تشغيل الوضع الليلي

النساءُ ونُصرةُ الإمامِ الحُسين (عليه السلام) دلهم بنت عمرو نموذجًا (1)

منذ شهر عدد المشاهدات : 161

بقلم: زينب سامي
مقدمة:
وأنا أكتبُ وأُفكِّرُ بموقفِ (دلهم) تساءلتُ بيني وبين نفسي: لو كنتُ مكانها ووضعتني الأقدار بمثل هذا الموقف، هل سأكونُ قويّةً مثل (دلهم) وأتخلّى عن شريكِ حياتي من أجلِ إمام زماني!
حينها أدركتُ كم كان قرارُ دلهم وكلماتُها عظيمةً؛ فاستلهمتُ من ذلك الموقفِ بعضَ الأمور؛ أحببتُ أنْ اطرحَها هُنا:
المحورُ الأوّل: من هي دلهم وما هو موقفها؟
لم تذكرْ لنا المصادرُ وكُتُبُ الرجالِ شيئًا عنها سوى اسمها وهو "دلهم بنت عمرو" وموقفها الخالد، وهو حسبُما ذُكِرَ باختصار أنّ زوجَها زُهير بن القين كانَ في سفرٍ، وكان أشدَّ ما يكره أنْ يلتقيَ مع الإمامِ الحُسينِ (عليه السلام)، ويبتعدَ عن الإمامِ كُلّما صادفَه، ثم بعدَها جمعتْه الأقدارُ مع الإمامِ، وطلبَ الإمامُ زهيرًا ودعاه للحديثِ معه، فهُنا جاءت كلماتُ دلهم؛ لتُنقِذَ زوجَها من الضلالةِ ومن البُعدِ والصّدِ عن إمامِ زمانه.
قال أبو مُخنَّف: فحدّثتْني دَلهمُ بنت عمرو وهي امرأةُ زُهيرٍ قالت: «فقُلتُ له: الله! أيبعثُ إليكَ ابنُ رسولِ الله ثم لا تأتيهِ! سُبحانَ الله، لو أتيتَهُ فسمعتَ من كلامِه ثم انصرفت.
فأتاهُ زهيرُ على كُره؛ فما لبثَ أنْ جاءَ مُستبشرًا قد أشرقَ وجهُه، فأمرَ بفسطاطهِ وثقلهِ ورحلهِ فحوّل إلى الحُسين (عليه السلام)، ثم قال لامرأته: أنتِ طالق، الحقي بأهلكِ فإنّي لا أُحِبُّ أنْ يُصيبَكِ بسببي إلا خيرٌ، وقد عزمتُ على صُحبةِ الحُسين (عليه السلام) لأُفديهِ بروحي وأقيهِ بنفسي، ثم أعطاها مالَها وسلّمها إلى بعضِ بني عمِّها ليوصلَها إلى أهلها، فَقامتْ إليه وبكتْ وودعتْه، وقالتْ: خارَ اللهُ لكَ، أسألُك أنْ تذكرني في القيامةِ عندَ جدِّ الحُسين (عليه السلام) وقالَ لأصحابه: من أحبَّ منكم أنْ يتبعني، وإلا فهو آخرُ العهدِ مني"1
هناك بعضُ الدروسِ التي نستلهمُها من موقفِ دلهم، ويُمكِنُ أنْ تساعدَ المرأة الرسالية في دربِها؛ فهدفُ المرأةِ الرسالية هو هدايةُ الناسِ ومُساعدتِهم حينَ تشتدُّ عليهم فتنُ الضلالةِ، وهنا نرى كيف كان موقفُ وكلماتُ دلهم قد ساعدتْ زوجَها لكي يخرجَ من ضلالِ الفتنِ إلى نورِ الحقِّ؛ لنُبحِرَ معًا بموقفِها ونتدبّر لعلّنا نهتدي.
الكلمةُ وتأثيرُها وأهميتُها في حياةِ الرّسالية:
إنَّ الكلمةَ هي من أهمِّ الأسلحةِ التي تحتاجُها المرأة في رحلتِها الرّسالية؛ فالكلماتُ هي ترجمةٌ لعقيدتِها التي تنبضُ في قلبِها، وهي سبيلُ الهدايةِ وهي رحمةٌ إلى العبادِ تسوقُهم إلى بارئهم، فكم من كلمةٍ غيّرتْ مجرى حياةِ أحدِهم؛ وكم من كلمةٍ جعلتْ إنسانًا يتراجعُ عن قرارٍ كانَ بهِ هلاكُه، ومن مصاديق ذلك كلماتُ دلهم زوجةِ زُهيرٍ التي استطاعتْ أنْ تدخلَ إلى قلبِه فتُغيّر حياتَه؛ ليُصبِحَ أحدَ أنصارِ الإمامِ الحُسين (عليهم السلام) الذين قالَ عنهم الإمامُ الحُسين (عليه السلام): "فإنّي لا أعلمُ أصحابًا أوفى ولا خيرًا من أصحابي..."
فكيف يُمكِنُ أنْ نجعلَ كلماتِنا تُحوِّلُ حياةَ الآخرين إلى أنصارٍ وجنودٍ لإمامِ زمانهم.
هناك عواملُ تجعلُ للكملةِ تأثيراً في نفوسِ الآخرين، وهي:
أولًا: التّفكُّرُ والتّدبُّر.
ثانيًا: أنْ نختارَ الكلامَ الليّن.
ثالثا: اختيارُ الوقتِ والأشخاصِ المُناسبين لهذه الكلمةِ التي سوفَ نقولها.
رابعا: أنْ نؤمنَ بكلمتِنا.
أولًا: التّفكُّر والتّدبُّر:
إنَّ من أهمِّ الصّفاتِ التي تتوفرُ في الكلمةِ التي يجبُ أنْ تقولَها الرّساليةُ إلى الآخرين هي التّفكيرُ في الكلام والتّدبُّرُ به، فحينما نُفكِّرُ ونتدبّرُ سوفَ نعرفُ متى نختارُ الصّمتَ، ومتى نختارُ الكلامَ، ومصداقُ حديثِنا هنا دلهم التي حينما رأتْ إعراضَ زوجِها عن رؤيةِ الإمامِ الحُّسين فكّرَتْ، وتدبّرتْ ورأتْ أنّ ابتعادَ زوجِها عن الإمامِ الحُسين (عليه السلام) لا خيرَ فيه فرأتْ هُنا أنّ كلامَها أفضلُ من سكوتِها، فاختارته.
وأيضًا نستدلُّ على أنَّ كلماتِها كانتْ عن تدبُّرٍ وتفكيرٍ وعن عقلٍ راجح: أنّ الأوضاعَ في تلك الفترةِ كانتْ فتنةً ضاريةً، وأكثرُ النّاسِ قد سقطوا في تلك الفّتنة حتى زوجها، إذ أعرضَ عن إمامِ زمانِه نتيجةَ وقوعِه في الفتنة، أما دلهمُ فلم تقعْ فيها، أو عرفت كيفَ تخرجُ منها، وكانتْ ترى الحُسينَ نورًا ومنهاجًا لطريقِ الخلاصِ؛ لهذا حثّتْ زوجَها للامتثالِ لدعوةِ الإمامِ (صلواتُ الله عليه).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ أعيان الشيعة السيد محسن الامين ج ١ ص ٥٩٥

اخترنا لكم

مصحف فاطمة (عليها السلام)

تمهيد أخذت المذاهب المخالفة تستمر في طعنها بالمذهب الشيعي، حتى زعمت أنّ مصحف فاطمة الزهراء (عليها السلام) هو قرآن غير القرآن الكريم، وبات القوم يرددون أنّ قرآن الشيعة محرَّف، وأنّهم كافرون. والصحيح ما سوف يعرفه القارئ بروح مجردة، بعيدة عن الانحياز إلى جهةٍ دون اخرى. هل طرق سمعك أيّها القارئ مصحفُ عائشة، ومصحف عمر ابن الخطاب، ومصحف ابن مسعود؟! وهل تساءلت: ما معنى المصحف لغةً؟! لذلك لابد من تسليط الضوء على الموضوع من خلال المطالب التالية: الـمطلب الأول: حقيقة مصحف فاطمة (عليها السلام). الـمطلب الثاني: منزلة مصحف فاطمة (عليها السلام). المطلب الثالث: الدليل على وجود مصحف فاطمة (عليها لسلام). المطلب الرابع: محتوى مصحف فاطمة (عليها السلام) وكيفيّة نزوله. المطلب الخامس: مَن كتب مصحف فاطمة (عليها اسلام)؟ الـمطلب الأول: حقيقة مصحف فاطمة (عليها اسلام) المصحف لغةً: المصحف من اصحف بالضمّ ـ أيّ جعلت فيه الصحف(1) ، وسمّي المصحف مصحفاً "لأنّه اصحف ايّ جعل جامعاً للصحف المكتوبة بين الدفتين"(2). وبناء عليه ، "فالمصحف ليس اسماً مختصاً بالقرآن الكريم. ويشهد لذلك ما رووه في وجه تسمية المصحف مصحفاً ، فقد روى ابن اشتة في كتاب المصاحف انّه لما جمعوا القرآن فكتبوه في الورق قال أبو بكر : التمسوا له اسماً ، فقال بعضهم : السفر ، وقال بعضهم : المصحف فان الحبشة يسمّونه المصحف. قال : وكان أبو بكر أوّل من جمع كتاب الله وسمّاه المصحف"(3). وإطلاق المصحف على مصحف فاطمة (عليها السلام) هو إطلاق لغوي لا كما يتبادر إلى أذهاننا اليوم، لذلك فإن الإمام الصادق (عليه السلام) يقسم بالله تعالى على أنّ مصحف فاطمة (عليها السلام) ليس فيه من قرآنكم حرف واحد، بل هو كتاب حوى أخبار بعض الغيب الذي أطلعه الله سبحانه على فاطمة الزهراء (عليها السلام). فمصحف فاطمة (صلوات الله عليها) هو كتاب عظيم المنزلة أملاه جبرائيل الأمين على سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السَّلام) بعد وفاة أبيها رسول الله (صلَّى الله عليه و آله) و ذلك تسكيناً لها على حزنها لفقد أبيها (صلَّى الله عليه و آله) .كما ويُعتبر من جملة ودائــع الإمامة. الـمطلب الثاني: منزلة مصحف فاطمة (عليها السَّلام) اُعتبر هذا المصحف أول مصنّف في الإسلام ، حيث إن الزهراء (عليها السَّلام) توفيّت في الثالث من شهر جمادى الأولى (في الرواية المشهورة)، و لم يكتب قبل هذا التاريخ كتاب في عصر الإسلام، وله من القداسة مكان؛ وهو مجموع حديث جبرائيل الأمين لفاطمة ( عليها السلام ) فهو من الوحي . و لا غرابة في ذلك إذ إنّ الزهراء (عليها السَّلام) كانت محدّثة (أي يُكلّمها الوحي) ، وليست الزهراء هي الوحيدة التي حدّثتها الملائكة، فقد كانت مريم بنت عمران محدّثة حينما بشّرتها الملائكة بأنها سيكون لها ولد (عيسى)، كما كانت أم موسى بن عمران (عليه السَّلام) محدّثة حينما أمرتها الملائكة بأن تلقي ولدها موسى في اليم. وكذا سارة زوجة النبي إبراهيم (عليه السَّلام) أيضاً كانت محدّثة فقد رأت الملائكة فبشروها بإسحاق ويعقوب؛ ذلك أن الحديث مع الملائكة رغم أهميته و عظمته فهو ليس من علامات النبوة و خصائصها، فمن ذكرناهن لسنَ من جملة الأنبياء كما هو واضح، لكن الملائكة تحدثت إليهن، فـهكذا الحال مع فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) سيدتهنّ، حدّثها الوحي وجمعت تلك الاحاديث في كتابٍ سُمي بمصحفُ فاطمة، فلهذا هو مقدّس، لكن درجة تقديسه لا تفوق درجة قداسة القرآن الكريم، فلا كتاب يضاهي قداسة كتاب الله تعالى. الـمطلب الثالث: الدليل على مصحف فاطمة (عليها السلام) إن قيل: ما الدليل القرآني على وجود مصحف فاطمة (عليها السلام) ؟ اُجيب: من غير الصحيح حصر الدليل بالقرآن الكريم، فقد ثبت أنّ أحاديث السنة النبوية هي حجة كما القرآن الكريم. ولو انتقلنا إلى الدليل الروائـي نقلاً عن لسان أهل البيت (عليهم السلام) لوجدناهم يصرحون بوجوده وبأنّ المصحف فيه أنباء من بعض علم الغيب، ومن تلك الروايات التالي: 1-روي عن الإمام الصادق ( عليه السَّلام ) : " ... أما إنه ليس فيه شيء من الحلال و الحرام ، و لكن فيه علم مــا يكون"(4). 2- قال الإمام الصادق ( عليه السَّلام ) : " و ليخرجوا مصحف فاطمة فان فيه وصيّة فاطمة "(5). 3-روي عن الامام الصادق (عليه السلام) انه قال : "يا فضيل أتدري في أي شيء كنت انظر قبيل؟ قال: قلت: لا، قال: كنت أنظر في كتاب فاطمة عليها السلام ليس من ملك يملك الأرض الا وهو مكتوب فيه باسمه واســم أبيه وما وجدت لولد الحسن فيه شيئا"(6). 4-و قال العلامة المجلسي ( رحمه الله ) : "الظاهر من أكثر الأخبار اشتمال مصحفها على الأخـبار فقط"(7). وليس المقصود من عبارة (ما فيه من قرآنكم حرف واحد) عدم وجود آية قرآنية فيه، بل المقصود كما ذكر في شرح اصول الكافي: "أي وجه واحد من وجوه المعاني والأحكام بل فيه علم ما يكون من الحوادث اليومية وأحوال الجنة والنار وأهلهما. وأحوال أبيها ومكانه وأحوال ذريتها وما يجري عليهم وأحوال شيعتهم إلى يوم القيامة"(8). المطلب الرابع: كيفيّة نزول مصحف فاطمة (عليه السلام) ومحتواه من الروايات يمكن أن نعرف محتوى مصحف فاطمة، إذ فيه علم ما يكون من أنباء الغيب، أنزله الوحي عليها (عليهما السلام). -فإن قيل: إنّ الوحي من مختصات النبوّة ! -قلنا: كلا، كما تقدمت الإشارة إليه. ولذا فإنه عندما سئل الإمام الصادق (عليه السَّلام) عن مصحف فاطمة (عليها السَّلام) قال : " إنّ فاطمة مكثت بعد رسول الله (صلَّى الله عليه و آله) خمسة و سبعين يوماً، و كان [قد] دخلها حــزنٌ شديد على أبيها، و كان جبرئيل يأتيها فيُحسن عزاءَها على أبيها، و يُطيّب نفسها و يخبرها عن أبيها و مكانِه، و يخُبرها بما يكون بعدها في ذريتها، و كان عليّ (عليه السَّلام) يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة "(9) . وعن حمّاد بن عثمان ، عن الإمام الصادق (عليه السَّلام) أنه لما سأله : و ما مصحف فاطمة ؟ قال (عليه السَّلام) : " ... إنّ الله تعالى لمّا قبض نبيه ، (صلَّى الله عليه و آله) دخل على فاطمة من وفاته من الحـــزن ما لا يعلمه إلا الله عَزَّ و جَل، فأرسل الله إليها ملكاً يسلّي غمّها و يــحدثها، فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين (عليه السَّلام) فقال : إذا أحسست بذلك و سمعت الصوت قولي لي، فأعلمته بذلك ، فجعل أمير المؤمنين (عليه السَّلام) يكتب كلّما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفاً . ثم قال :أما إنه ليس فيه شيء من الحلال و الحرام ، و لكن فيه علم ما يكون "(10). فإن قال المخالف: كيف تعلم فاطمة (عليها السلام) بالغيب وينزل عليها الوحي ؟ وتكليم الوحي والعلم بالغيب من مختصات الأنبياء -اُجيب بما تقدم: أنّ سارة زوجة ابراهيم النبيّ، مريم العذراء ام عيسى النبيّ، ام داوود النبيّ، هل هنّ نبيّات؟ -إن قلتَ نعم، فلم تصدق القول. -وإن قلتَ لا، إذاً كيف كلمهنّ الوحي! وهل هنّ أفضل من فاطمة بنت حبيب الله التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها ؟! ومن يعترض على تكليم الوحي لفاطمة (عليها السلام) نريده أن يعترض على تكليم الوحي لأم النبي موسى (عليه السلام) حينما أمرها أن تلقي ابنها في اليم (البحر) وكذلك مريم العذراء كلمها الوحي وقال لها (هزّي إليكِ بجذع النخلة)، وكلمتها قبل ذلك الملائكة وأخبرتها بأنها سيكون لها ولد. وليقرأ ما رواه مسلم في صحيحه عن حذيفة أنه قال: "أخبرني رسول الله (ص[صلى الله عليه وآله وسلم]) بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة فما منه شيء إلا قد سألته إلا أني لم أساله ما يخرج أهل المدينة من المدينة"(11). فلا يستغرب بعد ذلك حفظ أهل البيت ذلك كله عن رسول الله (صلى الله عليهم أجمعين). المطلب الخامس: إملاء المصحف كان من أي ملَك؟ هنالك روايات قالت بأن الوحي الذي كلّم فاطمة (عليها السلام) هو جبرائيل، وروايات اخرى قالت أنّه ملكٌ عادي وليس جبرائيل، فاختلفت الروايات في ذلك. فإن قيل: ما السبيل للجمع بين هذه الروايات ؟ -اُجيب: انّ الروايات مختلفة لكنها ليـــست بمتعارضة حيث أنّ الحديث الذي يتضمن القول بأنّ جبرائيل (عليه السلام) هو الذي كان يسلّي فاطمة (عليها السلام) ، لا يعارض الحديث الذي يقول : إن ملكاً كان يسليها ويحدثها فلا مانع من ان يكون الملَك هو جبرائيل، كما ان خبر تسمية الملّك قد صححه العلامة المجلسي في كتابه بحار الانوار. وجاءت الروايات مختلفة بشأن إملاء ذلك المصحف ، فقد أدعى البعض : إن الأحاديث حول مصحف فاطمة عليها السلام متعارضة لأن بعضها يذكر أنه من إملاء رسول الله وكتابة علي عليه السلام(13) . والبعض الآخر يذكر أنه كان ملك يأتيها بعد وفاة أبيها يحدثها، وكان علي عليه السلام يكتب ذلك ، فكان مصحف فاطمة(14) فالحقيقة انه لا تعارض بين الروايتين؛ لماذا؟ لأن معنى التعارض في الروايات هو أن تكون الروايات متكاذبة في ظاهرها ، تثبت هذه شيئا وتلك تنفيه، فإذا لم يمكن الجمع بينها، فلا بد من طرحهما أو طرح إحداهما ، إلا إذا وجد مرجح لأحداهما ، والأحاديث التي تحدثت عن مصحف فاطمة ليست كذلك (أي ليست بمتعارضة) كما تبين. ............................................................................ (1) القاموس المحيط: الفيروزآبادى ، مادة صحف. (2) الخليل ، العين ۳ : ۱۰ و ابن منظور ، لسان العرب ماده الصحف. (3) الاتقان في علوم القران: للسيوطي، ج ۱، ص ۱۸٥. (4)الكافي : 1 / 240 . و بصائر الدرجات : 177- ح 18. و موسوعة الإمام الصادق ( عليه السلام ) : 10 / 93 – ح 5388. و بحار الأنوار : 26 / 44 . (5) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي، ج 26 ، ص 43. (6) الكافي: لشيخ الكليني، ج 1، ص 238 – 242. (7) بحار الأنوار :26 / 40. (8). شرح اصول الكافي: للمازندراني,ج 5، ص 337. (9) الكافي: للشيخ الكليني، ج ١، ح5. (10) المصدر نفسه، ح2. (11) صحيح مسلم: للإمام مسلم، ج8، ص173. (12) البخاري: للإمام البخاري، ج 4، ص200. (13) في البحار : ج 43 ص 79 و ج 26 ص 41، والبحار : ج 46 ص 41 و 42 و 47 و 48 و 49 و 271. (14)الكافي : ج 1 ص 41 و 240 و 457 و 458. وبصائر الدرجات : ص 157 و 153 ، 159. والخرائج والجرائح : ج 2 ص 526 . وبحار الأنوار : ج 26 ص 41 و 240 و ج 43 ص 79 و 80 و ج 22 ص 545 و 546. والحمد لله رب العالمين وصل اللهم على محمدٍ وابنته وآله الميامين. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنة
4541

ضياءٌ وإحياء من كلام ربِّ السّماء (١)

بقلم: علوية الحسيني إمهالٌ لا إهمال إنّ المتأمل في آيات القرآن الكريم يجد أنّ الله تعالى يمهل بعض أهل الباطل، وأخرى يعجّل لهم العقاب، وليس ذلك بتناقضٍ؛ لحكمته تعالى. فكل آيةٍ يفهم منها إمهال الله تعالى لعباده، نجدها مقرونة محددة بإطار زمني محدد لذلك الإمهال. وفي قبال ذلك لا توجد آية واحدة تنص على إهمــال الله تعالى لأهل الزيغ والبطلان؛ إذ ذلك منافٍ لحكمته. وسوف تضيء وتحيي لنا النهجَ الآياتُ القرآنية، من خلال النقاط التالية: ■النقطة الأولى: قواعد كليّة إنّ المتأمل في الآيات القرآنية التي تطرقت إلى الإمهال يستخلص منها قواعد كليّة، منها: 1- الإمهال مذكور لفظًا أو بما يرادفه. 2- الإمهال يعطيه الله تعالى لأهل الباطل. 3- الإمهال مؤطر بفترةٍ زمنية محدودة. 4- الإمهال لا ينافي عدل الله سبحانه وتعالى وحكمته. ■النقطة الثانية: تطبيقاتٌ جزئية إنّ المتأمل في الآيات الكريمة يجد أنّ الله تعالى عبّر عن لفظ الإمهال بنفس اللفظ، واخرى بلفظٍ مغاير، وهو لفظ (الذر: أي الترك)، وجميع تلك الآيات تنطبق عليها القواعد الكليّة الأربع أعلاه، نتبرّك ببعض منها ضمن النقاط التالية: •أولاً: قوله تعالى: {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا}(1)، وكقوله تعالى{فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدا}(2)، ونستنتج من هاتين الآيتين: 1- الإمهال واضح بيانه في سياق الآيتين. 2- الإمهال كان متعلقًا بأهل الباطل، ومصداقهم حسب سياق الآيات هم المكذِّبون والكافرون. 3- الإمهال محدد بسقفٍ زمنيٍ محدد، لم تشخصه الآية، فنجدها عبّرت عنها بالقليل. فالرويد: أي "القليل"(3)، فيكون معنى أمهلهم رويدًا، كمهِّلهم قليلا. وهذه القلّة الزمنية محددة بمشيئة الله تعالى؛ إذ متى شاء أنزل على اولئك العقاب، وأنهى مدّة الإمهال. 4- إنّ إمهال الله تعالى لأولئك المكذِّبين والكافرين لا ينافي عدله وحكمته تعالى؛ إذ ليس معنى الإمهال الإهمال، بـل لرحمته بعباده يمهلهم فترة، ويحلم عليهم، لعلّهم يتوبون، فإذا لم يتوبوا جرى حكمه عليهم. •ثانياً: قوله تعالى {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُون} (4)، ونستنتج من هذه الآية: 1- الإمهال جاء بلفظ مغاير، إلاّ أنّه يؤدي نفس معناه، حيث جاء في تفسير هذه الآية: "أمر برفع اليد عنهم وتركهم وما هم فيه من الباطل وهو كناية عن النهى عن الجدال معهم والاحتجاج عليهم"(5). 2- الإمهال كان متعلقًا بأهل الباطل، فمن يكن تفكيره ومنطقه محددًا بحدود ما يأكل، وما يتمتع به من ملذات الحياة الدنيا، ويعش في عالم الآمال، دون سعيٍ حثيثٍ منه لأن يطابق ما يقوم به مع الشرع القويم، فهو من أهل الباطل؛ إذ تفكيره قريب من التفكير البهيمي، وأبعد عن التفكير الإنساني، فيكون الجدال معه عقيمًا، وتركه حلاً سليما؛ ولهذا أعرض الله تعالى عنهم وأمـهلهم، لعلّهم يرجعون إلى طريق الحق. 3- الإمهال محدد بسقفٍ زمنيٍ محدد؛ فأكلهم، وتمتعهم، وأمانيّهم، محــدود بـحياتهم، فما إن دقت ساعة صفر حياتهم، وفارقوا عالم دنياهم، انتهت فترة إمــهالهم التي أمهلهم الله تعالى. 4- إنّ قوله الله تعالى في ذيَّل الآية (فسوف يـعلمون؛ يدلَّ على عدله وحكمته سبحانه، وهذا يعني أنّ اولئك إذا لم يرجعوا للطريق القويم في حياتهم فسوف يدركون أحقية الطريق الذي نبذوه، وبطلان ما سلكوه، إذ من عدله تعالى أن يعاقب المسيء، ويثيب المطيع، وعقابه تعالى لهم إما في الدنيا والبرزخ والآخرة، أو في البرزخ والآخرة، فظهور الآية لا يعطينا تحديد الوقت الذي ينزل الله تعالى غضبه على اولئك، وعندها نقف. •ثالثًا: قوله تعالى: {فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُون}(6) نستنتج من هذه الآية: 1- الإمهال جاء بلفظ مغاير، إلاّ أنّه يؤدي نفس معناه، حيث جاء في تفسير هذه الآية:" أمر بمعنى اتركهم"(7) 2- الإمهال كان متعلقًا بأهل الباطل؛ لأنه وحسب ظاهر الآية الكريمة أنّ الممهَلين كانوا يستهزؤون بيوم المعاد. 3- الإمهال محدد بسقفٍ زمنيٍ محدد، وهو ما أشار إليه الله تعالى بكلمة (يومهم) 4- عدالة الله تعالى واضحةٌ جليّة بتنفيذ العقاب بحق أولئك؛ بقرينةٍ لفظيةٍ ادرجت في ذيل الآية (فيه يصعقون)، "والمراد باليوم الذي فيه يصعقون يوم نفخ الصور الذي يصعق فيه من في السماوات والأرض وهو من أشراط الساعة قال تعالى: ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض"(8). فيوم صعقهم هو يوم موتهم، وبعد موتهم يتجلّى لهم العدل الإلهي، فبعد أن أمهلهم ولم يستجيبوا آن أوان عقابهم؛ نتيجة استهانتهم واستهزائهم بما أُمروا. •رابعًا: قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُون}(9) نستنتج من هذه الآية: 1- الإمهال جاء بلفظ مغاير، إلاّ أنّه يؤدي نفس معناه، فالذر هو الترك. 2- الإمهال كان متعلقًا بأهل الباطل؛ لأنّ من يكون عدوًا للأنبياء (عليهم السلام) فهو شيطان إنسيًا كان أو جنيّا. 3- جزمًا أنّ إمهالهم محدد بفترة زمنية محددة، وإن لم تشر الآية إلى ذلك، فعقلاً، وبمقتضى حكمته تعالى أنّه يمهل الضالين مدّة محددة ثم يعاقبهم. 4- عدالة الله تعالى أيضًا مجزوم بتحققها عقلاً، حيث وعد الله سبحانه المضلين بالعقاب، ولن يخلف الله وعده؛ لأنّ خلف الوعد قبيح، والقبيح لا يفعله الله (جلّ جلاله) •خامسًا: قوله تعالى: {مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ ۚ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون}(10) ونستنتج من هذه الآية: 1- الإمهال جاء بلفظ مغاير، إلاّ أنّه يؤدي نفس معناه، فيذرهم بمعنى يتركهم، يمهلهم. 2- الإمهال كان متعلقًا بأهل الباطل؛ لأنّ مَن يكون ضالًا فهو من أهل الباطل. 3- مدّة الإمهال محددة أيضًا؛ فطغيان اولئك الضالين، وعدم امتثالهم لأحكام الله تعالى، وجحودهم به سبحانه إنّما يكون محدودًا في عالم الدنيا فقط، فالدنيا لم تدم للمستقيمين، فكيف تدوم للضالين ؟! وما تمديده لمدّة امهالهم إلاّ لـحكمة هو سبحانه أعلم بها. 4- عدالة الله تعالى متحققة رغم امهاله لأولئك الضالين المدّة، للسبب أعلاه في النقطة الرابعة. •سادسًا: قوله تعالى: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُون}(11) 1- الإمهال جاء بلفظ مغاير، إلاّ أنّه يؤدي نفس معناه، فيذرهم بمعنى يتركهم، يمهلهم. 2- الإمهال كان متعلقًا بأهل الباطل، فمن تعرض عليه الحجّة ويخوض في الجدال بأحقيتها، ويتخذ من الحياة الدنيا لعب ولهو، فهو من أهل الباطل. 3- مدّة الإمهال محددة أيضًا، فاليوم الذي يوعدون به هو يوم القيامة، وهو سقف زمني محدود، ولحكمته تعالى يمهلهم. 4- عدالة الله تعالى متحققة رغم امهاله لأولئك اللاهين المجادلين المدّة، للسبب أعلاه في النقطة الرابعة السالفة الذكر. ■النقطة الثالثة: لماذا الإمهال؟ من خلال صفات الله تعالى –كالرحمة والحكمة- يمكن أن يُجاب عن هذا السؤال، فيقال: يــمهل أهل الباطل رحمةً منه بهم، ويمنحهم بذلك فرصةً اخرى لـيتوبوا ، وكأنه تعالى يخاطبهم فردًا فردًا: يا عبدي سآخذ بيديك المتعبتَين والملوثتَين بالذنوب، وأكسيك بثياب العفو والمغفرة. يا عبدي: قم وادخل مع كل الأمل من باب التوبة، وضع قدميك في مدينة الاستغفار، واغسل بدنك في كوثر الدموع من خوف الله تعالى والشوق له، عندها ستنعم بأشعة العفو الذهبية، وستتذوق طعم حلاوة المناجاة الخشوعية. ولا شك في عظم الحكمة في ذلك، فأن يفعل الله تعالى بالعبد العاصي ما يرجعه إلى الطريق القويم لهو أمر حكيم. والأثر بعد التوبة يعود بالنفع إلى العاصي لا إلى الله تعالى؛ إذ هو الغني عن توبة عباده، إلاّ أنّه لرحمته بهم يريد لهم الكمال، "روي عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) يَقُولُ: إِذَا تَابَ الْعَبْدُ تَوْبَةً نَصُوحاً أَحَبَّهُ الله فَسَتَرَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَقُلْتُ وَكَيْفَ يَسْتُرُ عَلَيْهِ؟ قَالَ يُنـــْسِي مَلَكَيْهِ مَا كَتَبَا عَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَيُوحِي إِلَى جَوَارِحِهِ اكْتـــُمِي عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ وَيُوحِي إِلَى بِقَاعِ الأرْضِ اكْـــتُمِي مَا كَانَ يَعْمَلُ عَلَيْكِ مِنَ الذُّنُوبِ فَيَلْقَى الله حِينَ يَلْقَاهُ وَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الذُّنُوبِ"(12) ■النقطة الرابعة: التفاتة عقائدية بعد الإمهال لو تاب العبد، وستر الله تعالى عليه ذنوبه، نواجه روايات تقول: إنّ الله تعالى يفرح بتوبة عبده، حيث روى "عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عَلَيهِ السَّلام) يَقُولُ: إِنَّ الله تَعَالَى أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ أَضَلَّ رَاحِلَتَهُ وَزَادَهُ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ فَوَجَدَهَا، فَالله أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ بِرَاحِلَتِهِ حِينَ وَجَدَهَا"(13). فكيف يفرح الله تعالى؟ وهل يفرح كفرحنا؟ أم يجب تأويل هذه الكلمة؛ لتنزيه الله سبحانه عن أن تكون له حالات نفسانية يفرح ويحزن ويغضب ويرضى بها؟ الجواب: تعتقد الشيعة الامامية أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، ليس جسمًا حتى تطرأ عليه هذه الانفعالات؛ لأنّ ذلك يلزم منه تغيّر ذاته سبحانه، والمتغيِّر محتاج، والمحتاج مخلوق، والله جلّ جلاله خالق وليس بمخلوق، ولا يجري على نفسه ما أجراه على مخلوقاته. إذًا فالانفعالات النفسية –ومنها الرضا، أو الفرح- تطرأ على المخلوقات، وحاشا الله سبحانه من الاتصاف بها. روي "عن هشام بن الحكم أن رجلا سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الله تبارك وتعالى له رضا وسخط؟ فقال: نعم، وليس ذلك على ما يوجد من المخلوقين، وذلك أن الرضا والغضب دخال يدخل عليه فينقله من حال إلى حال، معتمَل[منفعل يتأثر من الأشياء، وتقدير الكلام: لأن المخلوق معتمل]، مركب، للأشياء فيه مدخل وخالقنا لا مدخل للأشياء فيه، واحد، أحدي الذات، وأحدي المعنى، فرضاه ثـوابه، وسخطه عقابه من غير شيء يتداخله فيهيجه وينقله من حال إلى حال، فإن ذلك صفة المخلوقين العاجزين المحتاجين، وهو تبارك وتعالى القوي العزيز الذي لا حاجة به إلى شيء مما خلق، وخلقه جميعا محتاجون إليه..."(12). إذًا بقول الإمام الصادق (عليه السلام) عن أجداده محمد وآله (عليهم السلام) نهجت وتنهج الشيعة الامامية في عقيدتها بالله تعالى، وحيث أنّ الإمام (عليه السلام) لم يأخذ بلفظة (رضا الله، أو فرح الله) على ظاهرها، وإنّما تم تأويلها إلى (ثواب الله عزّ وجل)؛ حفاظًا على توحيده سبحانه، فكانت هذه هي عقيدتنا. وهذه التفاتة عقائدية مهمة أضاءت للعبّاد طريقا، وأحيت في النفوس توحيدًا صادقا. __________________________ (1) المزمل: 11. (2) الطارق: 17. (3) الميزان في تفسير القرآن: للعلاّمة الطباطبائي، ج20، ص261. (4) الحجر: 3. (5) مصدر سابق، ج12، ص97. (6) الطور: 45. (7) مصدر سابق، ج19، ص23. (8) المصدر نفسه. (9) الأنعام: 112. (10) الأعراف: 186. (11) الزخرف: 83. (12) التوحيد: للشيخ الصدوق، ب26، ص169-170، ح3. (12) الكافي: للشيخ الكليني، ج2، باب التوبة، ح1. (13) المصدر نفسه، ح8. إلَهِي فَقَدْ ظَاهَرْتَ الْحُجَجَ، وَأَبْلَيْتَ الاعْذَارَ، وَقَـدْ تَقَدَّمْتَ بِـالْوَعِيْـدِ وَتَلَطَّفْتَ فِي التَّرْغِيْبِ، وَضَرَبْتَ الامْثَالَ، وَأَطَلْتَ الاِمْهَالَ، وَأَخَّرْتَ وَأَنْتَ مُسْتَطِيعٌ لِلْمُعَاجَلَةِ، وَتَأَنَّيْتَ وَأَنْتَ مَليءٌ بِالْمُبَادَرَةِ، لَمْ تَكُنْ أَنَاتُكَ عَجْزاً، وَلا إمْهَالُكَ وَهْناً، وَلاَ إمْسَاكُكَ غَفْلَةً، وَلاَ انْتِظَارُكَ مُدَارَاةً، بَلْ لِتَكُونَ حُجَّتُكَ أَبْلَغَ، وَكَرَمُكَ أكمَلَ، وَإحْسَانُكَ أَوْفَى وَنِعْمَتُكَ أَتَمَّ، فَلَكَ الحَمْدُ حَمْدَ الشّاكِرِيْن.

النكات العلمية في القرآن الكريم
منذ سنة
3403

حقيقة لا بد منها

ترى هل مكنون قلوبنا طاهر ولائق لكي يخاطب حجة الله؟ وهل سريرتي كما علانيتي كي أوفّق لمحادثته؟ هل يعتريني ما يعتريه كي أحسب نفسي من محبيه؟! وهل ضقت ذرعاً بذنوبي وندمت على فعلها كي أضمن أنني على هدى على الأقل؟! إلى متى التسويف والعمر ينقضي رويداً رويداً ! والدنيا في كل لحظة تنبؤنا أنها إلى زوال. واضمحلالها بادٍ على وجوه أصحابها، فهم كل يوم في شأن. عجيب أمري! كلما قلت تغيرت ازددت ضياعاً، لا، بل ازددت ضلالاً وكأنني ارتشفت من كأس الخلود. أ أحسب أن الحياة كبحر ليس له قرار؟ والحقيقة أنها أشبه بقطرة ماء صغيرة على ورقة صغيرة في يوم خريفي! وكأنني أظنها غدير ماء عذب وهي في الأصل سراب ووهم. كل ما فيها سيزول وينتهي، مثل رحّالة مع مواشيهم يقضون أياماً معدودة في صحراء مترامية طمعاً في الماء والعشب ثم يرحلون فلا تجد لهم أثراً سوى بقايا نار خامدة ونحن صرعى برغم ذلك، ما نفتأ نتغنى بحسنها ودلالها ماضين في غفلتنا وسباتنا حتى نصحو ونستيقظ. عندها يكون قد فاتنا الكثير وضاع منا الكثير. سيكون علينا أن ننتظر الجزاء يوم يكون الكتاب فيه صادر من الحق المتعالي، إذ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا احصاها، وتكون حياتك التي عشتها كالسجلّ المفتوح، ولا رجعة عندئذ، لأن الفرصة قد ضاعت منك، فاغتنم لحظات عمرك في التفكر والتدبر وكن على حذر من الدنيا الخداعة فهي دار غرور، وكن فيها على وجل فكل شيء مفارق لك أو أنت مفارق له، لا حزن دائماً فيها ولا فرح، ولله در أمير الكلام علي بن أبي طالب عليه السلام في التحذير منها : ( واحذّركم الدنيا فإنها منزل قُلعة، وليست بدار نُجعة، قد تزينت بغرورها، وغَرت بزينتها...)(١). _______________________ (١) نهج البلاغة: في ذم الدنيا رشا عبدالجبار ناصر

اخرى
منذ سنتين
1704

التعليقات

أحمد دعير

منذ شهر

بارك الله فيكم

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
62842

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
40294

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
39117

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
31412

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
31025

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
30662