تشغيل الوضع الليلي
الفجــــر الصـــادق
منذ 8 سنوات عدد المشاهدات : 4307
بينما كانت الانتفاضات تنشب هنا و هناك في طول البلاد الاسلامية وعرضها، وبينما كان الطاعون والقحط يضربان مناطق واسعة منها خراسان والعراق، وبينما كان الولاة غرقى في مستنقع الشهوات ، منهمكين بجمع الأموال والثروات ، فيما كان جهازهم الحاكم يبطش دون رحمة و يزهق الأرواح دونما حق ، ويشيع بين الناس حالة من الذل والخنوع ، و أما المنشغلون بالعلوم الإسلامية من فقه وحديث وتفسير فقد كانوا يشغلون أنفسهم عن التعرض للوضع القائم ، ويشغلون الناس عن معاناتهم بإثارة النزاعات الكلامية الفارغة التي لا تمتّ للإسلام بصلة .
فكل هذه الظروف الحالكة الظلام ، بالإضافة الى ما روي عن الامام الباقر في حق ولده الامام الصادق (عليهما السلام): " هذا والله ولدي قائم آل بيت محمد صلى الله عليه وآله "(1)، أدى الى أن يظهر الامام الصادق بمظهر الفجر الصادق الذي ينتظره أتباع أهل البيت (عليهم السلام) ليخلصهم من عتمة المصائب و ليل الظلم والنوائب.
و لا يقصد الإمام الباقر (عليه السلام) بالقائم هنا قائم آل محمد (عجل الله فرجه) في آخر الزمان، و إنما القائم هنا بمعنى القائم بأمر الله تعالى، أي الذي نصّبه الله تعالى ليقوم بالأمور التكوينية والتشريعية. ولا يعني ذلك أن يكون القيام بالسيف بالضرورة. بل إنه يقوم بالقيام الفكري أو التنظيمي الذي يستهدف مقارعة الظالمين بقطع النظر عن النتيجة.. ولذا كان الإمام الصادق (عليه السلام) في نظر أبيه وفي نظر الشيعة مظهر آمال الإمامة والتشيع؛ لأنه هو من سيجسد مساعي الإمام السجاد والإمام الباقر (عليهما السلام) التي مهّدا لها الظروف والأجواء طيلة مدة إمامتهما.
تسلم الإمام الصادق (عليه السلام) مهمة الإمامة، و التي تتفرع الى مهمتين : أولاهما : المهمة الفكرية و التي تتلخص في هدم الانحرافات العقائدية والتشويهات الجاهلة للأحكام الدينية، وبناء الفكر الإسلامي الصحيح الذي جاء في القرآن الكريم و السنة المطهرة. وأما ثانيتهما فالمهمة السياسية والتي تتلخص في التخطيط لإقامة نظام يطبق العدالة الإسلامية، وصيانة هذا النظام في حالة إقامته.
وبما إن العملية الفكرية تقضي على الزيف الديني و تُفنِّد المفاهيم المنحرفة التي يبثها وعاظ السلاطين في المجتمع والتي تشكل المستند الذي يستند إليها الجهاز الحاكم في تسلطه و المبرر الذي يشرعن لهم مواصلة ظلمه؛ لذا كانت لها الأولوية.. ولم يدع (سلام الله عليه) المهمة السياسية نهائيا فقد أثبت بعض الباحثين و العلماء أن له (سلام الله عليه) دوراً سياسياً لكن الظروف التي أحاطت به اقتضت التحفظ عليه وسريته. ومن أهم وأبرز معالم مهمته الفكرية (عليه السلام) هي:
أولاً : توضيح مسألة الإمامة و الدعوة اليها
لأهمية الإمامة في الدين الإسلامي من جهة إذ إنها تمثل أحد أصوله الخمسة، ولما اعتراها من تشكيك في أصلها وفي مفهومها من جهة أخرى فقد شكلت الإمامة أبرز خصائص دعوة الأئمة (عليهم السلام)، منذ السنوات الأولى التي أعقبت رحيل النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وحتى سنوات الغيبة الصغرى لإمامنا (عجل الله فرجه ).
وكلمة (الإمامة) تعني في الأصل القيادة بمعناها المطلق، و أما في العرف الإسلامي خلال القرنين الأول والثاني فقد كانت تعني القيادة السياسية: وأما في العرف الخاص بأتباع أهل البيت (عليهم السلام) فتعني بالإضافة إلى القيادة السياسية، القيادة الفكرية والأخلاقية أيضاً. وذلك لأن الامام خليفة النبي (صلى الله عليه و آله) في قيادة الأمة وبما إنه (صلى الله عليه و آله) قد أسندت اليه كل تلك القيادات لذا وجب إسنادها الى خليفته الشرعي المنصوب من قبل الله (تعالى) ..
و للإمامة شأن عظيم كما روي عن الامام الرضا (عليه السلام):" هي منزلة الأنبياء، وإرث الأوصياء، إن الإمامة خلافة الله، وخلافة الرسول، ومقام أمير المؤمنين (عليه السلام) وميراث الحسن والحسين (عليه السلام)، إن الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعزّ المؤمنين، إن الإمامة أسّ الإسلام النامي، وفرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة والزّكاة والصيام والحج والجهاد، وتوفير الفيء والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف "(2).
و قد تظافرت الروايات الواردة عن الامام الصادق (عليه السلام) في ادعائه الامامة فضلا عن توضيحه لمعناها. فقد روي عنه (عليه السلام):" يا أبا الصباح نحن قوم فرض الله طاعتنا، لنا الأنفال، ولنا صفو المال، ونحن الراسخون في العلم، ونحن المحسودون الذين قال الله في كتابه: أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله "(3)
و قد أشار (عليه السلام) في روايته هذه الى نقطة الاختلاف بين المدرسة الامامية وغيرها. ألا وهي الامامة السياسية بل و أكد عليها بقوله:" صفو المال " وهو من غنائم الحرب إلا إنه يتميز عنها بأنه ذو قيمة رفيعة، لذا كان لا يقسم كما تقسم سائر الغنائم بين المجاهدين، كي لا يستأثر به أحد دون آخر. و يبقى لدى الحاكم الإسلامي الشرعي يتصرف به لما يحقق مصلحة عامة المسلمين. وكان غاصبوا الخلافة يستأثرون بهذا المال ويجعلونه مختصاً بهم غصباً. ولذا فإن تصريح الامام (عليه السلام) بأن (صفو المال) يجب أن يكون له، وهكذا الأنفال. إنما هو إعلان نفسه بصراحة حاكماً شرعياً للمسلمين مسؤولاً عن استثمار هذه الأموال وفق ما يراه تحقيقاً لمصلحة الأمة. وهناك الكثير من الروايات التي تثبت دعوته (عليه السلام)الى الامامة و لكننا أعرضنا عنها طلباً للاختصار.
ثانياً : بيان الأحكام وتفسير القرآن وفق ما ورثته مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله):
و لعل أبرز ما يدلنا على ذلك هو تسمية فقه الشيعة باسم (الفقه الجعفري). فقد كان الإمام يدير واحدة من أوسع الحوزات الفقهية في زمانه. ومن أهم ثمار تصديه لتدريس الفكروالفقه الديني بل و حتى سائر العلوم من الطب و الكيمياء،هي:
أولا: إثبات عجز من غصب الخلافة عن إدارة الشؤون الفكرية للأمة، وعدم صلاحيته للتصدي لمنصب (الخلافة).
ثانياً: تشخيص الإمام (عليه السلام) لموارد التحريف في الفقه والتفسير والفكر المبتنية على أسس مصلحية والقائمة على مداهنة الفقهاء للجهاز الحاكم وتصحيحه لها.
ثالثاً: بتصدّيه (سلام الله عليه) لبيان أحكام الفقه الصحيحة والمعارف الإسلامية السليمة، وتفسيره للقرآن بطريقة تختلف عما فسره وعاظ السلاطين فقد شكل عملياً موقفا معارضاً تجاه الجهاز الحاكم.
رابعاً: الإمام (عليه السلام) بنشاطه الفكري والفقهي هذا قد ألغى كل الجهاز الديني والفقهي الرسمي الذي يشكل أحد أركان الحكومة الظالمة آنذاك، بل وأفرّغ الجهاز الحاكم من محتواه الديني.
و لعل التفات الجهاز الحاكم إلى حساسية هذه المسألة قد دفعهم إلى اتخاذ خطوات للقضاء عليها أهمها:
أولاً: إحاطة نشاطات الإمام الصادق (عليه السلام) التعليمية والفقهية بالتهديدات والضغوطات والمضايقات .
ثانياً: قيام المنصور بجمع الفقهاء المشهورين في الحجاز والعراق في مقر حكومته كما تدل على ذلك النصوص التاريخية العديدة ليشكل بذلك حلقة فقهية لعلها تضاهي حلقة الامام (عليه السلام) و تجذب المسلمين اليها.
ثالثاً: منع المنصور العباسي الإمام الصادق (عليه السلام) زمناً من الجلوس في حلقات التدريس وعن تردّد الناس عليه. كما ورد فيما رواه المفضل بن عمر:" إن المنصور قد كان همّ بقتل أبي عبد الله (عليه السلام) غير مرة، فكان إذا بعث اليه ودعاه ليقتله فإذا نظر إليه هابه ولم يقتله، غير أنه منع الناس عنه ومنعه من القعود للناس، واستقصى عليه أشد الاستقصاء، حتى أنه كان يقع لأحدهم مسألة في دينه في نكاح أو غير ذلك فلا يكون علم ذلك عندهم، ولا يصلون إليه فيعتزل الرجل وأهله، فشّق على شيعته وصعب عليهم.."(4).
رابعاً: ولم يكتفِ المنصور بذلك حتى تمادى في طغيانه واغتاله (سلام الله عليه) بعنب مسموم على يد عامله بالمدينة، وذكر بعض أهل السنّة أيضاً موته بالسمّ، كما في «إِسعاف الراغبين» و«نور الأبصار» و«تذكرة الخواص» و«الصواعق المحرقة» وغيرها.
نعم ، قد أَفَلَت شمس الإمام الصادق (عليه السلام ) من سماء الدنيا و لمّا يبدّد جور السلاطين، ولمّا تزل المحن عن أتباعه الموالين، إلا إن نور علومه و معارفه قد أطل على هلال المدرسة الامامية و أحاله إلى بدر مكتمل. فإن لم يكن إمامنا فجراً صادقاً يجلو ظلام الجور فهو يقينا فجر صادق أزال ظلام الجهل و نشر في أرجاء مذهبنا النور...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الانوار ج47 ص13
(2) الكليني و الكافي ج1 ص333
(3) بحار الانوار ج23 ص291
(4) بحار الانوار ج47 ص180
اخترنا لكم
الزهراء تزرع الحب في نفوس أبنائها للمجتمع
إن الإسلام يعطي الأولوية في نظامه التربوي للأسرة، لأنها أساس لوحدة للمجتمع، فكما أن الجسم البشري يتكون من خلايا حية، كذلك فإن المجتمع يتكون من خلايا هي مجموع الأسر فيه. وإذا أصيبت هذه الخلايا بالضعف والمرض، فإن مجموع الجسم يتهدم ويفسد، كذلك إذا انهارت الأسرة أو فسدت فإن المجتمع بكامله ينهار ويتحطم. لاسيما المرأة في طيب أصلها وعراقته، لأن المجتمع سوف ينهل من هذه الأسرة أسباب ديمومته أو دماره، لأنها عماد الأسرة، لا تقوم للأسرة قائمة بدونها. لذلك يقول الإمام علي (عليه السلام) (كرم الأخلاق يدل على أصالة الأعراق). إنه يضع المرأة في رأس القائمة لأن الأم إذا لم تكن صالحة بالمفهوم الإسلامي أدى ذلك إلى انحراف الأسرة وشقائها. إن لم تكن المرأة صالحة لن تنتج الصالح. والإسلام عندما يقف هذا الموقف إنما يريد الحفاظ على كيان المرأة، لأنه يريد أن يصون المجتمع برمته من الانحراف والفساد. فهو يضع على عاتق الزوجة مسؤولية كبيرة، بل يعتبرها في بعض شؤون الأسرة أكثر من الرجل، ولاسيما في مجال تربية الأولاد، فالإسلام عندما جعل المرأة مديرة للأسرة لم يهضم حقها أو ينتقص من قيمتها، وإنما رفعها إلى مقام الأنبياء. فمهمة التربية هي مهمة الأنبياء. لذلك على الأم أن تعي مهمتها المقدسة في تربية الأجيال. ولاشك أن السيدة الزهراء (سلام الله عليها) قد أرادت هذا المعنى. وهذا معنى قولنا دائماً: إن الزهراء مدرسة كبرى. لأنها بعمرها القصير مدرسة في العطاء والمعرفة والعلم والأخلاق، فهي لا تغذي أبناءها الغذاء المادي من الأكل والشرب فقط، بل غذّت أبناءها بالغذاء المعنوي والروحي وزرعت في نفوسهم حب الخير للناس جميعاً بلا استثناء. فهي الأم الجليلة والمربية القادرة، لم تكن سيدة النساء امرأة عادية لذا فكان كل ما يصدر عنها يعد نبراساً للخلق السامي ودروساً تتأسى بها الأجيال لتحذو حذوها بالتقى والإيمان. كانت السيدة فاطمة (عليها السلام) خلوقة، خليقة، متخلقة، مؤدِّبة، متأدبة، مؤدَّبة أدبها الله تعالى ورسوله، فأنشأت السيدة فاطمة (عليها السلام) عائلة مليئة بالحب والود والحنان متبعة في تربيتها وإنشائها تعاليم منزل القرآن ومشرع الحكم والتبيان، تسود هذه العائلة الألفة متعلقة بالله ورسوله (صلى الله عليه وآله) تأملوا هذه الرواية عن الامام الحسن (عليه السلام) أنه قال: "رأيتُ أمي فاطمة قائمةً في محرابها ليلة الجمعة، فلم تزل راكعة ساجدةً حتى انفلق عمودُ الصبح.. سمعتُها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتُسمّيهم وتُكثر الدعاءَ لهم، ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت: يا أمّاه، لَمْ تدعي لنفسِكِ كما تدعين لغيرِكِ؟ قالتْ: يا بُنيّ، الجار، قبل الدار....." . وقد كان بيت السيدة الزهراء (عليها السلام) بيت خير وعطاء وعطف على الفقراء والمساكين. وكانت (صلوات الله عليها) تبيت على الطوى مع زوجها وأولادها حتى يبين على وجوهم أثر الجوع، لأنهم كانوا يؤثرون الفقراء والمساكين بطعامهم، وهناك آيات كثيرة نزلت في حق السيدة الزهراء (عليها السلام) وهي تدل على عظم شأنها وكبر شخصيتها وارتفاع مقامها، وإيثارها ومنها ما جاء في سورة (الإنسان) نزلت في أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام). قال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)) سورة الإنسان. إن السيدة الزهراء (سلام الله عليها) مدرسة كبرى، فلماذا لا نتعلم دروسها؟ لقد كانت السيدة الزهراء (سلام الله عليها) وزوجها وأولادها نموذجاً فذاً للأسرة المسلمة للصالحة، ولا غرو في ذلك فنبعهم الذي ينهلون منه هو رسولنا الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله). إن معاملة السيدة الزهراء (عليها السلام) لأبنائها هي حجة على كل الأمهات، فكل أم مسؤولة أمام الله عن تربية أبنائها، كما إن الأب مسؤول فهي مسؤولة، فالإسلام متميز بحرصه على تحقيق التوازن في الفرد، ومتى تحقق هذا في الأسرة تحقق في المجتمع، فيشيع الأمن والأمان والسعادة داخله، وهذا ما لا يتوفر في المجتمعات التي تحللت من الروابط الأسرية، ولذلك فإنها تتخبط في مشاكل فردية واجتماعية لها بداية وليس لها نهاية. إن هذه المناهج التربوية لن تجدها إلا في الإسلام لأن الهدف منها بناء الإنسانية الطيبة الطاهرة . حنان الزيرجاوي
اخرى
صور من أطيافها
بقلم: آمال الفتلاوي يملأ الفرح أرجاء المدينة، تتعالى أهازيج الزفاف من مضارب بني كِلاب، السماء مستبشرة، كل شيء في الوجود مسرور... النور يسطع من خلف الهودج، وعروس في طريقها إلى الخلود، كانت سارحة في خيالها وكأنها تحدث نفسها وتقول: أرتقي مدارج الكمال، واقتفي آثار سيدة النساء (عليها السلام) أبحث عن شذاها وأتعطر به، لكن أين أجده يا ترى؟ أجده في قلب الحسن (عليه السلام)... في نظرات الحسين (عليه السلام).. وفي روح زينب (عليها السلام).. بينما هي هكذا، إذ نادى المنادي بالوصول، استوقفتهم وأصرت أن لا تدخل حتى يأذن لها ساداتها. صورة رقم 2 دخلت بيتها الزاهر بالشموس السواطع، ذلك البيت العابق بعطر النبوة والإمامة، بيتاً اتخذه جبرائيل وسائر الملائكة مزارًا، بيتاً أذِن الله أن يُرفع فيها اسمه ويُذكر فيه بالغدو والآصال... ما إن ولجتْ فيه حتى تفقدت سيدي شباب أهل الجنة، فهالها أن تراهما طريحي الفراش، لم يهدأ لها بال حتى قضت ليلتها عند رأسيهما تمرضهما وتحاول التخفيف عنهما بحنانها ورقتها ونُبل أخلاقها، يدٌ تلامس جبين الحسن (عليه السلام) الطاهر استمدت منه الجود، ونهلت اليد الأخرى من جبين الحسين (عليه السلام) الرأفة والرحمة. صورة رقم 3 تفتحت أزاهير الحب في أرجاء البيت الملائكي، عرفت الأميرة الجديدة مكانة سيدته وسيدة نساء العالمين (عليها السلام)، لم ترتضِ أن تحجب ذلك النور عن عينيها... اسم فاطمة اسم تخفق له قلوب ساكني هذا البيت ويبعث الحزن والأسى لظلامتها في نفوسهم، ربما يعيد شريط الأحداث المؤلمة التي خلدها التاريخ في سجلاته السوداء... تقدمت فاطمة إلى سيد الأوصياء بحياء مشوب بالرجاء أن لا يناديها باسمها لئلا تتوجع قلوب الطاهرين.. يا الله! ما هذه المرأة التي تتنازل عن اسمها من أجل الخلود، نعم تخلدت فكان جواز خلودها لقب أم البنين. صورة رقم 4 بيت النبوة يزهر مرة أخرى بغرسات طيبة، قمر وثلاثة نجوم تلألأت في باحة الدار... سيدة النجابة والعفاف تعلم القمر كيف يجلس القرفصاء أمام أخيه الحسين (عليه السلام) وحرصت أشد الحرص على أن لا يناديه إلا (سيدي)، لتزرع في طبعه الإيثار تمهيدًا ليوم الطفوف، ويبقى مُهيئاً لذلك اليوم الذي ادخره له أمير المؤمنين (عليه السلام)… بغيتها تبييض وجهها أمام سيدة النساء بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله).
اخرى
متى يكون الزواج مدفناً للعشق وبدايةً للألم؟
من الملاحظ أن الكثير من الزيجات التي بنيت على أساس العاطفة والحب والعشق دونما الالتفات الى مدى التكافؤ بين الطرفين أو التقارب الفكري والثقافي والاجتماعي والخلقي بينهما هي زيجات انتهت إما بالطلاق أو بالعشرة القاسية والسيئة جداً، وفي كلتا الحالتين فهي زيجات محكومة بالفشل... فما سبب الانجرار وراء العاطفة رغم التفاوت الواضح بين الطرفين وعدم التكافؤ؟ وكيف ينتهي زواج بالفشل وقد كان بُني على حب عميق أو عشق قاتل؟ وكيف يمكن تجنب الوقوع في مثل تلك الزيجات؟ موضوع من المفيد جداً مناقشته وتوضيح آثاره لاسيما، أن هكذا زيجات قد غزت المجتمع وأثرت فيه تأثيراً سلبياً، حيث رفعت نسبة الطلاق فضلاً عن آثار وخيمة أخرى سنتعرض لها لاحقاً. أسباب وآثار الانجرار وراء العاطفة: أولاً : الفراغ العاطفي الذي يعاني منه الأبناء وبشدة اليوم لكثرة انشغال الوالدين عنهم فينشؤون وفي أنفسهم صحراء مترامية الأطراف ملتهبة الرمال تتوق إلى قطرات الماء وإن كانت ملوثة وتكثر من الإلحاح عليهم ،وغالباً ما تلبى هذه الرغبة بشكل خاطئ فيلجؤون إلى تكوين العلاقات العاطفية ؛ ولذا أكدت الشريعة على ضرورة الاهتمام بالجانب العاطفي للأبناء فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): " من قبّلَ ولده كتب الله (عز وجل) له حسنة، ومن فرّحه، فرّحه الله يوم القيامة "(1). ثانياً : التأثر بمشاهدة الأفلام والمسلسلات التي تروي قصص الحب بأسلوب شيّق ممتع وتشجّع عليه وتظهره بالمظهر الجذاب الذي يوفر السعادة للطرفين على الرغم مما قد يواجهانه من ظروف عسيرة. ومما يزيد الأمر خطورة تلقّي تلك المعلومات والمَشاهد والتفاعل معها باسترخاء تام وتركيز كامل من المُشاهد، ومن المعلوم في علم النفس أن المعلومة كُلَّمَا رافقت حالة الاسترخاء والتركيز عليها من قبل المتلقّي كلّما طبعت في العقل الباطن بشكل أسرع وأعمق، وبهذه الطريقة تتبدّل المبادئ وتتغير الموازين بحسب الرؤية التي يمليها الإعلام على المشاهد. ثالثاً : الاختلاط المحرم وما يرافقه من نظرات محرمة وخضوع في القول وما شابه ذلك سبب هام من أسباب الوقوع في العشق . ومن الضروري لفت انتباه المربين إلى أن الاختلاط لا يشترط فيه أن يكون مكانياً بل قد يتحقق الاختلاط الخطير على الرغم من بعد المسافات كالاختلاط عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ومما يزيد الطين بلة أن العاطفة ما إن تتحرك باتجاه شخص ما من الجنس الاخر حتى تثار غدد في جسم الانسان فتفرز مواداً يكون مفعولها على الإنسان أشبه بمفعول المخدرات، وهكذا يشتدّ التعلّق بالطرف الآخر كلما ازداد التواصل العاطفي بينهما، وقد تصل إلى درجة يُصرّح فيها العاشق بأنه من المستحيل أن يعيش من دون معشوقه، وإذا ما ابتعد عنه يتألم ويكتئب وتبدو عليه أعراض تشبه إلى حد كبير الأعراض الانسحابية للمخدرات؛ ولذا نجد العشاق لا يتمكنون من ترك معشوقيهم بسهولة. ولعل هذا يفسر إصرار أغلب العشاق على الزواج بمن يعشقون على الرغم من انعدام التكافؤ بينهما وعلى الرغم من رفض الأهل وتحذير الناصحين لهما بعاقبة هذا الزواج الوخيمة. وقد يعدانه نوعاً من الوفاء الراقي للمعشوق أو تأثراً في شخصية تلفزيونية لم تتخلَ عن معشوقها. وغالباً ما يكون الهدف الأساسي من هكذا زيجات هو الارتباط بالمعشوق لا لتأسيس أسرة تنشيء الأبناء الصالحين والمصلحين، ولا للحصول على السكينة الروحية والهدوء النفسي من خلال العيش مع من يقاربه فكرياً وثقافياً أو يوافقه خُلقياً أو إجتماعياً، وما شابه ذلك. بل لأجل الوصال فقط وفقط. فيحلمان بالوصال ويعلّقان عليه الآمال العريضة ويحسبانه العصا السحرية التي ستحقق لهما الأحلام الوردية وأن حياتهما ستكون أشبه ما يكون بمسلسل تابعاه أو بمشاهد تأثرا بها. غير أن كل تلك الأحلام والآمال سرعان ما ترتطم بصخرة الواقع معلنة تحطمها أمام ناظريهما، ترى ما الذي حدث؟ في الحقيقة لا شيء جديد وإنما كل شيء كان في موقعه الصحيح منذ البداية بل وبيّناً، فانعدام التكافؤ كان واضحاً، والاختلاف الخُلقي كان جلياً، والبون الشاسع بين مستويهما الثقافي والفكري كان بادياً أيضاً. بيد أن كل تلك الأمور لم تكن محط اهتمامهما؛ لأنهما كانا يصبان اهتمامهما على المظهر دون الجوهر، إضافة إلى تصاعد الضباب الكثيف الناشئ من هذا النوع من العشق والذي يُعشي بصريهما ويُعدم الرؤية لديهما، ولا يُريهما إلا الجانب المشرق من المعشوق خافياً عنهما كل عيوبه وعاهاته، فيتصوران نتيجة لذلك أنهما قد أجادا الاختيار وأن المعشوق هو النموذج المثالي للزوج الصالح(2). وقد ورد عن الإمام علي (عليه السلام) هذا المعنى إذ قال: " ومن عشق شيئاً أعشى (أعمى) بصره وأمرض قلبه، فهو ينظر بعين غير صحيحة، ويسمع بأذن غير سميعة، قد خرقت الشهوات عقله، وأماتت الدنيا قلبه" (3). ولعل هذا من أهم الاسباب التي تفسر سبب فشل الزيجات المبنية على الحب. فما أن يلتقي الحبيب بمحبوبه حتى يُدفن ذلك العشق لتحقق الغاية المرجوة منه بالوصال، فتخبو نار العشق شيئاً فشيئاً وتهدأ فورة الغرام تدريجياً ويتبدّد ذلك الضباب كاشفاً كل العيوب وكل العاهات بصورة واضحة جلية. حينئذ يُدركان أنهما قد أخطآ الاختيار، فتجتاحهما أقسى درجات الندم ،وتصطبغ مشاعرهما بصبغة الحزن والألم... حتى يكره كل منهما وجود الآخر في حياته وينفر منه وهو الذي كان سيقاتل العالم بأكمله لو لم يحظَ بفرصة الزواج به؛ ولذا قيل إن العواطف تتغير.. وهكذا يكون مثل هذا الزواج مدفناً لذلك العشق الأهوج، وبداية لقصة بطلها الحزن والندم، وأحداثها المشاكل والاختلافات، وضحاياها سعادة الزوجين والأولاد. وبذلك تُضيف مثل هذه الزيجات مشاكل أخرى إلى المجتمع رافعة وبشكل كبير نسبة المرضى النفسيين في المجتمع والمشردين من الأبناء الذين إن لم يكن تشردهم بسبب الجانب المادي بل بسبب الجانب النفسي حتماً، فضلاً عن إسهامها الفعّال في ارتفاع نسب كلا النوعين من الطلاق: الطلاق الفعلي والطلاق العاطفي.. علاج العشق: بعد أن اتضحت آثار الزواج المبني على الحب الوخيمة وعواقبه الأليمة من دون اهتمام بالتكافؤ حريَّ بكل عاقل وعاقلة أن يتنبّها قبل فوات الأوان، وينئيا عنه لينقذا مستقبلهما من الضياع وحياتهما من التعاسة . ويسعيا إلى تأسيس حياتهما الزوجية على أساس رصين وركن وثيق ليكونا اقرب إلى الإستقرار والسعادة. وقد يقول قائل: إن هذا الكلام يبدو منطقياً ولكن كيف السبيل إلى العلاج من العشق؟ نجيب: لا يخلو ذلك من صعوبة ولكنه ممكن عبر النقاط الآتية: أولاً: العزم والتصميم على التشافي من العشق : لتحويل قرارٍ ما إلى واقع لابد من العزم والتصميم وقوة الإرادة على تنفيذه بأكمل وجه مهما كانت الصعوبات. ومن المعلوم أن قرار الزواج من أهم قرارات الإنسان في الحياة إذ تتوقف عليه نسبة عالية من راحته وسعادته، إذن فلابد من شحذ الهمة وعقد النية والتصميم على تنفيذه. ثانياً: عدم الاعتناء بالعشق حتى يضمحلّ ويختفي. وذلك من خلال الإقلاع عن تغذيته بالاتصال بالمعشوق، وتتبع آثاره والسؤال عن أخباره بل والتفكير فيه. وقد يكون هذا الأمر صعباً إلّا أنه يجب الأخذ في نظر الاعتبار( وجع ساعة و لا كل ساعة ). كما يمكن الاستعانة بالنقاط التالية على ذلك. ثالثاً: يقول علماء النفس: من الطرق الفعّالة في التخلص من العشق والتعلق هو أن يتخيل العاشق نفسه انه يعيش بمنتهى السعادة الزوجية والراحة النفسية مع غير معشوقه دون أن يعيّن شخصاً محدداً. ويجب أن يستمر على ذلك لمدة لا تقل عن ثلاثة أسابيع حتى يتبرمج العقل الباطن تدريجياً على أن السعادة ليست محصورة بوجود ذلك المعشوق وبالتالي يتمكن من التخلي عن عشقه. رابعاً: انشغال العاشق بتطوير خبرة ما أو تنمية موهبة ما. لأن الانشغال بالإضافة إلى أنه يسهم في تطوير ذات الإنسان وتنميتها فإنه يجعل من ذهنه مشغولاً في العمل نهاراً وفي النوم ليلاً، مما يقطع الطريق أمام التفكير بالمعشوق أو التقليل من ذلك قدر الامكان . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) ميزان الحكمة ج11 ص365 (2) يُطلق لفظ الزوج على كلا الجنسين ،قال (تعالى):" وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا"(البقرةـ 35). (3) ميزان الحكمة ج3 ص263 (4) المصدر السابق (5) المصدر نفسه رضا الله غايتي
اخرىالتعليقات
يتصدر الان
لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع
يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي
اخرىبين طيبة القلب وحماقة السلوك...
خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي
اخرىلا تقاس العقول بالأعمار!
(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي
اخرىالمرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)
بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.
اخرىالطلاق ليس نهاية المطاف
رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي
اخرىهَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ
عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي
اخرى