تشغيل الوضع الليلي

أقلام وأرواح بين كفَّيّ القمر

منذ شهر عدد المشاهدات : 142

تحقيق: آمال الفتلاوي
ليس جماداً، هو روح تنبض فيه الحياة، يصرخ، يهمس، يتمرد، يطيع، يبكي، يضحك، يحزن، يفرح، أحياناً يأبى الانصياع لسيده، وأحياناً يسيل طوعاً كانسكاب الماء الرقراق بين الأصابع، فهل من يتقن كل هذه الأحاسيس يُسمّى جماداً؟ ينوء بحلل الجمال، تطوف حوله الكلمات صاغرة، حينما يستولي اليأس عليك؛ يطل من شرفات الأمل، يفتح لك كوّة ترى فيها شذرات شروق الأمل، تنعكس برؤياها في عينيك نوافذ مشرعة للجنان.
تنتابه حالات جنون، كزوبعة مجنونة، وحينما يهدأ ينساب وسط الصمت كنسمات ندية، إنه القلم؛ بانثيالات جنونه، يأبى كاتبه أن يبرأ منه، في نوباته لا يأبه أن تهوي الشمس في المغيب، أم تبزغ في ولادة الفجر، توقيته يختلف عن التواريخ، لا يقيّده الزمان، ولا يهتم للمكان، فارس يعتلي صهوة جواده، للخيال فضاء رحب يطلق فيه العنان يقلد الطبيعة؛ فيجيد الهروب من الزمان والمكان.
لم يستطع هذا المجنون إلا أن يطيع أرواحاً محلّقة كاليمام، حملت بأجنحتها نوايا السلام، طافت على أضرحة أحبتها، تضمخت بعطر الولاء، قادها نقاء سريرتها إلى مساقط النور، تبعتها، نقبّت عن أمكنة هذه الأنوار، روّضت هذا المتمرد على حبّ أهل البيت D وتطويع تمرده في حبهم إلى شوق يلهب قلب القارئ، في حزنهم يؤجج جمر الأسى، في أفراحهم ينثر البشر والسرور كاللؤلؤ والدرر، يغمر النفس بالفرح والاستبشار.
إذن، هو ليس جماداً، هو كالجواد يحتاج فارساً يسلس قياده، ويوجهه إلى حيث يريد، وهذا ما فعله كتّاب وكاتبات مدونة الكفيل، الذين سخّروا أقلامهم في خدمة الدين والمذهب، وتراءى في عيونهم بريق المنائر الشامخة، بعبراتها، بشجوها، بحبورها، أسالوها على القرطاس بمداد الحب والولاء، قدموها بضاعة مزجّاة إلى ساقي العطاشى، يتأملون منه قبولها بانتظار أن يسقيهم من كأسه الوافي في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.
قبل أيام مرت الذكرى التأسيسية الثانية لمدونة الكفيل، ارتأت (صدى الروضتين) أن تقدم تحقيقاً شاملاً تعريفياً عن المدونة؛ لبيان مدى أهميتها كمشروع ثقافي يسهم في إحداث حراك أدبي في الساحة الأدبية لا يُستهان به، يقدم نهضة ثقافية حداثوية كجزء أساسي يكوّن ثيمة لأدبٍ ولِدَ من رِحم الأدب الحسيني، تشكلت جزيئاته واكتملت صورته في إطار الولاء المذهبي، بعنوان حمل اسم كافل الحوراء رفرفت في سمائه ألوية الإبداع.
لِمنْ لا يعرف مدونة الكفيل:
مدونة الكفيل:
هي مدوّنةٌ إلكترونيّة تسعى الى تنشيط وتجميع جهد الأقلام المعرفيّة، نافذة من نوافذ الحوزة الالكترونية لمعهد تراث الأنبياء على شبكة الكفيل العالمية، تابع إلى قسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة.
تُعنى المدونة بنشر البحوث والمقالات في مختلف جوانب الحياة:
(الاجتماعية، والعقائدية، والثقافية، وغيرها).
بدا العمل فيها في أواخر شباط 2018 باسم (أقلام معرفية) وفيما بعد تم تغيير الاسم الى (مدونة الكفيل).
تستقبل المدونة الكثير من البحوث والمقالات، وهي موجودة على مواقع التواصل المختلفة: (قوقل، فيس بوك، تليغرام، انستغرام).
التنوع في النشر يشمل: قضايا الأسرة، القصص، الخواطر، المناسبات الدينية، القضايا الاجتماعية، العقائد، المقالات المترجمة، قصص الأطفال، التربية، دراسات في الإمامِ المهدي f النكات العلمية في القرآن، ظواهر اجتماعية غير منضبطة، المرأة بين الإسلام والغرب، البيان والبلاغة في كلمات اهل البيت D.
موقع المدونة على هذا الرابط:
https://alkafeelblog.edu.turathalanbiaa.com/
الهيكلية الادارة للمدونة:
١- الشيخ حسين الترابي (مدير معهد تراث الأنبياء).
٢- الشيخ حسين الأسدي (رئيس تحرير مدونة الكفيل)
٣- السيد أمير الميالي (مدير تحرير مدونة الكفيل)
٤- الأستاذة حنان الزيرجاوي (إدارة الشؤون النسوية في مدونة الكفيل)
لمعرفة تفاصيل أكثر كان لابد لنا من الغوص في عمق بحرها، وانتقاء فنار ينير لنا سدف اللجج العميقة لاستخراج اللؤلؤ والمرجان من خيراتها، وعرضها على القراء، فكان اللقاء مع الأب الروحي والمؤسس لها الشيخ حسين الترابي (دامت توفيقاته) مدير معهد تراث الأنبياء الذي أجاب مشكوراً عن أسئلتنا كالآتي:
- تُعد مدونة الكفيل مشروعاً من مشاريع الحراك الثقافي التي تبنتها العتبة العباسية المقدسة، كيف يتم الحفاظ على هذه الهوية من الانجراف في مهاوي الانفلات الثقافي (إن صحّ التعبير) الرائجة في المجتمع بشكل عام؟
يمكن الحفاظ عليها من خلال إحياء القلم بكل صوره ووضع آلية له يمكن من خلالها عدم الانجراف عن هويته الحقيقية، إضافة إلى بيان قيمته الحقيقة من خلال المنظور الإسلامي قرآناً وسنة، ومن خلال المنظور غير الإسلامي بوضع تجارب الغرب بهذا الصدد، وكيفية استثماره، وإن اختلفنا معهم في المضمون.
- لا يخفى على الجميع أن هناك مشكلة لدى الشرائح النخبوية في التواصل الفكري مع الشباب (وهي مشكلة عامة)، ما هي الاستراتيجيات المتبعة في المدونة بهذا الجانب؟
حسب معرفتي القاصرة، أن المشكلة ليست منحصرة بالشباب، وانما في النخب الفكرية، وتحديداً في عدم مدِّ جسور ذات رؤية واضحة تجعل الشباب يقتربون من تلك النخب، ولو بإثارة بعض الحوافز المعنوية أو المادية، ومن خلال تجربتنا في المدونة استطعنا تكوين أسرة بعنوان (أسرة مدونة الكفيل) وهي مجموعة على برنامج (التليغرام) تضمّ جميع كتّاب المدونة، وأيّ عضو ينتمي لها ولو من الصفر يجد الكل متعاوناً معه كأفراد أسرته، يجد فيها التشجيع والتوجيه الحاني بشكل يخلو من السخرية، فلا يشعر المنتمي لهذه الأسرة بأي شعور سلبي، بل على العكس يجد الأجواء الإيجابية التي تحفزه على الإبداع أينما يتجه، وهذه استراتيجية ناجحة في تواصل النُخب مع الشباب بالأخص أنهم في نفس الأسرة (المجموعة)، ولديهم محاضرات أسبوعية تُقدّم خلاصة تجارب هذه النُخب.
- هل يُعد توظيف الخطاب الإعلامي في دفع عجلة الحِراك الإصلاحي من أهداف إنشاء المدونة، أو كانت لغاية تأسيس خطاب ثقافي، يهتم بالحراك الأدبي فقط؟
نعم بكل تأكيد، الخطاب الإعلامي هي الأداة التي يُعبَّر فيها عن الحراك الإصلاحي، واللسان الذي يوصل مفاهيم الإصلاح إلى الآخرين، ولا يخفى على الجميع ما للإعلام من أهمية، فهو يمثل في بعض الأحيان الرأي العام وبه تتغير كثير من الأسس والقوانين، بل حتى الحكام والدساتير، وأرى أن الحراك الإصلاحي يحتاج إلى مقومات، منها: أن يكون هناك خطاب ثقافي ببصمة أدبية يكون سبباً للتغيير على مستوى الفرد، والأسرة، وبالتالي المجتمع.
قدمنا جزيل امتناننا لجناب الشيخ حسين الترابي على ما قدمه لنا من إيضاحات لاستفساراتنا على الرغم من انشغالاته، إلا أنه أبدى تعاوناً تاماً، وسلاسة في التعامل نشكره عليها.
حملنا استفساراتنا الأخرى، وألقيناها على طاولة جناب الشيخ حسين الأسدي (دامت توفيقاته) رئيس تحرير المدونة الذي يرعى أسرة المدونة بشكل حانٍ، فهو الأخ والرفيق الذي يُحيطهم بعنايته، ويتابعهم ويُنظم برامج المدونة، ويسعى إلى أن يكون هذا التنظيم مناسباً للجميع، دماثة أخلاقه سِمة اتصف بها، ودقته في العمل، ميزة تعلّمها من يعمل معه، الحديث مع جنابه جرى كالآتي:
- ما هي آليات مدونة الكفيل لمسك العصا من الوسط في الحفاظ على نخبوية الخطاب الثقافي الديني مع مراعاة إيصاله لشرائح المجتمع كافة؟
أ‌- قد يبدو مسك العصا من الوسط -وإن كان أمراً يحكي عن توازن في التعامل مع الآخر- والوصول إلى نتيجة مرضية فيه ترضي جميع الأطراف، وفي كل الأحوال ضرباً من الخيال، لذلك على الإنسان في طريق النجاح أن يعمل على طرح ما يعتقد به، مع بيان واضح للأدلة التي يعتمد عليها ويستند إليها في دعاواه وقضاياه، وهذا ما تصبو إليه مدونة الكفيل، إذ بيّنت –واسمها شاهد صدق على ذلك- على أنها مُدونة تُعنى بالشأن الثقافي الذي لا يخرج عن حدود الشرع والعقل، والأعراف المتوافقة مع هذين المبدئين، وبالتالي، فالموضوع الذي تكون فحواه متوافقة مع هذه الأسس سيلقى المقبولية في الطرح والنقاش وبالتالي النشر، أما ما لا يتوافق مع هذه الأسس، فهو من البداية قد تعدى حدوده، ورمى بذور زرعه في غير أرضه، ولن يحصد منه حينئذٍ إلا الرفض.
ب- المدونة تسعى إلى اختيار القوالب اللفظية الواضحة والمستعملة بين عموم الناس بشرط أن لا تخرج عن حدين رئيسين:
• الحد الأول: أن لا يخرج اللفظ عن كونه فصيحاً.
• الحد الثاني: أن يؤدي معناه من دون الحاجة إلى تكلف عناء البحث، وتجشم المراجعة للكتب اللغوية.
وبهذا استطاعت المدونة بأقلامها الفتية والمخضرمة أن توصل الفكرة بأجزل لفظ وأخصره، وبأوضح معنى وأجلاه، ولا ندّعي الكمال في ذلك، إلا أنها خطوة جادّة للوصول إلى الهدف.
- هل كان لمدونة الكفيل أثر في تقريب وجهات النظر بين الطبقة النخبوية التي تواجه عاصفة من الانتقادات أهمها (ضعف الخطاب الإقناعي) وبين جمهور البسطاء؟
ليس من أهدافنا إقناع الآخر كيفما كان، وإنما نسعى إلى أن نقنعه بالفكرة الصائبة، وإنْ كانت تخالف هواه ومشتهياته، وبذلك نحن في تحدٍ من نوع حقيقي، ففي الوقت الذي نريد الحفاظ على هويتنا الإيمانية، نواجه الكثير من القراء الذين قد أخذوا مواقف سلبية مسبقة عن الدين، وبالتالي فإن المقدم عندهم هو الاتهام، فالنقد، فالرفض، وبهذا يلزمنا أن نبدأ الحديث معهم من الزوايا المشتركة، والتي يؤمنون بها، ثم ننتقل بالتدريج إلى حيث نرجعهم إلى حكم العقل الذي يربطهم بالدين ربطاً قوياً، وهذا يعني: ضرورة الحفاظ على انسيابية معينة في الخطاب، تضمن استمرار الآخر بالتواصل معنا، إلى أن نصل معه إلى هدف معين.
ونفس الكلام يُقال في تقريب وجهات النظر بين الخطاب التوعوي الذي يعتمد الدقة في الطرح وتحري الحقيقة، وبين جمهور واسع من الذين يمكن تمرير الخدع عليهم بسهولة، التحدي يكمن في فضح الأكاذيب، وبيان الحقيقة، بأسلوب يتناغم مع ما يؤمن به عامة القراء وبمختلف المستويات، وهو هدف مهم، ونسعى لتحقيقه قدر الإمكان، وهو على أية حال لا يخلو من صعوبات واقعية.

اخترنا لكم

من أسئلتكم

السؤال: هل سيدخل المجنون الجنة أم النار؟ الجواب: إن من صفات الله تعالى هي صفة (العدل) ، وقد أمر عباده به، وإن من العدل هو تكليف العباد في هذه الدنيا بالأحكام والتكاليف الشرعية، لأنه من القبيح أن يحاسبهم أو يعاقبهم يوم القيامة وهو لم يكلفهم ولم يوضح لهم وهو قادر على ذلك، وإن من شروط التكليف (القدرة والعلم بما كلف به العبد) فإذا كان العبد مسلوب القدرة والاختيار أو ليس عنده علم بالتكاليف فهو معذور لا يعاقب ، والأمر كذلك اذا كان الشخص فاقداً لعقله ، فالعقل هو الأساس للثواب والعقاب ، فاذا سلب ما وهب سقط ما وجب، فحتى يدخل الانسان الجنة أو النار لابد أن يكون ذلك الجزاء على أساس عمله في الدنيا ، والإنسان إنما يعمل على أساس عقله، فإذا ذهب العقل فكيف يدخل الجنة أو النار! ، ففي الحديث عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) قال: "إذا كان يوم القيامة احتج الله عز وجل على سبعة: على الطفل، والذي مات بين النبيين، والشيخ الكبير الذي أدرك النبي(صلى الله عليه وآله) وهو لا يعقل، والأبله، والمجنون الذي لا يعقل، والأصم، والأبكم، كل واحد منهم يحتج على الله عز وجل، قال: فيبعث الله عز وجل إليهم رسولاً فيؤجج لهم ناراً ويقول: إن ربكم يأمركم أن تثبوا فيها، فمن وثبت فيها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن عصى سيق إلى النار" [الخصال للشيخ الصدوق، ص:283]. إذاً، هم سوف يُكلّفون يوم القيامة ، وهذا يعني أن لهم قدرة واختياراً وتمييزاً بما كُلّفوا به ، ودخولهم الجنة منوط بحسن اختيارهم وتسليمهم للأمر الإلهي، ودخولهم النار منوط بعدم إذعانهم وعصيانهم وهذا هو من لطفه سبحانه وعدله بعباده. وفاء البطاط

اخرى
منذ سنة
471

*العشـــــق

العشق بشكل عام هو قوة جاذبة بين إثنين، ومن أغلب سماته الاشتغال بالمعشوق والهم بما يقرب اليه. يقول الله (عز وجل) في الحديث القدسي : " إذا كان الغالب على العبد الاشتغال بي جعلت بغيته ولذته في ذكري، فإذا جعلت بغيته ولذته في ذكري عشقني وعشقته، فإذا عشقني وعشقته رفعت الحجاب فيما بيني وبينه، وصيرت ذلك تغالبا عليه، لا يسهو إذا سها الناس" (1). و عشق الخالق هو أقدس أنواع العشق حتى سماه بعض العلماء بأنه العشق الحقيقي . و لا يدور محور حديثنا حول هذا العشق المقدس، ولا حول ذاك العشق المحلل بين الجنسين والمبني على قرار عقلي و منطقي و بعد التيقن من الانسجام الفكري و النفسي و الخلقي بين الطرفين لأن عشق كهذا يأخذ بيدي كليهما نحو التكامل و الارتقاء و نحو رضا الله (تعالى) كما يساهم في بناء المجتمع و خدمته و تطوره . وإنما بصدد بيان العشق المتعارف هذا اليوم والذي أضحى من مشاكل المجتمع الحساسة جداً والخطرة أيضا، و مما يزيد في خطورته إتساعه و إنتشاره بشكل مريع ، مخلفا وراءه الاثار الوخيمة و النتائج التي تهد كيان الفرد و المجتمع على السواء ... لذا وجب على كلا الجنسين ــ و خاصة النساء ــ ان يكنَّ يقظات إزاء هذه المسألة الخطيرة . و قد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن هذا النوع من العشق، فقال : " قلوب خلت عن ذكر الله فأذاقها الله حب غيره " (2). فالقلب لا يمكن أن يكون خالياً من كل عشق و من أي تعلق و لو للحظة من اللحظات . فإن هو خلا من حب الله (عز وجل) أحل الشيطان العشق المجازي فيه. فعندما يضعف ارتباط الإنسان بالله. وعندما تنقطع علاقة الإنسان بالله. فان الشيطان وبواسطة قوة التخيل يدخل قلب الإنسان عن طريق قوة جذب معينة والأمر يبدأ أولاً بشكل مودة، تصل بعد مدة قصيرة إلى العشق الذي يعد بلاءً خطراً بلاءً يسقط عفة امرأة متزوجة، ويسقط دين رجل متزوج، وأخيراً يجعل الشباب في مأزق، ويزل الفتاة العفيفة والشريفة. و ليس الفكر الديني وحده من يذم هذا النوع من العشق ويحذر منه ، بل و حتى بعض المفكرين و الكتاب إذ يقول أحدهم : «العشق مثل مرض السل والسرطان، مرض مزمن يجب أن يفر منه الإنسان العاقل»!(3) أمّا العالم الفلكي المعروف «كوبرنيك» فقال: «إذا لم نقل بأنّ العشق نوع من الجنون فهو عصارة العقول الضعيفة» (4) . وقد اعتقد «كارلايل» بأنّ العشق «ليس نوعاً واحداً من الجنون بل هو خليط مركّب من أنواع الجنون»(5). و قد إصطبغ العشق المجازي بين الجنسين بصبغة الذم و النفور منه لبنائه في الأعم الأغلب على الرغبات الحيوانية و التي تسحب الانسان شيئا فشيئا نحو الانحطاط والانحراف و الذي يختم بالندم المدمر . *أسباب هذا الداء لكل داء سبب يؤدي بالانسان الى الاصابة به و من أسباب العشق: أولا : في الأعم الأغلب يكون المنشأ جنسيا وهو ينشأ شيئاً فشيئاً من الاختلاط . ومن الحديث الذي يدور بين الرجل والمرأة ومن الجلوس معاً والوقوف معاً وكثرة تبادل النظرات المشوبة بالرغبة الجنسية و كل ذلك يثير القوى الكامنة في جسميهما حتى تبرز حالة العشق يوماً بعد يوم. ثانيا : سهولة الوصول اليه ، فلم يعد الوصول الى العشق و المعشوق أمرا عسيرا بفضل وسائل التواصل الاجتماعي المنتشرة على أوسع نطاق وخاصة بين فئة الشباب والمراهقين. فبإمكان أي شاب أو شابة أو حتى رجل أو إمرأة لأن العشق لم يعد مقتصرا على الشباب وحدهم بلمسة أو لمستين لجهازه الذكي وإذا به هو على إتصال بمعشوقه سواء كتابيا أو صوتيا بل وقد يكون بمرأى ومسمع منه. ثالثا : إيقاع الحياة العصرية السريع وكثرة إنشغالات الأبوين الجانبية ساهم في تقليل الاشباع العاطفي للأولاد، فينشؤون و خصوصا الإناث و في داخلهم صحراء من الجفاف العاطفي والتي تلح عليهم بالشعور بالعطش العاطفي وللأسف غالبا ما يُروى عطشهم بعشق يسقم مستقبلهم قبل بدنهم وروحهم، ولهذا أكدت الروايات على ضرورة إظهار الحب لهم. روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): " إن الله عزوجل ليرحم العبد لشدة حبه لولده "(6). و عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): " من قبَّلَ ولده كتب الله (عز وجل) له حسنة، ومن فرحه فرحه الله يوم القيامة، ومن علمه القرآن دعي بالأبوين فيكسيان حلتين يضئ من نورهما وجوه أهل الجنة " (7) رابعا : تقصير الزوج أو الزوجة في إشباع رغبة المقابل عاطفيا، وإذ نحن لا نؤيد هذا السبب كما لا نؤيد سابقه من الاسباب الا إنه يبقى سببا من أسباب العشق على الارض الواقع للأسف الشديد، وهنا يبرز الاستخفاف بالمسؤولية الملقاة على كليهما تجاه الآخر " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)"(8) *آثار العشق المجازي لهذا النوع من العشق الكثير من الآثار السلبية على الفرد والمجتمع بشكل عام ومن أهمها: أولا : عدم رؤية عيوب المعشوق قال الإمام علي (عليه السلام): " ومن عشق شيئا أعشى (أعمى) بصره وأمرض قلبه، فهو ينظر بعين غير صحيحة، ويسمع بأذن غير سميعة، قد خرقت الشهوات عقله، وأماتت الدنيا قلبه" (9). و الأشد خطورة من ذلك إنه لا يستمع الى النصح و لا يجدي معه الارشاد شيئا قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " إنك إن أطعت هواك أصمك "(10) ثانيا : الإدمان على المعشوق أثبت الطب الحديث بأن الكلام المثير و الاحساس بالقرب من المعشوق ولو عن طريق الاتصال أو حتى التخيل يفرز موادا في جسم العاشق و كلما زادت عدد مرات إفرازه لها كلما تعلق بمعشوقه أكثر، ولذا لايكون العاشق الذي ينوي أو يجبر على ترك معشوقه بأحسن حالا من المدمن على المخدرات. ثالثا: غالبا ما يؤول الأمر إلى الفضيحة وكأن الأثر الوضعي المترتب على العشق هو الحاق الفضيحة ممن يطلبه من الرجال والنساء، وهو ليس بالأمر الهين خصوصا على النساء في مجتمعنا وعلى الأخص المتزوجات منهن. رابعا : العشق غالبا ما يهلك الإنسان: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): " إنك إن أطعت هواك أصمك وأعماك، وأفسد منقلبك وأرداك (أي أهلكك) " (11). و ذلك لكثرة الالام و الهموم التي يكابدها العاشق فانه يجعل من الامكانيات العقلية و البدنية والمواهب التي رزقه الله بها وقودا لنار العشق المستعرة فيضيع مستقبله ويعجل في هرمه و يهلك مستقبله و روحه وبدنه. خامسا : إن كان العاشق متزوجا فحتما سيؤثر ذلك على علاقته بزوجته، إذ غالبا ما يسبب له النفور منها لأنها بالنسبة اليه عبارة عن مسؤولية ، تجب عليه الكثير من الالتزامات تجاهها و تجاه أولادها و أما عشيقته فلا تكلفه بكل ذلك بل و إن كلفته فإنه سيستجيب لها لأنه كما قيل: لكل جديد بهجة وأمرها مطاع طالما نار عشقه لها لم تدفن بعد . سادسا: قد يكون العشق معولا هداما يحطم لبنات المجتمع و يهد كيانه، إذ إن المصابين بعقد نفسية يلهثون وراء العشق و الجنس حتى تمثل معشوقتهم غاية المنى بالنسبة لهم، وما إن يحقق مراده حتى يمل و من ثم يبحث مجددا عن غيرها وهكذا دواليك، ويزداد الأمر سوءا وتتفاقم آثاره الوخيمة كثيرا فيما لو كان متزوِّجا. إذ ينشغل عن زوجته وأولاده غير آبه بمتطلباتهم وإحتياجاتهم مستخفا بمسؤولياته تجاههم وأهمها الاشباع العاطفي. وبالتالي يقدم للمجتمع نماذج شبيهة به تخلف ذات الاثار التي خلفها هو إن لم يُحصَنوا بإهتمام عاطفي مميز. سابعا : قد يحتج بعض العاشقين بحلية عشقهم لأنه مبني على عقد النكاح المنقطع، فكل ما يدور بينهم من حديث و نظرات و ما شابه ذلك فهو حلال وبالتالي فلا غبار على عشقهم نجيب بنقطتين: أولاهما : بما إن هكذا عقود غالبا ما تتم بدون إذن ولي الأمر فهي محكومة بعدم الصحة إذا كانت الفتاة بكرا كما ورد في استفتاءات السيد السيستاني (دام ظله ) : ( لو اختلى شاب مع فتاة بكر ودار الأمر بين إجراء عقد المتعة بدون إذن الولي أو الوقوع في الفساد فاختاروا صيغة الزواج المؤقت وأجروا العقد بدون إذن الولي فهل يصح النكاح في هذه الحالة ؟ الجواب : لا يصح ) (12) . و بالتالي فإنهما مأثومان على كل كلمة وكل نظرة هذا إن لم يتطور الأمر الى لقاءات و لمس و تقبيل و…و…الخ. ثانيتهما: حتى وإن سلمنا بحلية العقد كما لو كانت المرأة ثيبا فإن حلية العشق لا يمنع من الآثار السلبية المترتبة عليه والتي أسلفنا ذكرها سواء تلك التي تؤثر عليهما أو التي تؤثر على غيرهما . ثامنا : و بغض النظر عن كل الاثار التي أسلفنا ذكرها، فإن العشق لا يخلو من الذنوب والمعاصي التي تُخزي صاحبها عند الحساب يوم القيامة ومآله الى العذاب المهين. *عاقبــــة العشـــق إن عاقبة أي قصة عشق تُبنى على أساس الشهوات والعواطف لا تخلو من أحد إحتمالين هما : الاول : الظفر بمعشوقه : و هذا إما أن يكون بالطريق الشرعي (الزواج) أو لا يكون كذلك، فإن كان عن طريق الزواج فإن الواقع يثبت (ان الكثير من حالات الزواج التي قامت على العشق [من هذا النوع] قد انتهت إلى الفرقة والطلاق وبنسبة مرتفعة تصل إلى تسعين بالمائة، وإذا لم يحصل الطلاق فان الأعراض والصدود تنشأ بين الزوجين، مما يعني أن العشق ذو نتائج عكسية.(13) و هذا أمر طبيعي لأن الزواج طالما كان قائما على العواطف و المشاعر فحسب فهو قائم على أساس هش؛ وذلك لأن العواطف تتغير بمرور الزمن يقول الدكتور (ريموند): " عندما يتعلق الأمر بالزواج من الخطأ الارتباط بشخص لمجرد الحب؛ لأن العواطف تتغير. إن الحب من أول نظرة هو أمر لا وجود له في الواقع إن أساس الحب هو الانتماء والثقة والاحترام ومن المستحيل بناء هذه العوامل وتطويرها فوراً وفي خلال دقائق من المواجهة الأولى بين الاثنين. وذهبت ( د.روغي مكارثي)خبيرة نفسية تعمل في دبي أن الزواج الناجح لا يتعلق بالمعرفة المتبادلة فحسب، ومع أن مثل تلك المعرفة مفيدة في إنجاح العلاقة؛ فالأمر يتطلب الالتزام والنضوج والحب غير المشروط حتى في ظل الزيجات المرتبة. وتعتقد (مكارثي) أن حظ الزواج المرتب في النجاح أفضل من حظ الزواج القائم على الانبهار العاطفي، حيث إن الحب عادة ما يحدث في فترة مبكرة من حياة الشاب والفتاة (غالباً ما يكون ذلك في مطلع العشرينات). وفي تلك المرحلة يعجز الاثنان عن رؤية ما هو أبعد من لحظة الانبهار العاطفي التي يعيشانها.(14) وبعيدا عن تغير العواطف و المشاعر فإن سُقم العين بالعشق يرفع بعد الزواج فيظهر المعشوق على حقيقته وتظهر كل عيوبه ومساوئه التي كانت قد إختفت وراء ضباب الهوى. لذا قالوا وصدقوا فيما قالوا: الوصال مدفن العشق. و أما إن كان الوصال بالطرق غير الشرعية فإن القارئ الكريم في غنى عن تعريفه بالآثار الوخيمة المترتبة عليه في الدنيا والآخرة . الثاني : أن يتركه معشوقه قسرا أو إختيارا . قال الإمام علي (عليه السلام): " الهجران عقوبة العشق " (15). و نتيجة لذلك نكون أمام إحتمالات ثلاث هي : الأول: تنشأ حالة ما يسمى ( الثأر للعشق ) فيقوم العاشق إما بالثأر من نفسه كإن ينتحر أو يعيش باقي حياته معذبا متألما، أو الثأر ممن حرمه منه وإن كان المعشوق نفسه. كما في حالات الابتزاز والتشهير والتهديد وما الى ذلك . الثاني : قد يُجبِر العاشق إنكسار قلبه بعلاقة أخرى كالإقدام على الزواج وبشكل غير مدروس، لا يبغي هدفا سوى التخلص من المعشوق ونسيانه. فيدخل الحياة الزوجية محملا بالآلام ومودعا قلبه عند المعشوق وهذا بحد ذاته يعد مغامرة يدفع ثمنها سعادته بل و سعادة من حوله أحيانا كالأولاد وأما إن حاول النسيان بخوض مغامرة أخرى فإن الامر لا يقل خطورة عن ذلك. الثالث : أن يصمم العاشق على التوبة والرجوع الى طاعة الله (عز وجل) و معالجة الداء الذي تسبب له بالألم مهما كانت مرارة الدواء، وهذا القرار والعمل على تنفيذه أسلم عواقب العشق. *علاج العشــق نفس الانسان قد تضعف أمام الشهوات و تدخل في بحر العشق الشديد الظلمة والمتلاطم الأمواج الا إنه يتحتم عليه أن يسرع بالانتباه الى نفسه وينقذها من الهلاك قبل فوات الأوان وهذه بعض النقاط التي تساهم في علاجه وترغب به : أولا : التأمل في آثار العشق الأليمة و عواقبه الوخيمة ومن ثم العزم والتصميم على التشافي منه كي لايكون مصداقا لإلقاء النفس في التهلكة الذي نهانا عنها الله (عز وجل) . ثانيا :دواء عشق كهذا هو عدم الاعتناء به حتى يزول ويختفي، ويتضمن إنهاء كل إتصال بالمعشوق وأيا كان، وترك تتبع أخباره بل وترك التفكير فيه أيضا، وغالبا ما يكون هذا الامر صعبا الا إنه الطريق الوحيد للعلاج ولا سبيل غيره، فليس أمامه الا الامتثال لمقولة (وجع ساعة ولا كل ساعة). ثالثا : التأمل في جزيل الثواب الذي رصده الله (تعالى) لمن يتوب عن العشق، فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): " من عشق فعف ثم مات، مات شهيدا " (16). وعنه (صلى الله عليه وآله): "من عشق فكتم وعف فمات فهو شهيد" (17). وعنه (صلى الله عليه وآله) أيضا: "من عشق وكتم وعف وصبر، غفر الله له وأدخله الجنة " (18).كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): " ما المجاهد الشهيد في سبيل الله بأعظم أجرا ممن قدر فعف " (19) رابعا : يقول علماء النفس على العاشق أن يطرد التفكير بمعشوقه، ولو بتخيل نفسه إنه يعيش بمنتهى السعادة الزوجية مع غيره دون أن يعين شخصا محددا لئلا يحصل لديه تعلقا جديدا بشخص آخر، وبإستمرار تخيل ذلك المصحوب بالشعور بالراحة والسعادة يتبرمج العقل الباطن تدريجيا على إمكانية السعادة والراحة مع غير المعشوق وبالتالي يُنهي التعلق به. خامسا : الانشغال عن التفكير بالمعشوق بموهبة يعمل على تنميتها أو خبرة في مجال يعمل على تطويرها وما الى ذلك، فإن الاستمرار بالاستغراق في العمل نهارا والنوم من شدة العناء ليلا . قد لا يدع فرصة للتفكير بالمعشوق أو يقلل منه على أقل التقادير . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) ميزان الحكمة ج3 ص263 (2) المصدر السابق (3) ــ(5)المشاكل الجنسية للشباب ج3 ص8 (6)ميزان الحكمة ج11 ص365 (7)المصدر السابق (8)التحريم 6 (9)ـ(11) ميزان الحكمة ج3 ص263 (12)استفتاءات السيد السيستاني ج1 ص363 (13)الفضائل و الرذائل ج13 ص5 (14)مجلة الجزيزة عدد 167 مقال بعنوان ( لأن المشاعر و العواطف تتغير الزواج (المرتب ) عصي على الطلاق) إعداد : وفاء الناصر (15)ميزان الحكمة ج3 ص263 (16)ــ(19) ميزان الحكمة ج3 ص263

اخرى
منذ سنتين
10438

ولادةٌ مع تذكرةِ سفر!

بقلم: وجدان الشوهاني مع أول دقيقةٍ لولادتها كانت تحمل معها تذكرةَ سفرٍ، يجهل الجميع الموضوع إلّا أباها، احتفظ بالتذكرة؛ ليخفيها عن الجميع، وتجري الأمور بشكلها الطبيعي.. كانت مختلفة عن بقية الصغار، فعقلُها مُفعمٌ بالعلم ولسانُها يحمل الشهد. تحومُ حول والدها وكأنّها عصفورةٌ، تهفو إليه، تسقيه الماء، تفرش له مُصلّاه، مرةً تُقبّل خدَّه ومرةً يديه، تُغرقه بكلمة أبي، تلك الكلمةُ التي كانت كفرشاةِ رسمٍ ترسمُ بها قصةً من أروع القصص، فما إن تقولها حتى يهفو إليها يشمّها، فلقد كانت عزيزته ومُدللته. طفلةٌ ليس للعب في حياتها محل، كلّما كان ينظر إليها يتألم، فتذكرة السفر ما زالت معه. وبعد سنينَ قلائل حان موعد السفر، سفرٌ يحمل معه آلام الفراق. فكانت أول المتأهبين للسفر، لم تسلْ إلى أين؟! فما يهمها أنَّ أباها يرافقها في الرحلة، كان لها في كلِّ محطةِ وقوفٍ تذكارٌ مع أبيها، وكم صورة التقطت.. وفي آخر محطةٍ كان لها عدةُ صورٍ مؤلمة، واحدةٌ مع مصلاةٍ فرشتها، وجلست أمامها بانتظاره ولكنه لم يأتِ، وأخرى مع الماء حيث اشتد العطش بعد أنْ منع الماء عن كلِّ من معها حتى كادت تموتُ وعندما جاؤوا إليها بشربةِ ماءٍ لم تشربْ! بل ركضت باحثةً عنه وتناديه .. أبي جئتك بالماء ..أبي لن أشرب حتى تشرب وترتوي .. أبي ألستَ عطشانًا؟ ولكن دون جدوى فكان صدى صوتها يعود إليها .. حتى أبكتِ الجميع وهنا بدأتْ تسأل: أين أبي؟ قالوا لها: إنَّه في سفر .. بكت؛ لأنه لم يودعْها ولم يأخذها معه قالوا لها: لا تبكي، سيعود .. وبدأ سفرٌ جديدٌ لكنه سفرٌ مختلفٌ! لأنه سفرُ الغرباء .. فلقد كانت غريبةً وكثيرةَ السؤال عن أبيها .. ومع كلِّ سؤالٍ يسكتونها بسوطٍ على متنِها حتى تحوّل جسدها إلى قطعةٍ زرقاء من أثرِ ضرب السياط... وما إنْ وصلوا إلى آخر محطةٍ من سفرِ الغرباء، وإذا بخربةٍ يجلسون بها، تكاد لا تسعهم.. فكانت تلوذ بعمتها حتى غفت من تعبها وكثرة سؤالها عن أبيها في أحضان عمتها، وفجأة أفاقت باكيةً وهي تقول: سأسافر، سأسافر .. قالوا: إلى أين؟ قالت: إلى أبي، سألتقي معه في محطة العاشقين. ثم عادت للبكاء والصراخ... أبي، أبي أنا بانتظارك.. قالت عمتها: حبيبتي إنَّه في سفر .. لكنها استمرت بالصراخ، سيأتي أبي، سيأتي أبي، هو من قال لي إنَّه سيأتي .. جاؤوا لها بطشتٍ مغطى، فتصورّت أنّهم يحاولون إقناعها بطعامٍ ولم تعلم بأنّها المحطة التي تكلّم عنها والدها، فما إنْ رفعت الغطاء حتى رأت رأسًا قد ذبلت شفتاه واصطبغ الشيب من دماه. فاحتضنته وعانقته عناق العاشقين، وهي تبكي، وتنادي أبي .. أبي .. حتى انقطعت الأنفاس .. لتعلن عن سفرها الذي لا عودة بعده .. فلقد سافرت بتذكرة سفر الولادة!

اخرى
منذ 3 أشهر
241

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
50584

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
37945

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
30681

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
30441

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
24100

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
23565