تشغيل الوضع الليلي
كذبوا المنجمون وإن صدقوا
منذ 8 سنوات عدد المشاهدات : 29788
عند مطالعتنا لبعض المقالات أو متابعتنا لبعض البرامج والحوارات نجد البعض يستشهد بمقولة (كذبوا المنجمون وإن صدقوا ــ أو صدفوا) كدليل على عدم جواز التصديق بالمنجمين مدّعياً أنها من أقوال الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أو أحد اهل بيته عليهم السلام
ولبحث هذه المقولة دلالةً لا بد من التطرق أولاً الى معنى التنجيم وسبب المنع من إتباع المنجمين والآثار المترتبة على ذلك لنخرج بحصيلة جواز التصديق بالمنجمين من عدمه، ومن ثم بحثها سنداً لمعرفة مدى صحة نسبتها الى حبيبنا محمد (صلى الله عليه وآله)..
التنجيم هو التنبؤ بالمستقبل والتكهن بما سيقع من أحداث بواسطة النظر إلى الكواكب والنجوم ورصد حركاتها ومنازلها المقسمة على مدار الأشهر والسنة والإيمان بأن لها تأثيراً على مصائر الناس.
وبما إن الإنسان كان ولازال مهتماً أشد الإهتمام بمستقبله، إذ يأمل أملاً كبيراً في تحقيق أحلامٍ يتمناها، ويقلق قلقاً شديداً من وقوع أحداثٍ يخشاها؛ ولهذا فيحاول البعض جاهداً الإطلاع على ذلك المجهول الذي ينتظره شوقاً لما قد تتحقق فيه من آمال وخوفاً مما قد تسوء فيه من أحوال، فإن وافق هذا الشوق وذلك الخوف جهلٌ من الإنسان تراه دائماً وأبداً منشداً الى أخبار المنجمين، طارقاً أبواب العرّافين، بانياً على أقوالهم شؤون حياته ، ومتخذا منها ركناً شديداً في تكوين قراراته‘ سواء كان ذلك في العمل أو الدراسة أو الزواج أو التجارة وما الى ذلك..
وقد يقول قائل:
إن كثيرٌ ممن يتابع أخبار المنجمين ويصدق النجوم هم من المتعلمين والمثقفين بل وبعضهم من حملة الشهادات العليا، فكيف يمكن الإدعاء بأن الجهل هو السبب الرئيسي في تصديق المنجمين؟؟
وفي مقام الإجابة نقول:
إن الجهل أمرٌ نسبي، فقد يكون الإنسان عالماً في مجالي الرياضيات والفيزياء ولكنه في الوقت ذاته هو جاهلٌ في أيسر مسائل الدين الإبتلائية، ومن أوضح الأمارات على جهلهم أنهم يدّعون أن بعض المنجمين يتوصلون الى العلم بالأمور الغيبية عن طريق تسخير بعض الجن في حين أن القرآن الكريم قد صرّح وبشكل جليّ أن الجن يجهلون الغيب تماماً كما في قصة نبينا سليمان (عليه السلام) إذ قال (تعالى):" فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)"(1)،
بل وصرّح أن الغيب لا يعلمه إلا هو (عز وجل) ومن إرتضى قال (تعالى):" عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ"(2) ولا يمكن أن يكون المنجمون مصداقاً لمن إرتضاه (سبحانه).
وأما حجتهم في إتباع المنجمين وتصديق أقوالهم فهو إدعاؤهم بإنطباق بعضها على الواقع، في حين أن الموضوع لا يعدو عن كونه مجرد لعبة أتقنها المنجمون لما يتمتعون به من خبرة جيدة في فن التواصل مع أفكار المتلقي، والقدرة على التأثير فيه وحمله على تصديقهم؛ فهم يكتبون الصفات والتوقعات بإيرادهم عبارات وأساليب تحتمل أكثر من مصداق بل وقد تحتمل مصاديق متعددة ومتكثرة بحيث أن تحقُقَ أيّ منها يوحي الى الشخص بتصديق موردها
من قبيل قولهم: سيصلك خبر سار من إنسان تحبه،
ومن الطبيعي أن لا يخبرنا الأخبار السارة الا الذين نحبهم،
أو قولهم: تواجهك بعض المشاكل المادية،
ومن منا لا يواجه مشاكل مادية؟
وقد يخاطبون الناس بأسلوب الناصحين: كأن يقول أحدهم: انتبه وكن حذراً، فصحتك أغلى ما تملكه
أو يقولون: واحذر من أصدقاء السوء وهكذا..
كما أن التنبؤ بعددٍ كبير من الأخبار وإن صدر من إنسان لا يعرف التنجيم ولا يفقه في النجوم شيئاً فإنه قد يصادف قد صدقاً فيما أصابَ به الواقع من أخبار؛ وذلك لأن إصابتهم للواقع فيما أوردوه من أخبار إنما كان على نحو المصادفة ليس إلا
ومن هنا تصح عقلاً مقولة (كذبوا المنجمون وإن صدقوا)
وعلى قول بعضهم (كذبوا المنجمون وإن صدفوا) أي وإن صادف قولهم الواقع.
وأما من ناحية الشرع
فإن تكذيب المنجمين من الأمور الواجبة أيضاً، فقد ورد ذلك عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما عزم (عليه السلام) على السير الى تأديب الخوارج وقال له بعض أصحابه: إن سرتَ في هذا الوقت خشيتُ أن لا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم فقال له الإمام (صلوات الله عليه):" أتزعم أنّك تهدي إلى السّاعة التّي من سار فيها صرف عنه السّوء ؟ و تخوّف من السّاعة الّتي من سار فيها حاق به الضّرّ ؟ . فمن صدّق بهذا فقد كذّب القرآن و استغنى عن الاستعانة باللّه في نيل المحبوب و دفع المكروه . و تبتغي في قولك للعامل بأمرك أن يوليك الحمد دون ربّه لأنّك بزعمك أنت هديته إلى السّاعة الّتي نال فيها النّفع و أمن الضّرّ. أيّها النّاس ، إيّاكم و تعلّم النّجوم إلاّ ما يهتدى به في برّ أو بحر ، فإنّها تدعو إلى الكهانة و المنجّم كالكاهن ، و الكاهن كالسّاحر، و السّاحر كالكافر ، و الكافر في النّار ، سيروا على اسم اللّه"(3).
وقد أوضح (سلام الله عليه) الآثار الوخيمة التي تترتب على التصديق بالمنجمين وأهمها:
أولاً: تكذيب القرآن الكريم الذي طالما أكدّ على ربط الأحداث بأسبابها، وترتب النتائج على مقدماتها، سواء كانت طبيعية أم اجتماعية، ومنها قوله (تعالى):" وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40)"(4)،
وهذا المبدأ إلهي كوني وهو من السنن غير القابلة للتبديل أو التغيير،
قال (تعالى):"سنة اللّه في الذين خلوا من قبل و لن تجد لسنة اللّه تبديلاً"(5)،
فالذي يسعى وبكل جد وتوكل على الله (تعالى) فإنه يحصد نتيجة سعيه مهما كانت حركة النجوم؛ لأن النجاح نتيجة السعي الجاد والتوكل.
ثانياً: الإستغناء عن الإستعانة بالله (تعالى) في نيل المحبوب ودفع المكروه. فالذي يربط حركاته وسكناته لتحقيق ما يسره وتجنب ما يضره بحركة النجوم وسكون الكواكب سيهجر التوكل على الله (تعالى) قلبه تدريجياً شعر بذلك أو لم يشعر.
في حين أن من أهم أسباب النجاح بعد العمل و الإجتهاد و العزم هو التوكل عليه (تعالى)،
قال(عز من قائل):"فإذا عزمت فتوكل على اللّه"(6)
ثالثاً: يترتب على التصديق بالمنجمين الشعور بالامتنان لهم وأنهم سبب الهداية والخير دون الله (تبارك وتعالى)،
قال (عليه السلام):" و تبتغي في قولك للعامل بأمرك أن يوليك الحمد دون ربّه لأنّك بزعمك أنت هديته إلى السّاعة الّتي نال فيها النّفع و أمن الضّرّ ".
والعقل قبل الشرع يقر بأن الله(تعالى) هو الأولى بالشكر بل له الشكر المطلق لأنه مصدر النعم ومنبع إستمرارها..
رابعاً: التصديق بالمنجمين يدعو الى الكفر، لأن حركات النجوم تدعو الى الكهانة و ما يترتب عليها من الإخبار رجماً بالغيب، ولهذا فالمنجم كالكاهن في أباطيله و أكاذيبه؛لأنه يدّعي علم الغيب وهذا العلم لله وحده، والكاهن كالساحر في شعوذته و شيطنته، والساحر كالكافر؛ لما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن جده الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله):"من مشى الى ساحر أو كاهن أو كذاب يصدّقه فقد كفر بما أنزل اللّه من كتاب"(7)
إذن فالشريعة الإسلامية لاتجيز التصديق بالمنجمين
وعليه فإن مقولة(كذبوا المنجمون وإن صدقوا أو صدفوا) صحيحة دلالةً على كلتا القراءتين،
بيدَ أن صحة دلالتها لا يسوّغ البتة نسبتها الى الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) كما يحلو للبعض أن يدّعي ذلك؛ لخلو الكتب الحديثية منها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سبأ 14
(2) الجن 26
(3) في ظلال نهج البلاغة خطبة رقم 77ج1 ص370
(4) النجم 39و40
(5) الأحزاب 62
(6) آل عمران 5
(7) وسائل الشيعة ج1 ص151
رضا الله غايتي
اخترنا لكم
شذرات رمضانية
بعدَ كلِّ هذا الحبِّ والشوق والانتظار الطويل وبكاء المؤمنين كلّ جمعةٍ على حبيب قلوبهم أمل الصادقين ومبيد الفاسقين بعد حكايات الانتظار... في كلِّ جمعةٍ من مسجد جمكران في انتظار الحبيب بعد عُتمةِ الليل على العاشقين قد أصبحوا لا يرون شمس النهار فغيابه قد أعتم الوجود بعد رعدِ الهموم وعواصف الأزمات وضجّةِ القلوب ستُشرقُ شمس الشيعةِ لتُنير الأرض بنورها المهدوي فتُشرق القلوب ويأتي صباحٌ مليءٌ بالحبِّ والأمل بعد ليلٍ طويل مُثقلٍ بالألم .. ذاك سيكون أولَ صباح بعد ظهور الحبيب ...
اخرى
*العشـــــق
العشق بشكل عام هو قوة جاذبة بين إثنين، ومن أغلب سماته الاشتغال بالمعشوق والهم بما يقرب اليه. يقول الله (عز وجل) في الحديث القدسي : " إذا كان الغالب على العبد الاشتغال بي جعلت بغيته ولذته في ذكري، فإذا جعلت بغيته ولذته في ذكري عشقني وعشقته، فإذا عشقني وعشقته رفعت الحجاب فيما بيني وبينه، وصيرت ذلك تغالبا عليه، لا يسهو إذا سها الناس" (1). و عشق الخالق هو أقدس أنواع العشق حتى سماه بعض العلماء بأنه العشق الحقيقي . و لا يدور محور حديثنا حول هذا العشق المقدس، ولا حول ذاك العشق المحلل بين الجنسين والمبني على قرار عقلي و منطقي و بعد التيقن من الانسجام الفكري و النفسي و الخلقي بين الطرفين لأن عشق كهذا يأخذ بيدي كليهما نحو التكامل و الارتقاء و نحو رضا الله (تعالى) كما يساهم في بناء المجتمع و خدمته و تطوره . وإنما بصدد بيان العشق المتعارف هذا اليوم والذي أضحى من مشاكل المجتمع الحساسة جداً والخطرة أيضا، و مما يزيد في خطورته إتساعه و إنتشاره بشكل مريع ، مخلفا وراءه الاثار الوخيمة و النتائج التي تهد كيان الفرد و المجتمع على السواء ... لذا وجب على كلا الجنسين ــ و خاصة النساء ــ ان يكنَّ يقظات إزاء هذه المسألة الخطيرة . و قد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن هذا النوع من العشق، فقال : " قلوب خلت عن ذكر الله فأذاقها الله حب غيره " (2). فالقلب لا يمكن أن يكون خالياً من كل عشق و من أي تعلق و لو للحظة من اللحظات . فإن هو خلا من حب الله (عز وجل) أحل الشيطان العشق المجازي فيه. فعندما يضعف ارتباط الإنسان بالله. وعندما تنقطع علاقة الإنسان بالله. فان الشيطان وبواسطة قوة التخيل يدخل قلب الإنسان عن طريق قوة جذب معينة والأمر يبدأ أولاً بشكل مودة، تصل بعد مدة قصيرة إلى العشق الذي يعد بلاءً خطراً بلاءً يسقط عفة امرأة متزوجة، ويسقط دين رجل متزوج، وأخيراً يجعل الشباب في مأزق، ويزل الفتاة العفيفة والشريفة. و ليس الفكر الديني وحده من يذم هذا النوع من العشق ويحذر منه ، بل و حتى بعض المفكرين و الكتاب إذ يقول أحدهم : «العشق مثل مرض السل والسرطان، مرض مزمن يجب أن يفر منه الإنسان العاقل»!(3) أمّا العالم الفلكي المعروف «كوبرنيك» فقال: «إذا لم نقل بأنّ العشق نوع من الجنون فهو عصارة العقول الضعيفة» (4) . وقد اعتقد «كارلايل» بأنّ العشق «ليس نوعاً واحداً من الجنون بل هو خليط مركّب من أنواع الجنون»(5). و قد إصطبغ العشق المجازي بين الجنسين بصبغة الذم و النفور منه لبنائه في الأعم الأغلب على الرغبات الحيوانية و التي تسحب الانسان شيئا فشيئا نحو الانحطاط والانحراف و الذي يختم بالندم المدمر . *أسباب هذا الداء لكل داء سبب يؤدي بالانسان الى الاصابة به و من أسباب العشق: أولا : في الأعم الأغلب يكون المنشأ جنسيا وهو ينشأ شيئاً فشيئاً من الاختلاط . ومن الحديث الذي يدور بين الرجل والمرأة ومن الجلوس معاً والوقوف معاً وكثرة تبادل النظرات المشوبة بالرغبة الجنسية و كل ذلك يثير القوى الكامنة في جسميهما حتى تبرز حالة العشق يوماً بعد يوم. ثانيا : سهولة الوصول اليه ، فلم يعد الوصول الى العشق و المعشوق أمرا عسيرا بفضل وسائل التواصل الاجتماعي المنتشرة على أوسع نطاق وخاصة بين فئة الشباب والمراهقين. فبإمكان أي شاب أو شابة أو حتى رجل أو إمرأة لأن العشق لم يعد مقتصرا على الشباب وحدهم بلمسة أو لمستين لجهازه الذكي وإذا به هو على إتصال بمعشوقه سواء كتابيا أو صوتيا بل وقد يكون بمرأى ومسمع منه. ثالثا : إيقاع الحياة العصرية السريع وكثرة إنشغالات الأبوين الجانبية ساهم في تقليل الاشباع العاطفي للأولاد، فينشؤون و خصوصا الإناث و في داخلهم صحراء من الجفاف العاطفي والتي تلح عليهم بالشعور بالعطش العاطفي وللأسف غالبا ما يُروى عطشهم بعشق يسقم مستقبلهم قبل بدنهم وروحهم، ولهذا أكدت الروايات على ضرورة إظهار الحب لهم. روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): " إن الله عزوجل ليرحم العبد لشدة حبه لولده "(6). و عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): " من قبَّلَ ولده كتب الله (عز وجل) له حسنة، ومن فرحه فرحه الله يوم القيامة، ومن علمه القرآن دعي بالأبوين فيكسيان حلتين يضئ من نورهما وجوه أهل الجنة " (7) رابعا : تقصير الزوج أو الزوجة في إشباع رغبة المقابل عاطفيا، وإذ نحن لا نؤيد هذا السبب كما لا نؤيد سابقه من الاسباب الا إنه يبقى سببا من أسباب العشق على الارض الواقع للأسف الشديد، وهنا يبرز الاستخفاف بالمسؤولية الملقاة على كليهما تجاه الآخر " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)"(8) *آثار العشق المجازي لهذا النوع من العشق الكثير من الآثار السلبية على الفرد والمجتمع بشكل عام ومن أهمها: أولا : عدم رؤية عيوب المعشوق قال الإمام علي (عليه السلام): " ومن عشق شيئا أعشى (أعمى) بصره وأمرض قلبه، فهو ينظر بعين غير صحيحة، ويسمع بأذن غير سميعة، قد خرقت الشهوات عقله، وأماتت الدنيا قلبه" (9). و الأشد خطورة من ذلك إنه لا يستمع الى النصح و لا يجدي معه الارشاد شيئا قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " إنك إن أطعت هواك أصمك "(10) ثانيا : الإدمان على المعشوق أثبت الطب الحديث بأن الكلام المثير و الاحساس بالقرب من المعشوق ولو عن طريق الاتصال أو حتى التخيل يفرز موادا في جسم العاشق و كلما زادت عدد مرات إفرازه لها كلما تعلق بمعشوقه أكثر، ولذا لايكون العاشق الذي ينوي أو يجبر على ترك معشوقه بأحسن حالا من المدمن على المخدرات. ثالثا: غالبا ما يؤول الأمر إلى الفضيحة وكأن الأثر الوضعي المترتب على العشق هو الحاق الفضيحة ممن يطلبه من الرجال والنساء، وهو ليس بالأمر الهين خصوصا على النساء في مجتمعنا وعلى الأخص المتزوجات منهن. رابعا : العشق غالبا ما يهلك الإنسان: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): " إنك إن أطعت هواك أصمك وأعماك، وأفسد منقلبك وأرداك (أي أهلكك) " (11). و ذلك لكثرة الالام و الهموم التي يكابدها العاشق فانه يجعل من الامكانيات العقلية و البدنية والمواهب التي رزقه الله بها وقودا لنار العشق المستعرة فيضيع مستقبله ويعجل في هرمه و يهلك مستقبله و روحه وبدنه. خامسا : إن كان العاشق متزوجا فحتما سيؤثر ذلك على علاقته بزوجته، إذ غالبا ما يسبب له النفور منها لأنها بالنسبة اليه عبارة عن مسؤولية ، تجب عليه الكثير من الالتزامات تجاهها و تجاه أولادها و أما عشيقته فلا تكلفه بكل ذلك بل و إن كلفته فإنه سيستجيب لها لأنه كما قيل: لكل جديد بهجة وأمرها مطاع طالما نار عشقه لها لم تدفن بعد . سادسا: قد يكون العشق معولا هداما يحطم لبنات المجتمع و يهد كيانه، إذ إن المصابين بعقد نفسية يلهثون وراء العشق و الجنس حتى تمثل معشوقتهم غاية المنى بالنسبة لهم، وما إن يحقق مراده حتى يمل و من ثم يبحث مجددا عن غيرها وهكذا دواليك، ويزداد الأمر سوءا وتتفاقم آثاره الوخيمة كثيرا فيما لو كان متزوِّجا. إذ ينشغل عن زوجته وأولاده غير آبه بمتطلباتهم وإحتياجاتهم مستخفا بمسؤولياته تجاههم وأهمها الاشباع العاطفي. وبالتالي يقدم للمجتمع نماذج شبيهة به تخلف ذات الاثار التي خلفها هو إن لم يُحصَنوا بإهتمام عاطفي مميز. سابعا : قد يحتج بعض العاشقين بحلية عشقهم لأنه مبني على عقد النكاح المنقطع، فكل ما يدور بينهم من حديث و نظرات و ما شابه ذلك فهو حلال وبالتالي فلا غبار على عشقهم نجيب بنقطتين: أولاهما : بما إن هكذا عقود غالبا ما تتم بدون إذن ولي الأمر فهي محكومة بعدم الصحة إذا كانت الفتاة بكرا كما ورد في استفتاءات السيد السيستاني (دام ظله ) : ( لو اختلى شاب مع فتاة بكر ودار الأمر بين إجراء عقد المتعة بدون إذن الولي أو الوقوع في الفساد فاختاروا صيغة الزواج المؤقت وأجروا العقد بدون إذن الولي فهل يصح النكاح في هذه الحالة ؟ الجواب : لا يصح ) (12) . و بالتالي فإنهما مأثومان على كل كلمة وكل نظرة هذا إن لم يتطور الأمر الى لقاءات و لمس و تقبيل و…و…الخ. ثانيتهما: حتى وإن سلمنا بحلية العقد كما لو كانت المرأة ثيبا فإن حلية العشق لا يمنع من الآثار السلبية المترتبة عليه والتي أسلفنا ذكرها سواء تلك التي تؤثر عليهما أو التي تؤثر على غيرهما . ثامنا : و بغض النظر عن كل الاثار التي أسلفنا ذكرها، فإن العشق لا يخلو من الذنوب والمعاصي التي تُخزي صاحبها عند الحساب يوم القيامة ومآله الى العذاب المهين. *عاقبــــة العشـــق إن عاقبة أي قصة عشق تُبنى على أساس الشهوات والعواطف لا تخلو من أحد إحتمالين هما : الاول : الظفر بمعشوقه : و هذا إما أن يكون بالطريق الشرعي (الزواج) أو لا يكون كذلك، فإن كان عن طريق الزواج فإن الواقع يثبت (ان الكثير من حالات الزواج التي قامت على العشق [من هذا النوع] قد انتهت إلى الفرقة والطلاق وبنسبة مرتفعة تصل إلى تسعين بالمائة، وإذا لم يحصل الطلاق فان الأعراض والصدود تنشأ بين الزوجين، مما يعني أن العشق ذو نتائج عكسية.(13) و هذا أمر طبيعي لأن الزواج طالما كان قائما على العواطف و المشاعر فحسب فهو قائم على أساس هش؛ وذلك لأن العواطف تتغير بمرور الزمن يقول الدكتور (ريموند): " عندما يتعلق الأمر بالزواج من الخطأ الارتباط بشخص لمجرد الحب؛ لأن العواطف تتغير. إن الحب من أول نظرة هو أمر لا وجود له في الواقع إن أساس الحب هو الانتماء والثقة والاحترام ومن المستحيل بناء هذه العوامل وتطويرها فوراً وفي خلال دقائق من المواجهة الأولى بين الاثنين. وذهبت ( د.روغي مكارثي)خبيرة نفسية تعمل في دبي أن الزواج الناجح لا يتعلق بالمعرفة المتبادلة فحسب، ومع أن مثل تلك المعرفة مفيدة في إنجاح العلاقة؛ فالأمر يتطلب الالتزام والنضوج والحب غير المشروط حتى في ظل الزيجات المرتبة. وتعتقد (مكارثي) أن حظ الزواج المرتب في النجاح أفضل من حظ الزواج القائم على الانبهار العاطفي، حيث إن الحب عادة ما يحدث في فترة مبكرة من حياة الشاب والفتاة (غالباً ما يكون ذلك في مطلع العشرينات). وفي تلك المرحلة يعجز الاثنان عن رؤية ما هو أبعد من لحظة الانبهار العاطفي التي يعيشانها.(14) وبعيدا عن تغير العواطف و المشاعر فإن سُقم العين بالعشق يرفع بعد الزواج فيظهر المعشوق على حقيقته وتظهر كل عيوبه ومساوئه التي كانت قد إختفت وراء ضباب الهوى. لذا قالوا وصدقوا فيما قالوا: الوصال مدفن العشق. و أما إن كان الوصال بالطرق غير الشرعية فإن القارئ الكريم في غنى عن تعريفه بالآثار الوخيمة المترتبة عليه في الدنيا والآخرة . الثاني : أن يتركه معشوقه قسرا أو إختيارا . قال الإمام علي (عليه السلام): " الهجران عقوبة العشق " (15). و نتيجة لذلك نكون أمام إحتمالات ثلاث هي : الأول: تنشأ حالة ما يسمى ( الثأر للعشق ) فيقوم العاشق إما بالثأر من نفسه كإن ينتحر أو يعيش باقي حياته معذبا متألما، أو الثأر ممن حرمه منه وإن كان المعشوق نفسه. كما في حالات الابتزاز والتشهير والتهديد وما الى ذلك . الثاني : قد يُجبِر العاشق إنكسار قلبه بعلاقة أخرى كالإقدام على الزواج وبشكل غير مدروس، لا يبغي هدفا سوى التخلص من المعشوق ونسيانه. فيدخل الحياة الزوجية محملا بالآلام ومودعا قلبه عند المعشوق وهذا بحد ذاته يعد مغامرة يدفع ثمنها سعادته بل و سعادة من حوله أحيانا كالأولاد وأما إن حاول النسيان بخوض مغامرة أخرى فإن الامر لا يقل خطورة عن ذلك. الثالث : أن يصمم العاشق على التوبة والرجوع الى طاعة الله (عز وجل) و معالجة الداء الذي تسبب له بالألم مهما كانت مرارة الدواء، وهذا القرار والعمل على تنفيذه أسلم عواقب العشق. *علاج العشــق نفس الانسان قد تضعف أمام الشهوات و تدخل في بحر العشق الشديد الظلمة والمتلاطم الأمواج الا إنه يتحتم عليه أن يسرع بالانتباه الى نفسه وينقذها من الهلاك قبل فوات الأوان وهذه بعض النقاط التي تساهم في علاجه وترغب به : أولا : التأمل في آثار العشق الأليمة و عواقبه الوخيمة ومن ثم العزم والتصميم على التشافي منه كي لايكون مصداقا لإلقاء النفس في التهلكة الذي نهانا عنها الله (عز وجل) . ثانيا :دواء عشق كهذا هو عدم الاعتناء به حتى يزول ويختفي، ويتضمن إنهاء كل إتصال بالمعشوق وأيا كان، وترك تتبع أخباره بل وترك التفكير فيه أيضا، وغالبا ما يكون هذا الامر صعبا الا إنه الطريق الوحيد للعلاج ولا سبيل غيره، فليس أمامه الا الامتثال لمقولة (وجع ساعة ولا كل ساعة). ثالثا : التأمل في جزيل الثواب الذي رصده الله (تعالى) لمن يتوب عن العشق، فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): " من عشق فعف ثم مات، مات شهيدا " (16). وعنه (صلى الله عليه وآله): "من عشق فكتم وعف فمات فهو شهيد" (17). وعنه (صلى الله عليه وآله) أيضا: "من عشق وكتم وعف وصبر، غفر الله له وأدخله الجنة " (18).كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): " ما المجاهد الشهيد في سبيل الله بأعظم أجرا ممن قدر فعف " (19) رابعا : يقول علماء النفس على العاشق أن يطرد التفكير بمعشوقه، ولو بتخيل نفسه إنه يعيش بمنتهى السعادة الزوجية مع غيره دون أن يعين شخصا محددا لئلا يحصل لديه تعلقا جديدا بشخص آخر، وبإستمرار تخيل ذلك المصحوب بالشعور بالراحة والسعادة يتبرمج العقل الباطن تدريجيا على إمكانية السعادة والراحة مع غير المعشوق وبالتالي يُنهي التعلق به. خامسا : الانشغال عن التفكير بالمعشوق بموهبة يعمل على تنميتها أو خبرة في مجال يعمل على تطويرها وما الى ذلك، فإن الاستمرار بالاستغراق في العمل نهارا والنوم من شدة العناء ليلا . قد لا يدع فرصة للتفكير بالمعشوق أو يقلل منه على أقل التقادير . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) ميزان الحكمة ج3 ص263 (2) المصدر السابق (3) ــ(5)المشاكل الجنسية للشباب ج3 ص8 (6)ميزان الحكمة ج11 ص365 (7)المصدر السابق (8)التحريم 6 (9)ـ(11) ميزان الحكمة ج3 ص263 (12)استفتاءات السيد السيستاني ج1 ص363 (13)الفضائل و الرذائل ج13 ص5 (14)مجلة الجزيزة عدد 167 مقال بعنوان ( لأن المشاعر و العواطف تتغير الزواج (المرتب ) عصي على الطلاق) إعداد : وفاء الناصر (15)ميزان الحكمة ج3 ص263 (16)ــ(19) ميزان الحكمة ج3 ص263
اخرى
كانَ صوتُه في الظل (قصة قصيرة)
بقلم: حيدر عاشور حين استعادَ قواهُ بدأ يشعرُ بنفثاتِ الشمسِ المُحرقة، وعى المكانَ الذي كانَ فيه، وأدرك أنّ له فرصةً واحدةً، وربما حظًا واحدًا في أنْ يعيشَ طاهرًا بعد ساعاتِ النور الإلهي التي تغلغلتْ في أعماقِ جسده.. ألـمـّتْ برأسه أفكارٌ عديدة، تارةً يُفكرُ في المنظرِ المحيطِ به، مُنتظرًا اللحظةَ التي يأتي فيها شخصُه العظيم، وتارةً يغيبُ عن الوعي ليعيشَ الحالة، وكأنّه هو قد عادَ من جديدٍ لينشرَ من فيوضاتِه القُدسية.. كان يدّعي لسنواتٍ طويلةٍ أنّ بوسعِه تذكُّرَ أشياءٍ شاهدَها وقتَ تقمُّصه الشخصية، حين كانت أسماله تتحرّكُ بهيكلٍ بشري هزيلٍ على ناقةٍ يقودُها رجلٌ ذو بأسٍ شديد، وآخرُ قصيرٌ جدًا يحملُ لوحةً تعريفيةً، تؤكدُ للمشاهدين، الاسمَ والكنيةَ واللقبَ الطاهر، وصوتُه كأنّه يأتي من بعيدٍ أصم عبر كثافاتِ الصمتِ ممزوجًا بأصداءَ لا أسماء لها. كان يعرفُ أنّ الصوتَ البعيدَ ليس كلامَه، ولكنّه يسمعُ صوتَه هو، كما لو كانَ في داخلِه. ومن عجائبِ اللحظة، كُلّما نثرَ الصوتُ الناعي كلماتِه، كان المستمعون يجهشونَ بالبكاء، ويُغدِقون عليه بالأموالِ والهدايا، ويتساءلون عمّا إذا كانت هناك كرامات ستحدثُ بترقُّبٍ شديد، وهم ينظرون إلى وجهه الشاحب وجسده الهزيل، ولا يعلمون أنّ المرضَ يسري في جوفه يأكله رويدًا، رويدًا.. لم يُطِقْ بعدُ صبرًا، ومرَّ في عينيه شعاعٌ غريبٌ، كأنّه مزيجٌ من اليأسِ والسخرية، أريدُ أنْ أعرفَ، أعلمُ أنّ التفكيرَ بذلك مُريعٌ؟! ولكنّي أُريدُه. والناقةُ أشعرُ بها تتقهقرُ وتتقدمُ وتتهادى، وتأخذُني في دورانها، لكأنّي أسمعُ الصوتَ بوضوحِ ونقاءِ لغة، ولكأنّ أُذُنيّ مُلتصقتان على حافةِ السرج، ولكأنّ فمي يتكلمُ، تسقطُ الكلماتُ منه بكُلِّ هدوءٍ وكياسة، وبدون هوادة، أمامَ العذابِ الذي يُمارسُه الجلّادون للسبايا من أهلِ بقيةِ اللهِ على الأرض ووَرَثةِ علمِه وحكمتِه، وأمامَ حشدٍ من الموالين والمُعزّين يحملون كفنًا لصغيرِ الطفِّ يتأرجحُ بخِفةٍ، وحينَ اقتربَ الكفنُ من الناقةِ أثارَ فيّ لوعةً من الرُعبِ الخفي، هنا ارتفعَ الصوتُ وسطَ ضجيجِ وصَخَبِ الموجوعين: "اعلمْ رحمكَ اللهُ أنّ للهِ عليكَ حقوقًا مُحيطةً لك في كُلِّ حركةٍ تحركتَها، أو سَكَنَةٍ سكنتَها، أو منزلةٍ نزلتها، أو جارحةٍ قلَبتها، وآلةٍ تصرّفتَ بها: بعضُها أكبرُ من بعض"... يعرفُ حقَّ اليقين لم يكنِ الكلامُ كلامَه. وكان هناك شيءٌ واحدٌ يهمُّه، حرارةُ انفعالِه الداخلي وتفاقمُ قلقه، وملأه الدوارُ فضمَّ جسدَه النحيلَ إلى سرجِ الناقة، ضمّةً هستيريةً، فدخلَ في الغيبوبةِ وفاضتْ روحُه إلى عالمِ ملحمةِ العروجِ الملكوتي الدامي الصاعد إلى الله تعالى في غيبِ الغيوبِ في فاجعةِ طفِّ كربلاء التي صرعتْ وجندلتْ خيرةَ خلقِ الله، بعدَ أنْ عاثتِ السيوفُ والرماحُ والسهامُ الكافرةُ في الأجسادِ الشريفة، وهم مُقتّلون مُلقون نثرًا على رمضاء كربلاء.. فمن يُطيقُ تلك المشاهدَ الرهيبةَ، بل من يُطيقُ الحياةَ بعدَ الكارثةِ الباكيةِ المُبكية المُفجعة؟! وسادتْ حالةٌ سامةٌ من الهدوء المُميت، لم يَعُدْ يرى أحدًا، وهو يرتعدُ بسخونةٍ على ناقتهِ، ليعودَ الصوتُ في أوجِ نقاوتِه، يسمعُه في داخلِه ويلهجُ به لسانُه، وينطلقُ في هواءِ الموكبِ ككتلةٍ رنينيةٍ ترتفعُ بالتدريج، تخنقُ القلبَ بالعبرات، إنَّ عليك (حَقّ الهَدْيِ) أَنْ تُخلِصَ بهَا الإرَادَةَ إلَى رَبكَ، وَالتَّعَرُّضَ لِرَحْمَتِهِ وَقَبُولِهِ، ولا تُرِيدَ عُيُونَ النَّاظِرِينَ دُونهُ، فـَإذَا كُنْتَ كَذَلِكَ لَمْ تَكُنْ مُتَكَلِّفًا ولا مُتَصَنِّعًا وَكُنْتَ إنَّمَا تَقْصِدُ إلَى الله. وَاعْلَمْ أَنَّ الله يُرَادُ بالْيَسِيرِ وَلا يُرَادُ بالْعَسِيرِ.. عندما يسمعُ ويتأمّلُ المرءُ جيدًا للصوتِ لمراتٍ، وهو عارفٌ ممّن هذه النواصحُ الإلهية فهي مذاقٌ مُسبقٌ لعذابِ الموتِ يغضّنَّ جبينَه بظلِّ ألمِ وجزعِ صاحبِ الصوتِ والعلامةِ المخلدة التي تركها عليه الموتُ كانت بالضبطِ الرمزُ الفارقُ بينه وبين كُلِّ الرجال العاديين على الأرض. ومن المؤكدِ أنّ مثلَ هذا الصوت الذي أبحرَ به طوالَ مسيرةِ مسرحِ التعزيةِ هو التذكيرُ والفرصةُ إلى معرفةِ حقِّ الله الذي كان يُردِّدُه في ساعاتِ الغضب والجنوحِ إلى غرور الحياة، وعندما ذكر اسمَ اللهِ أنشدَ هامسًا: "فأَمَّا حَقُّ اللهِ الأَكْبَرُ فَإنَّكَ تَعْبُدُهُ لا تُشْرِكُ بهِ شَيْئًا، فَإذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ بإخلاص جَعَلَ لَكَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَكفِيَكَ أَمْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَحْفَظَ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْهَما" عندئذٍ وهنَ إنشادُه، تضاعفَ وتردّدَ صداه برنينٍ جليل، سمع أنينًا قويًا جاء دون شكٍّ من هناك، في مسرحِ القتلِ كان الجلّادون الأمويون يتقاتلون على أخذِ كُلِّ ما يقدرون أخذه من فرائسهم، فهم مُتعطشونَ للقتلِ والنهبِ والغزو والغنائم، وكُلُّ الميتات التي أوقعوها بقافلةِ العشقِ لم يكنْ عليها أنْ تفيضَ بالدمِ وحسب، بل استمتعوا بقطعِ الرؤوس بمراسمَ الحقدِ والثأرِ من رائحةِ زوجِ سيّدِ الكون، لكي يطولَ العذابُ وتصدر عن ضحاياهم – القربان- صرخاتٌ حزينةٌ طويلة، تجعلُ السامعَ يشعرُ بعُزلةِ الحياة التي لا يُمكِنُ التعبيرَ عنها، وهو يردُّ على الضحيةِ صرخةً بصرخة. من ذلك المكان المُعبّدِ بدماءِ الأطهارِ من تلك الصفوف النخبوية من الرجالِ التي تقتسم السماءَ المليئةَ بالنجوم. كان الصوتُ يشبهُ ذلك النهار الدامي وهو يُجلجِلُ في وجهِ قُبّةِ السماء المُرصّعةِ بالأرواحِ الزكية: ها أنا بعدَ كُلِّ هذه المصائب أسيرُ مع البقيةِ الباقيةِ من ريحانةِ أعظمِ رجلٍ في الملكوتين، كسبايا في أرضٍ وعرةٍ يتصفّحُ فيها العدوُ والصديقُ وجوهَنا مُقادينَ في بلادِ العربِ وبين أمراءِ القبائل الهمجية.. لم يكنْ في هذه الغيبوبةِ ما يُطمئنُه، ولكن كان الصوتُ رفيقًا ودودًا حنينًا، أحسنُ من جِلستِه على الناقة، وهو يُتمتِمُ مع نفسه: إنّني لا أكادُ أنْ أصدقَ أنْ يكون إعصارُ الطفِّ رهيبًا إلى هذا الحد، وهو يذبحُ الأقمارَ، ويفلُ بريقها، على يدِ أمراءٍ همج، وغلمانِ القبائلِ الخائنة. كنت واحدًا من أولئك النهّابين المُتوحشين الذين لا يعرفونَ كيفَ يُعبِّرون عن حُبِّهم، فيقتلون بطريقِ الجهلِ الشخصَ الذي يُحبّونه في كُلِّ عصرٍ وزمانٍ وبنفس المكان أو في أي مكان.. كان صوتُه في الظل، ولا يُمكِنُ أن يُرى، وبدا من صوتِه الرصين أنّه هو، لكن الغريب أنّ الساحاتِ ممتلئةٌ، ومجموعة من الناس تتحدّثُ بأصواتٍ خفيضةٍ وعاليةٍ أو تتحدّث إلى نفسِها، كان عزاءً جنائزيًا يُخيّمُ عليه حزنٌ بغمغمةٍ لا تنتهي، والصوتُ الوحيدُ الذي يُمكِنُ سماعه من حينٍ لحينٍ، وهو يقرأ قوانينَ وحقوقَ تمسُّ ذاتي وحدي.. واشتدَّ الدافعُ بداخلي تدريجيًا ليصلَ إلى حُلُمِ يقظةٍ ربما كان حُطامًا يُمكِنُ أنْ يحلمَ به إنسانٌ مثلي، كما هو معَ أحلامِ يقظتي الكثيرة، والمُتعةُ التي أشعرُ بها في هذه اللحظة هي شعورٌ إنسانيٌ حقيقيٌ يرتجفُ لها عقلي، ويتجدّدُ في صدري الجَزِعِ العميقِ وأنا في مَلبسِ شخصيتِه العظيمة. كان يُراقِبُ هذه المُقاومةَ النفسيةَ الروحيةَ المُثيرةَ للشفقة، وعليه أنْ يمسكَ الفرصةَ، وربما الحظَّ الأخير في أنْ يعيشَ طاهرًا.. فجأةً صرخ: من أين أبدأ..؟ خنقتْه العبرةُ وأغميَ عليه وكأنّه قد مات فعلًا. فعَلَتْ صرخاتُ الموالين، ونحبَ الناحبون، وشمرتِ النساءُ على رؤوسهن التراب، وضربَ الرجالُ ظهورَهم بالسلاسل النصلة، وصحا على ضربةٍ على الرأسِ أذهلته، لما تحملهُ من قوةٍ مملوءةٍ بالودِ، لم يرَ أحدًا ولكن بوسعه أنْ يشعرَ أكثر من أن يرى.. إنّها رسالةٌ عميقةٌ ارتجفَ لها عقلُه تحتَ وطأةِ الإثارةِ لتقمُّصِ شخصيةٍ عظيمةٍ، تومضُ عيناه، يلتهبُ الدمُ في كُلِّ جسدِه، وتفيضُ بذلك التعبير عن الشخصيةِ التي يُجسِّدُها بشكلٍ يتحدّى أيّ تعبير، لم يكنْ بوسعِه أنْ يُصدِّقَ أنَّ الصوتَ الذي يدقُّ في المدى دونَ انقطاعٍ في أُذُنيه، يتعلّقُ بالطبيعةِ المُطلقةِ للحقوقِ العقابية، ولم يشك فيما حدث وهو يعيشُ خلالَ اللحظاتِ الشعورَ المُعذَّبَ بالنقاهةِ، بعدَ أنْ كانَ ولا يزال شخصًا يعاني من مرضٍ مجهولٍ في غمراتِ الخوف، يختفي عنه لحظةَ تجسيدِه الشخصية وهو مُشبعٌ بشكلٍ خفي في العقلانية المُفترضة، وينتابهُ شعورٌ بالراحةِ التي تشبهُ الإنهاك. الغريبُ أنّه يسمعُ الصوتَ بنغمةِ التوسّل البالغةِ الوضوح، ولحظةُ الفراقِ تنتظره بلهفة، كان صوتًا إلهيًا من أصواتِ الوداعِ إلى الأبدية، استنهضَ نفسه، وهو يسترقُ النظرةَ الأخيرةَ من وراءِ البُرقُعِ الأبيضِ ناحيةَ المُعزّين لقافلةِ العشقِ الملكوتي تحتَ ضوءِ الشمسِ الوهّاج، ثم انعطفَ الركبُ وابتعدتِ الناقةُ ببُطءٍ عن الطريق، بينما كان جسدُه ينتقلُ على أيادي بما يليقُ بالأجداثِ الطيبة.
اخرىالتعليقات
يتصدر الان
لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع
يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي
اخرىبين طيبة القلب وحماقة السلوك...
خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي
اخرىلا تقاس العقول بالأعمار!
(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي
اخرىالمرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)
بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.
اخرىالطلاق ليس نهاية المطاف
رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي
اخرىهَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ
عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي
اخرى