تشغيل الوضع الليلي
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
منذ 6 سنوات عدد المشاهدات : 1952
بقلم: نقاء
كُنا صغارًا نتتبعُ خطواتِ والدينا، فتحلّ علينا أيامًا نرى حالهم يتغير، نظام حياتهم وروتينهم اليومي يختلفُ عن غيره في باقي أيام السنة!
تبدأُ هذه الأيام بمراقبةِ رؤية الهلال باهتمامٍ بالغٍ، لا نرى لهُ مثيلًا في سائر الشهور! وانتظارِ خبرٍ من مرجعهم يُبشرهم بحلولِ هذهِ الأيامِ. حالما يأتيهم الخبر نراهم يحمدونَ الله تعالى على نعمةِ إدراكِ هذه الأيامِ المباركة، ويسألونهُ أنْ يوفقهم لإيفاءِ حقِّها والفوز ببركتها.
هذه المشاهد زرعت في عقولنا الصغيرة تساؤلاتٍ عن سرِّ هذه الأيام!
كبرنا ومرّت علينا العديد من الإجابات، منها ما روي عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله (صلى الله عليه وآله) أنَّه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله يَقُولُ: "إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ تُفَتَّحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، وَتُغَلَّقُ فِيهِ أَبْوَابُ النَّارِ السَّبْعَةُ، وَيُصَفَّدُ فِيهِ كُلُّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ، وَيُنَادِي مُنَادٍ كُلَّ لَيْلَةٍ: يَا طَالِبَ الْخَيْرِ، هَلُمَّ؛ وَيَا طَالِبَ الشَّرِّ، أَمْسِكْ"
فهِمنا منها أنَّ غايةَ هذهِ الأيام هي التهذيب، وكأنَّ الله تعالى يصفِّدُ الشياطين في هذا الشهر ليُريَنا أنَّ الخلل والسوء هو من أنفسنا، وأننا إذا روضناها فإنه يمكننا أن نتغلب على الشيطان في سائرِ أيام حياتنا.
كذلكَ لِيُريَنا أنَّ فِطرةَ الإنسانِ نقيةٌ صافيةٌ؛ لأننا نرى كيفَ أنَّ الجميع يتسابقونَ إلى أنواعِ الخيرات، من تضامنٍ اجتماعي مع الفقراء، وتراحمٍ وتسامحٍ فيما بينهم، والالتزام ببرامج عبادية جماعية، حيث تزهو المساجد بالمصلين، وتتزاحمُ دعواتٌ خرجت من قلوبٍ مؤمنة فترتفعَ مع نسماتِ هذه الليالي المباركة، لِتصلَ إلى السماء، ليس بينها وبين الله تعالى حجاب.. فهم في ضيافتهِ، وما أدراكَ ما ضيافةُ الله تعالى!
كنا نستشعر تميُّزَ هذهِ الأيام، حيث الطاقة الروحية في أعلى مستوياتها، وكأنَ بلادَ المسلمين تصبحُ بيتًا واحدًا يجمعهم؛ لشدة تماسكهم وتكاتفهم. كما كُنا نستنكر كيف أنَّ البعضَ يطاوعهُ لسانه أنْ يصفَ هكذا حالة من حالات الرُقي في المشاعر البشرية بـ(الرياء أو النفاق)! لكنهم يجهلون أثرها المترتب على روح الشخص طيلةَ أيامِ السنة، يجهلونَ أنَّ لله تعالى محطاتِ تَوقُفٍ، غايته منها أنْ يقفَ الشخص ويستكشف هذه الروح البشرية، التي هي أعظمُ خلقٍ لله تعالى، ويعلِّمه أنْ يبذلَ جهدًا ليؤدي حقَّ هذا الخلقِ العظيم من تأديبٍ وترويض؛ لكي ترتقي وتتكامل تدريجيًا.
ومن حكمتهِ أَنْ جَعلَ محطاتِ التوقف هذهِ متكررة سنويًا وموزعةً طيلة أيام السنة،؛ لأنه (سبحانه) أعلم بعباده، وضعفهم أمام صعوبات الدنيا. فكانت هذه المحطات بمثابةِ التزود بالطاقةِ لأرواحهم؛ لينطلقوا بعدها إلى معتركِ الحياة بأنفسهم المرتوية بنفحاتِ الرحمة والحب الإلهي.
أما الجزاء الأُخروي، فقد رويَ حديثٌ قُدسي عن رسول الله (صلّى اللهُ عليهِ وآلِه): "قالَ اللهُ (تباركَ وَتعالى): كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدم هوَ لهُ غيرَ الصيامِ، هوَ لي وأنا أجزي بهِ"
ومنهُ علِمنا أَنَّ عقولَنا القاصِرة لا تدركُ عظمته، لكنّا عرفناهُ في كلماتٍ تنطقُ عنه، كلمات أهلِ البيت (عليهم السلام)، كما روي عَنْ رَّسول الله (صلى اللّه عليه وآله): "مَن مَنَعَهُ الصِّيامُ مِن طَعامٍ يَشتَهيهِ كانَ حَقًّا عَلَى اللّه أن يُطعِمَهُ مِن طَعامِ الجَنَّةِ، ويَسقِيَهُ مِن شَرابها"
كما روي عن أَبِي عَبْدِ الله (عليه السَّلام): "مَنْ صَامَ لله (عَزَّ وَ جَلَّ) يَوْمًا فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَأَصَابَهُ ظَمَأٌ، وَكَّلَ الله بِهِ أَلْفَ مَلَكٍ يَمْسَحُونَ وَجْهَهُ وَ يُبَشِّرُونَهُ، حَتَّى إِذَا أَفْطَرَ قَالَ اللهُ (عَزَّ وَجَلَّ) لَهُ: مَا أَطْيَبَ رِيحَكَ وَرَوْحَكَ، مَلَائِكَتِي اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ"
كلماتٌ من بحرِ علمِ أهلِ البيت (عليهم الصلاة والسلام) وأحاديثِهم عن عِظمِ جزاء الصائم المخلص، ترسمُ لنا تصورًا بسيطًا عن رحمة الله تعالى بنا في هذا الشهر؛ لتكونَ لنا دافِعًا لاستثمار نفحاتِ الحب والكرم الإلهي المتدفق فنسقي منهُ أرواحنا التي جفَّت من بُعدِها عن منبعِ الرحمة، وقسَت من انقيادِها لوساوس شيطانٍ ضعيفٍ يُقوّيهِ هوى النفس.
والكلامُ كثيرٌ لا تسعُه حروفٌ، ولا مقالاتٌ طويلة! ولعلَّ من يُطالع خطبة النبي (صلى الله عليه وآله) في استقبال شهر رمضان يدركُ من فضائلِ هذا الشهر ما أنارنا بهِ رسول الله (صلى الله عليه وآله)..
ختاماً أقول ما قاله صادق الآل (عليه السلام) في دعائه: "اللهم ارزقنا صيامَهُ، وأَعِنَّا على قيامِهِ".
اخترنا لكم
نجوم عاشورائية (9)
بقلم: يا مهدي أدركني أسرار الدعاء يوم عاشوراء لما نظر الإمام الحسين (عليه السلام) إلى جيش يزيد يوم العاشر من محرم، رفع يده الى السماء وقال: اللهمّ، أنت ثقتي في كلّ كرب، ورجائي في كلّ شدّة، وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعدّة، كم من همٍّ يضعف فيه الفؤاد وتقلّ فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدوّ، أنزلته بك وشكوته إليك، رغبةً منّي إليك عمَّن سواك فكشفته وفرّجته، فأنت ولي كلّ نعمة ومنتهى كلّ رغبة. لو وقفنا نتأمل قليلًا في كلمات الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) لطال الوقوف عليها، ففي كل كلمة بحر من المواعظ والدروس والعبر، هكذا هو خط الرسالة، رضا وتسليم وعشق لذات الله المقدسة، فما هو سر تمسك الأنبياء والأولياء بالدعاء؟ ابتداءً علينا أن نفتش في كتب اللغة عن معنى الدعاء. الدعاء مصدر من مادة (دعو) فيقال: دعوتُ الرجلَ، وهو الميل له بصوت وكلام. أما الدعاء في الدين، فهو بمعنى بالميل والرغبة الى الله تعالى، ويكون أما لنزول الخير أو لكشف الضُر. وقد أمر الله تعالى عباده بالدعاء في كتابه الكريم فقال (عز من قائل) (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (1)، وقال (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ، أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ، فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (2) ونهى عباده عن الدعاء والطلب من غيره (جل وعلا) فقال (وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ، فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ) (3). نخلص الى أن الدعاء هو من الأمور المحمودة إذا كان العبد يميل ويتذلل ويرغب الى خالقه، وفي الطرف المقابل نجد أنه من الأمور المَعيبة التي نهى الله تعالى عنها عباده فيما إذا كانت لغيره (جل وعلا)، وفي هذا الأمر فائدتان -أخلاقية وعقائدية- في آن واحد. أما الأخلاقية: فإن الله تعالى أودع في داخل الإنسان قوى متعددة، فإن أحسن استعمالها ارتفع في سلم الكمالات، وإلّا فإنه يقع في شراك إبليس، ومن أخطر هذه الأمور هو (الكبر) الذي هو في قبال الذل، فإن دعاء الرجل لغير الله (عز وجل) مذلة له، حيث إن من يدعوه إن كان صالحًا فقد كان عليه أن لا ينتظر من أخيه المسلم أن يريق ماء وجهه وعندها فلا حاجة للدعاء والتوسل بل يبادر فورًا في قضاء حجاته قبل أن يسأله، وأما إن كان غير ذلك فعندها سيذل ذلك الرجل، وهو سلوك غير أخلاقي، فإن الله تعالى كرم النفس الإنسانية بصورة عامة والمؤمنين بصورة خاصة. أما العقائدية: فهي التأكيد على أنه ليس هناك موجود قادر على تلبية أو تحقيق مطلبك غير الله تعالى، فمهما بلغ ذلك الشخص الذي تدعوه من القوة والسلطة إلّا أنه في ذاته محتاج الى الله تعالى بل هو غير قادر على دفع المرض عن نفسه فكيف يدفع عنك، ففرعون -الذي ادعى الربوبية- لم يستطع أن يشفيَ ابنته الوحيدة التي كانت تعاني من مرض عضال، فنحن محتاجون في أصل وجودنا واستمراره الى الله (جل وعلا)، أما ما نقوم به من قضاء حوائج الناس فما نحن فيها إلا أسباب وضعها الله تعالى، وقد أمر الله تبارك وتعالى أن نتمسك بالأسباب، فنحن مجرد أسباب تسخر لقضاء حوائج الآخرين ولا يمكن أن نستغني عن هذه الأسباب ولكن يجب أن نثبّت بأن هذا السبب هو بتسخير منه (جل وعلا). فالدعاء هو أمر متعلق بالذات المقدسة فقط ومنحصر بها، وهو أمر قد أكد عليه القرآن الكريم من خلال سرد قصص الأنبياء والصالحين وكيف أن الإنسان بعد أن تُغلق عليه الأبواب جميعها لن يجد أمامه سوى هذا الباب الذي لا يغلق أبدًا، وهو باب الرحمة الإلهية والرجاء به (جل وعلا)، وأعتبر أن القنوط من رحمته إثمًا عظيمًا، وذلك لما ينطوي تحته من اعتقاد ملوث بكون الله تعالى غير قادر على تحقيق مراد هذا الفرد وحاشا الله تعالى، فإنه (جل وعلا) هو القادر على كل شيء، ولكن قد يمسك الله تعالى الدعاء ويؤخر الإجابة وذلك لمصلحة وحكمة لا يعلمها العبد، فعن الإمام زين العابدين (صلوات الله وسلامه عليه) قال: المؤمن من دعائه على ثلاث: إما أن يدخر له، وإما أن يعجل له، وإما أن يدفع عنه بلاء يريد أن يصيبه. (4) فقد يمنع الله تعالى الإجابة لعدة أسباب منها: الأول: حيث إن الدعاء هو خطاب موجه من العبد الى ربه فلا بد له من آداب على من يريد أن يحصل على الإجابة أن يلتزم بها، وقد ذكرتها روايات أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم) ونذكر البعض منها على نحو العجالة: 1- البسملة أي أن يبتدأ المؤمن بقول (بسم الله الرحمن الرحيم). 2- الصلاة على النبي محمد وعلى آله الطاهرين والختم بها أيضًا، فإنها مجابة، وإن الله سبحانه وتعالى يستجيب ما بينهما كما ذكر في الروايات الشريفة. 3- الحمد والثناء على الله تعالى، وهذا ما نجده في أغلب أدعية المعصومين (صلوات الله وسلامه عليهم). 4- التوسل بالصالحين. 5- الإقرار بالذنب، والتضرع والتذلل له (جل وعلا). 6- اختيار الأزمنة والأمكنة التي هي من مظان إجابة الدعاء. 7- تقديم الدعاء للآخرين على الدعاء للنفس. 8- وحسن الظن بأن الله تعالى سيستجيب الدعاء. وهناك أمور أخرى كثيرة يطول المقام فيها، فإن التزم العبد بهذه الأمور فقد حقق بعضًا من شروط إجابة الدعاء. (5) الثاني: هناك بعض الأمور التي تحجب الدعاء وتمنع الإجابة فتكون عائقًا من إيصال الدعاء ومنها: أولًا: الذنوب، فإن أذنب العبد بعد أن دعا الله تعالى أمسك الله عنه لذنبه فعن أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) أنه قال: "لا تستبطئ إجابة دعائك وقد سددت طريقه بالذنوب" (6) وفي دعاء كميل المروي عن أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) يقول: (اللهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء) فهنا إشارة منه (صلوات الله وسلامه عليه) على أن هناك ذنوبًا معينة تكون كالأغلال التي تقعد بالدعاء وتمنع من ارتفاعه واستجابته، وقد سُئل الإمام الصادق (صلوات الله وسلامه عليه) عن تلك الذنوب فقال: "سوء النية والسريرة، وترك التصديق بالإجابة والنفاق مع الإخوان وتأخير الصلاة عن وقتها". وهنا لا بد أن نشير إلى أن المؤمن يجب أن لا يستصغر الذنوب وإنما عليه أن ينظر إلى من يعصي وإلى عظمته، فمهما كان الذنب صغيرًا إلّا أنه قد يتحول إلى ذنب عظيم لعظمة الخالق، وعلى المؤمن أن يجنب نفسه من الصغائر لأنها مع الإصرار والتكرار ستكون كبيرة كما هو مشار إليه في روايات أهل البيت (عليهم السلام). ثانيًا: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إن الدين الإسلامي متكون من ثلاثة محاور أساسية وهي: أصول وفروع وأخلاق، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروع الدين ولكن للأسف نجد الكثير ممن يتهاون ويستخف بهما، على الرغم من أن لهما ذات الأهمية التي لبقية الفروع الأخرى، ومن يتركهما وهو قادر على الإتيان بهما فإن له عقوبة معجلة في الدنيا قبل الآخرة، فقد روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "إذا لم يأمروا بمعروف ولم ينهوا عن منكر ولم يتبعوا الأخيار من أهل بيتي، سلط الله عليهم شرارهم، فيدعوا عند ذلك خيارهم فلا يستجاب لهم" (7) لذلك فإن الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) وقف بوجه المنكر وأمر بالمعروف وبذل في ذلك نفسه وأولاده وأصحابه حفاظًا منه على الدين من الاندثار. فالدعاء إذن هو الصلة الرابطة بينه وبين خالقه، وإن له أثرًا في نفس العبد حتى وإن لم يستجب منه، إذ سيستشعر وجود الرب قريبًا منه، فهو ليس بحاجة إلى رفع صوته بل تكفي المناجاة في عتمة الليل لينسج من تلك الهمسات المختلطة بدموع الاستغفار كلمات يستنير بها قلبه وتقوّيه على الثبات في طريق الحق، كما قال الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) في دعائه يوم عرفه (ما ذا وجد من فقدك؟ وما الذي فقد من وجدك؟ لقد خاب من رضي دونك بدلًا)، فبتأمل بسيط لهذا المقطع من دعاء الإمام (عليه السلام) نجد السبب المهم الذي كان وراء وقوفه (عليه السلام) بقوةٍ وإباء لم يخشَ ضخامة الجيش أمامه لأنه على يقين من أنه مع الله (جل وعلا)، وأنه على الحق، فمهما اشتدت الظروف وكثر الظلم والجور عليه، إلا أنه كان يعلم بأن كل ذلك بعين الله تعالى، لذا نجده في كل حركاته وسكناته، ابتداءً من انطلاقه من المدينة وحتى عند لفظ أنفاسه الأخيرة ظهيرة عاشوراء كان لسانه يلهج بالدعاء، هائمًا بذكر الله تعالى منشغلًا عن آلامه شوقًا لملاقاته. إن قوة العبد المؤمن تكمن في قربه الدائم من ربه وخالقه، فلو كان للإنسان شخص يحبه ويمتلك من القوة الجسدية والاجتماعية التي تجعل الناس تهابه وتخشاه، تجد ذلك الإنسان يستمد القوة منه فيما إذا تعرض لموقف ما، كما هو الحال عندما يتوجه الطفل الصغير الى حضن والديه عند تعرضه لأمر ما، فكيف إذا كان المؤمن على علاقة متينة مستمرة بالقوي العزيز، لذا نجد هناك تأكيدًا على الدعاء وأنه سلاح الأنبياء والصالحين، وأن الله تعالى ليحب صوت عبده المؤمن حين يناجيه، وملائكة السماء تستأنس بصوته وتألفه لأنه يدعو الله تعالى في الشدة والرخاء، فإن الحاجة الى الدعاء ليست فقط لقضاء حاجة أو رفع بلاء، بل إن الحاجة إليه أعظم من ذلك فإن أردت -أيها المؤمن- أن تدوم النعم عليك فلا تنقطع عن مناجاة ربك. في الختام نقول: ليس هناك إلزام بأن يكون الدعاء بصيغة معينة خاصة، بل لك أيها المؤمن أن تدعو بما شئت، وكلما اقترب العبد من ربه وعرفه حق معرفته دعاه بلسان أجمل، إلا أن الدعاء حيث إنه مفتاح الإجابة، فينبغي أن يكون من حيث مصدره المعصوم، وليس هناك من يعرف الله تعالى أفضل من أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم)، لذا فمن أراد أن يتقن الدعاء ويضمن الإجابة ويستلذ بتلك المناجاة فليغرف من ينابيعهم وينهل منها، فإن كلامهم نور يضيء القلوب حتى وهم في أحلك الظروف وفي أصعبها، فما أجملها من كلمات ختم بها سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه) حياته: اللهم متعال المكان عظيم الجبروت شديد المحال غني عن الخلائق عريض الكبرياء قادر على ما تشاء، قريب الرحمة، صادق الوعد، سابغ النعمة، حسن البلاء، قريب اذا دُعيت، محيط بما خلقت، قابل التوبة لمن تاب إليك، قادر على ما أردت، تدرك ما طلبت شكور إذا شُكرت، ذكور إذا ذُكرت، أدعوك محتاجًا وأرغب إليك فقيرًا، وأفزع إليك خائفًا وأبكي مكروبًا، وأستعين بك ضعيفًا وأتوكل عليك كافيًا، اللهم أحكم بيننا وبين قومنا فإنهم غرونا وخذلونا وغدروا بنا وقتلونا ونحن عترة نبيك وولد حبيبك محمد بن عبد الله الذي اصطفيته بالرسالة وائتمنته على الوحي، فاجعل لنا من أمرنا فرجًا ومخرجًا يا أرحم الراحمين. _______________ 1- سورة غافر، آية (60). 2- سورة البقرة، آية (186). 3- سورة يونس، (106). 4- تحف العقول-ابن شعبة الحراني- ص280. 5- منقول من شرح الشيخ حسين الأسدي لدرس عقائد الإمامية، (عقيدتنا في الدعاء). 6- غرر الحكم. 7- آمالي الصدوق، 254/2.
المناسبات الدينية
ظاهرة الإلحاد، جهل وانفلات
من المؤسف أننا وأثناء تصفحنا للعديد من صفحات التواصل الاجتماعي وبعض التعليقات نلاحظ انجرافاً مثيراً للدهشة لبعض الشباب نحو الإلحاد والعلمانية، ليس اعتقاداً منهم به، بل نقمة وردة فعل بسبب تصرفات الكثير من المحسوبين على الإسلام والمسلمين، والأكثر دهشة أن بعض وسائل الإعلام أوصلت نسبتهم إلى ٣٨% وهي نسبة مهولة جداً –وإن كنّا نشكك في صحة النسبة-... والمجتمع إن لم يلاحظ فكرة الإلحاد لدى الشباب فليلاحظ آثار ذلك من خلال ترك الصلاة والصيام وبلا مبرر، وغياب المظهر الإسلامي الحقيقي وكثرة الفواحش واهتمامات الشباب البعيدة عن عقيدتهم وأعرافهم بل حتى تقاليدهم. إننا بحاجة إلى مراجعة أنفسنا ولنسألها عن أسباب ذلك، والتي سأذكر بعضها على عجالة من أمري وأتمنّى منكم ذكر الأسباب الأخرى وطرق معالجتها حتى تتظافر الجهود منا جميعاً في محاولة توعية المجتمع واحتواء الشباب، كون ظاهرنا أننا مثقفون إسلامياً وعلينا يقع العتاب واللوم وعبئ هذا الموضوع... إن من أسباب تلك الحالة هي التالية: ١. سطحية أفكار الكثير من المحسوبين على الدين والإسلام عموماً والتشيع خصوصاً، فلا نلاحظ العمق في أفكارنا وآرائنا وبالدليل العلمي والعقلي والقرآني والروائي بل أننا نلاحظ الاهتمام بظواهر الدين اهتماماً فارغاً من المحتوى، تحركه العواطف لا العقول. ٢. فشل الحكومات المحسوبة على الدين وخصوصاً في بلدنا من ناحية توفير الأمان والرفاهية للمواطن بل تلبية أبسط حقوقه... وإنما نجد على العكس من ذلك تسلط مجموعة من السراق والفاسدين على رقاب هذا الشعب المسكين بشكل ربما لم تشهد له البشرية من نظير... مقابل ذلك نجد النجاح المتواصل للحكومات غير الإسلامية من ناحية علمية لا من ناحية أخلاقية والتي شعارها فصل الدين عن الدولة في أوربا وأمريكا والعديد من بلدان العالم... ولقد تناسى هؤلاء الشباب أن هؤلاء السراق لا يمثلون عقيدة الإسلام ولا حتى التشيع وأن الإسلام لا يعرف بالرجال فقد قال الإمام علي (عليه السلام) (أعرف الحق تعرف أهله) . ٣. التواصل الاجتماعي والإنترنت الذي جعل من العالم قرية صغيرة بل قرّب البعيد وبعّد القريب حيث أطّلع الشباب على الكثير من الأفكار والآراء الهدامة والإشكالات على الشريعة الإسلامية والقرآن بشكل ملفت للنظر وأدّى إلى توهين قيمة الدين في أعينهم وكما قلت: سطحية أفكار الكثير من المحسوبين على الإسلام وعدم طرحهم مثل هذه الإشكالات وإعداد الإجابة العلمية والعقلية وإعداد الرد المناسب لها مما أدى إلى نفرة هؤلاء الشباب من الدين وأهله... بل اختلافهم مع بعضهم البعض وتكفير أو تفسيق بعضهم لبعض أدى إلى العزوف عنهم تماماً للأسف الشديد قال تعالى ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) . ٤. الحركات الإرهابية التي تتظاهر بالإسلامية وما فعلته من قتل وترويع وتهجير باسم الدين وما تركته من أثر سيء ومطالبة العديد من الناس بضرورة أن يكون الحكم بعيدا عن الدين بل مطالبتهم بضرورة عزل أهل الدين تماماً! ومن الطبيعي ان مثل هذه الأمور تؤدي إلى العزوف عن الدين تماما عند الجهلة والمنفلتين ليس من ناحية سياسية فقط بل حتى من ناحية اجتماعية . ٥. غياب العقل في كثير من الممارسات الدينية كبعض الشعائر والطقوس المملوءة بالخرافة والتطرف والدفاع المستميت عنها من قبل الجهلة من المحسوبين على الدين واعتبارها من ضروريات المذهب رغم أنها لا أصل لها. ٦. التفرقة بين اهل الدين وسرعة تكفير أو تفسيق الآخر وعدم اطلاعنا على جميع الثقافات التي عند جميع المسلمين وعدم استغلال الاختلاف بين المسلمين وجعله اختلافا طبيعيا إيجابيا لا سلبيا بل إن الله خلقنا لأجل أن نكون متنوعين مختلفين ايجابيين فقد قال تعالى ( ولا يزالون مختلفين ولذلك خلقهم ) فنحن على العكس جعلنا كل اختلاف خلافاً ونفوراً وفرقة... مما أدى ببعض الجهلة إلى ترك كل الأطراف والنفور من الدين . ٧. جهل الشباب الجامعي وعدم أخذ دوره بشكل صحيح في مجتمعه بل على العكس الانفلات الأخلاقي للكثير منهم أدى به إلى اختيار أفكار مناهضة للإسلام تدعو إلى ما يسمونه بالتحرر و عدم التقيد حتى يفعلوا ما يريدون، وابسط مثال على ذلك ما يحصل في حفلات التخرج من تهور وانفلات وانحلال اخلاقي وجرأة على الله . لذلك فيا أخوتي و يا أخواتي، أدعوكم إلى الاهتمام بهذا الموضوع حبا لله ولرسوله وحسرة على هؤلاء الشباب الذين يضيعون من بين أيدينا... وأطلب منكم التعليق بما ترونه نافعا بل حتى لو كان انتقادا لي ولكم الفضل علي . ( فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ) النفس الكبيرة
اخرى
سيدة الولاء والوفاء
بقلم: سماهر الخزرجي إنَّ دراسة حياة الشخصيات العظيمة والرموز الإسلامية من ضروريات الحياة لأنهم يمثلون المنهل العذب الذي ننهل منه الدروس والعبر التي ترسم لنا خارطة طريق متكاملة تسمو بنا نحو الكمال، وقد أخفى التاريخ الكثير من الحقائق وغيّب أمورًا أخرى، ومنع تدوين الكثير منها مع ما لازمه من التحريف والحشو بالأباطيل والكذب، وهذا ما نلاحظه في سيّر العظماء والصالحين ولا سيما كل من يمتُ لبيت علي (عليه السلام) بصلة، محاولًا طمس تلك الفضائل والمشاهد العظيمة، ومن تلك الشخصيات العظيمة والرموز البارزة السيدة الجليلة أم البنين (فاطمة الكلابية) (سلام الله ورضوانه عليها)، تحجيمًا لشخصها وتغييبًا لدورها الفذ في الذود عن الآل وعن حياض الدين. إلا أنّ إرادة الله شاءت غير ذلك، فرغم أنه لم يصلنا عنها وعن تفاصيل حياتها إلا القليل، إلا أنّ فضلها وذكرها ومآثرها ملأت الخافقين وأصبحت قدوة للنساء ونموذجاً للفناء والانصهار في آل البيت (عليهم السلام). ففي ذلك البيت الحجازي الشريف وفي أجواء هجيرها المتقد نشأت تلك المرأة النبيلة ذات الخصال الحميدة والسجايا الفاضلة والمآثر الكريمة، النقية، الورعة، الفصيحة، البليغة، والعفيفة النفس وقد أثرت البيئة التي نشأت وترعرعت فيها على صقل شخصيتها وتربيتها وتنشئتها تنشئة صالحة، فقد تربت في أسرة عريقة شريفة حوت من الفضائل ما لا تحويه باقي الأسر، فقد أتفق المؤرخون أن آباء فاطمة وأجدادها هم من أشجع القبائل وأفرسهم بعد بني كلب، وقد تميّزت تلك الأسرة بولائها الشديد لآهل البيت (عليهم السلام)، فظهر ذلك جليًا على شخصية أم البنين (عليها السلام)، وذلك نستشفه من حادثة الخطبة، حيث تقدم عقيل لخطبتها من أبيها لأخيه علي (عليه السلام ) وهو يقول له: جئتك بشرف الدنيا والآخرة. ويروي لنا المؤرخون أن حزام أسرّه الخبر كثيرًا إلا أنه خشى أن لا تكون صالحة لهذا البيت، حيث إنه مهبط الوحي ومختلف الملائكة ومعدن الرسالة، فإنه يرى لمثل علي (عليه السلام) أن تكون له امرأة ذات علم وعقل وأخلاق حسنة -مع علمه بما تحمله ابنته من هذه الخصال- فينبري ليسأل أُمها عنها. فتجيب الأم بثقة عالية: يا حزام والله قد ربيتها وأحسنت تربيتها وأرجو الله العلي القدير أن يسعد جدها وأن تكون صالحة لخدمة سيدي ومولاي أمير المؤمنين (عليه السلام). فتنزل الكلمات على قلب حزام كنزول الغيث على أرض جدباء، ويقدمها لأميره بصفة خادمة لا زوجة! ولا بد أن يكون لفاطمة رأي في ذلك فهذه من مختصات حياتها وشؤونه، وقد أكد الشرع على استحصال رضاهنَّ في ذلك. فتقف تلك السيدة الجليلة الواعية الناضجة العالمة الورعة عند مفترقين، فهي تعرف بسيرة من جاءها خاطبًا، وما كان يطغى على ذلك البيت من إيثار وجوع وفقر ومشقة، وتلك العائلة التي نزل بحقها قرآنًا في خواء بطونهم وإيثارهم للمسكين واليتيم والأسير، تعلم المستوى المادي والمعيشي، وأضف لذلك علمها بما جار عليهم الدهر من محن ومصائب وظلم الأصحاب لهم بعد رحيل الحبيب صلى الله عليه و آله، وقد جال في خاطرها وهي تبدي الموافقة على الارتباط به -مفتخرةً بذلك- إعراضها عن الدنيا طالبة الزهد والتقشف مشيحةً وجهها عن ملذاتها وزبرجها وزينتها وعليها أن تعد جلباب الفقر والبلاء واللأواء، مستذكرة الحديث الشريف (من أحبنا فليعد للبلاء جلبابًا) (١) وما الذي قبال ذلك؟ قباله شرف الفوز بخدمتهم والفوز الأبدي والخلود في الدارين واللحوق بالنبي وآله في درجاتهم. وأثناء ذلك تنساب إلى مسامعها تلك الآيات ((يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (29))) (٢) فتشعر بالاطمئنان وعذوبة الإيمان، فتشكر الله في سريرتها وتحمده أن خصها بهذه النعمة الكبرى.. وتدخل فاطمة ذلك البيت العلوي الشريف، وتنصهر في محبتهم وخدمتهم، وتعيش حالة من نكران الذات لأجلهم، فلقد ذابت وأذابت في ولائهم فلذات اكبادها، وتتوالى المحن على البيت العلوي ويعصف الحزن قلب فاطمة بفقدها زوجها وسندها، ثم لم يمهلها الزمن حتى يكلم قلبها بالحسن (عليه السلام)، وهي ما زالت تعيش ظلامات الحسين، ولم تنزع ذلك الجلباب الذي أعدته للبلاء وكانت شامخة كالجبل الأشم. يقول العلامة باقر شريف القرشي (رضوان الله عليه) في كتابه (العباس رائد الكرامة والفداء في الإسلام): "لم يعرف التاريخ أن ضرّة تخلص لأبناء ضرّتها وتقدمهم على أبنائها سوى هذه السيدة الزكية، فقد كانت ترى ذلك واجبًا دينيًا لأن الله أمر بمودتهم في كتابه الكريم" (٣) فكانت (سلام الله عليها) خير مصداق للأحاديث التي أمر بها النبي (صلى الله عليه وآله) بود أهل البيت بحبهم وولائهم والاتباع لهم والتمسك بحجزتهم. وكما هو معروف، فإنه عند الاختبار تظهر معادن البشر وتُعرف سرائرهم ودخائل ضمائرهم وصلابة إيمانهم، وقد أشار القرآن الكريم لذلك في قوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) )(٤) ولا أرى هناك فقد أعظم من فقد الولد فكيف إذا كانوا أربعة! وكيف الحال إن كانوا على هذه الدرجة العالية من الفضيلة ونفاذ البصيرة؟! مع إنها لم تعبأ بنبأ مقتل بنيها الأربع، بل راحت تحث الخطى لتسأل عن الحسين (عليه السلام) عن إمامها، وهذا ما يحدثنا عنه الشيخ المامقاني في كتابه تنقيح المقال قائلًا: (إن علقتها بالحسين عليه السلام ليس إلا لإمامته (عليه السلام) وتهوينها على نفسها موت هؤلاء الأشبال الأربعة إن سلم الحسين (عليه السلام) يكشف عن مرتبة في الديانة رفيعة) (٤) ولأجل ذلك تبوأت هذه السيدة الزكية تلك المنزلة الرفيعة والمقام السامي، فسلام عليها يوم ولدت ويوم ماتت ويوم تبعث يوم القيامة.. ______________ ١- غرر الحكم _٩٠٣٨ ميزان الحكمة، محمد الريشهري_ ص ٥٢٠ ٢- سورة الأحزاب الآيات _٢٨_٢٩ ٣- العباس رائد الكرامة والفداء في الإسلام، للقرشي صفحة ٢٧ ٤- سورة البقرة الآيات _١٥٥_١٥٧ ٥- تنقيح المقال للمامقاني صفحة ٣٤٧
اخرىالتعليقات
يتصدر الان
لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع
يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي
اخرىبين طيبة القلب وحماقة السلوك...
خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي
اخرىلا تقاس العقول بالأعمار!
(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي
اخرىالمرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)
بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.
اخرىالطلاق ليس نهاية المطاف
رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي
اخرىهَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ
عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي
اخرى