تشغيل الوضع الليلي

نفحاتٌ ملكوتيةٌ من الخطابِ الزينبي (٧) "أ فعجِبتم أنْ تمطُرَ السماءِ دمًا؟!"

منذ 6 سنوات عدد المشاهدات : 2926

بقلم: علوية الحسيني
نفحةٌ أخرى تتجلّى في خطابِ السيّدة زينب (عليها السلام)، صدحتْ بها في الكوفة، بعدَ عدّةِ استفهاماتٍ سابقةٍ على هذا السياق.
ولم تخلُ هذه النفحةُ من ثلاثِ نواحي، وكالعادة، سيتمحورُ الكلامُ فيها تباعًا، عقائديًا، وأخلاقيًا، وبلاغيًا.
■الناحية الأولى: الناحية العقائدية.
استبطنَ المقطعُ الخطابي هذا اعتقادًا راسخًا بقدرةِ اللهِ (تعالى) الواسعة، وحيثُ إنّ مُتعلّقها -إمطارُ السماءِ دمًا بدلَ الماء- ليسَ مألوفًا للذهن، فيعجبُ منه البعضُ مُستنكرًا أو مُشكِّكًا بقدرةِ اللهِ (تعالى)، أو بعظمةِ الإمامِ الحُسين (عليه السلام) صاحب المصاب.
يُذكَرُ أنّ هذا الحدثَ الكوني -إمطار السماءِ دمًا- ذُكِرَ في كُتُبِ الفريقين، ولا ينكرُه إلاّ معاندٌ، "لمّا قُتِلَ الحُسينُ بن علي مُطِرنا مطرًا كالدمِ على البيوتِ والجدر"(١).
وبالتالي، كانَ مقصدُ السيّدةِ زينب (عليها السلام) أنْ تُعطيَ درسًا عقائديًّا -لمن سمعَ خطابَها- في صفةٍ ذاتيةٍ من صفاتِ اللهِ (تعالى)، وهي قدرتُه الواسعة، التي أشارَ إليها (سبحانه) في آياتٍ عديدة، منها قوله (تعالى): {وَكَانَ الله عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا}(٢).
فكان ظاهرُ خطابِها يُفيدُ تعريفَ القومِ بعظمةِ قدرةِ الله (تعالى) على كُلِّ شيء؛ لأنّ كُلَّ الأشياءِ مخلوقةٌ له (تعالى)، فتتعلقُ قدرتُه بها، فالسماءُ ومطرُها مخلوقةٌ له (تعالى)، ولا مانعَ يمنعُ من تعلُّقِ قدرتِه بها، وكذا لا مانعَ من وقوعِ قدرتِه المُتساوية لجميعِ المقدورات، "إنْ شاءَ فعلَ، وإنْ شاءَ لم يفعل"(٣).
إذًا حيثُ إنَّ القدرةَ الواسعةَ كمالٌ، فاللهُ (تعالى) مُتصفٌ بها، وبما أنّه (سبحانه) غيرُ متناهٍ، فقدرتُه أيضًا غيرُ متناهية، فهي هو، لا تنفكُّ عنه، ومن يُشكِّكُ بسعتِها، يُشكِّكُ باللهِ (تعالى)؛ لذاتيتها، ومن يستخفّ بها وبالغرضِ المُترتبِ على تحقُّقِها، فهو كافرٌ لا محالة.
■الناحية الثانية: الناحية الأخلاقية.
تجلّتْ أخلاقُ السيّدةِ زينب (عليها السلام) حتى في خِطابِها مع أعدائها، ولهذا نجدُها استخدمت هنا صيغة الاستفهام، وكأنها تستنطقُ فطرتَهم التي خلقَهم اللهُ (تعالى) عليها {فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّم}(٤). تلك الفطرةُ غيرُ الملوثةِ بالذنوبِ التي خلقَنَا اللهُ (تعالى) عليها، إلاّ أنّها قد تُلوَّثُ بالذنوبِ حتى يرينَ على قلوب البعض منها.
فالسيّدةُ (عليها السلام) أرادت استنهاض تلك الفطرةِ السليمة؛ لعلّ القومَ يتوبون؛ فكانَ خطابُها وجدانيًا، مُثيرًا لعواطفهم؛ بإشارتِها إلى بكاءِ السماءِ بسبب الجُرمِ الذي اقترفوه.
لكن يبدو أنّ القومَ (عليهم من اللهِ ما يستحقون) قد استهزأوا حتى من بكاءِ السماءِ دمًا، فهم فعلاً ممن رانَ على قلوبهم، باستخفافِهم بالإمام الحسين (عليه السلام)، الدال على انحرافهم الأخلاقي، وإلاّ ماذا يُرتجى ممن كانوا سفهاء ثملين؟!
ولعلّ السيّدةَ زينب (عليها السلام) اعتبرتهم مصداقًا لمن استخفَّ بالمؤمنِ ذي الشيبة، الذي وجدت له قاعدة كلّية وضعها جدّها وأبوها (عليهما السلام), وتناقلتها ذرية أخيها (عليهم السلام) من بعدهم، والقاعدة هي الحديث الذي روي أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) رواه: "...وَمَنِ اسْتَخَفَّ بِمُؤْمِنٍ ذِي شَيْبَةٍ أَرْسَلَ الله إِلَيْهِ مَنْ يَسْتَخِفُّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِه"(٥).
وحتمًا أنّ السيّدةَ اضطرت أنْ تتخذَ هذا الأسلوب ردًّا عليهم بالمثل؛ لأنّهم سخروا من قدرةِ اللهِ (تعالى) ومن مقامِ وليّهِ الإمام الحسين (عليه السلام)، فسخِرَتْ منهم، حتى ظنّ بعضُهم أنّها (عليها السلام) تسألهم باستفهامٍ حقيقيٍّ، والحالُ أنّها تتنزّهُ عن طلبِ جوابِهم؛ لأنّ الحنقَ والغيظَ باتَ واضحًا عليهم.
وليس الردُّ عليهم بالسخريةِ معيبًا؛ طالما كانوا قومًا عضبَ اللهِ (تعالى) عليهم، وهم الذين بدأوا بالسخرية؛ فسبقَ وأنِ استخدمَ أحدُ أنبياء الله (تعالى) هذا الردَّ على أعداءِ ربّه، قال (تعالى) على لسانِ نبيّه نوح (عليه السلام) حينما سَخِر منه القومُ حالَ صنعِه السفينة {فقالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُون}(٦). فنبيُّ اللهِ سخِرَ منهم كما سخِرَ أعداؤه منه، لأنّهم هم من ابتدأ السخرية.
"والسخريةُ وإنْ كانتْ قبيحةً، ومن الجهلِ إذا كانت ابتدائيةً [وهي الصادرةُ من الأعداء]، لكنّها جائزةٌ إذا كانت مُجازاةً لمن بدأ بها، وبعنوانِ المقابلة، وخاصةً إذا كانت تترتبُ عليها فائدةً عقلائيةً كإنفاذِ العزيمةِ وإتمام الحجة"(٧).
بل وحتى الله (تعالى) يسخرُ من الذين يسخرون من عبادِه الصالحين، فتوعّدهم في كتابِه الكريم قائلًا: {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم}(٨). وبهذا تكونُ السيّدةُ زينب (عليها السلام) قد تخلّقتْ بأخلاقِ القرآنِ الكريم، حتى في تعاملها مع الأعداء، فعدّ ما تخلّقَت به حسنًا.
■الناحية الثالثة: الناحية البلاغية.
أسلوبُ الاستفهامِ باتَ واضحًا في هذا المقطع الخطابي، لكنّه ليس استفهامًا حقيقيًا؛ لأنّ السيّدةَ زينب (عليها السلام) لم تقصدْ أنْ تسألَهم عن إيمانِهم وتصديقِهم بإمطارِ السماءِ دمًا؛ حيثُ تبيّنَ لنا في الناحيةِ الأخلاقية أعلاه أنّ القومَ أنكروا إمطارَ السماءِ دمًا استخفافًا بمقامِ الإمام الحسين (عليه السلام)، وبالتالي يخرجُ الاستفهامُ عن معناه الحقيقي، "وأصبحَ غرضُه التهكُّم"(٩).
وهذا الاستخفافُ يُسمّى التهكُّم، وهو أسلوبٌ بلاغي، "ويُقالُ له السخريةُ والاستهزاء، وهو إظهارُ عدمِ المبالاةِ بالمُستهزئ أو المُتهكَّم به ولو كانَ عظيمًا"(١٠).
ولا عجبَ من بلاغةِ السيّدةِ (عليها السلام) وهي بنتُ سيّدِ وسيّدةِ البُلَغاء (عليهما السلام)، ولهذا كان ردُّ القومِ الطُغاة عليها بالتهريج والتهديد.
__________________
(١) مقتل الحسين (عليه السلام): للخوارزمي، ج٢، ص٨٩، تاريخ دمشق: لابن عساكر، ج٤، ص٣٣٩.
(٢) الفتح: ٢١.
(٣) ظ: رسائل العقائد الجعفرية: للشيخ الطوسي، م٥.
(٤) الروم: ٣٠.
(٥) الكافي: للشيخ الكليني، ج٢، ح٥.
(٦) هود: ٣٨.
(٧) الميزان في تفسير القرآن: للسيد الطباطبائي، ج١٠.
(٨) التوبة: ٧٩.
(٩) التحف الباهرة في بلاغة المخدرة الطاهرة: للشيخ حسين البحراني، ص٦٣.
(١٠) علم المعاني: لعبد العزيز عتيق، ص١٠٤.

وسلامٌ على من تضافرتْ عليها المصائبُ والكروب، وذاقتْ من النوائبِ ما تذوبُ منها القلوب.

اخترنا لكم

اصلاح الذات

اصلاح الذات هل نحن ملتزمون بما قالهُ الإمام الصادق عَـلَـيـْـهِ السَّــلام ؟؟ اللَّهُمّ صَلِّ على مُحَمَّد وآلِ مُحَمَّد قال الإمام الصادق عَـلَـيـْـهِ السَّــلام : ﴿ حَـقُّ عَــلـَىٰ کُـل مُـسـلِـمٍ يَـعـرِفُـنـا اَن يَـعـرِضَ عَـمَـلَـهُ فـي کُـل يَـومٍ وَ لَـيـلَـةٍ عَــلـَىٰ نَـفـسِـهِ، فَـيَـکُـونَ مُـحـاسِـبَ نَـفـسِـهِ، فـإن رَأی حَـسَـنَـةً اسـتَـزادَ مِـنـهـا، وَ اِن رَأی سَـيِّـئَـةً إسـتَـغـفَـرَ مِـنـهـا، لِـئَـلاّ يَـخـزىٰ يَـومَ الـقِـيـامَـةِ ﴾ ( تحف العقول/ ص301 ) الإنسان في هذه الحياة تصقله التجارب والابتلاءات والمحن ثم تخرج منه الحكمة الجميلة كي يستفيد منها الناس والمعدن الاصيل يزداد بريقه كلما صقل اكثر ان الانسان يتعرض لكثير من الابتلاءات والمحن وهناك من يستطيع ان يصمد وينجح ولكن هناك من يخفق، فالنفس تختلف في تحمل هكذا اختبارات ومنهم من يقع وتتحطم نفسيته والكثير يغفل عن معالجتها ينشغلون بمعالجة اجسادهم من المرض ولاينشغلون بمعالجة ارواحهم من هذه الامراض الروحية. يقول أحد الحكماء: ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواطن: لا يُعرف الحليم إلا عند الغضب، ولا الشجاع إلا في الحرب، ولا الأخ إلا عند الحاجة، فالشدائد تكشف كوامن الأخلاق، وتسفر عن حقائق النفوس، فالمواقف والفتن والأزمات هي من تبلور لنا حقيقة ما عليه المرء، وتكشف لنا جوهره الحقيقي، ومن يدعي الفضيلة بلا ابتلاء لافضل له، لانها دعوى مجردة من التطبيق. اهم عمل يجب أن يقوم به الإنسان في هذه الحياة هو إصلاح النفس فعندما يصلح الإنسان نفسه تتفتح له آفاق الحياة الرحبة في البناء الإنساني والاجتماعي والعلمي والفكري وعندها تتطور الحياة فحتى لو كانت هذه الحياة لاراحة فيها فسوف يشعر بالسعادة والطمأنينة فيها لأنه يتحرك ويعمل في واقعها. عندما نتوقف عن خداع انفسنا ونتصالح مع الواقع الذي نعيشه ستنفتح امامنا مجالات كثيرة يمكننا تحقيق ذاتنا وسعادتنا من خلالها وتصبح انوار تضي درب البسمه والسعاده لتضيف على حياتنا بصمه فرح ورضا، لان رغباتنا اذا كانت تخالف قيمنا وتخالف واقعنا وتخالف ما اراد الله لنا في هذه الحياه تسبب لنا تعب ومشاكل وعدم نجاح وان شعورنا بالرضا بما كتب لنا الله والتسليم لله في كل امورنا والرضا عن انفسنا يجعل لدينا طاقه ايجابيه تشع لنا وتضي لنا درب الحياة ونقطف ثمار افعالنا وذلك يجعل لدينا الحافز والدافع لتحقيق المزيد من النجاح والتطور الحياة سحابة عابرة تمر بسرعة حاملة معها ذكريات وآمال أيام وليالي واللبيب من أتقن صنع لحظاته بما ينفع لخير الدنيا والآخرة فيجب علينا ان نيقظ النفس من غفلتها ولا نتركها مع أوهام الأمل الذي سرعان ما ان يضمحل تاركاً خلفه أمل بلا عمل.

اخرى
منذ 8 سنوات
5370

هُنــا وهُنــاك الحلقة (٢)

بقلم: صفاء الندى ــ لقد أصِبتُ بالعدوى منكم منذ زمنٍ، منذ جئتكم، بل قبل أنْ تطأ قدماي أرضكم التي ظننتها المدينة الفاضلة الموعودة.. نعم، أصِبتُ بالعدوى عندما انبهرت بالتكنولوجيا بلا حدود، عندما جعلت نظرياتكم وأفكاركم دستورا لحياتي .. إنني مصابٌ بالعدوى حقًا ووباؤكم على وشك أنْ يقبض روحي.. يا الله، إنّي أشعر بالاختناق.. جَثا على الأرض .. اشتد إحساسه بصعوبة التنفس .. هل حقًا سأموت؟! ليس الآن يا ربي! تمدّد على الأرض .. نظر إلى السقف .. تواترت أمام ناظريه خيالاتٌ متداخلة .. أصبح بالكاد يرى بعينيه لغزارةِ دموعهما المنهمرة.. صورٌ مرّت متسارعةً أمام ناظريه.. بيتُ العائلة المتهالك، شوارع مدينته الترابية، مجموعاتٌ من الناس يلطمون، شاهد نفسه يدفع عربة، شهادةٌ معلّقة على حائط، حقيبةُ سفرٍ، قاربٌ مطاطي على وشك الغرق، جزيرةٌ خضراء، ولاحت آخر صورةٍ لامرأة .. ابتسم عندما رآها لوهلةٍ.. وحدثها معاتبًا: ليتكِ لم تلِديني، حتى أنتِ تركتِني وحيدًا يا أمّي، فمنذ سنة لم تتصلي بي والآن سأموت لوحدي.. وفي هذه الأثناء رنّ الهاتف رنينًا طويلًا.. لم يصدق أنَّ هاتفه يرن، مسح دموعه تحسس جسده، قلبه ما زال يخفق، ما زلتُ حيًا.. تمتم مع نفسه: هل أستطيع النهوض يا ترى؟! ما زال الهاتف يرن، قام بتثاقل يرمق هاتفه الذي كان قد رماه بعيدًا وصل إليه، قبض عليه ويده ترتعش، أجاب وإذا به يسمع صوتًا يذوب حنينًا إلى سماعه: ــ ولدي، حبيبي، كيف حالك؟ أنا أمك .. ــ أمّي! ــ هل أنت بخير يا ولدي؟ أين أنت الآن؟ صمت محمود ولم يُجِبها؛ لشدة دهشته ــ فلتأتِ إلينا .. محمود لمَ لا ترد؟! ــ أنا بخير، لقد اشتقت إليكِ يا أمي.. لماذا انقطعتِ عني؟! ــ الحمد لله أنَّك بعافية، لقد ضاع هاتفي وأنا لم أكن أحتفظ برقم هاتفك .. وكنت أنتظرك أنْ تتصل أنت بي. ــ أنا ظننت إنَّ إخوتي يمنعونك من الاتصال؛ ولذا لم أتصل لئلا أتسبب بإيذائك. ــ الآن يا ولدي وأنا على وسادتي وقد جفاني النوم أتحسر على رؤياك وخائفة عليك، تذكرتُ أنّي كنت قد كتبتُ رقم هاتفك بقُصاصة ورق وضعتها في أحد الأدراج، فقمت مسرعة نبشتها واحدًا واحدًا حتى وجدته وسجدت شكرًا لله (تعالى).. إنَّ الله قد رفق بحالي يا ولدي إذ ذكّرني بهذه القصاصة. ــ نعم يا أمي، الحمد لله، الله رحمني أيضًا، فإنَّ صوتكِ أراحني بل أحياني. ــ أدعو الله تعالى أنْ يقرَّ عيني بك. ــ لا أستطيع المجيء إننا محجوزون هنا. ــ بل ستعود يا محمود، كثيرٌ من الناس قد عادوا إلى أوطانهم، فكل دولة تُجلي مواطنيها. ــ نعم سأرى ما سأفعل. ــ ولدي مضطرة لإنهاء المكالمة، سأتصل بك غدًا، بحفظ الله ورعايته. وحصّن نفسك بالقرآن، فهذا الوباء حتى الآن ليس له علاج، التجئ إلى الله تعالى وستطمئن.. ــ نعم، في أمان الله يا أمي.. أخذ نفسًا عميقًا، فكّر بحديث أمّه وبأمر القصاصة، شغّل التلفاز ليرى أخبار المدينة .. مذيعُ الأخبار يُصرّح أنَّ أعلى نسب الإصابة في مدينته، ومنذ الصباح قد تمَّ عزلها عن جميع المدن للسيطرة على الوباء الذي ينتشر بلا توقف.. عاوده الخوف، بدأ يتسلل داخل نفسه من جديد.. أطفأ التلفاز مُتأفّفا، تذكر نصيحة أمّه، قلّب هاتفه سريعا اختار سماع آياتٍ من القرآن، اطمأن قلبه .. سرَت القشعريرة في جسده وكأنها صعقاتٌ خفيفةٌ لمكامن العربدة والعبث في داخله، طاردةً لها من حياته. اعترف مع نفسه: ما أروعه من صوت! لماذا كنت أحرم نفسي من هذه السكينة؟! إنّه شعورٌ بالأمان الحقيقي.. ظل مستمعًا متفكرًا ليلته حتى غلبه النوم فاستسلم له بهدوء. وعند الصباح استيقظ على صوتِ جلبةٍ في الشارع، نظر من الشرفة فرأى سيارة إسعافٍ تقف أمام أحد المنازل، وطواقم طبية تحمل شخصًا على السرير.. دقّق محمود النظر وقال: يبدو ميتًا.. تسمّر في مكانه محدقًا بسيارة الإسعاف حتى غادرت المكان، نظر إلى السماء رأى الطيور تحلق بكثافة فوق المدينة والقطط تسير آمنةً في الطرقات.. تساءل مع نفسه: هل استبدل الله تعالى وجودنا بالحيوانات وغيّبنا عن وجه الأرض، لتتنفس الصعداء وتنبسط باستنشاق هواء لا تشوبه ملوثات الإنسان المعتادة؟! يا الله، أين أمي لم تتصل، ما بالك يا محمود، لا تنسَ فارق الوقت ركّز كفاك تشتتًا، نعم صحيح .. صِرت أحدث نفسي كثيرًا، جيدٌ أنْ أتعرف على نفسي من جديد! سأحاول الخروج اليوم أيضًا .. يتبع...

اخرى
منذ 6 سنوات
1738

نبضاتٌ عقائدية(١)

بقلم: علوية الحسيني لماذا تجبُ معرفة الله (سبحانه وتعالى)؟ سؤالٌ واقعيٌّ يتبادر إلى الأذهان، (لماذا تجب معرفة الله (سبحانه وتعالى)؟)، لكن لو خُلّينا نحن وعقلنا وطرح هذا السؤال، انطلاقًا من إيمان الفرد بما يؤمن به آباؤه وأجداده بالله (سبحانه وتعالى)، فلربما كان الجواب: لا يجب البحث عن معرفته (تعالى)، ونكتفي بالإيمان المتوارث بالتقليد! لكن الله (سبحانه وتعالى) نهى عن الإيمان به بهذه الطريقة المتوارثة فضلًا عن أصول دينه، حيث قال (تعالى): {قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا}(1). لذا فمن الأنسب أنْ يُجاب عن هذا السؤال بأنّ معرفة الله (سبحانه وتعالى) واجبةٌ، وهذا الوجوب العقل يحكم به، وكذا النقل، وهذا ما سيتم بيانه في المطلبين التاليين: ■المطلب الأول: وجوب معرفة الله (سبحانه وتعالى) عقلًا. إنّ الوجوب العقلي لتلك المعرفة المقدّسة مُمكن أنْ نستمده "من القاعدتين العقليتين الآتيتين"(2): •القاعدة الأولى: قاعدة لزوم شُكر المُنعِم. حيث يحكم العقل بوجوب معرفة من رسل لك هدية مثلًا؛ ليتناسب شكرُك مع مقامِ ذلك المُنعِم، ولئلا يكون جحودًا في حقه، وذلك الشكر قد يكون قوليًا، وقد يكون فعليًّا. فلو كان المُرسِل إليك الهدية عالِمًا فيجب عليك أنْ تعرفَ مقامه، وتُهدي إليه هدية تليق بمقامه، لا أنْ تهديه لُعَب الأطفال مثلًا. وهكذا الحال مع مقام ربّ العالمين، فتجب معرفته أولًا، ومن ثم شكره بالقول والعبادة. •القاعدة الثانية: قاعدة لزوم دفع الضرر. وهذه قاعدةٌ أخرى يحكم بها العقل من خلال تأمله أنّ الإنسان عندما يبلغُ أوانَ إدراكِهِ وتفتُّح وعيِهِ، يرى المُجتمعات البشريّة كلّ طائفةٍ منها تُكفِّر الأخرى وتدّعي أنّ الحقَّ معها دونَ غيرها. وهُنا سيكون أمامه طريقان: أ/ يعتقدُ بأنّ جميــع المذاهب صحيحة، وهذا مُسـتحيل؛ لتناقض المذاهب في معتقداتها. ب/ يختار أحد المذاهب ويتبّعها، وهنا اختياره إما أن يكون اختيارًا عشوائيًا واعتباطيًا من دون تفحصٍ وتأمّلٍ بأدلةِ كلٍ من تلكم المذاهب، أو عن طريق دليلٍ مُقنعٍ وبُرهانٍ ساطع، فإن سلك سبيل الاختيار الأول كان ترجيحه لما اختار من المذاهب من دون مُرجِّحٍ، وهو أمرٌ يأباه العقل، وإنْ سلك سبيل الاختيار الثاني كان اختيارًا صائبًا لاعتماده على الأدلة والبراهين، وهو المطلوب. وبذا ثبت وجوب معرفة الله (سبحانه وتعالى) على الإنسان. وممكن إضافة قاعدة ثالثة، وهي قاعدة (المعرفة ضرورةٌ فكرية)؛ فلا يخفى أنّ هناك أسئلة تختلج في النفس، يصنعها الفكر، تتمثّل بالتالي: -مِن أينَ أتيتُ؟ -لماذا أتيتُ؟ -إلى أينَ أذهب؟ وأجوبة هذه الأسئلة جميعها ترسم لنا أصـــول الدّين جميعها؛ فالسؤال الأوّل عَن مبدأ الوجود، وجـوابه في أصل التوحيد. والسؤال الثاني عَن الغاية مِن خَلق الله لمخلوقاته، وجـوابه في أصل الـعدل الإلهيّ، وبعث الرُسُل بالتكاليف الشرعيّة. والسؤال الثالث عَن نهاية الإنسان بـعدَ موتِهِ، وجـوابه في أصل الـمعاد ويوم المحشر. وحيثُ إنّ مردّ جميع أصول الدّين إلى التوحيد، وهو الإيمان بالله (سبحانه وتعالى)، فيتطلب وجوب معرفته (تعالى)؛ لذاتِ المعرفةِ أصالةً، ولسلامةِ الاعتقادِ بسائر الأصول تبعًا. نعم، الطريق إلى معرفة الله (تعالى) -التوحيد- مُتفاوت، لكن ذات المعرفة به (تعالى) يجب أن تتحقق عند كلِّ عبدٍ، وسوف نُشير إلى تلك الطرق في الحلقة القادمة بإذنه تعالى. ■المطلب الثاني: وجوب معرفة الله (سبحانه وتعالى) نقلًا أمّا وجوب معرفة الله (تعالى) نقلًا فيمكن أنْ نستمده من خلال الآيات القرآنية الكريمة، والروايات الشريفة، عبر الرفعين التاليين: •الفرع الأول: وجوب معرفته (تعالى) قرآنيًا. القرآن الكريم باعتباره دستور المؤمن الذي رسم له قوانين التعامل مع العباد، وربّ العباد، نجده قد حثّ في آياتٍ عديدة على وجوب معرفة الله (سبحانه وتعالى)؛ استقامةً لإيمانهم بسائر أصول الدّين، وثباتًا لامتثالهم لفروعه، وتهذيبًا لأخلاقهم. فكانت الآيات ما بين آياتٍ آفاقية، وأنفسية، وهي لا تخلو عنهما: 1/ آياتٌ آفاقيّة: هي تلك الآيات التي تعمُّ كلَّ ما يُحيط بالإنسان أرضًا وسماءً، كقولهِ (تعالى): {سَنُريهِم آياتِنا فِي الآفاقِ وَفِي أنفُسِهِم حَتّى يَتَبَيّنَ لَهُم انّهُ الحقّ}(3). وكقولهِ (تعالى): {أَوَ لَم يَتَفَكَروا فِي مَا خَلَقَ اللهُ السّماواتِ والأرضَ وَما بَينَهُما إلاّ بالحقِّ وأَجَلٍ مُسّمَى}(4). فما إراءةُ اللهِ (سبحانه وتعالى) لعبادهِ بديعَ خلقه، ودقة صُنعه، إلا ليؤمنوا بأنّ خالق ذلك الكون وما فيه هو الله الواحد الأحد، فيتعرّفوا إليه من خلال مخلوقاته. ففي الكون مجرّات، وكواكب متناسقة، تنبئ عن ضرورةِ معرفة خالق تلك الآيات. 2/ آياتٌ أنفسيّة: وهي تلكَ الآيات التي تبيّن خلقة الإنسان العجيبة جسمًا وروحًا. وسُميّت آيات بمعنى علامات، لا بمعنى أنّها دالة على معرفة الله (سبحانه وتعالى) ــ وإنْ أُطلِقَ عليها أنّها تدل عليه فإنما هذه مسامحة في اللفظ ــ، بل بمعنى أنّها مُنبِّهة على معرفته؛ لأنّ وجود الله تعالى أوضح الأمور، وهو من البداهة بحيث لا يحتاج إلى دليل يدل عليه، ولذلك قال العلماء بأن ما يُذكر من أدلة على وجوده تعالى هي في الحقيقة منبهات لا أدلة. ولهذا صحّ قولنا بأنّها آيات مُنبِّهة على معرفة الله (تعالى)، وهي بأمره، وعلمه، ومن حكمته، ونستطيع توظيف الحديث القدسي - رغم عدم إجماع بعض العلماء على الأخذ به - "كنتُ كنزًا مخفيًا، فأحببتُ أنْ اُعرف، فخلقتُ الخلقَ لكي أُعرف"(5)، فتكون نوعاً من تجلياته (سبحانه وتعالى) لخلقه؛ كي يعرفوه، وهذا له جذرٌ عقائدي، وهو كون أفعال الله (تعالى) مُعللةً بالغايات التي تعود بالنفع والمصلحة على عباده، فهنا حينما كشف الله (تعالى) عن آياته المُنبهة على معرفة خلقه به، فإنّه يهدف إلى الوصول بهم إلى الكمال في الإيمان؛ لأنّ من يعرف ربّه بالبراهين يختلف إيمانه عمَّن يعرف ربّه بالتقليد المذموم. •الفرع الثاني: وجوب معرفته تعالى روائيًا. السنة المُتمثلة بأحاديث النبي وأهل بيته (صلى الله عليه وآله) أيضًا كانت على قسمين، مُنبهةً على معرفة الله (سبحانه وتعالى) من خلال تجلّيه بإظهار آياته، فمنها تجليات آفاقية، ومنها أنفسية: 1/ رواياتٌ آفاقية. روي عن رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله): "إنَّ الشمس والقمر آيتانِ من آيات الله"(6). فالشمس والقمر تجليان من التجليّات الإلهية، تنبهان على معرفة الله (تعالى)، وذكرهما على سبيل المثال، لا الحصر، إذ الآيات الآفاقية كثيرة. 2/ روايات أنفسية. روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال حول قوله (تعالى): ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾: يعني أنّه خلقك سميعًا بصيرًا، تغضب، وترضى، وتجوع وتشبع، وذلك كلّه من آيات الله"(7). فأحوال الإنسان المُتبدلة، الحاصلة في النفس، هي آياتٌ تنبّه على وجود فاعل لها، فيجب معرفته عندئذٍ. ■وهنا سؤال: إذا كانت معرفة الله (سبحانه وتعالى) ضرورية وواجبة عقلًا ونقلًا، فما السبيل لمعرفته (تعالى)؟ وهل تعني معرفته إدراك كنه ذاته؟ وما هو الله (تعالى) حتى نعرفه؟ وما هو حدُّ المعرفة؟ جوابه يأتي في النبضة الثانية إن شاء الله (تعالى). __________________ (1) سورة لقمان: 21. (2) ظ: محاضرات في الإلهيات: للشيخ السبحاني، ص11-12. (3) سورة فصّلت: 53. (4) سورة يونس: 101. (5) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي، ج48، ح6. (6) الكافي: للشيخ الكليني، ج3، ح8. (7) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي، ج67، ص134. إلهي ما عبدتك خوفًا من نارك، ولا طمعًا في جنتك، ولكن وجدتك بعد المعرفة أهلًا للعبادة فعبدتك.

اخرى
منذ 6 سنوات
2588

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
89897

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
80763

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
62210

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 7 سنوات
52928

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 8 سنوات
49461

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
47331