تشغيل الوضع الليلي

أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ

منذ 5 سنوات عدد المشاهدات : 1191

بقلم: گوناي البياتي
كُلّما كُنتُ أتهيأُ لسردِ قصةِ شهيدٍ من الشهداءِ، وما إنْ أكتبَ سطرين حتى أتوقّف عن الكتابةِ لأيامٍ، لا أدري ما العلة؟!
وآخرُ ما توصلتُ إليه أنَّ المانعَ هو ذاك الحزن الذي يغزو كياني وروحي ويغلبُ عليَّ وأنا أكتبُ تلكَ الكلماتِ التي تنطقُ عن أرواحٍ طاهرةٍ، أخطُّ تلك الكلماتِ وأنا أعيشُ مأساةَ أمِّ الشهيد، أختِ الشهيد، أخِ الشهيد، فيأخذ هذا الحزنُ أيامًا من الشرودِ يشلُّ حركتي، ازدادُ نومًا للهروب منه، تنقطعُ رغبتي في الحياة، نحنُ مُجبرون على الحزنِ عليهم؛ فهُم جزءٌ منا لا يتجزّأ. الأرضُ وما عليها يُخيَّلُ لي أنّها تشعرُ بالحياءِ من الشهيدِ الذي استردَّها من العدوِّ ليُكافأ بالدفنِ فيها.
محمدٌ الابن البكر لأمِّه، والمعروفُ أنَّ الابنَ البكرَ يكونُ صديقًا لأمِّه، ومُحمدٌ كان كذلك. هو من مواليد 1999، تقولُ والدتُه: إنّ الشهيدَ منذُ صغرِه ظهرتْ عليه بوادرُ الإيمان وحُبِّ الشهادة، فقد كان يصلي ويصوم، وأغلبُ أوقاتِه يلهجُ بالشهادةِ قائلًا: الشهادةُ رزقٌ من الله (تعالى)، فلا يبلغه أيٌّ كان..
مرّتِ الأيامُ وكبُرَ محمدٌ، وعمل سائقًا ليساعدَ والدَه في المعيشة، ومرّتِ السنون والشهور، حتى احتل داعشُ مدينتنا (تلعفر)، فتحرّكتِ الهِمّةُ لدى أبناءِ مدينتي الأبطال الذين لا يرضون العيشَ بالذل، فتركَ أغلبُ شبابِ تلعفر أعمالَهم وتوّجهوا نحو ساحاتِ الوغى، أغلقوا أبواب أرزاقهم نحو ما هو أوجبُ واتجهوا نحو الحرب غير المتكافئة؛ ليُنقِذوا مدينتَهم ويسترجعوا أراضيهم، هذه المدينةُ التي لا ذنب لها سوى أنّها سائرةٌ على دربِ الحسين (عليه السلام).
وعلى الرغم من أنَّ الحربَ كانت غيرَ متكافئةٍ، إلا أنّهم كانوا قد توجهوا صوبَ الساحاتِ دون خوفٍ أو ترددٍ؛ فبينما كانوا يفتقرون إلى المُعدّات كانوا أغنياء بحُبِّ الوطن والولاء له، وقبلَ أنْ يتركوا أراضيهم حاربوا واستمرتِ المواجهةُ أيامًا وسقطَ الكثيرُ من الشهداء، ولكن حين أيقنوا أنَّ الحرب غير المتكافئة إنّما هي تعريضُ النفسِ للهلاك، ولم يكونوا يملكون من المُعدّاتِ ما يُساعدُهم على الاستمرار... انسحبوا..
وكما التحقَ رفاقُه التحقَ مُحمدٌ تاركًا عمله، تقولُ والدتُه: كم أصرّينا على أنْ يتراجعَ؛ إذ ليس لدينا من يُعينُ والدَه في العمل سواه، لكنّه أصرَّ أنْ يُشاركَ.. بل وشاركَ محمدٌ بلهفةٍ ليُرجعَ مدينتَه، وليزرعَ البسمةَ في وجوهِ الأطفال النازحين، وليُدفئ أرواحَهم الباردةَ بين الخِيَم..
كما شاركَ في تحريرِ الثرثارِ وصلاحِ الدين وغيرها من المناطق، كانَ يندفعُ كاندفاعِ مياهِ البحار، لعلَّ موجه يأخذ به إلى مدينته؛ ليشمَّ رائحةَ البساتينِ، وليشربَ من مائها العذب، وليتباهى بمدينته، لكنّه لم يُصِبْ هدفه، ولم يُحقِّقْ حلمه، إذ رحل في آخرِ خطوةٍ للوصول إلى تحرير مدينته..
كان كُلّما تتحررُ منطقة يبتهجُ ظانًا أنّه اقتربَ من تحرير مدينته، وعندما وصلَ التحريرُ لمدينةِ الموصل التي لا تبعدُ عن تلعفر سوى عدة كيلومترات، كانتِ السعادةُ والعزيمةُ تتجدّدُ في روحه، ولكن كان للواقع رأيٌ آخر، فقد استُشهدَ في الموصل القديمة وهو يؤدي الواجبَ المقدس..
وهكذا رحل مُحمدٌ وتركَ حلمَه يبحثُ عنه، ومثلما رحلَ محمدٌ رحلَ الكثيرون دون أنْ يضعوا قدمًا على أرضهم، دون أنْ يُكحِّلوا نواظرهم برؤيةِ مدينتهم، رحل محمدٌ وتركَ زوجتَه العروس ولم يمضِ على زواجهما إلا أيامٌ، فتحوّلَ محمدٌ من الشهيد إلى العريس؛ فكُلّما أرادوا الحديثَ عنه قالوا العريس، هكذا رحل محمدٌ وتركَ أثرًا كبيرًا..
تقولُ أُمُّ الشهيد: في تلك اللحظة، أي لحظة رحيله لمستُ خشونةَ الدنيا، فلم يَعُدْ فيها ما يروقني، والموتُ واقفٌ بحلقي، وملكُ الموت على أطرافي، يُحيطُ بي فأراه موتًا كثيرًا لا موتةً واحدةً..
وعندما حملوه كأنّي بهم يحملونني، كأنّي ميتٌ يحملُ نفسَه، وما دونه إلا المُشيعون، ثم رحلوا وبقيتُ وحدي في الدار أنظرُ يمينًا تارةً وأخرى شمالًا وكُلُّ شيءٍ تغيّرَ وكُلّ ما في الدار مات..
رحل محمدٌ وترك أمَّه تندبُ، هكذا هو حالُ أُمّهاتِ جميعِ الشهداء، كُلُّ يومٍ يمرُّ عليهن بمثابة سنة...
يا رفاقُ كُلُّ فكرةٍ دونَ الموتِ أهون، ما إنْ يموتُ قريبٌ للإنسان حينها يعلمُ أنَّ كُلَّ شيءٍ كان قابلًا للتحمُّلِ، إلا الموت فلا علاجَ له ولا رجعة فيه، ولكن للشهداءِ فوزاً على خلافِ الموت العادي، حيثُ فضّلَهم اللهُ (تعالى) بالبقاء والحياة الأبدية، فهم أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.

اخترنا لكم

شبهاتٌ حـول التشيّع/ في القضية الحسينيّة(1) شعيرة اللطم

مقـدّمة يعدّ اللطم على الصدور تعبيراً عن الألم والحزن، الذي يعتلج قلوبنا، وتعبيراً عن مدى ما أصابنا من عظم المصيبة، فالحرقة التي تصيب النفس - والحزن يسيطر عليها - يمكن للإنسان أن ينفّس عنها، وعمّا أصابه بفعلٍ ما، يكون ترويحاً وتنفيساً ومجاراةً ومواساةً لمن حلّت به هذه الفاجعة، أو القضية المؤلمة. ويعدّ اللطم مصداقاً مهماً من مصاديق التفجّع على ريحانة الرسول وسبط البتول . وسوف نستعرض الموضوع ضمن المطالب التالية: المطلب الثاني: إثبات مشروعيّة اللطم من كتاب الله تعالى 1-من تفسير كتب السنّة 2-من تفسير كتب الشيعة المطلب الثالث: اثبات مشروعيّة اللطم من الفريقين السنة والشيعة المطلب الأول: مشروعيّة اللطم في كتاب الله تعالى. لـغةً: لطم : ل ط م : اللَّطْمُ الضرب على الوجه بباطن الراحة. قال تعالى: (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَــصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ)(1). معنى صكَّ لغةً: ص ك ك : صَكَّهُ ضـربه وبابه ردَّ ومنه قوله تعالى :{ فصكَّت وجهها }. 1-تفسير الآية في كتب أهل السنّة قال الطبـري في تفسيره : " حدثني ابن حُمَيد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن العلاء بن عبد الكريم الياميّ, عن ابن سابط, قوله ( فَصَكَّتْ وَجْهَهَا ) قال: قالت هكذا; وضرب سفيان بيده على جبهته. قال: [حد]ثنا مهران; عن سفيان ( فَصَكَّتْ وَجْهَهَا ) وضعت يدها على جبهتها تعجبا, والصكّ عند العرب: هو الضرب. وقد قيل: إن صكها وجهها, أن جمعت أصابعها, فضــربت بها جبهتها"(2). قال البغوي في تفسيره: " قال ابن عباس : لطمت وجهها . وقال الآخرون : جمعت أصابعها فضربت جبينها تعجبا ، كعادة النساء إذا أنكرن شيئا ، وأصل الصك : ضرب الشيء بالشيء العريض". *ايــرادٌ وجوابـه: يقول المخالف: إنّ القصص المذكورة في القران الكريم العبرة فيها تخص أصحاب ذلك الزمان فلا يمكن لنا ان نقلد بالفعل زوجة النبي عندما لطمت وجهها. فماذا تقولون ؟ -قـلنا في مقام الإجابة متسائلين: ما هو المانع من الاعتبار منها ؟! إن قالوا: إنّ هذه القصص تخص العبرة منها اصحابها فقط, ثبت أنّ الله انزلها في القرآن الكريم ولأمة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) لــغواً منه وعبثاً, والتالي باطل فالمقدم مثله بالبطلان, فحاشاه سبحانه من العبثية واللغو فهو الحكيم. وحتماً هو تعالى أنزلها في القرآن لحكمةٍ هو قاصدها، متحققةٍ غايته منها. 2-تفسير الآية في كتب الشيعة قال العلاّمة الطباطبائي –قدس سره- في تفسيره المشهور بالميزان: "و الصك الـــضرب باعتماد شديد. انتهى. والمعنى: فأقبلت امرأة إبراهيم (عليه السلام) - لما سمعت البشارة - في ضجة و صياح فــلطمت وجهها و قالت: أنا عجوز عقيم فكيف ألد؟ أو المعنى هل عجوز عقيم تلد غلاما؟ و قيل: المراد بالصرة الجماعة و أنها جاءت إليهم في جماعة فصكت وجهها و قالت ما قالت، و المعنى الأول أوفق للسياق." اذاً صكّـت يعني ضربَت وجهها. المطلب الثالث: مشروعيّة اللطم من كتب الفريقين أولاً/ اللطم في كتب أهل السنّة 1- ‏حدثنا : ‏يعقوب ‏، ‏قال : حدثنا : ‏أبي ‏ ‏، عن ‏ ‏ابن إسحاق ،‏ ‏قال : حدثني : ‏ ‏يحيى بن عباد بن عبد الله ابن الزبير ‏،عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏عباد ،‏ ‏قال:ســمعت ‏ ‏عــائشة تقول ‏: ‏مـــات رسول الله ‏(ص[صلى الله عليه وآله]) ‏ ‏بين ‏ ‏سحري ‏ ‏ونحري‏، ‏وفي ‏ ‏دولتي ‏ ‏لم أظلم فيه أحدا فمن ‏سفهي ‌‏وحداثة سني ‏ ‏أن رسول الله ‏ ‏قبض ‏ ‏وهو في حجري، ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت ‏ ‏ألـــتدم ‏ ‏مع النساء وأضــرب وجـهي(3). في حين أنّ امامهم البخاري ومسلم يقول: "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ[وآله] وَسَلَّمَ : (لَيــْسَ مِنَّا مَنْ لَطـــَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ)(4). وهنا نوجّه سـؤال إلى ابناء السنّة والوهّابيّة: هل عائــشة ليست منكم؟! لماذا لطمت وجهها عند وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟! فجدلاً نقول: نحن الشيعة موقفنا كــموقف عائشة, وما تحكمون به عليها احكموا به علينا. و " عن ابن إسحاق ، قال : حدثنا : يحيى بن عباد ، عن أبيه ، عــن عــائشة ، قالت : مات رسول الله (ص[صلى الله عليه وآله]) وهو بين سحري ونحري، في بيتي ، وفي يومي، لم أظلم فيه أحدا ، فمن سفاهة رأيي وحداثة سني أن رسول الله (ص[صلى الله عليه وآله]) : مات في حجري، فأخذت وسادة فوسدتها رأسه ، ووضعته من حجري ، ثم قمت مع النساء أبكي وألـــدم(5). ثانياً/ من كتب الشيعة ورد في كتبـنا أنّ كلّ الجزع والبكاء مكروه ما خــلا الجزع والبكاء لقتل الحسين(عليه السلام)، ومن مظاهر الجزع: هو اللــطم، سواء كان على الصدور، أو على الخدود، أو على الفخذين. وما ذكر في الرواية كمثال لمظهر من مظاهر الجزع, وهو اللطم على الخدود، ولــم تمنع الرواية من اللطم على مكان آخر, كاللطم على اليد أو على الفخذ أو على الرأس. إنّ اللطم على الإمام الحسين(عليه السلام) ليس هو لطماً لأجل مقتل شخص مسلم عادي؛ فالحسين(عليه السلام) هو إمام المسلمين وقدوتهم، وخليفة الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله)، وحينئذٍ فإنّ ورود الاستثناء بشأن اللطم عليه له ما يبرّره. وورد النهي عن اللطم على الميّت العاديّ؛ لأنّه غالباً ما يكون مصاحباً للجزع وعدم التسليم والرضا بالقضاء, وهذا العنصر مـــفقود في حال اللطم على أبي عبد الله الحسين(عليه السلام)؛ لأنّ الجزع عليه ليس اعتراضاً على القضاء، بـل إشــفاقاً على الدين وإمام المسلمين والقرآن الناطق، ومن هو بمنزلة لحم ودم النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، بل نفسه كما يدلّ عليه قوله (صلّى الله عليه وآله): (حسين منّي وأنا من حسين). ومن هذه الأدلّة على مشروعيّته: 1- روي عن الإمام الصادق(عليه السلام): "إنّ البكاء والجزع مكروه للعبد في كلّ ما جزع، ما خـــلا البكاء والجزع على الحسين بن عليّ عليهما السلام؛ فإنّه فيه مأجور"(6). 2- يعدّ اللطم جائــزاً وفقاً لأصالة الإباحة؛ فطالما لــم يكن في اللطم ضرر، فمقتضى أصل الإباحة هو عدم الإشكال في اللطم ما لم يرد نهي, ولم يرد نهيٌ بذلك, بل يعدّ نوعاً من اظهار السخط على قتلة الحسين (عليهم لعنة الله تعالى). 3- عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام): (وقد شققن الجيوب، ولطمن الخدود - الفاطميات - على الحسين بن عليّ، وعلى مثله تُلطَم الخدود، وتُشقّ الجيوب)(7). 4- ولمّا مرّوا بالسبايا على الإمام الحسين(عليه السلام) وأصحابه عليهم السلام، وهم صرعى، "صاحت النساء، ولطمن وجوههنّ، وصاحت السيّدة زينب: يا محمّداه..."(8). 5- حينما أنشد دعبل الخزاعي تائيته المشهورة، بحضرة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، قال فيها: أفاطمُ لو خِلتِ الحسين مجدّلاً *** وقد مات عطشاناً بشطّ فراتِ إذاً لــلطمتِ الخدّ فاطمُ عنده *** وأجريت دمع العين في الوجناتِ(9). فَلَـــم يعترض الإمام الرضا (عليه السلام)، ولم يقل: إنّ أُمّنا فاطمة (عليها السلام) لم تفعل ذلك لأنّه حرام أو مكروه، بــل هو قد بكى وأعطى الشاعر جائزة، وأقرّه على ما قال. وكلّنا يعلم أنّ قول وفعل المعصوم حجّـة،, فكل ما أقرّه نقرّه اقتداءً به. 6-نقرأ في زيارة الناحية المقدّسة التي زارَ بها إمامنا المفدّى قائم آل محمّد (عجّل الله فرجه الشريف) انّه قال: "فلمّا رأين النساء جوادك مخزيّاً، إلى أن قال: على الخدود لاطــمات، الخ". فـنسوة آل محمّد لطمنَ ولــم يعترض على لطمهنّ إمام زمانهنّ الإمام السجّاد (عليه السلام) إذ لـــو كان اللطمُ حراماً لــنهاهنّ. فثبت بـسكوته اقراره. *ايــرادٌ وجوابه: إن قالوا: كيف نجمع بين الروايات التي تحثّ على اللطم وبين قول الإمام الحسين عندما نهى السيدة الحوراء (عليها السلام) بأن لا تخمش عليه وجهاً ؟ قـلنا في مقام الإجابة: ليس كلّ نهي يدلّ على الحرمة؛ فإنّه كما يوجد النهي التحريمي يوجد النهي التنزيهي، ويمكن أن يكون طلب الإمام الحسين(عليه السلام) لأُخته زينب (عليها السلام) عدم شقّ الجيب من باب الشفقة، أو من باب عدم الوقوع في شماتة الأعداء، ومع عدم وجود الدليل على تعيين أحد المحتملات، فلا مجال لإثبات الحرمة التكليفية من الحديث. _________________________ (1) الذاريات: 29. (2) تفسير الطبري, ص 521. (3) مسند ابن حنبل/ حديث عائشة (ر), ح 25816. (4) صحيح البخاري, ح1294,وصحيح مسلم, ح 103 . (5) دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة, ج 7, ص 213. (6) كامل الزيارات, ب32,ح 286. (7) تهذيب الأحكام 8: 325 ,ح 120, كتاب الإيمان والنذور والكفّارات. (8) مقتل الحسين للخوارزمي 2: 44, ح 10، مقتل الحسين لأبي مخنف: 203. (9) كشف الغمّة: 3, بحار الأنوار 45: 257, ب 44. والسلامُ على الحسين وآله ما بقيت وبقي الليل والنهار. علوية الحسيني

اخرى
منذ 7 سنوات
22079

الشخصية القيادية السيدة زينب عليها السلام نموذجاً

لم ولن يكرم المرأةَ فكرٌ كما كرّمها الفكر الإسلامي الشريف، فهو الذي انتشلها من حفرة الوأد التي كانت تُعدُّ لها قبل أن تلتقط الأنفاس. ولم يجعلها دون الرجل منزلةً، بل جعل التقوى والإيمان والعمل الصالح والجهاد ملاكًا التفاضل بين الناس. ولم يكتفِ بذلك، بل ضرب القرآن الكريم للذين آمنوا مثلاً من النساء آسيا ومريم (عليهما السلام) ليعلن أن القدوة ليست حكراً على الرجال، وأن رقي الدرجات هو المقياس. فكانت ثماره نساءً طاهراتٍ تصديْنَ للقيادة وبكل جدارة وفي ظرف من التاريخ الاسلامي حساس، أبرزهن أم أبيها التي دافعت وإلى الرمق الأخير عن الولاية، فيما أكملت أم أخيها الثورة الحسينية، فكانتا في طريق النساء المؤمنات خير نبراس. وبما أننا نعيش ذكرى مولد فخر المخدرات (سلام الله عليها) فلقد آثرنا الحديث عنها كأنموذج للشخصية القيادية النسوية يلمع نجمه في سماء العز والفخر على مر الدهر.. القيادة: هي عملية تحريك الناس نحو الهدف الدنيوي والأخروي وفق قيم وشريعة الاسلام(1). وقد اختلف العلماء فيها، فمنهم من قال: إنها فطرية، ومنهم من قال: إنها مكتسبة، واشهر النظريات في ذلك نظرية "الجرَس" والتي تنص على: "أن بعض الناس يولدون قادة ونسبتهم 2%، وهؤلاء الناس يقعون في أعلى منحنى الجرس، يبدؤون بأداء قيادة جيد جداً، ثم مع مرور الزمن يصبحون أفضل. ثم ان هناك نسبة 2% من الناس يقعون في الجزء السفلي من منحنى الجرس والذين مهما حاولوا جاهدين لن يصبحوا قادة متفوقين؛ فإنهم لا يصلون، لأنهم لا يملكون التكوين الفطري الذي يوصلهم الى ذلك. أمّا القسم الكبير من الناس والذي يقع في وسط المنحنى والذي نسبته 96% أي الغالبية العظمى وهم الذين يبدؤون بالقليل من القدرة على القيادة الفطرية قد يصبحون فعلا متفوقين أو قادة استثنائيين"(2). وعليه فبالرغم من أن الأعم الأغلب من الناس بإمكانهم اكتساب مهارة القيادة بالتعلم والتدريب، إلا أن هناك نسبة ضئيلة جداً منهم خلقهم الله (تعالى) قادة، إذ أودع فيهم القيادة الفطرية الجيدة التي متى ما توفرت سائر مصادر القيادة والعوامل المساعدة عليها تطورت أكثر وأكثر. وأبرز مصاديقهم وأجلاها الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) وبعض الشخصيات البارزة من العترة الطاهرة كالسيدة فاطمة الزهراء وابنتها زينب الحوراء (عليهما السلام). ولا غرو في أن تكون السيدة زينب (عليها السلام) امرأة قيادية، فقد تظافرت على ذلك الأساليب التربوية والظروف الخارجية مع العوامل الوراثية أو الفطرية وسماتها الشخصية. فأما الظروف الخارجية فقد نشأت العقيلة (سلام الله عليها) في بيئة قيادية بامتياز، حيث درجت في بيوت القادة، وترعرعت في دور السادة، طرق سمعها أخبار الغزوات وشاهدت بعينها آثار الانتصارات وتعلمت من القيادة النبوية، وواكبت أمها في الدفاع عن الولاية وغرفت من البطولة الفاطمية، وما أن استشهدت سيدة النساء حتى تحملت ومنذ نعومة أظفارها المسؤولية، وعاشت ظروف قتال أبيها ذوداً عن التأويل واستلهمت الإقدام من الشجاعة العلوية، وأحاطت بصلح أخيها الحسن (عليه السلام) حقناً للدماء وتزودت الصبر من الحكمة الحسنية، وفضلاً عن كل ذلك فقد خاضت بنفسها أدق تفاصيل واقعة كربلاء وشاطرت أخاها (عليه السلام) الثورة الحسينية. كما ظفرت (سلام الله عليها) بأسمى وأروع أساليب التربية القيادية، كيف لا، وقد نشأت في بيت الأطهار وتربت في حجور الأبرار؟ فقد أحاطها الجميع بهالة من التعظيم والتبجيل والإكبار، لا سيما الإمام الحسين (عليه السلام)، فإذا زارته قام لها وأجلسها في مكانه. وكانت إذا أرادت الخروج لزيارة قبر جدّها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خرج معها أبوها الإمام أمير المؤمنين وأخواها الحسنان، ويبادر الإمام أمير المؤمنين إلى إخماد ضوء القناديل التي على المرقد المعظّم، فيسأله الإمام الحسن(عليه السّلام) عن ذلك، فيجيبه: (أخشى أن ينظر أحد إلى شخص أختك الحوراء)(3). وبالإضافة إلى الظروف الخارجية فقد اشتملت شخصيتها (عليها السلام) على العوامل الفطرية والسمات الشخصية التي أكسبتها الشخصية القيادية أهمها: تميّزها بالإيمان الراسخ منذ نعومة أظفارها، فقد روي أنها كانت جالسة في حجر أمير المؤمنين (عليه السلام) وهى صبية والإمام علي (عليه السلام) يضع الكلام ويلقيه على لسانها فقال لها: بُنية، قولي: واحد، قالت: واحد، فقال لها: قولي: اثنين. قالت: ابتاه ما اقول اثنين بلسان أجريته بالواحد. فقبلها أمير المؤمنين (عليه السلام)(4) وقد انعكس يقينها الجوانحي على سلوكها الجوارحي، إذ حازت من الفضائل قممها ومن المكارم أعلا درجاتها، وهذّبت نفسها وروضتها على العبادة والتقوى، والخير والإحسان، فأهلتها لأن تنال حظاً من العصمة المعبر عنه بـالعصمة الصغرى. وبذا اتسمت بدرجة عالية من الاستقامة وهي سمةٌ لابد منها في الشخص القيادي. كما يعدُّ الذكاء من أهم القدرات الواجب توفرها في الشخصية القيادية لاسيما القدرة على التحليل وسعة أفق التفكير. وهذا ما اتسمت به شخصيتها (عليها السلام)، يدل على ذلك فهمها السريع وتعليقها بالتعليقات الذكية منذ صباها، فقد روي أنها قالت لأبيها: أتحبّنا؟ قال: بلى، فقالت: لا يجتمع حبّان في قلب مؤمن: حبّ اللّه، وحبّ الأولاد، وإن كان ولا بدّ فالحبّ للّه تعالى والشفقة للأولاد، فأعجبه كلامها وزاد في حُبّه وعطفه عليهما(5). ولابد للشخصية القيادية من علم تتسم به، وهذا ما حباها به الله (تعالى)، يدلنا على ذلك ما روي عن الامام السجاد (عليه السلام): "وأنتِ بحمد الله عالمة غير معلمة، وفاهمة غير مفهمة"(6). (أي أنّ معلّمكِ هو ربّ العالمين فأنتِ لست بحاجة إلى معلّم آخر، فإنّه تعالى أدّبكِ فأحسن تأديبك، فهي عالمة لأنّها في أعلى مراحل التقوى وكانت مصداقاً واضحاً للآية الكريمة: "وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ")(7). كما حفظت القرآن الكريم وأحاديث جدّها الرسول (صلّى الله عليه وآله) فيما يتعلّق بأحكام الدين وقواعد التربية واُصول الأخلاق، وحفظت الخطاب التاريخي الخالد الذي ألقته اُمّها سيّدة النساء فاطمة (عليها السّلام) في المسجد النبوي، وخطبتها التي ألقتها على السيّدات من نساء المسلمين حينما عُدنها في مرضها الذي توفّيت فيه، كما روت عنها كوكبة من الأحاديث. وقد مكّنتها حصيلتها العلمية الفريدة في تأسيس حلقة نسوية لتفسير القرآن الكريم في الكوفة. كما مكّنتها فيما بعد أن تكون مرجعاً للأحكام الشرعية، ذكر الصدوق (طاب ثراه):"ان لها نيابة خاصة عن الحسين (عليه السلام) وكانت الشيعة ترجع إليها في الحلال والحرام حتى برء زين العابدين (عليه السلام) من مرضه"(8) ولما كانت الجدية والهدفية في الحياة من أهم سمات الشخصية الناجحة فهما بلا أدنى شك من ضرورات الشخصية القيادية، وقد كانت حياتها (سلام الله عليها) جادة وهادفة في جميع سكناتها وحركاتها منذ صغرها وحتى وفاتها. ولعل أبرز أسفارها توضح حقيقة ذلك سواء مع والدها إلى الكوفة، ومن ثم العودة مع أخيها الحسن إلى المدينة المنورة، لتقوم بعدئذٍ بسلسلة أسفار معروفة مع أخيها الإمام الحسين (عليه السلام) في ثورته ضد الطغاة مضحياً بروحه المقدسة مُطمئناً بنجاح ثورته لأنه سلّم رايتها إلى قيادية شجاعة عالمة صابرة حكيمة.. كما اتسمت شخصيتها بالتوازن، وهي سمة مهمة في الشخصية القيادية، سواء التوازن بين الروح والجسد أو بين العقل والعاطفة. وأجلى مصداق لذلك صمودها وثباتها أمام الأعداء كالجبل الأشم تحاججهم وتكشف للمسلمين قبح حقيقتهم وتصحح ما يبثونه من سموم فكرية وشبهات عقدية، وصبرها وتجلدها أمام الثكالى والأرامل تصبرهن وترعاهن، حتى إذا أسدل الليل الظلام، وهدأت من لوعتها الأيتام، وسكنت الآهات والآلام، واطمأنت أن خلد كل من كان برعايتها إلى النوم بسلام، أرخت عينيها بالدموع، وناجت ربها بتضرع وخشوع، وتأوهَ قلبها الحنون تأوهاً تكاد تتصدع من شدته الضلوع، فلا تنام حتى تمنح لعاطفتها حقها من البكاء على الأحباب نور عينها أخيها الحسين وكفيلها أبي الفضل (عليهما السلام) وسائر الشهداء.. وبالإضافة إلى ذلك فهي تمتلك مهارة فائقة في التعامل مع كل من تقابلهم على اختلاف ميولهم ومعتقداتهم، حريصة على توجيههم نحو الهدف الأسمى، سواء رضا الله تعالى في الدارين أو اصلاح الأمة الاسلامية وانتشار الدين الحق في الحياة الدنيا. يتضح ذلك جلياً من خلال اختلاف خطبها (عليها السلام) الناشئ عن اختلاف الجمهور. فلأن غالبية أهل الكوفة كانوا على معرفة كبيرة إلى حدٍ ما بالإمام الحسين (عليه السلام) لم تكن بحاجة الى بيان هويته وتوضيح منزلته الرفيعة و إنما أرادت بلورة الرأي العام و إشعال شرارة الثورة فيهم؛ ولهذا وظفت تحريك العاطفة. وهو توظيف مهم جداً لابد للقائد أن يعتمده خصوصاً عند الأزمات، إذ كان خطابها منصباً على تصوير المصيبة الكبرى والجريمة العظمى من جهة وبيان مدى جسامة الجرم الذي اقترفوه بتخاذلهم عن نصرة إمامهم (سلام الله عليه) من جهة أخرى. فنصبت في ضمائرهم محاكمة تؤنبهم على تقصيرهم، وأوقدت في قلوبهم بركاناً من الثورة، فلم تهدأ المحاكمة ولم يسكن البركان حتى قاموا بعدد من الثورات ثأراً لدم إمامهم ونصرة للحق وتكفيراً عن تقصيرهم. وأما خطبتها في الشام فقد اعتمدت فيها الجانب الإقناعي والعاطفي معاً؛ لأن أهل الشام كانوا يرون الشهداء والأسارى على أنهم خوارج يستحقون كل ما حلّ بهم، فعرّفتهم حقيقتهم وأنهم عترة الرسول (صلى الله عليه وآله)، وأردفت ذلك ببيان الجرم الذي اقترفه يزيد بحقهم حتى أنها لم تنتهِ من خطبتها إلا وقد أحالت مجلس احتفال يزيد بالنصر إلى مأتم عزاء لأخيها الحسين (عليه السلام). وبكلا الخطبتين أجادت وبكل جدارة فن التعامل مع الناس والتأثير الايجابي بهم وتحريكهم نحو الهدف الأسمى.. فيما كانت تهتم بجميع أفراد ركب السبايا فترعاهم وتواسيهم وتتفقدهم وترفع من همتهم وعزيمتهم وتؤثرهم على نفسها بالمأكل والمشرب، وتضيء الجانب المشرق كلما تفاقمت سوداوية الأحداث، فقد روي عن الإمام السجاد (عليه السلام):" لما أصابنا بالطف ما أصابنا، وقتل أبي عليه السلام، وقتل من كان معه من ولده وإخوته وسائر أهله، وحملت حرمه ونساؤه على الاقتاب يراد بنا الكوفة، فجعلت أنظر إليهم صرعى ولم يواروا فيعظم ذلك في صدري، ويشتد - لما أرى منهم - قلقي، فكادت نفسي تخرج، وتبينت ذلك مني عمتي زينب بنت علي الكبرى، فقالت: مالي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي ؟ فقلت: وكيف لا أجزع و أهلع وقد أرى سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمي وأهلي مضرجين بدمائهم، مرملين بالعراء مسلبين، لا يكفنون ولا يوارون، ولا يعرج عليهم أحد، ولا يقربهم بشر، كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر، فقالت: لا يجزعنك ما ترى فو الله إن ذلك لعهد من رسول الله صلى الله عليه وآله إلى جدك وأبيك وعمك، ولقد أخذ الله ميثاق اناس من هذه الامة لا تعرفهم فراعنة هذه الارض، وهم معروفون في أهل السماوات أنهم يجمعون هذه الاعضاء المتفرقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرجة، وينصبون لهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره، ولا يعفو رسمه، على كرور الليالي والايام وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه، فلا يزداد أثره إلا ظهورا، وأمره الا علوا"(9) وكانت (سلام الله عليها) تتسم بشجاعة فريدة وهي من أهم سمات الشخصية القيادية، وظّفتها خير توظيف في الدفاع عمّن كان تحت رعايتها وحمايتهم من كل سوء. فقد روي عن فاطمة بنت الحسين (عليهما السلام) أنها قالت:" ولما جلسنا بين يدي يزيد رق لنا فقام إليه رجل من أهل الشام أحمر فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية يعنيني وكنت جارية وضيئة فأرعدتُ وظننتُ أن ذلك جائز لهم فأخذت بثياب عمتي زينب وكانت تعلم أن ذلك لا يكون وفي رواية السيد قلت: أو تمت وأستخدم ؟ فقالت عمتي للشامي: كذبت والله ولو مت، والله ما ذلك لك ولا له، فغضب يزيد وقال: كذبت والله إن ذلك لي ولو شئت أن أفعل لفعلت، قالت: كلا والله ما جعل الله لك ذلك إلا أن تخرج من ملتنا، وتدين بغيرها، فاستطار يزيد غضبا وقال: إياي تستقبلين بهذا ؟ إنما خرج من الدين أبوك وأخوك، قالت زينب: بدين الله ودين أبي ودين أخي اهتديت أنت وأبوك وجدك إن كنت مسلما، قال: كذبت يا عدوة الله، قالت له: أنت أمير تشتم ظالما وتقهر لسلطانك، فكأنه استحيا وسكت، وعاد الشامي فقال: هب لي هذه الجارية فقال له يزيد: اعزب وهب الله لك حتفا قاضيا" (10) كما حفظت الإمامة وصانت الولاية بحفظها لشخص الإمام السجاد (عليه السلام) الذي تعرض أكثر من مرة الى محاولة قتل، كانت المحاولة الاولى بعد انجلاء غبار المعركة ومقتل أبي الأحرار (عليه السلام) وقد ذكر ذلك القرماني في كتابه أخبار الدول قائلاً: "همّ شمر الملعون عليه ما يستحق من الله بقتل علي الأصغر ابن الحسين وهو مريض فخرجت إليه زينب بنت علي وقالت: "لا والله لا يقتل حتى أقتل"(11). وأما الثانية ففي مجلس الطاغية عبيد الله بن زياد، قال الشيخ المفيد: "و عرض عليه [ابن زياد لعنه الله] علي بن الحسين فقال له: من أنت؟ قال: أنا علي بن الحسين. فقال: أليس قد قتل الله علي بن الحسين ؟ فقال (عليه السلام):"قد كان لي أخ قتله الناس. فقال له ابن زياد: بل الله قتله. فقال علي بن الحسين (عليه السلام): "الله يتوفى الأنفس حين موتها"(12) فغضب ابن زياد و قال: وبك جرأة لجوابي؟ وفيك بقية للرد علي اذهبوا به فاضربوا عنقه. فتعلقت به زينب عمته و قالت: حسبك من دمائنا و اعتنقته و قالت: والله لا أفارقه فإن قتلته فاقتلني معه. فنظر ابن زياد اليها ساعة ثم قال : عجبا للرحم والله إني لأظنها ودت أن أقتلها معه، دعوه فإني أراه لما به (13). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) صناعة القائد طارق السويدان ص41 (2) موقع الحياة الجديدة، مقال القيادة فطرية أم مكتسبة؟ د. زكريا الجمال (3) تاريخ الطبري ج6 ص236 (4) شجرة طوبى ص393 (5) مقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص179، باختلاف الألفاظ، وفي مستدرك الوسائل ج15 ص215 (6) شجرة طوبى ص63 (7) عصمة الحوراء زينب ص67. (8) شجرة طوبى ص441 (9) العوالم، الإمام الحسين (عليه السلام) ص364 (10) كتاب الارشاد ص 231 (11) انظر مع الركب الحسيني من المدينة الى المدينة , عزة الله الطبسي ج 6 ، ص 60 ـ 61 (12) الزمر : 42 (13) انظر مع الركب الحسيني ,عزة الله الطبسي ج 5 ، ص 124نقلا عن الفتوح , ج5 ،ص142 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
8047

وهدأتْ أنفاسُ الرضيع

بقلم: وفاء لدماء الشهداء تساقطَ الأولادُ والأصحابُ واحدًا تلو الآخر في الميدان مُضرّجين بقاني الدماء، فارتسمَ الحزنُ على وجهِ سيّدِ الشهداء، وازدادَ عمقُ الجرحِ في قلبِه المُثقلِ بهمومِ الرسالاتِ والأنبياءِ.. ها هو الآن، وحيدًا في الميدان، بعدَ قتلِ الصفوةِ المُختارةِ من أصحابِه وأهلِ بيته على يدِ طغمةٍ فاسدةٍ قد امتلأت بالحقدِ على أهلِ بيتِ النبوةِ وموضعِ الرسالة. التفتَ الإمامُ الحُسينُ (عليه السلام) إلى مٌخيّماته فوجدها خاليةً من تلك الوجوه التي كانت تُضيءُ سماءَ كربلاء بإيمانها وتفانيها في سبيلِ نصرةِ إمامِ زمانها. أجالَ النظرُ في تلكَ البقعةِ الداميةِ، فرأى أجسادَهم مُتناثرةً، وأعضاءهم مُبضعةً، ودماءهم تسيلُ كنهرٍ هادرٍ؛ لتغسلَ وجهَ التاريخ، وتمحوَ الرينَ عن قلوبِ الغافلين. قَلَّبَ السبطُ المظلومُ النظرَ في الخيامِ وأمعنَ النظرَ إلى النساءِ فرآهن وقد امتلأتْ قلوبُهن بالألمِ، وهُنَّ يرينَ إمامَ زمانِهن بتلكَ الحالةِ من الغربةِ والوحدة. والجميعُ كانَ يتطلعُ إلى وجهِ ذلكَ السبطِ الوحيدِ في ميدانِ الشهادة، ذلك الوجه الذي كانِ يزدادُ تلألؤًا كُلّما ضاقتْ عليه الأرضُ بما رحُبت! نظرَ إلى القومِ الذين احتشدوا لمواجهته، فنادى علَّ نداءه يصلُ إلى قلبٍ فيه بقايا حياة، أو إلى سمعٍ لا يزالُ يذكرُ وصايا رسولِ الإسلام (صلى الله عليه وآله) في حبيبِ قلبِه الحُسين (عليه السلام): هَلْ مِنْ ذَابٍّ يَذُبُّ عَنْ حَرَمِ رَسُولِ الله؟ هَلْ مِنْ مُوَحِّدٍ يَخَافُ اللَّهَ فِينَا؟ هَلْ مِنْ مُغِيثٍ يَرْجُو اللَّهَ فِي إِغَاثَتِنَا؟ فأتمَّ الحُجَةَ وأوصلَ الرسالةَ بأبلغ معانيها، وأجلى صورِها، ولكن هؤلاء الصُمّ البُكم العمي لم يكنْ ليؤثرَ فيهم كُلُّ ذلك، فسكتوا بل صكّوا أسنانهم حقدًا وبغضًا على ابنِ عليٍ ذاك الذي حطَّمَ أحلامَهم، وقضى على مُخططاتِهم، وأردى كبراءَهم، وجاهدَ أشياخهم، فأودعَ قلوبَهم حقدًا، وأوقدَ في نفوسِهم المريضةِ جمرًا لا يُطفئهُ إلا الانتقامُ من ذريته. تركهم السبطُ المظلومُ وتوجّهَ تلقاءَ خيمةِ شريكتِه في نهضتِه، ومن ستُكمِلُ من بعدِه مسيرتَه، نظرَ إليها ونظرت إليه، فرأتْ كُلَّ معاني الوداعِ واللهفةِ في عينيه، فطلبَ منها أنْ تُعطيه ولدَه الصغير؛ ليودَّعَه الوداعَ الأخير. دخلتْ ربيبةُ الزهراءِ (عليها السلام) خيمتَها فأتتْ برضيعِ أخيها، جاءتْ ومعها حسرةٌ ولوعةٌ على حاله الذي يذوبُ لأجلهِ كُلُّ قلب، ويذرفُ الروحَ بدلَ الدمعة، فقد يبسَ لسانُه من شدّةِ الجوعِ والظمأ؛ لأنّه لم يشربْ ماءً ولا لبنًا منذُ ثلاثةِ أيام! حملَ الإمامُ المظلومُ رضيعَه إلى القومِ؛ علَّ صحراءَ قلوبِهم ترقُّ لحالِه، أبرزَه إليهم حتى رأوه طفلًا صغيرًا لا يقوى على الحراكِ، يُغمى عليه حينًا بعد حين، همسَ في أذنِه ريحانةُ الأمين: "وَيْلٌ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِذَا كَانَ جَدُّكَ مُحَمَّدٌ الْمُصْطَفَى خَصْمَهُمْ". التفتَ به ناحيةَ القومِ الذين امتلأتْ قلوبُهم بالحقدِ والبغضِ لآلِ البيت (عليهم السلام) فقال: "يا قومُ، قَتَلْتُم شِيعَتي وأهلَ بَيْتِي، وقَدْ بَقِيَ هَذا الطِفلُ يَتَلَظَّى عَطَشًا، فاسقُوه شَربةً مِنَ المَاء". هتف الشيطانُ في جمعِهم، فأوقدَ لهيبَ الحقدِ في صدورهم، وباتَ يوسوسُ لهم، ويصمُّ عن سماعِ الحقِّ أسماعهم، وباتَ يستحثُهم لإكمالِ فصولِ الجريمة التي أثلجتْ قلبَه، وعوّضتْ عن خسارتِه لسنواتٍ عدة. وأخيرًا تمكّنَ الشيطانُ من حرملة، فانتفضَ اللعينُ مُعربدًا واستلَّ سهامَه المسمومةَ بخُبث، وراحَ يُسددها إلى رقبةٍ رقيقةٍ أضحتْ تلمعُ على صدرِ الحسين كأنّها إبريقُ فضة. فانطلقَ السهمُ الغادرُ فأصابَها بمقتلٍ، واخترقَها ليذبحَه من الوريدِ إلى الوريد، وتفجَّرَ الدمُ العبيطُ، وانتفضَ الطفلُ الصغيرُ من حرارةِ السهمِ الملتهبِ المسمومِ وأخرج يديه من قماطه؛ ليعانقَ الحُسينَ (عليه السلام) العناقَ الأخير.. بسط المظلومُ كفيه؛ ليجمعَ دماء ولدِه ويرمي بها إلى السماء، وردّد فؤادُه المكلومُ: "هَوَّنَ مَا نَزَلَ بِي أَنَّه بِعينِ اللهِ، اللهمَّ لا يَكُن أَهونَ عَلَيكَ مِن فَصيلِ (ناقَةِ صَالحٍ)، اللهمَّ إِنْ كُنتَ حَبَستَ عَنَّا النَّصرَ فاجْعَلْهُ لِمَا هُوَ خيرٌ مِنه، وَانتقِمْ لَنَا مِنَ الظَّالِمين". وقفلَ راجعًا إلى الخيامِ مُحتضنًا رضيعه الذي أضحى وكأنّه ياقوتةٌ حمراء، استقبلته ابنته سكينة: "أبِ يا حسين، لعلّك سقيتَ عبدَ الله ماءً وأتيتنا بالبقية؟ فنزلت كلماتُ أبيها على رأسها كالصاعقة وهو يقول بألم: "هذا أخوكِ مذبوحٌ من الوريدِ إلى الوريد". جاءت عمته زينب وأمّه الربابَ وعمته أمَّ كلثومٍ وبقية مُخدّراتِ الرسالة، فتصاعدتِ الأنّات، واحترقتِ القلوب، وعلتِ الأصواتُ بالبكاء والآهات، وعُقِدَ مأتمُ الرضيع في أرضِ النجيع، واحترقَ قلبُ الأبِ الشفيقِ على حالِ ولدِه الرقيق، فجاءَ النداءُ من ربِّ السماء: "دعْه يا حُسينُ؛ فإنّ له مُرضِعًا في الجنّة". رحلَ الرضيعُ (عليه السلام) مُخضبًا بدمهِ شهيدًا وشاهدًا على هذه الأمة، وبقيتْ جريمةُ قتلِه تهزُّ الوجدانَ وتُزلزِلُ المشاعر، وتُعرِبُ عن حقارةِ الدنيا وأتباعها الذين يستسهلونَ إراقةَ دماءِ الأبرياء من أجلِ حفنةٍ من الرُكامِ الفاني والملذاتِ الزائلة. وأصبحتْ هذه الجريمة فرقانًا بين الحقِّ والباطل، بين منهجِ الإصلاحِ والتغييرِ وهمجيةِ الفسادِ والتضليل، بين رموزِ الفضيلةِ وأقطابِ الرذيلة، ففضحتِ المنافقين، وبيّنتْ وهنَ شعاراتِهم وحبائلَ مكرهم وخداعهم، وأفصحت بما لا يدع مجالًا للشكِّ في أنَّ الحقَّ مع الإمامِ الحسين (عليه السلام)، وأنَّ هؤلاءِ شرذمةٌ باغيةٌ تطلبُ المُلكَ والسُلطانَ، ولا تتورعُ عن أيّ قبيحٍ في سبيلِ الوصولِ إلى مآربِها الخبيثة التي هي امتدادٌ لنهجِ وخطِّ من سبقوها. فبوركَ من دمٍ زكيٍ فضحَ الدعيَّ بن الدعي، وأضافَ إلى سجلِ التضحياتِ الجسامِ رقمًا جديدًا يُنصَرُ من خلاله السبطُ الأبي، وهنيئًا لمن وعى ويعي وسيعي هذه الحقائق اليومَ، ويتخذُ من الأمسِ منارًا لفهمِ الأحداثِ، وقراءة الواقعِ حتى الوصول إلى ضفةِ السلامةِ دون الوقوعِ في حبائلِ الخداعِ الأموي، الذي لا يزالُ مُمتدًا وإنِ اتخذَ أشكالًا أخرى ربما تنطلي وتشتبهُ على الكثير، ولكن لا يعبأُ بها الحُرُّ الواعي، ويتمكنُ من تشخيصِها أولَ انطلاقِها كُلُّ مؤمنٍ تقي.

اخرى
منذ 5 سنوات
1308

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
86062

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
72141

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
58101

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 7 سنوات
49768

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
47567

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
38635