، وعطّل الحياة، وأرعب الجبابرة، فيا ابن آدم اعرف حجمك ولا تغتر وتتباهَ وتذكرْ قدرة الله عليك. وختامًا فإنَّ أسوأ ما يترتب على الوباء هو الموت، وهو محتمٌ على جميع البشر، قال (تعالى): "أينما تكونوا يدرككم الموتُ ولو كنتم في بروج مشيدة" (النساء٧٧)، فهذا الفيروس وإنْ أصاب العالم بأجمعه لم يفرق بين صغيرٍ أو كبير، مسلم أو كافر، فقير أو غني، الكلُّ متساوون أمامه، فإنَّه لا يعدو ان يكون سببًا من أسباب الموت، وتعددت الأسباب والموت واحد، فليعد كلٌ منا زاده ليستعد ليوم الحساب، "يوم يفرُّ المرء من أخيه *وأمه وأبيه*وصاحبته وبنيه" (عبس ٣٤،٣٥،٣٦) اللهم ارزقنا حسن التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل الفوت. يا الله يا حنان يا منان يا رازق يا مشافي يا معافي يا خالق السموات والأرض اصرف عنا كلّ بلاء ووباء واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين. اللهم لا تعذبنا بما فعلهُ السفهاء منا نسألك العافية في الدين والدنيا ولا تخرجنا من الدنيا إلا وأنت راضٍ عنا بحولك وقوتك يا أرحم الراحمين. وآخر دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على خير مبعوث للعالمين النبي الهادي الأمين وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين.

اخرى
منذ 6 أشهر
2350

عروس الراعي

بقلم: تمارة أحمد في بلادِ وادي الرافدينِ، بلادٌ لا تجدُ في غَيرِها مِنْ جَنتين، بلادُ العلمِ ومَسعى لِمن لَه طالبون، في ريفِ حِدودِها وتحت قَمر السَاهِرين، حكاياتٌ تَداولَتها ألسِنةُ المُسنين، فقالَ الجدُ لأطفالِ الحارتين : _اسمَعوا لِما أقول، قِصةُ فتاةٍ أسرت العُقول، فتاةُ ريفٍ في البُستانِ تَجول، تَجرُ خَلفَها سَعف النَخيل، ومَنظرها لَنْ تَجِدَ لَهُ مَثيلًا. فَحلَ سِكوتٌ لا يَكسرهُ سِوى النَسيم، والعيونُ تَلمعُ مُترقبةً كَلام الجدِ نَعيم، فَنمت ابتِسامةٌ قَبل أن يَردِفَ مِنْ جَديد، كَأن الرَبيعَ زارهُ مِنْ الماضي البَعيد: _خِيوطُ الذَهبِ تَنسدلُ مِنْ وِشاحِ الحَرير، والشَواطئ بَين جَفنيها لَيسَ لَها نَظير، وبَساتين الزُهور لِوجنَتيها استَوطَنت لا غَير، كَأنها أميرةٌ هَاربةٌ مِنْ واقعٍ مَرير، فَهل يُلامُ مَن بِحُبِها يَقعُ كَالراعي الفَقير؟ فَقال فَتى بِعمرِ العشرِ سِنين، بِسؤال الجدِ كَأنه ابن العِشرين: _لا يُلامُ يا جَدي، فتاةٌ بِحسنِها حلمُ كل رجلِ، ولِكل أميرةٍ فَارسُها المُضَحي، فَأسمِعنا مَاذا فَعل الرَاعي؟ فَقالت فَتاةُ التِسع سِنين، لِكلامِ صَديقِها نَاكرة كَلامه بِحين: _لَكن الرَاعي لَيسَ فَارِسًا، فَهوَ فَقيرٌ ولا يَفقهُ بِالفروسيةِ شيئاً، أرأيتَ يوماً نَملةً تَحملُ رَغيفَ خُبزٍ؟ فَابتَسم الجدُ لبَديهةِ أطفالهِ، فَقالَ مُردِفاً يُصورُ حَال الرَاعي: _لَم يَكن الرَاعي كَما تَظنون، أسرتهُ الفَتاة وأرادَ أن يَعرِفها فَاخبرَ صَديقه بَعد حَين، أنهُ لَمحَ فَتاة البُستانِ فَأحبتها العُيون، فَابتَسمَ صَديقهُ واخبرهُ أنَها حَنان، مَحبوبةُ أهلِ القريةِ دُونَ نُكران. أعجبَ الرَاعي ما يَسمع، ولَم يَنكر شَعبيةَ مَنْ لَها وَقع، فَلمحَ صَديقه عَينه تَلمع، فَخطرَت لِبالهِ فِكرةٌ لِصالحِ صَديقهِ تَقع، فَلم يَطل بِالأمرِ و أستأذَن لِشربِ الماءِ ويَرجِع، بَحثَ عَن والدَة الرَاعي واخَبرها ما سَمع، فَهلّ وَجهُ والدة الرَاعي لخبرٍ جَعلَ لِأحلامِها وَاقعًا. فَعادَ صَديقهُ واستأذنَ مِنْ فَوره، فَقد حَل المَساءُ والرَاعي غَارقٌ بِفكره، وَدعَ صَديقه ولِلعشاءِ أمهُ تَنده، ذَهبَ اليها وتَناولَ بَعضاً مِنه وغَرقَ بِأفكارِه، والشَوكةُ تُداعبُ الطَعامَ في يَده، فَابتَسمت والِدتُه وقَالت عَلى مَسامعه: _بُني تَعلمُ أني كَبرتُ في السِن واحتاجُ مَنْ تُساعِدُني، وأُرِيدُ ان ارى احفادي قَبل رَحيلي لِيرتاح فؤادي، فَهل تُحققُ لِي طَلبي سَريعاً يا وَلدي؟ فَنظرَ الرَاعي لِوالدتهِ نَاكرًا، ومَسكَ يَدها ليقولَ مُردفًا: _لا تَقولي هَكذا يا أمي، عُمركِ مَديدٌ إن شاء الله و روحي فِداكِ، لَن يُصيبكِ خَدشٌ مَا حَييتُ فَلا تَخافي، أنا مَعكِ ولَن تُجهدي نَفسكِ بِالعمل وارتاحي، سَأتولى أعمالَ الحَقلِ بِمفرَدي فَلا تَقلَقي، فَقط لا تُكرري أمرَ الرَحيل فَتكسِري ظهري. ابتَسمت والدَتهُ وقَبلتْ يَدهُ لِتقولَ بِأملِ الموافَقة، لتَردفَ مِنْ فَورِها بِعيون رَاجية: _لا أشكُ بِكلامِكَ صَدقني، لَكن لا أضمَنُ نَفسي لاحِقا فَسمَعني، أخبرني إذا تُحبُّ إحداهُنّ لأطلِبها لَكَ عَزيزي، حَقق لِي هَذا الأمر فَقط لا تَرُدَني بُني، حُلمي أن أراكَ مُستقِرًا وأطفالُكَ حَولكَ يَا قُرةَ عَيني، فَما رَأيكَ أسَتَرُدَني؟ تَنهدَ الرَاعي وهوَ يُغمضُ عَينيهِ لِوهلة، لِيفتَحها وقَبّل جَبينَها فَقالَ لَيهلَ وجهُ والدَتهِ بِسَعادةٍ غَامِرة: _لَن يَردكِ سِوى الظَالمُ يا نُورَ عَيني، لَكِ مَا تُريدين فَلا تَحزني . فقالت والدته بسعادة ابتسم الراعي بسببها، وافرح قلبه رؤية سعادة من ربته طوال عمرها: _مَا رَأيكَ بِحنان ابنة جَارَتِنا هَل أطلُبها لكَ؟ سَتكون خَيرَ عَون وسَند مَا رأيكَ؟ لِيقولَ خَاتمًا حَديثَهما، ولِسعادةِ والدتهُ يَبتسمً وقَلبهُ يَرقصُ طَربًا: _افعَلي ما تَرينهُ مُناسبًا ولا تسأليني، فَأنا أعلمُ أنكِ سَتُحسنينَ الاختيارَ أفضلَ مني. لِتَحضِنهُ والدَتهُ وتُقبلَ جَبينهُ، وَهي تَبتسمُ لِتقولَ لهُ: _سَأخبِرُ والِدَتها اننا سَنزورهُم غَدًا، لابدَ انَهنّ عِند النَهرِ يَتبادلنَّ السَمر و الشعر حينًا، لا تُطلْ مَع أصدِقائكَ وعُد سَريعًا، سَأذهبُ الآن أراكَ قريبًا. ذَهبت والدتهُ إلى النَهر وحَدثَ مَا تَوقَعتْ تَبادلنَّ السَمر و الشِعر، ويَطربنَ بِالألحانِ الشَجية والنَسيمُ يُداعبُ بَشرتهنّ تَحتَ مُداعباتِ ضَوء القَمر، فَطلبتْ مِن وَالدة حَنان أن تُكلِمها في أمر، وقَالت لَها طَلبها فَوافقت أُم حَنان طَلب الزِيارةِ بِرحابةِ صَدر، فَأخبَرتها أنها سَتزورُهم مع ابنِها عِند حُلولِ العَصر. انتَهت حَفلةُ سَمَرهنّ وَعدنَ لِمنازِلهنّ بِسعادة غَامِرة، لِتخبرَ والِدَة حَنان ابنَتِها بِطلبِ جَارَتِها، فَاكتَفتْ حَنان بِابتِسامةٍ خَجلة، وعدنَ لِمنزلِهنّ بِأحاديثهنّ المَازِحة، وَرأت أُم الرَاعي ولدها يَنتظِرُها عِندَ البابِ برجولةٍ طَاغية، لِتومئ لَه لِيعرفَ مَا تَقصدُ وَيكتَفي بِالابتسامِ لِضحكَتها السَاحرة. مَضى اليَومُ وجاءَ العَصر لِيغادرَ الرَاعي مَع والدَتهِ وخَالهِ لِبيتِ الجَارة، لِتستقبِلهم والدةُ حَنان وخَالُها بِابتسامتِها ويِجلسون في غُرفة المَعيشة، لتَدخُل بَعدهم بِقليل حَنان وفَناجين الشَاي بِيدها بِحياءٍ و أنوثةٍ طاغية، لتُضيّفَهم وعلى وجهِها ابتسامةٌ، أقسَم الرَاعي إنَها لَوحةُ فنانٍ لا تَشوبُها شَائِبة. عَرض خَالُ الرَاعي طَلبهُم وتَمت المُوافقة بِرحَابة صَدر لِسُمعة الرَاعي الطَيبة، وتَم الزِفاف بَعد اسبُوع وحَضرهُ أهلُ القَرية بِسعادةٍ غَامِرة، لِيعلم الرَاعي لاحقًا أن زَوجتهُ هي أميرةُ البِلاد، ومَا البستانُ إلّا لِقضاء إجازةٍ لِلراحة، والحُراس يَسكنون كَمزارعين في القَريةِ في فَترة إجازةِ الأميرة. بَعد مُرورِ سنةٍ مِنْ زَواجِهما في حَديقة القَصر الوَاسِعة، بَعد أن انتَقلوا لِلعيشِ فِيه بِمدةٍ لَيست بِقليلة، في لَيلةٍ رَبيعية ونَسيم عَليل يُداعبُ بَشرتِهم لِتقول حَنان بِرغبةٍ قَوية، وَهي تَنظرُ لِطفلِهم الذِي يَلعبُ مَع جَدتَيه بِسعادة: _أرِيدُ ان أطلُب مِنكَ شَيئاً أرجو أن لا تَردَني يا عَزيزي، تَعلمُ أنَنا التَقينا في الرِيفِ وغدًا هي ذِكرى زَواجِنا الأولى دَعنَا نَذهبُ لِلبُستانِ عَزيزي. لِيبتَسم الرَاعي لَها ويُقبلَ يَدها، لِتخجَل مِنْ تَصرفهِ لِيجيَبها: _وهَل لِي أن أرفًضَ لأميرَتي طَلبًا، قُولي كُل مَا تَرغَبين فِيهِ وانا لِطلباتكِ محقق، فلا تَسأليني أبدًا، وأمُريني وانا وقَلبي لأوامركِ مجيب، وسَنزورُ الريف كُل فَترةٍ ان أردتي فَكوني مُرتاحةً دومًا. لينهي الجد قصته خاتمًا، وأطفاله يستمدون عبرة: _لا تَحكموا عَلى الناسِ حَسب ظُنونِكم، ولا تَحكُموا عَلى الانسانِ وان كَان فَقيرًا امَامكُم، فَالجميعُ اغنياء والفقرُ الحَقيقي هوَ فَقرُ العِلم. لِيُغادِر الأولادُ بَعد أن هَمست طِفلة بِأذنِ الجد نَعيم لِتلحق رِفاقِها وهُم يَنتظرون قِصة يَوم غَد بِفارغ الصَبر، لِتجلس بِجانِبهِ زَوجتهُ فَتقول بِفَخر: _هَل رَويتَ لَهم قِصَتنا يَا نَعيم، هَل عَلِموا أَنكَ الرَاعي الحَكيم؟ لِيَقول نَعيم بِابتسامةٍ بَعد جِلوس حفيده وسيم في حضنهِ: _أجل عَلمت طِفلةٌ ذَكية يَا حَنان، فَمن لا يَعرفُكِ هُنا يا اميرةَ الرَافِدين، وعَيناكِ تَسقي كُل عَطشٍ و ظَمئان.

اخرى
منذ 10 أشهر
583

رمزٌ لامرأة نصرت حسين عصرها

بقلم: حنان الزيرجاوي لقد كانت ومازالت قصة الحسين (عليه السلام) هي القصة الكونية التي ملأت العالم عبرات، وملأت العالم أفكارًا، وملأت العالم مشاعر، وملأت العالم محبة وإنسانية، ولو تتبعنا مسيرة الإمام الحسين (عليه السلام) في نهضته العظيمة منذ خروجه من مدينة جده (صلى الله عليه وآله) إلى استشهاده في كربلاء لوجدناها تفيض عطاءً وعظمة، فإضافة إلى مشروعية الثورة التي اتخذها (عليه السلام) منطلقاً لرفع راية الرفض بوجه السلطة الأموية المستبدة، فقد مثّل في مواجهته قوى البغي والاستبداد أعظم مبادئ الإسلام في الوقوف بوجه الباطل ومجابهته مجسّداً قول النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله): (أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر). ومن جميل التضحية وجمال الإقدام للاستشهاد بين يدي ابن بنت النبي (صلى الله عليه واله) أن الجميع نذر نفسه فداء (من طفلٍ رضيع، إلى شيخٍ كبير، إلى نساء مخدرات في خيمٍ محترقات)، وكأن لسان الحال يقول له (عليه السلام): سيدي، الرجال يريدون نصرتك، والنساء تريد نصرتك، والعبيد يريدون نصرتك، والأطفال يريدون نصرتك... كما جسد أصحاب الحسين (عليه السلام) وأهل بيته في نهضته الروح النبوية والأخلاق المحمدية السمحاء، فكان الحسين عظيماً في كل حركاته وسكناته كما كان عظيماً في جميع أقواله وأفعاله. (كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء)، مقولة لطالما سمعنا ونسمع بها، وبوجه خاصّ، مع ذكرى استشهاد الإمام الحسين(عليه السلام)، وأهل بيته وأصحابه، وهي تعبّر عن استمرار الثورة الحسينيّة بكلّ مفاعيلها عبر العصور، واستمرار نتائجها في خلق جيل نهضويّ تغييريّ يواجه الظّلم، ويجعل من مختلف ساحات الحياة ميادين للجهاد، من أجل تثبيت دعائم الإسلام، وتكريس خطِّ الله وإعلاء كلمته، فكل شخص أين ما يكون موقعه وموقفه فهو بين أصحاب الحسين (عليه السلام) وجيش يزيد (عليه اللعنة) "إني أخير نفسي بين الجنة والنار" فرب البيت هو بين أن يطعم عائلته لقمة حلال فيكون ممن نصر الحسين (عليه السلام)، أو يطعمهم الحرام فيكون ممن أعان على قتل الحسين (عليه السلام). وصاحب الوظيفة بين أخذ الرشوة فيكون ممن خذل الحسين (عليه السلام)، وبين رفضها فيكون ممن أغاث الحسين (عليه السلام). فكل مكان كربلاء، وكل يوم يمر عليك هو عاشوراء بفكرها ومنهجها ومشاعرها. وممن نصر الحسين (عليه السلام) في عصرنا الحالي النساء اللواتي قام بإعدامهن النظام الظالم ولم تكن هذه النساء اللائي اعدمن نساء بسيطات، بل كُنّ نخبة النساء في المجتمع في الأخلاق والعلم والجهاد والتضحية والزهد والورع والتقوى، كانت غيرتهن على الإسلام والمجتمع أفضل من غيرة الكثير من الرجال في وقت قلّ الناصر للإسلام، فكُنّ كطوعة في نصرتها لمسلم بن عقيل بعد ان خذله المتخاذلون. لقد ضحّينَ بكل ما يملكْنَ وهُنّ نساء من أجل الإسلام ومن أجل إقامة مجتمع مؤمن مسلم متكامل. وفي مقدمة هذه النساء الشهيدات الزينبيات الرساليات وقدوتهن في الشهادة العالمة الفاضلة الشهيدة آمنة الملقبة ببنت الهدى، التي قتلها يزيد العصر ، لأنها أرادت إعلاء كلمة الحق بأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، فكانت (رضوان الله تعالى عليها) مثالًا يحتذى به، ونورًا يضيء درب المتلهفات على حب الحسين (عليه السلام)، فقد نصرت الحسين (عليه السلام) بعفتها، وعلمها، وتأليفها، وتاريخها المفعم بنور الإيمان، والمكرس بذكر الديان. وقد كانت زهرة نضرة، تقطر ذكاء وقدرة على التعلم، اهتم بها أخواها، وعلّماها النحو والمنطق، والفقه والأصول.. في البيت، وبالرغم من أنها لم تذهب إلى المدارس الرسمية، إلاّ أنها اظهرت ميلاً ورغبة قوية في أن تنهل من الكتب والمطبوعات، فكانت تنفرد ساعات من النهار، في غرفتها، تغوص في أعماق الكتب ـ التي كانت أكثرها مستعارة من معارفها وزميلاتها ـ لتروي ظمأها إلى المعرفة، وتلهفها للثقافة. نذرت نفسها لله تعالى وللإسلام والتي كانت تقول (أي قيمة للإنسان إذا لم يكن عمره لله والإسلام). عطاء هذه النساء المؤمنات العفيفات الرساليات ومواقفهن التي تشابه مواقف الحوراء زينب (عليها السلام)، عندما تقول (ما رأيت إلا جميلا)، كان موقفهن وهن يستقبلن الموت والإعدام كمن تزف إلى عرسها، إن مواقف النساء اللواتي يقفن هذه المواقف ويتعطر الآخرون بسيرتهن يندر وجودهن. فهنيئاً لمن نصرت الحسين (عليه السلام)، بكلمة، أو بدمعة، أو بإقامة مأتم، لكي يكون فعلها هو صوتها الذي يقول لبيك يا أبا عبد الله الحسين. فما أعظمك يا سيد الشهداء؟ وما أروع مواقفك؟ وما أجلّ ثورتك التي تعلمنا كل يوم درساً متجدداً. فسلام على روحك العظيمة، وسلام على نفسك الزكية، وسلام على دمك الطاهر، وسلام على خلقك النبوي العظيم ورحمة الله وبركاته.

اخرى
منذ سنة
2164

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
61023

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
39828

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
36345

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
31280

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
30953

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
29523