تشغيل الوضع الليلي

مقتطفاتٌ من دُعاءِ مكارم الأخلاق (2)

منذ 6 سنوات عدد المشاهدات : 1958

بقلم: شيماء المياحي
تحدّثنا في الحلقةِ الأولى عن الفقرة الأولى من دعاء مكارم الأخلاق، وهي: الإيمان وكيفية بلوغ أعلى درجاته، وهنا سوف نتناول الفقرة الثانية من الدُعاء: "وَاجْعَلْ يَقِينِي أَفْضَلَ اليَقِينِ"
قبل أن نتعرف على سُبلِ الوصول لأفضلِ اليقين، لابُدّ أنْ نتعرف على معناه.
*اليقين لغةً: هو زوال الشك.
اصطلاحًا: ما يقابل الجهل المركب والشك، وهو الجزم بعلمٍ وطمأنينة واستقرار نفس، مطابقًا للواقع غير زائل بشبهة وإنْ كانت قوية. ولا بُدّ أنْ يكون اليقين بكلِّ ما جاء في الكتاب العزيز والسنة النبوية عن الله (تعالى) يقينًا يدفع الإنسان إلى العبودية لله (تعالى) وبإخلاص النية، كما جاء في كتابه العزيز: "وَالَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَاَ أُنزِلَ مِن قَبلِكَ وَبِالأَخِرَةِ هُم يُوقِنُونَ"[البقرة:٤].
ولصاحب اليقين علامات:
١ - التوكُّل والثقة بالله (تعالى):
فلا يتوكل الموقن إِلا على الله (تعالى) ولا يثق إِلا به، ولا يعتمد على الأسباب، ويراها مسخّرة منه وبمشيئته وأمره (تعالى)، ولا حول ولا قوة لأحدٍ إلّا به ومنه(تعالى). وأنْ يعلم أنَّ كل ما يطرأ عليه من وجود وعدم، وخير وشر، وصحة ومرض، وغنى وفقر، من الله (تعالى)، وما قُدّر له سيُساق اليه، ويرى كلَّ ذلك بعينٍ واحدةٍ.
٢ - الخشوع:
أنْ يكون دائم الخشوع لله (تعالى) في كلِّ أحواله في العبادة وغيرها، وأنْ يعيش بين الخوف من عظيم سُلطانه، والرجاء لواسع رحمته ومغفرته. فاليقينُ يجعل المؤمن دائمَ الخوف والوجل من عظمةِ الخالق من جهة، ويبعثُ روح الطمأنينة والسكينة في قلبه من جهةٍ أُخرى؛ لعلمه ويقينه بأنَّ الله (تعالى) غفورٌ رحيم وشديد العقاب.
٣ - استجابة الدعوات:
يكونُ صاحب اليقين مستجابَ الدعوات إنْ اقتضت ذلك الحكمة الإلهية؛ وذلك لأنّه يدعو وهو متيقن بالإجابة، وقد ورد عن الإمام الكاظم (عليه السلام) أنّه قال: قال قومٌ للإمام الصادق (عليه السلام): "ندعوا ولا يُستجاب لنا؟ قال: لأنكم تدعون من لا تعرفونه"(١)
بل ويكون صاحب كرامات أيضًا في بعض مراتبه، فكُلّما زاد يقينُ الإنسان زاد تجردًا، فحين ذُكِر النبي عيسى (عليه السلام) عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنّه يمشي على الماء، قال:(صلى الله عليه وآله): "لو زاد يقينًا لمشى في الهواء"، وعنه (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "إنّ الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله"(٢)
ولليقين مراتب:
١ - علم اليقين:
وهو العلم الجازم بوجود الخالق وبكلِّ ما جاء عنه بالأدلةِ اليقينية التي لا تقبل الشك ومثاله: العلم بوجود النار من خلال رؤية الدُخان.
٢ - عين اليقين:
وهو المشاهدة للحقائق الإلهية بعين البصيرة، وهي أقوى من مشاهدة عين البصر ويحصل من خلال تزكية النفس وتنقيتها من كلِّ درن، ومثال ذلك أن يرى عين النار.
٣ - حقّ اليقين:
وهو الشعور بالحقيقة وكأنّه فيها، ومثاله: اليقين بوجود النار بالدخول فيها من غير احتراق، وهذا إنّما يكون لمن أدرك الكمال العرفاني. والحصول على هذه المرتبة يتوقف على مجاهدة النفس مجاهدةً شاقّة لترويضها بالحدّ من اتباع الشهوات، والوصول إلى النقاء الروحي. وقد سمعت أحدهم يقول عندما فقد ولده الشاب في حادثٍ مروُّع: (الآن شعرتُ بلوعةِ قلبِ الإمام الحسين (عليه السلام) على فقد ولدِه علي الأكبر)، واقعًا الذي يستمعُ المصيبة ليس كمن يستشعرها .
ولمتعلق اليقين أنواع نذكر بعضها:
١ - اليقين بوجود الله (تعالى):
وهو اليقين بوجود خالقٍ واحدٍ لا شريك له، يتصفُ بجميع صفات الكمال والجلال، ويحصل من خلال النظر والتأمُّل في الأدلة العقلية التي لا تقبل الشك -كما مر- وتأتي الأدلة النقلية مؤيده لها .
٢ - اليقين بعدل الله(تعالى):
وهو من أبرز صفات الله(تعالى) الكمالية، والذي جُعل أصلًا من أصول الدين. واليقين بأنّ الله(تعالى) عادلٌ وليس بظالمٍ يترتب عليه الطمأنينة والتسليم والرضا بقضاء الله(تعالى) وقدره، وكذلك الاعتقاد والتصديق بالثواب والعقاب الذي أوعد الله(تعالى) عباده به، الذي يظهر أثره على جوارح الإنسان.
٣ - اليقين بأولياء الله(تعالى):
وهو التسليم وعدم الاعتراض على كلِّ ما ورد عنهم؛ وذلك لأنهم مُنصَّبُون من قِبل الله (تعالى), واليقين بهم نابعٌ من اليقين بعدله (تعالى)، ومن أروع صور اليقين بالأولياء التي نقلها التاريخ هي قصة هارون المكي، وكيف أنّه امتثل لطلب الإمام الصادق (عليه السلام) برحابةِ صدرٍ ودون أيّ اعتراض أو تردد، وقام وجلس في التنور وهو مسجور. فهذه الطاعة التامة نابعةٌ من قوة يقينه بالإمامة.
نعم، هذه المرتبةُ صعبةٌ جدًا لعوام الناس، ولكنّها ليست مستحيلةً.
ويمكن التدرج بمراتب اليقين شيئًا فشيئًا من خلال الالتزام بالدين ومفرداته، والإلحاح على الله (تعالى) بالدُعاء، ومطالعة قصص الصالحين، وكيف كانوا على مرتبةٍ عاليةٍ من اليقين. وبذلك يصل الإنسان ولو لنسبةٍ معينة من اليقين الذي يكون درعًا واقيًا له عن الاعتراض لكلِّ ما ورد ورودًا قطعيًا وغير قابل للنقاش عن الأئمة(عليهم السلام)، ومن يمثلهم في زمنِ غيبةِ قائمهم (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
_______________
(١) بحار الانوار
(٢) كنز العمال

اخترنا لكم

الحب العقيم

بقلم: أم ياسين الخزرجي من المعلوم أنَّ حبَّ أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) ليس فطرة في نفوس المؤمنين فحسب بل هو فرض واجب من قبل الله تعالى ويعتبر جزءًا متممًا لمفهوم الولاء، فالله تبارك وتعالى لا يأمر بشيءٍ إلّا اذا كان موافقًا للفطرة الإنسانية ومنسجمًا معها وكان في صالح الإنسان ونفعه في الدنيا والآخرة. و من أوامر الله تعالى أنه أمر بمحبّة أهل بيت النبيّ محمد (صلّى الله عليه وآله) ومودّتهم كما في قوله تعالى:(قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ) (١) و قربى النبي محمد (صلى الله عليه وآله) هم: (علي وفاطمة و الحسن والحسين و التسعة المعصومين من ذرية الحسين عليهم السلام). كما ورد عن عبد الله بن عجلان، عن ابي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: "قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى" قال: هم الأئمة (عليهم السلام). (٢) وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله: حُبُّ أهل بيتي وذرّيتي استكمالُ الدين. (٣) ولكن هذا الحب جزء من مفهوم الولاء لهم (صلوات الله عليهم) بل لا يتم معنى الحب الذي ذكر في الآيات والروايات إلّا باشتماله على مفاهيم أخرى لازمة له وهما مفهوما (المعرفة والطاعة) فالمعرفة في حبهم (عليهم السلام) أمر لازم بل في كل حب، فالإنسان كيف يحب شيئاً وهو يجهله! كيف يتعلق بالمجهول! الحب يتطلب معرفة لا أقل المعرفة الإجمالية بحيث لو سئلت: لمَ تحب فلانا؟ لأجبت: لِكذا وكذا. الحب الفطري غير كافٍ –في العادة- في ديمومته واستمراره وجني ثماره؛ لأن الفطرة وإن كانت لا تنمحي كما قال تعالى(فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (٤) وحب الإمام علي (عليه السلام) من الفطرة كما في الحديث: (لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق) (٥) والله فطر الإنسان على الإيمان كما ورد عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله (عز وجل): "حنفاء لله غير مشركين به"؟ قال: الحنيفية من الفطرة التي فطر الله الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، قال: فطرهم على المعرفة به…) (٦) وفي رواية عن فضيل بن يسار قال: سألت أبا عبد الله (عليهم السلام) عن الحب والبغض أمن الايمان هو؟ فقال: وهل الايمان إلا الحب والبغض؟ ثم تلا هذه الآية "وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ" (٧) إلّا أنها يمكن أن تندثر وتتلوث جراء الذنوب والمعاصي والتأثر بالشبهات فيحتاج الإنسان إلى درع حصينة تصون هذا الحب وتمنعه من الاندثار كي تحافظ على ديمومته واستمراره وتحصيل الفائدة منه. ولا يوجد حافظ له خير من المعرفة، كما ورد عن أبي سلمة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: نحن الذين فرض الله طاعتنا، لا يسع الناس إلا معرفتنا ولا يعذر الناس بجهالتنا، من عرفنا كان مؤمنا…) (٨) ففي هذا الحديث دلالة واضحة على أن المعرفة بهم أمر ضروري. حتى في أداء مراسيم الزيارة -وهي من مظاهر الولاء- تقول: (جئتك عارفا بحقك مستبصرا بشأنك…) (٩). والمراد من معرفتهم المعرفة التي تؤدي الى الله (عز وجل) كما جاء في الرواية عن جابر قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: "إنما يعرف الله (عز وجل) و يعبده من عرف الله وعرف إمامه منا أهل البيت ومن لا يعرف الله عز وجل و لا يعرف الامام منا أهل البيت فإنما يعرف ويعبد غير الله هكذا والله ضلالا". (١٠) ومعرفته باسمه وصفاته وخصائصه من كونه إمامًا مفترض الطاعة منصّبًا من قبل الله (عز وجل) في القران وعلى لسان النبي محمد (صلى الله عليه وآله). كذلك بقراءة سيرتهم (عليهم السلام) والاطلاع عليها لنتعرف على اخلاقهم كي نتأسى بهم (صلوات الله وسلامه عليهم). فالحب بلا معرفة تجعلنا كالذين كانوا (قلوبهم معك و سيوفهم عليك) (١١). أما ما يخص متابعتهم (عليهم السلام) فضرورتها أجلى من أن تحتاج إلى دليل كيف وقد صرح القران بذلك (قُلْ إنْ كنتُم تُحبّونَ اللهَ فاتَّبِعُوني يُحبِبْكمُ الله) (١٢).وقوله تعالى: (ومَن يُطعِ اللهَ ورسولَه فقد فازَ فوزاً عظيماً) (١٣) وطاعة الأئمة (عليهم السلام) طاعة للرسول (صلى الله عليه وآله) لما ثبت في علم الكلام بأن الإمام نائب عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله) بأمر من الله على لسان نبيه (صلى الله عليه وآله) كما ذكر ذلك في الآيات القرانية واحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) أبرزها حديث الغدير. وقد ورد عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: "قال لي: يا جابر أيكتفي من ينتحل التشيع أن يقول بحبنا أهل البيت، فو الله ما شيعتنا إلّا من اتقى الله وأطاعه وما كانوا يعرفون يا جابر إلا بالتواضع والتخشع والأمانة وكثرة ذكر الله والصوم والصلاة والبر بالوالدين والتعاهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام وصدق الحديث وتلاوة القرآن وكف الألسن عن الناس إلا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء. قال جابر: فقلت: يا ابن رسول الله ما نعرف اليوم أحدًا بهذه الصفة، فقال: يا جابر لا تذهبن بك المذاهب حسب الرجل أن يقول: أحب عليا وأتولاه ثم لا يكون مع ذلك فعالًا؟ فلو قال: إني أحب رسول الله فرسول الله (صلى الله عليه وآله) خير من علي (عليه السلام) ثم لا يتبع سيرته ولا يعمل بسنته ما نفعه حبه إياه شيئاً، فاتقوا الله وأعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحب العباد إلى الله (عز وجل) [وأكرمهم عليه] أتقاهم وأعملهم بطاعته، يا جابر والله ما يتقرب إلى الله تبارك وتعالى إلا بالطاعة وما معنا براءة من النار ولا على الله لاحد من حجة، من كان لله مطيعا فهو لنا ولي ومن كان لله عاصيا فهو لنا عدو، وما تنال ولايتنا إلا بالعمل والورع" (١٤) فالأئمة (عليهم السلام) يرشدوننا الى الحب الحقيقي الذي يرتقي بِنَا الى مدارج الكمال ولا نكون كالذي قدم على أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين إني أحبك وأحب فلانا، وسمى بعض أعدائه، فقال (عليه السلام): أما الان فأنت أعور، فأما أن تعمي وإما أن تبصر. (١٥). فالحب بلا متابعة حب عقيم. وقد ورد ذلك في الأبيات الشعرية تعصي الاله وأنت تظهر حبه هذا لعمرك في الفعال بديع لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع (١٦). و خير ما ينفعنا اليوم نحن كموالين في عصر الغيبة الكبرى أن نعرف إمام زماننا وهو الحجة ابن الحسن المهدي (عجل الله فرجه الشريف) نقرأ عن غيبته وظهوره سيما دورنا في غيبته وذلك يتم بمتابعته (عليه السلام) عن طريق السير على نهجه وأداء التكاليف الشرعية الملقاة على عاتقنا والتخلق بأخلاقه (عليه السلام) من خلال بناء عقيدة صحيحة والرجوع الى نائبه الجامع للشرائط في غيبته و اتباع أوامره لنحرز رضا الله (عز وجل) ورضا مولانا الحجة بن الحسن (روحي فداه) لنكون بذلك قد بايعنا الإمام علي (عليه السلام) في يوم الغدير حق بيعته. —————— (١) الشورى ٢٣. (٢) الكافي ج١ ص٤١٣. (٣) بحار الانوار ج٩ ص ٢٩٨. (٤) الروم ٣٠. (٥) علل الشرائع ج١ ص١٤٥. (٦) الكافي ج٢ص ١٣. (٧) الكافي ج٢ص١٢٤. (٨) الكافي ج١ ص ١٨٧. (٩) الكافي ج٤ص٥٦٩باب ما يقال عند قبر امير المؤمنين عليه السلام. (١٠) الكافي ج١ ص ١٨١. (١١) مقتل الحسين (ع) لأبي مخنف ص٦٨. (١٢) ال عمران ٣١. (١٣) الأحزاب٧١. (١٤) الكافي ج٢ص٧٤. (١٥) بحار الانوار ج٢٧ ص٥٨. (١٦) بحار الانوار ج٤٧ ص٢٤

اخرى
منذ 7 سنوات
4629

حزنٌ قبل المصيبة

لماذا يبتدئ حزننا وشعائرنا منذ الأول من شهر محرم الحرام رغم أن الإمام الحسين (عليه السلام) وسائر أخوته وولده وأصحابه استُشهِدوا في العاشر منه؟ هناك أصلان لهذه العادة: أصل سُنَني، وأصل أخلاقي أما الأول: فيعني ما كانت عليه سنة محمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله)؛ عن الإمام الرضا (عليه السّلام) قال: كان أبي(صلوات الله عليه) إذا دخل شهر المحرّم لا يرى ضاحكاً، وكانت الكآبة تغلب عليه حتّى يمضي منه عشرة أيّام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه، ويقول: هو اليوم الذي قتل فيه الحسين(صلوات الله عليه(١). هنا يبين الإمام حزن أبيه الإمام وهو حزنه وحزن سائر آبائه وولده الذي يبدأ من الأول منه حتى يتدرج فتصل ذروته في اليوم العاشر، حيث يوم المصيبة. بل روى بعضهم: أنّ علي بن الحسين (عليه السلام) لم ير ضاحكاً يوماً قط، منذ قتل أبوه)(٢). يعني حتى في غير أيّام شهر محرّم!. وفعل أئمتنا هذا هو بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) لكن هاك انظر الى الحجة الكبرى: رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي يبكي عليه قبل استشهاده بخمسين عاماً! فعن أم سلمة (رضي الله عنها) أنّها قالت: " كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) جالساً ذات يوم في بيتي، فقال: " لا يدخل عليَّ أحد "، فانتظرت فدخل الحسين (عليه السلام)، فسمعت نشيج رسول الله(صلى الله عليه وآله) يبكي، فاطلعت فإذا حسين في حجره والنبيّ (صلى الله عليه وآله) يمسح جبينه وهو يبكي، فقلت: والله ما علمت حين دخل، فقال: " إنّ جبرئيل (عليه السلام) كان معنا في البيت فقال: تحبه؟ قلت: أمّا من الدنيا فنعم، قال: إنّ أمتك ستقتل هذا بأرض يقال لها كربلاء"(٣). وروى المحب الطبري بسنده عن أسماء بنت عميس أنّها قالت: " عقّ رسول الله عن الحسن يوم سابعه بكبشين أملحين... فلمّا كان بعد حول ولد الحسين فجاء النبيّ (صلى الله عليه وآله) ففعل مثل الأوّل، قالت: وجعله في حجره فبكى (صلى الله عليه وآله)، قلت: فداك أبي وأمي ممّ بكاؤك؟! فقال: " ابني هذا يا أسماء، إنّه تقتله الفئة الباغية من أمتي، لا أنالهم الله شفاعتي "(٤). فلا لوم على حزننا بعد وقوع الواقعة العظمى وتردد المقتل على أسماعنا ليقرعها بالمصيبة وما جرى في ذاك اليوم المدمى. أما الأصل الأخلاقي: فإن هذه المصيبة لها حرارة، ومع أنها لا تبرد أبداً لكن رش الدمع على جمرها أهون على المؤمن المفجوع من عدمه، وقد كثر الحث من قبل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على البكاء على الحسين كما في كلام الإمام الرضا (عليه السلام) لابن شبيب: "يَا ابْنَ شَبِيبٍ: إِنْ كُنْتَ بَاكِياً لِشَيْ‏ءٍ فَابْكِ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليه السَّلام)"(٥) وما للبكاء من تأثير وفوائد على الكيان العقائدي أولاً ثم رفعها لدرجات وإماثتها لذنوب الباكي ثانيا؛ فهذا يتطلب للحصول على هذه النفحات والمغانم واستغلال يوم الاستشهاد وما بعده يتطلّب مقدمات توصل لذروة التفاعل خصوصاً وأن كثيراً من الناس منغمس في مشاغله في الشهور والأيام السابقة لشهر محرم، وهناك من يحتاج الى ترقيق لقلبه كي لا تجف دمعته فيهيئ لكل ذلك من اليوم الأول من محرم.. وفي هذا الحرص شغفٌ واضح لصلة قربى النبي [صلى الله عليه وآله] ومواساته، والولاية للإمام الحسين (عليه السلام). ____________________________ (١) أمالي الصدوق: 190 مجلس27، حديث 199. (٢) تاريخ اليعقوبي 2: 259 أحداث أيّام مروان بن الحكم. (٣) المعجم الكبير للطبراني: (3 / 108 (2819)، وأنظر: مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 189. (٤) ذخائر العقبى للطبري: 119، وأنظر: ينابيع المودة للقندوزي: 2 / 200، مسند زيد بن علي: 468، البحار للمجلسي: 43 / 239. (٥) وسائل الشيعة: 502 / 14. زهراء حسام

اخرى
منذ 8 سنوات
4126

الصيحتان الجبرائيلية والإبليسية (دراسة مقارنة) المبحث الأول: الصيحة الجبرائيلية (١)

بقلم: علوية الحسيني ■تمهيد بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله ربّ العالمين, وصلى الله على سيّدنا محمدٍ وآله الطاهرين. لا شك في أنّ القضية المهدوية تشكّل جزءً كبيرًا من المنظومة المعرفة, رغم اندراجها تحت حقل العقيدة، وبالتالي لا يمكن البحث فيها, أو القراءة عنها إلّا بعد التثبت من العقيدة. ولهذه القضية علامات حتمية, ورد في الروايات الشريفة أنّ هناك خمس علامات, لا بد من تحققها قبل ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), منها: الصيحة, أو النداء السماوي. والحتم: هو "اللازم الواجب الذي لا بد من فعله. وحتم الله الأمر يحتمه: قضاه" (1). فهي في عالم الثبوت ثابتة, أما في عالم الإثبات فأصل ثبوتها ثابت, إلاّ أنّ الاختلاف حاصل في إدراك كيفيّتها. والصيحة صيحتان: جبرائيلية لا نستطيع أخذ معناها اللغوي؛ لأنّها لا تعني العذاب, بل هي مجرد دال على مدلول, وهي ضرورة اتباع الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) -كما سيأتي-. وفي قبالها توجد صيحة إبليسية تضلل الناس عن اتباع الصيحة الأولى. ولا زال الأبالسة يعدّون لها منذ سنوات, ساعين لتحقيق هدفهم. كما وشاع في الآونة الأخيرة كلام الناس حول الصيحة, ووصفوها بوصفٍ لم يرد في الروايات, بل وزعموا أنّها قاتلة، والبعض الآخر أخذ يروج لتحليلاته الشخصية، وهناك من يتبعه! فنظرًا لأهمية هذا الموضوع الذي أثار لغطًا بين الناس, وخلطًا بالمفاهيم سيتم فرد كلّ من الصيحتين في مبحث مستقل بدراسةٍ مُجملة. ■المبحث الأول: الصيحة الجبرائيلية: حدث جاء التأكيد عليه في الروايات الحتمية لظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), ولبيان هوية هذه الصيحة لا بد من الوقوف على مصدرها, ووقتها, ومضمونها, وهدفها, والدليل على اعجازها, وهذا ما سيتم التطرق له ضمن المطالب التالية: ▪️المطلب الأول: مَصدر ومُصدر الصيحة: إنّ مَصدَر الصيحة الجبرائيلية هو السماء, ولذا تُسمى بـ(الصيحة الجبرائيلية)؛ إشارةً إلى مُصدِرها وهو المَلَك جبرائيل (عليه السلام). وهذا أمرٌ ممكن؛ وهو نظير الصوت الذي خلقه الله تعالى وكلّم به نبيّه موسى (عليه السلام). ونظير الصوت الذي سوف يصدره المَلَك اسرافيل (عليه السلام) في نفخة الصور -الإماتة, والإحياء-، وجميع ذلك خاضع لهيمنة وسلطنة وعلم الله تعالى. ▪️المطلب الثاني: وقت الصيحة الجبرائيلية: ذكرت الروايات أن وقت الصيحة سيكون في ليلة الثالث والعشرون من شهر رمضان المبارك, الموافق يوم الجمعة المبارك. وهذا الأمر: أولاً: محتوم صادر عن لسان أهل البيت (عليهم السلام). وثانيًا: إنّ عدم بيان هذا الحدث الكوني المهم نقض لغرض الأئمة (عليهم السلام) من ارشاد شيعتهم خصوصًا, والمسلمين عمومًا إلى التثقيف لهذه الصيحة, بل ونقض لغرض الله (تبارك وتعالى) من جعل الأئمة امتدادًا لوظيفة النبي (عليه وعليهم السلام) من تحقيق اللطف بعباده. وظاهرًا أنّ وقت الصيحة اختاره الله تعالى, وحتّمَ أمره؛ لسببين: 1- كون شهر رمضان أفضل الشهور. 2- كون قلوب المسلمين في هذا الشهر مقبلة على الله (تبارك وتعالى). 3- لحكمةٍ خفية هو (تعالى) أعلم بها. 4- ليلفت نظر غير المؤمنين إلى أحقيّة المذهب الشيعي؛ حيث إنّ أئمة هذا المذهب حصروا ليالي القدر -رغم مجهوليتها تحديدًا- بين ليلة التاسع عشر, والواحد والعشرون, والثالث والعشرون؛ كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "في ليلة تسع عشرة من شهر رمضان التقدير وفي ليلة إحدى وعشرين القضاء وفي ليلة ثلاث وعشرين إبرام" (2). أما غير المؤمنين فطبقًا لما هو مروي في كتبهم إنّ ليلة القدر كل ليلة وترية ضمن العشر الأواخر من شهر رمضان (3). 5- ليلفت نظر غير المسلمين إلى أحقية الدّين الإسلامي, حيث إنّ يوم الصيحة هي ليلة القدر, وليلة القدر هذ الليلة التي نزل فيها القرآن الكريم على قلب النبي الخاتم محمد (صلى الله عليه وآله), كتاب الدّين الخاتم, الذي سوف يسود العالم بقيادة المنقذ العالمي الموعود, المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الرشيف). ▪️المطلب الثالث: مضمون الصيحة الجبرائيلية: إنّ مضمون الصيحة هي ضرورة اتباع قائم آل محمد (عجّل الله فرجه الشريف)؛ فقد وردت رواية عامة عن الإمام الصادق (عليه السلام) روي أنّه قال فيها: "...يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّ قُدَّامَ هَذَا الأَمْرِ خَمْسُ عَلامَاتٍ:... وَلا يَخْرُجُ القَائِمُ حَتَّى يُنَادى بِاسْمِهِ مِنْ جَوْفِ السَّماءِ فِي لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ (فِي شَهْرِ رَمَضانَ) لَيْلَةِ جُمُعَةٍ, قُلْتُ: بِمَ يُنَادى؟ قَالَ: بِاسْمِهِ وَاسْم أَبِيهِ: أَلا إِنَّ فُلانَ بْنَ فُلانِ قَائِمُ آلِ مُحَمَّدٍ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوهُ، فَلا يَبْقَى شَيْءٌ خَلَقَ اللهُ فِيهِ الرُّوحَ إِلَّا يَسْمَعُ الصَّيْحَةَ، فَتُوقِظُ النَّائِمَ وَيَخْرُجُ إِلى صَحْنِ دَارِهِ، وَتَخْرُجُ العَذْرَاءُ مِنْ خِدْرِها، وَيَخْرُجُ القَائِمُ مِمَّا يَسْمَعُ، وَهِيَ صَيْحَةُ جَبْرَئِيلَ (عليه السلام" (4). ولا بد من الوقوف عند بعض مضامين هذه الرواية, ضمن النقاط التالية: 1- كيف تخرج العذراء من خدرها؟ ظاهرًا أّنّ الخروج حقيقي, فهو كناية عن شدّة الفزع من صوت الصيحة, حيث إنّ الاذن البشرية تألف الأصوات المعتادة, فيكون من باب فزعها ذلك الخروج, بقرينة سياقية متصلة سابقة لسياق هذه الجملة, وهي "فَتُوقِظُ النَّائِمَ وَيَخْرُجُ إِلى صَحْنِ دَارِه", ولاحقة لها, وهي "وَيَخْرُجُ القَائِمُ مِمَّا يَسْمَع". فممكن حمل خروج الرجل (النائم والقائم والمستيقظ من نومه على أثرها) إلى صحن داره على أنّه يخرج ليترقب ويتتبع مصدر الصوت, وهي دلالة فعلية, وجدانية, نلتمس وجودها في واقعنا المعاش, نظير أنّكَ اليوم عندما تسمع صوت جرس الباب يدق, تتوجه إلى الباب لترى من الطارق, ونظير ما إذا سمعت صوت انفجارٍ مدوٍ تهرع إلى الشارع مصدر الصوت لترى ما حصل. وهكذا تخرج النساء لترى ماذا حصل في السماء, فممكن حمل (خروجهنّ من خدورهن) على (خروجهنّ من بيوتهنّ ليرينَ ما حصل في السماء)؛ فالخدر لغةً هو: " سِتْرٌ يُمَدُّ للجارية في ناحية البيت ثم صار كلُّ ما واراك من بَيْتِ ونحوه خِدْراً, الخدر هو المتعارف لغةً، وهو: " سِتْرٌ يُمَدُّ للجارية في ناحية البيت ثم صار كلُّ ما واراك من بَيْتِ ونحوه خِدْراً" (5). أما هدف الصيحة وإعجازها يأتي لاحقًا إن شاء الله تعالى. _________________ (1) لسان العرب: لابن منظور, ج12, ص113. (2) الكافي: للشيخ الكليني, ج4, ص١٦٠, باب ليلة القدر. (3)ظ: البخاري في (الاعتكاف) باب الاعتكاف في العشر الأواخر برقم 1986، 1992، والترمذي في (الصوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) باب ما جاء في ليلة القدر برقم 792. (4) الغيبة: للنعماني, ص301, ب16, ح6. (5) لسان العرب: لابن منظور, ج4, ص230.

دراسات مهدوية
منذ 6 سنوات
7786

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
89580

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
80530

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
61906

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 7 سنوات
52619

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 8 سنوات
49275

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
46834