تشغيل الوضع الليلي

أقلام وأرواح بين كفَّيّ القمر

منذ 4 أشهر عدد المشاهدات : 234

تحقيق: آمال الفتلاوي
ليس جماداً، هو روح تنبض فيه الحياة، يصرخ، يهمس، يتمرد، يطيع، يبكي، يضحك، يحزن، يفرح، أحياناً يأبى الانصياع لسيده، وأحياناً يسيل طوعاً كانسكاب الماء الرقراق بين الأصابع، فهل من يتقن كل هذه الأحاسيس يُسمّى جماداً؟ ينوء بحلل الجمال، تطوف حوله الكلمات صاغرة، حينما يستولي اليأس عليك؛ يطل من شرفات الأمل، يفتح لك كوّة ترى فيها شذرات شروق الأمل، تنعكس برؤياها في عينيك نوافذ مشرعة للجنان.
تنتابه حالات جنون، كزوبعة مجنونة، وحينما يهدأ ينساب وسط الصمت كنسمات ندية، إنه القلم؛ بانثيالات جنونه، يأبى كاتبه أن يبرأ منه، في نوباته لا يأبه أن تهوي الشمس في المغيب، أم تبزغ في ولادة الفجر، توقيته يختلف عن التواريخ، لا يقيّده الزمان، ولا يهتم للمكان، فارس يعتلي صهوة جواده، للخيال فضاء رحب يطلق فيه العنان يقلد الطبيعة؛ فيجيد الهروب من الزمان والمكان.
لم يستطع هذا المجنون إلا أن يطيع أرواحاً محلّقة كاليمام، حملت بأجنحتها نوايا السلام، طافت على أضرحة أحبتها، تضمخت بعطر الولاء، قادها نقاء سريرتها إلى مساقط النور، تبعتها، نقبّت عن أمكنة هذه الأنوار، روّضت هذا المتمرد على حبّ أهل البيت D وتطويع تمرده في حبهم إلى شوق يلهب قلب القارئ، في حزنهم يؤجج جمر الأسى، في أفراحهم ينثر البشر والسرور كاللؤلؤ والدرر، يغمر النفس بالفرح والاستبشار.
إذن، هو ليس جماداً، هو كالجواد يحتاج فارساً يسلس قياده، ويوجهه إلى حيث يريد، وهذا ما فعله كتّاب وكاتبات مدونة الكفيل، الذين سخّروا أقلامهم في خدمة الدين والمذهب، وتراءى في عيونهم بريق المنائر الشامخة، بعبراتها، بشجوها، بحبورها، أسالوها على القرطاس بمداد الحب والولاء، قدموها بضاعة مزجّاة إلى ساقي العطاشى، يتأملون منه قبولها بانتظار أن يسقيهم من كأسه الوافي في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.
قبل أيام مرت الذكرى التأسيسية الثانية لمدونة الكفيل، ارتأت (صدى الروضتين) أن تقدم تحقيقاً شاملاً تعريفياً عن المدونة؛ لبيان مدى أهميتها كمشروع ثقافي يسهم في إحداث حراك أدبي في الساحة الأدبية لا يُستهان به، يقدم نهضة ثقافية حداثوية كجزء أساسي يكوّن ثيمة لأدبٍ ولِدَ من رِحم الأدب الحسيني، تشكلت جزيئاته واكتملت صورته في إطار الولاء المذهبي، بعنوان حمل اسم كافل الحوراء رفرفت في سمائه ألوية الإبداع.
لِمنْ لا يعرف مدونة الكفيل:
مدونة الكفيل:
هي مدوّنةٌ إلكترونيّة تسعى الى تنشيط وتجميع جهد الأقلام المعرفيّة، نافذة من نوافذ الحوزة الالكترونية لمعهد تراث الأنبياء على شبكة الكفيل العالمية، تابع إلى قسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة.
تُعنى المدونة بنشر البحوث والمقالات في مختلف جوانب الحياة:
(الاجتماعية، والعقائدية، والثقافية، وغيرها).
بدا العمل فيها في أواخر شباط 2018 باسم (أقلام معرفية) وفيما بعد تم تغيير الاسم الى (مدونة الكفيل).
تستقبل المدونة الكثير من البحوث والمقالات، وهي موجودة على مواقع التواصل المختلفة: (قوقل، فيس بوك، تليغرام، انستغرام).
التنوع في النشر يشمل: قضايا الأسرة، القصص، الخواطر، المناسبات الدينية، القضايا الاجتماعية، العقائد، المقالات المترجمة، قصص الأطفال، التربية، دراسات في الإمامِ المهدي f النكات العلمية في القرآن، ظواهر اجتماعية غير منضبطة، المرأة بين الإسلام والغرب، البيان والبلاغة في كلمات اهل البيت D.
موقع المدونة على هذا الرابط:
https://alkafeelblog.edu.turathalanbiaa.com/
الهيكلية الادارة للمدونة:
١- الشيخ حسين الترابي (مدير معهد تراث الأنبياء).
٢- الشيخ حسين الأسدي (رئيس تحرير مدونة الكفيل)
٣- السيد أمير الميالي (مدير تحرير مدونة الكفيل)
٤- الأستاذة حنان الزيرجاوي (إدارة الشؤون النسوية في مدونة الكفيل)
لمعرفة تفاصيل أكثر كان لابد لنا من الغوص في عمق بحرها، وانتقاء فنار ينير لنا سدف اللجج العميقة لاستخراج اللؤلؤ والمرجان من خيراتها، وعرضها على القراء، فكان اللقاء مع الأب الروحي والمؤسس لها الشيخ حسين الترابي (دامت توفيقاته) مدير معهد تراث الأنبياء الذي أجاب مشكوراً عن أسئلتنا كالآتي:
- تُعد مدونة الكفيل مشروعاً من مشاريع الحراك الثقافي التي تبنتها العتبة العباسية المقدسة، كيف يتم الحفاظ على هذه الهوية من الانجراف في مهاوي الانفلات الثقافي (إن صحّ التعبير) الرائجة في المجتمع بشكل عام؟
يمكن الحفاظ عليها من خلال إحياء القلم بكل صوره ووضع آلية له يمكن من خلالها عدم الانجراف عن هويته الحقيقية، إضافة إلى بيان قيمته الحقيقة من خلال المنظور الإسلامي قرآناً وسنة، ومن خلال المنظور غير الإسلامي بوضع تجارب الغرب بهذا الصدد، وكيفية استثماره، وإن اختلفنا معهم في المضمون.
- لا يخفى على الجميع أن هناك مشكلة لدى الشرائح النخبوية في التواصل الفكري مع الشباب (وهي مشكلة عامة)، ما هي الاستراتيجيات المتبعة في المدونة بهذا الجانب؟
حسب معرفتي القاصرة، أن المشكلة ليست منحصرة بالشباب، وانما في النخب الفكرية، وتحديداً في عدم مدِّ جسور ذات رؤية واضحة تجعل الشباب يقتربون من تلك النخب، ولو بإثارة بعض الحوافز المعنوية أو المادية، ومن خلال تجربتنا في المدونة استطعنا تكوين أسرة بعنوان (أسرة مدونة الكفيل) وهي مجموعة على برنامج (التليغرام) تضمّ جميع كتّاب المدونة، وأيّ عضو ينتمي لها ولو من الصفر يجد الكل متعاوناً معه كأفراد أسرته، يجد فيها التشجيع والتوجيه الحاني بشكل يخلو من السخرية، فلا يشعر المنتمي لهذه الأسرة بأي شعور سلبي، بل على العكس يجد الأجواء الإيجابية التي تحفزه على الإبداع أينما يتجه، وهذه استراتيجية ناجحة في تواصل النُخب مع الشباب بالأخص أنهم في نفس الأسرة (المجموعة)، ولديهم محاضرات أسبوعية تُقدّم خلاصة تجارب هذه النُخب.
- هل يُعد توظيف الخطاب الإعلامي في دفع عجلة الحِراك الإصلاحي من أهداف إنشاء المدونة، أو كانت لغاية تأسيس خطاب ثقافي، يهتم بالحراك الأدبي فقط؟
نعم بكل تأكيد، الخطاب الإعلامي هي الأداة التي يُعبَّر فيها عن الحراك الإصلاحي، واللسان الذي يوصل مفاهيم الإصلاح إلى الآخرين، ولا يخفى على الجميع ما للإعلام من أهمية، فهو يمثل في بعض الأحيان الرأي العام وبه تتغير كثير من الأسس والقوانين، بل حتى الحكام والدساتير، وأرى أن الحراك الإصلاحي يحتاج إلى مقومات، منها: أن يكون هناك خطاب ثقافي ببصمة أدبية يكون سبباً للتغيير على مستوى الفرد، والأسرة، وبالتالي المجتمع.
قدمنا جزيل امتناننا لجناب الشيخ حسين الترابي على ما قدمه لنا من إيضاحات لاستفساراتنا على الرغم من انشغالاته، إلا أنه أبدى تعاوناً تاماً، وسلاسة في التعامل نشكره عليها.
حملنا استفساراتنا الأخرى، وألقيناها على طاولة جناب الشيخ حسين الأسدي (دامت توفيقاته) رئيس تحرير المدونة الذي يرعى أسرة المدونة بشكل حانٍ، فهو الأخ والرفيق الذي يُحيطهم بعنايته، ويتابعهم ويُنظم برامج المدونة، ويسعى إلى أن يكون هذا التنظيم مناسباً للجميع، دماثة أخلاقه سِمة اتصف بها، ودقته في العمل، ميزة تعلّمها من يعمل معه، الحديث مع جنابه جرى كالآتي:
- ما هي آليات مدونة الكفيل لمسك العصا من الوسط في الحفاظ على نخبوية الخطاب الثقافي الديني مع مراعاة إيصاله لشرائح المجتمع كافة؟
أ‌- قد يبدو مسك العصا من الوسط -وإن كان أمراً يحكي عن توازن في التعامل مع الآخر- والوصول إلى نتيجة مرضية فيه ترضي جميع الأطراف، وفي كل الأحوال ضرباً من الخيال، لذلك على الإنسان في طريق النجاح أن يعمل على طرح ما يعتقد به، مع بيان واضح للأدلة التي يعتمد عليها ويستند إليها في دعاواه وقضاياه، وهذا ما تصبو إليه مدونة الكفيل، إذ بيّنت –واسمها شاهد صدق على ذلك- على أنها مُدونة تُعنى بالشأن الثقافي الذي لا يخرج عن حدود الشرع والعقل، والأعراف المتوافقة مع هذين المبدئين، وبالتالي، فالموضوع الذي تكون فحواه متوافقة مع هذه الأسس سيلقى المقبولية في الطرح والنقاش وبالتالي النشر، أما ما لا يتوافق مع هذه الأسس، فهو من البداية قد تعدى حدوده، ورمى بذور زرعه في غير أرضه، ولن يحصد منه حينئذٍ إلا الرفض.
ب- المدونة تسعى إلى اختيار القوالب اللفظية الواضحة والمستعملة بين عموم الناس بشرط أن لا تخرج عن حدين رئيسين:
• الحد الأول: أن لا يخرج اللفظ عن كونه فصيحاً.
• الحد الثاني: أن يؤدي معناه من دون الحاجة إلى تكلف عناء البحث، وتجشم المراجعة للكتب اللغوية.
وبهذا استطاعت المدونة بأقلامها الفتية والمخضرمة أن توصل الفكرة بأجزل لفظ وأخصره، وبأوضح معنى وأجلاه، ولا ندّعي الكمال في ذلك، إلا أنها خطوة جادّة للوصول إلى الهدف.
- هل كان لمدونة الكفيل أثر في تقريب وجهات النظر بين الطبقة النخبوية التي تواجه عاصفة من الانتقادات أهمها (ضعف الخطاب الإقناعي) وبين جمهور البسطاء؟
ليس من أهدافنا إقناع الآخر كيفما كان، وإنما نسعى إلى أن نقنعه بالفكرة الصائبة، وإنْ كانت تخالف هواه ومشتهياته، وبذلك نحن في تحدٍ من نوع حقيقي، ففي الوقت الذي نريد الحفاظ على هويتنا الإيمانية، نواجه الكثير من القراء الذين قد أخذوا مواقف سلبية مسبقة عن الدين، وبالتالي فإن المقدم عندهم هو الاتهام، فالنقد، فالرفض، وبهذا يلزمنا أن نبدأ الحديث معهم من الزوايا المشتركة، والتي يؤمنون بها، ثم ننتقل بالتدريج إلى حيث نرجعهم إلى حكم العقل الذي يربطهم بالدين ربطاً قوياً، وهذا يعني: ضرورة الحفاظ على انسيابية معينة في الخطاب، تضمن استمرار الآخر بالتواصل معنا، إلى أن نصل معه إلى هدف معين.
ونفس الكلام يُقال في تقريب وجهات النظر بين الخطاب التوعوي الذي يعتمد الدقة في الطرح وتحري الحقيقة، وبين جمهور واسع من الذين يمكن تمرير الخدع عليهم بسهولة، التحدي يكمن في فضح الأكاذيب، وبيان الحقيقة، بأسلوب يتناغم مع ما يؤمن به عامة القراء وبمختلف المستويات، وهو هدف مهم، ونسعى لتحقيقه قدر الإمكان، وهو على أية حال لا يخلو من صعوبات واقعية.

اخترنا لكم

رسالاتٌ في زمن الوباء (٨) إفراغُ الذمّة

بقلم: علوية الحسيني إنّ اللهَ (سبحانه وتعالى) كلّف عبادَه بالتكاليفِ العبادية، كلٌ حسب استطاعته؛ للوصول بهم نحو الكمال، فعلى التكليف يُثيب، وعليه يعاقب، لذا على العاقل أنْ يُتقِنَ ذلك التكليف، كالصوم والصلاة والحج والزكاة والخمس. لا شك أن البعض منّا ذمتُه مشغولةٌ بتكاليفَ لم يؤدِها في وقتها -لعذرٍ أو من دون عذر-. والبعضُ منّا ينشغل بالتكليف المستحب، ويترك الواجب الذي في ذمته، ظنًا منه أنّ ثواب العمل المستحب أفضلُ من ثوابِ الواجب، والبعضُ الآخرُ يتعذّرُ بأعذارٍ واهية إنْ قيل له: (أفرغ ما في ذمتك)؛ كعذر عدم توفر الوقت لديه، أو إنّه سيقضي ما في ذمته حين وصوله مرحلة الشيخوخة فيتفرّغ للعبادة. ها هي فرصةٌ ذهبيةٌ قُدّمتْ إلينا، زادتنا وقتًا فوق وقتنا، وذكّرتنا أكثر بآخرتنا، وأيقظتنا أسرع من غفلتنا، وهي فرصةُ الحجرِ المنزلي جرّاء الوباء العالمي (كوفيد19). رسالتُنا اليوم ليست مشحونةً بالطاقةِ السلبية، بل هدفُها التنبيهُ على ضرورةِ إدراكِ وجوبِ إفراغِ الذمة من التكاليف التي عليها. وإدراكِ إنّ الدنيا دارُ ممرٍ، وليست مقرًا، فينبغي الاستزادةُ منها لدارِ الخلد، فلابُدَّ من توقُّعِ الموت، وهذا أمرٌ لا مفرَّ منه، فإنْ فررنا من تذكره اليوم، سيواجهُنا حتمًا يومًا ما، وهذه سُنّة الحياة الدنيا. يقولُ الإمامُ علي (عليه السلام) في خُطبةٍ له: "فَبِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ لَمْ يَتَّهِمْهَا وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا عَلَى وَجَـلٍ مِنْهَا فَاعْلَمُوا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بِأَنَّكُمْ تَارِكُوهَا وَظَاعِنُونَ عَنْهَا وَاتَّعِظُوا فِيهَا بِالَّذِينَ قَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ فَلَا يُدْعَوْنَ رُكْبَانًا وَأُنْزِلُوا الْأَجْدَاثَ فَلَا يُدْعَوْنَ ضِيفَانًا ...اسْتَبْدَلُوا بِظَهْرِ الْأَرْضِ بَطْنًا وَبِالسَّعَةِ ضِيقًا وَبِالْأَهْلِ غُرْبَةً وَبِالنُّورِ ظُلْمَةً فَجَاؤوهَا كَمَا فَارَقُوهَا حُفَاةً عُرَاةً قَدْ ظَعَنُوا عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ إِلَى الْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ وَالدَّارِ الْبَاقِيَة"(1) . لذا ينبغي علينا التمهيد لقبورنا؛ بإفراغ الذمم، وعدم الانهماك في الاشتغال بالدنيا وملهياتها. فيا من بدنياهُ اشتغَل قد غرَّهُ طولُ الأمل الموتُ يأتي بغتةً والقبرُ صندوقُ العمل وعليه، لابُدّ من معرفةِ أنّ قضاءَ التكاليفِ واجبٌ شرعيٌّ كما التكليف؛ لذا سنُسلِّطُ الضوءَ على إجمالي الأحكام المُتعلقة ببعضِ التكاليف،ضمن النقاط التالية: ■النقطة الأولى: قضاءُ الصلاة فالصلاةُ الفريضةُ يجبُ قضاؤها إنْ تركَها المكلفُ بعد بلوغه، أو تركَها عن عمدٍ أو نسيان، أو لعدمِ التطهر لها؛ روي عن زرارة، عن الإمام الباقر (عليه السلام): "أنه سُئلَ عن رجلٍ دخل وقتُ الصلاة - إلى أنْ قال - فنسيَ أنْ يُصليها حتى ذهبَ وقتُها؟ قال[الإمام]: يُصليها"(2). ويذكرُ أنّ لقضاء الفوائت من تكليفِ الصلاة أحكامٌ ميسرةٌ مذكورةٌ في رسائلِ المراجع لمن شاء المراجعة. وتكفي الإشارة إلى نقاط تحكي اليسر في قضاء الصلاة، هما: ▪️أولًا: بإمكانِ المكلفِ أنْ يصلي القضاء من صلواته في أيِّ وقتٍ شاء، دون التقيّد بزمنٍ دون آخر. ▪️ثانيًا: ما فات المكلفُ قصرًا يجبُ قضاؤه قصرًا،ولو كان في الحضر، وما فاته تمامًا وهو في مدينتِه يجبُ قضاؤه تمامًا ولو كان في سفر(3). ▪️ثالثًا: يُستثنى من القضاء أيامُ العذر الشرعي بالنسبة للنساء. ▪️رابعًا: لا يُشترطُ الترتيبُ في قضاء الصلوات الفائتة إذا كانت من أيام مختلفة، أما اذا كان القضاء من يومٍ واحدٍ فيجبُ الترتيبُ بين الصلوات المرتبة بالأصل كالظهرين والعشاءين(4). ▪️خامسًا: يمكنُ للمكلف أنْ يستفيدَ من (تطبيق فرائضي) في تنظيم القضاء، فهو نافعٌ للغاية(5). ▪️سادسًا: بإمكانِ المكلف أنْ يقتصرَ على الواجبات، ويترك المستحبات؛ كأن: 1/ يترك الأذان والاقامة, "فتركهما لا يضر(6). 2/ بعد النيّة القلبية يكبّر تكبيرة الاحرام مرّة واحدة(7). 3/ يقرأ سورة الفاتحة وسورة قصيرة(8). 4/ القنوت يقول فيه سبحان الله (مرة واحدة) ويمكنه الترك"(9). 5/ الركوع يقول فيه: سبحان ربي العظيم وبحمده (مرة واحدة)، أو سبحان الله (ثلاث مرات)، أو الحمد لله (ثلاث مرات)، أو الله أكبر (ثلاث مرات)(10). 6/ السجود يقول فيه: سبحان ربي الأعلى وبحمده (مرة واحدة)، أو سبحان الله (ثلاث مرات)، أو الحمد لله (ثلاث مرات)، أو الله أكبر (ثلاث مرات)(11). 7/ التسبيح في الصلاة الثلاثية والرباعية: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر (مرة واحدة)(12). 8/ التشهد يقول فيه: أشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له، واشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ على محمدٍ وآل محمد(13). 9/ التسليم يقول فيه: السلام عليكم(14). ▪️سابعًا: بالنسبةِ لقضاء صلاةِ الآيات، إذا لم يعلمْ عدد الصلوات التي لم يُصلِّها عند حصول الآية، يكفي الإتيان بالعدد الأقل. ▪️ثامنًا: الأولى أنْ يقضيَ الجميع عن الميت، لتفريغِ ذمته –إن أوصى-، وإن كان الأحوط وجوبًا أنْ يقضيَ عنه الولد الذكر الأكبر بشروط خاصة مذكورة في الرسائل العملية"(15). ■النقطة الثانية: قضاءُ الصوم وكذا قضاءُ الصومِ لا يخلو من ثوابٍ عظيم، وفرصةُ قضاء الصوم في هذا الزمن ممكنةٌ، وهذه بعضُ أحكامه الإجمالية: 1/ اذا كان المكلف واثقًا من غير ترددٍ بعدمِ وجوبِ الصوم ولم يَصُم، فعليه القضاء فقط دون الكفارة، مع دفعِ فديةِ تأخير القضاء- إن أخره لأكثر من سنة- وهي ثلاثة أرباع الكيلو من الطحين، أو نحوه عن كلِّ يومٍ تُعطى للفقير المُتدين. "وأما إذا كان إفطاره مسامحةً منه، فتجبُ الكفارة، وهي صوم شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا لكلِّ مسكينٍ ثلاثةُ أرباع الكيلو من الطحين أو نحوه، مع فديةِ التأخير(16). وفديةُ تأخير القضاء هي "ثلاثة أرباع الكيلو من الطحين أو نحوه عن كلِّ يومٍ تُعطى للفقير المتديّن. ولا يجزئ دفع المال بدلًا عن الطعام. [نعم, يُمكنُ إعطاءُ المال لمكتب سماحة السيّد السيستاني (دام ظله) بعنوان الكفارة أو الفدية وهم يشترون الطعام ويسلِّموه الى الفقير، أو يُعطى للمؤسسات الخيرية المُخوّلة، كمؤسسة العين]. وإذا عجز المكلف عن كفارةِ الصومِ المُخيّرة، فعليه التصدّق بما يُطيق، ومع تعذر التصدّق عليه الاستغفار، ولكن إذا تمكَّن بعد ذلك لزمه التكفير على الأحوط(17). ■النقطة الثالثة: دفعُ الخمس الخمسُ فريضةٌ عباديةٌ على الأرباحِ المالية والعينية، ولها شروطُ وضوابطُ كباقي الفرائض. وممكنٌ أنْ نسلطَ الضوءَ على إجمالي أحكامه: 1/ يجبُ على وليّ الأمر خمسُ أموالِ الصبي أو الصبية، ويجبُ على كلِّ مكلّفٍ ومكلّفةٍ الخمس إنْ كانا بالغان. 2/ يجبُ الخمسُ في كلِّ ما يزيدُ على المؤونة لسنةٍ كاملةٍ، سواء كان مالًا أو أشياءً غير مستعملة، والأحوط وجوبًا تخميس الأشياء التي استُعمِلت واستغنيَ عنها المكلف قبل السنة"(18). 3/ مَن كانت له مهنةٌ يجبُ عليه أنْ يضع لنفسه رأسَ سنةٍ خمسية، وفيها يحسبُ ما يزيدُ على مؤونته. وإذا لم تكنْ له مهنةٌ فكلُّ فائدةٍ سواء كانت مالاً أو عينًا (أشياء غير مستعملة) إذا مرت عليها سنة كاملة يجبُ عليه تخميسها"(19). 4/ خمسُ الأغراضِ يكونُ بالقيمة الحالية لها. 5/ للمصالحةُ مع الحاكم الشرعي، والحصولُ على تفاصيل أكثر بإمكانِ المكلف الاتصال على مكتب سماحة المرجعية العليا(20). ■النقطة الرابعة: حقوقُ الناس حقوقُ الناسِ إمّا ماليةٌ؛ كأخذِ أموالٍ منهم عمدًا أو سهوًا، ولا يمكنُ إرجاعها لهم. أو معنويةٌ كأخذ غيبتهم، وبالتالي تشتغلُ ذمةُ المكلفِ بهذه الحقوق، وتكليفُه هو إفراغ ذمته؛ للحصول على رضا ربّه، قبل أنْ يعاجلَه موته. وممكنٌ إفراغُ الذمة في هذه الحالة من خلالِ مجمل هذه الأحكام: 1/ إذا أخذ المكلفُ مالًا من غيره، بدَينٍ أو عمدًا، ولم يستطعْ إيفاءَه، فيكفي بأن يُلقيَ المال في حديقةِ دارِ صاحب المال. أو يُعطيه المال ولا يجبُ عليه إخباره عن سبب دفع المال(21). بشرط أن يطمئن أن المال وصل ليده. وممكنٌ استثمار فترة الحجر المنزلي في زمنِنا هذا وإلقاء المال في حديقةِ دارِ كلّ من له حقٌ ماليٌّ علينا، فسُبحانَ الذي يسخّر الأسباب لبلوغ رضاه. 2/ إذا أذنب المكلف بالغيبة، أو سمعها دون أنْ ينصرفَ عنها أو يدافعَ عن المغتاب، فيجبُ عليه التوبة والندم، والأحوط استحبابًا الاستحلال من الشخص المغتاب ــ إذا لم تترتبْ على ذلك مفسدةٌ كأن يتخاصمان ــ أو الاستغفار له. بل لو عدّ الاستحلال تداركًا لما صدر منه من هتكِ حرمةِ المغتاب فالأحوط لزومًا القيامُ به مع عدم المفسدة. ولا يجبُ أنْ يعرفَ المغتاب متعلقَ إبراءِ الذمة وأنَه عن أيِّ شيءٍ يحلله، إلاّ اذا كان هناك قرينةٌ على عدم شمول الإبراء لمثل الغيبة المذكورة. ●والظاهر أنّه يكفي في الاستغفار مرةً واحدة؛ فقد ورد في الروايات إنّ الله (سبحانه وتعالى) ﻻ يغفر لصاحب الغيبة إلاّ أنْ يغفر له المغتاب، فممكنٌ أنْ يستغفرَ له في صلاة الليل بركعة الوتر ضمن الأربعين مؤمنًا المستغفَر لهم"(22). ولعلَّ ما يسودُ زمننا اليوم من تذكّر الموت بصورةٍ شبه مستمرة يؤدي بالكثير منّا أنْ يُبرءَ ذمم الآخرين، في قبالِ أنْ يبرؤوا ذمته دون السؤال عن السبب؛ لاعتقاد أنّ بني آدم غير معصومين، وإنّ التراحمَ فيما بيننا قد يكون بابًا للفرج بالنجاة ولو من هذا الوباء المتفشي. ولا ننسى أنّ الغفلة عن تلك الحقوق تُقلِّلُ من درجةِ تعظيم الله (سبحانه وتعالى)، واليقظة نورٌ يخترق تلك الغفلة، فهلاّ تيقظنا؟!. *خلاصة الرسالة: ينبغي الالتفات إلى قضاء حقوق الله (سبحانه وتعالى) والعباد، وليس أحدُنا يضمنُ حياته غدًا. _____________________ (1) نهج البلاغة: خ111. (2) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج8,أبواب قضاء الصلاة, ب1, ح1, ص253. (3) منهاج الصالحين: للسيد السيستاني, ج1, المقصد السابع م721. (4) المصدر نفسه, م724. (5) تطبيق فرائضي: https://play.google.com/store/apps/details?id=alkafeel.net.sallati (6) موقع مكتب سماحة السيد السيستاني دام ظله. (7) المنهاج, كتاب الصلاة, ف2, م585. (8) المصدر السابق: ف4, القراءة. (9) المصدر السابق: ف11, م 664. (10) المصدر السابق: ف5, الأمر الثالث. (11) المصدر السابق: ف6, الأمر الثاني. (12) المصدر السابق: ف4, م625. (13) المصدر السابق: ف7, في التشهد. (14) المصدر السابق: ف8, في التسليم. (15) المصدر السابق: المقصد السابع, م737. (16) المصدر السابق: كتاب الصوم, ف3, كفارة الصوم. (17) المصدر السابق: ف7, م1050-1051. (18) المصدر السابق: كتاب الخمس, ما يفضل عن مؤونة سنته. (19) موقع مكتب سماحة السيد السيستاني دام ظله. (20) يمكن للمكلف الاتصال بمكتب سماحة السيد - دام ظلّه - في النجف الأشرف للإستفسار من خلال أحد موكليه. (21) ظ: موقع مكتب سماحة السيد السيستاني دام ظله. (22) ظ: موقع مكتب سماحة السيد السيستاني دام ظله. اللهم لا تخرجنا من الدنيا إلاّ وأنتَ راضٍ عنّا.

القضايا الاجتماعية
منذ شهرين
342

كيف تحفز ولدك على الدراسة؟

الحلقة الخامسة: تعزيز إيمان الطفل بقيمة المدرسة: من المعززات الأساسية التي تدفع بالأطفال إلى حب المدرسة والتعليم وتحفزهم بشكل إيجابي هو أن يقوم الأهل والتربويون بتعريف المدرسة وأهميتها والهدف منها، ليتم تعزيز إيمان الطفل بالمدرسة بأسلوب يدفع بالأطفال إلى الرغبة بالمدرسة أكثر بشكل لا يسبب لهم الضجر والملل عند سماعهم باسم المدرسة، فما يتبادر في اذهان الأطفال عندما يسمعون باسم المدرسة هو القلق والتوتر والانزعاج والتقييد، وهذا المفهوم هو ما لا نريده يخطر في عقل وذهن الطفل باستمرار وإنما نريد أن يخطر في ذهنه كل ما هو إيجابي يساهم ويساعد في تعزيز اعتقاد الطفل بقيمة المدرسة. تكلمنا في حلقات سابقة عن أربعة محفزات مهمة وضرورية منها: الإيمان بالذات، والتركيز على النجاح بدل العلامات، واللعب، والتفكير الإيجابي، واليوم سنتناول المحفز الخامس (تعزيز إيمان الطفل بقيمة المدرسة) الذي يعتبر من أهم المحركات التي تثير الطفل نحو تحقيق الهدف من المدرسة مع تلك المنشطات التي ذكرناها سابقاً... بعض الأطفال بل غالبيتهم لا يحبون البقاء لفترات وساعات طويلة في المدرسة، ويعتبرون ذلك أمراً مثيراً للحزن لأنه يحرمهم من اللعب وقضاء أوقات ممتعة، فأجواء المدرسة لا تتسم بالإثارة حيث لا يوجد فيها اشياء تثير اهتمامهم، بل إن الأشياء الموجودة في المدرسة تثير الملل والضجر والكآبة والتوتر لذلك نحتاج إلى أن نعزز ونُرسّخ في أبنائنا قيمة المدرسة. ومن الأمور التي تعزز إيمان الطفل بالمدرسة: قناعة ونظرة الآباء والأمهات للمدرسة والتعلم: فالطريقة التي ينظر بها الأهل للمدرسة والتعليم كفيلة بتعزيز أو تقليل أهمية المدرسة في اذهان الأبناء، لذلك يجب أن تكون نظرة الأهل واعتقادهم بالدراسة شيئاً إيجابياً وتتسم بالموضوعية والتفاؤل ليتأثر بها الأطفال وتنتقل إليهم بأسلوب التأثر بالقدوة، فقناعة الأهل بالمدرسة تؤثر بشكل مباشر على رغبة الأبناء أو عدم رغبتهم بذلك... ويعرف الأبناء أن والديهم مهتمون بأمور أبنائهم المدرسية من خلال: ١- ان يخصص الوالدان او أحدهما وقتا خاصاً مع الابناء كل يوم للحديث عن المدرسة واحوالها المختلفة، فهذا يشعر الأبناء بأهمية المدرسة في نفوس آبائهم مما يزيد الحافز الإيجابي لديهم ويعزز من إيمانهم بقيمة العلم.. ٢- أن يقدموا الدعم النفسي كالمديح والتشجيع ليرفعوا من معنويات الأبناء ويعززوا من ايمانهم بذواتهم أكثر. ٣- أن يقوموا بتوفير البيئة المناسبة للدراسة في البيت وذلك بإبعاد كل المثيرات والمشتتات كالتلفاز والاجهزة الالكترونية وتخصيص وقت مناسب لتلك الأمور بحيث لا يؤثر على الاداء الدراسي. ٤- تقديم المكافئات المعنوية كالتبسم في الوجه والربت على الكتفين والاحتضان والتقبيل والمادية أيضا والتي تكون مناسبة لعمرهم وفئتهم لتعزيز شعورهم بقيمة الدراسة وترسيخها لديهم. ٥- حضور الندوات مع المعلمين بشكل مستمر للوقوف على أهم المعوقات وحلها مع المدرسة بأسرع وقت ممكن، فهذا الأمر يرسل رسالة إيجابية مفادها أنكم ذووا أهمية في نفوس آبائكم وتستحقون الاهتمام والتقدير. كل هذه الأساليب تعتبر من المظاهر الأبوية التي تعزز من تعلق الأبناء بالدراسة لأنها تُرسخ قيمة العلم في نفوسهم وتعزز ترابطهم وانسجامهم مع التعليم وقيمته مهما كانت الصعوبات، ومن الأشياء الأخرى التي تعزز من قيمة المدرسة في نفوس الأبناء هو توضيح الهدف من المدرسة، فإذا استطعنا أن نُوضح ونُبين مقدار قيمة العلم بشكل مبسط لأطفالنا فإننا سنقوم بزيادة رغبتهم وتفعيلها للتعلم والدراسة. ومن أهداف المدرسة ما يلي: ١- تعليم مهارات القراءة والكتابة مما يعزز لدى الطفل الرضا عن الذات في الحاضر والمستقبل. ٢- إقامة علاقات وصداقات اجتماعية تزيد من الترابط الاجتماعي الفعال. ٣- زيادة مهارات الأطفال في التعامل مع مختلف مواقف الحياة وصعوباتها لأن في المدرسة سيتعلم الأطفال بأن مقابل بذل الجهد ستحصل على هدفك وغايتك، فلكي تحصل على شيء يجب أن تبذل جهداً وبمقدار ما تبذل ستحصل. ٤- ربط المعلومات المدرسية بأمور الحياة المختلفة مما يزيد من قابليتهم أكثر لفهم السبب والنتيجة.. وأمور كثيرة أخرى يتعلمها الأبناء كل وفق قدرته واستعداده للتعلم. والله ولي التوفيق قاسم المشرفاوي

اخرى
منذ سنة
651

عائلةُ الشهيدِ إلى أين؟!

بقلم: ندى الزيرجاوي قصتي لم ينسجها الخيال، ولكن صُغتُها من واقعِ الحال، حالُ المئاتِ من الأرامل والأيتام، الذين فقدوا والدهم؛ لأنَّه أعطى نفسه ودمه تضحيةً لحفظِ الوطن والدين. أسكنُ في حيٍ شعبي في بيتي المتواضع، أعملُ في الخياطةِ لأدبر أمور معيشتي، تتوافد عليّ النساء بين حينٍ وآخر من الحيِّ الذي أسكنُ فيه، ومن أماكن أخرى، مما أعرفها وما لا أعرفها.. وفي ذات يومٍ من أيام الصيف، زارتني إحدى النساء وهي ترتدي السواد فلم أعرفها؛ لأنها كانت ترتدي النقاب، كان بصُحبتها طفلان صغيران في غاية الجمال، أعمارهما بين الخامسة والثالثة، وبعد التحية والسلام، توجهتُ إليها بالسؤال: ــ من أنتِ؟ هلّا عرفتِني بنفسكِ أُخيّتي؟ لم تتكلم ببنت شفة، فقط قامت برفعِ النقاب عن وجهها الكئيب الحزين، حينئذٍ عرفتُها، إنّها إحدى بنات منطقتي، كانت لا تتجاوز الثلاثين من عمرها، فبادرتُها بالسؤال: ما هو سبب لبسك للسواد؟ أجابتني والدمع ينهمر من عينيها قائلةً: استشهد زوجي وترك لي هذين الولدين... صرتُ أتبادل معها أطراف الحديث وأخذت تسرد لي قصتها وهي تبكي بحرقةٍ ولوعة.. حاولتُ أنْ أُسكِّنَ من روعها وأُهدِئها، ولكن دون جدوى، فالحزنُ قد أخذ متكأً له في قلبها. سألتها: وأين تعيشين الآن أنتِ وأطفالك؟ قالت: إنَّ والد زوجي كان كثيرَ المشاكل معنا، فكنتُ أذهب إلى أهلي عندما يلتحق زوجي إلى واجبه العسكري، وفي ذات يومٍ وأنا في بيت أهلي رنَّ الهاتفُ، فأجبتُ وإذا به جدُّ أطفالي يقول لي: إنَّ أغراضكِ رُميَت في الشارع، إنْ كُنتِ تريدينها فتعالي لأخذها. ذهبتُ أنا وأخي لجلبها والدموع على وجنتيّ، والأفكار تُراودني: هل أخبرُ زوجي، وهو بعيدٌ في جبهاتِ القتال؟ أو لا أخبره كي لا أشغل باله بنا؟ صبرتُ تلك الليلة ولم أتصل به لأُخبره بيومي مثل عادتي يوميًا، نامت عيون الناس وأنا مستيقظة، أفكرُ ماذا أصنعُ وكيف أدبرُ أمري؟ لم أستيقظ إلا على رنين الهاتف وإذا به صديق زوجي يُخبرنا بنبأ استشهاده، جنَّ جنوني وكدتُ أفقدُ عقلي، كنتُ أرى كلَّ شيءٍ من حولي أسودَ وظلامًا... بدأتْ مراسيم الدفن والعزاء، وافترقَ الناسُ والأحباب، كلٌّ رجع إلى بيته وبقيتُ أنا وأطفالي في بيت أهلي؛ لأن والد زوجي لا يوافق على السكن معهم حتى بعد استشهاد ولده.. وبدأت رحلتي ومسؤوليتي الجديدة، لا أنامُ ليلي من كثرة التفكير، أسئلة لا تفارقني، كيف أوفرُ عيشةً كريمةً لأطفالي؟ كيف أكملُ تعليمهم في المدارس؟ كيف أتدبرُ أمري وأمرهم؟ وها أنا ذي في أيام العدة، مثلما ترين يا أخيّتي ماذا حلَّ بي من حزنٍ وألمٍ، وكيفَ أصبح الحزنُ لا يُفارقني. حزنتُ جدًا لمُصابها واحتسبتُ لله ما حلَّ بها، وبعد انتهاء حديثنا غادرت وهي حزينة. وبعد مرور عدة شهور -ما يقارب الثلاثة أو الأربعة-، زارتني ثانيةً، ولكنّي شعرتُ أنَّ نفسيتها أفضل من السابق، سألتها عن أحوالها، فأجابت وعلامة الرضا تملأ وجهها: الحمدُ لله لقد احتوتنا مؤسسةٌ تابعةٌ للمرجعية العليا، وتكفلت بإعانتنا، وخصصت لنا راتبًا شهريًا، وقامت بتسجيل أحد أطفالي في مدرسة للأيتام، والآخر في روضةٍ للأيتام، كل منهما تحت رعاية المرجعية، وجود أولادي في هذه الأماكن زاد اطمئناني أكثر؛ لأنهم يتولون تربيتهم وفقًا لمنهجٍ تربويٍ تعليميٍ وأبوي، يُخففُ عن كاهلي الكثير.. حمدنا الله (تعالى) وأثنينا عليه لوجود المرجعية سندًا، تمدُّ يد العون لكلِّ ضعيفٍ وتساعده.

اخرى
منذ 7 أشهر
175

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
62122

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
40090

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
37860

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
31355

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
30994

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
30169