تشغيل الوضع الليلي

كيف ترشد الناس؟

منذ 7 سنوات عدد المشاهدات : 3253

كيف ترشد الناس؟
هذه عدة نصائح:
١- عليك أن تفهم أنّ لكل فرد من الناس طبعاً، ولكل منهم طريقة وأسلوباً، فهناك من ينفع معه الاستدلال العقلي، وهناك من ينتفع بدغدغة مشاعره وفطرته السليمة، كبشر الحافي الذي اهتدى بعبارة واحدة هزت قلبه (لو كان عبداً لاستحيى من الله)، فعليك أن تحاول فهم الطرف الآخر قبل أن تكلمه.

٢- انتبه لطريقة نصحك للناس، فليس الجميع يتقبل منك النبرة الحادة في الكلام والصوت المرتفع فقط لأنك أكبر منه سناً أو لديك علم، كن حذراً جداً.

٣- امسك أعصابك مهما كان الطرف المقابل بنظرك جاهلاً يجادل، وأعلم أنك لن تسع الناس بمالك لكن يمكنك أن تسعهم بخلقك، ومن أكثر ما اشتهر به رسول الله (صلى الله عليه وآله) حلمه وسعة صدره مع الناس الذين كانوا عُرباً أجلافاً.

٤- أنت كإنسان لا تقبل أن ينتقدك الناس على اخطائك بشكل مباشر، فلا تتوقع منهم الانصات والخضوع لك وأنت تنتقدهم بشكل عنيف أمام الآخرين، كن منصفاً، فما يؤلمك ويحزنك يحزن غيرك ويؤلمه.

٥- لم يحرّم الله الخمر أول يوم في الدعوة، هل تساءلت لماذا؟ لأن الإنسان يتعلم بالتدرج على الاقلاع عما اعتاد عليه، فلا تتوقع أن كل إنسان يقلع عن ذنوبه واخطائه بمجرد قولك: حرام... لاحظ كيف ان الله منعهم من الصلاة وهم سكارى، ثم بيّن لهم مساوئ الخمر والسكر ثم حرّمها عليهم.
هذا نموذج لعادة سيئة اعتادها الناس فعالجها الله تعالى بما يوافق الطبيعة الإنسانية، وكل ذنب هو في الواقع عادة سيئة تحتاج إلى أن تعوّدهم على التقليل منها ثم تعطيهم البديل الذي يناسب الشرع الحنيف وبعدها سيقلعون عن الذنب.

٦- الإنسان كائن مختلف تماماً عن عالم الارقام والقوانين الوضعية والدراسات ووو…
الإنسان كائن نفخ الله فيه من روحه وميّزه بنعمة العقل والمقدرة على الوصول للكمال، احذر أن تستهين به، انظر في كل فرد من الإنسان بما خصّه الله به، فعامله بما يستحق، وأعلم إن كان الله لم يرتض لإبليس -الذي كان من عباده- أن لا يسجد له، فلن يسوغ لك أن تقلل من قيمته.

٧- أغلب الناس -بحسب ما استقرئت من تجاربي وبحسب ما يذكر في كتب علم النفس والاجتماع- يستجيبون للنصح غير المباشر، أي إنك تبين له أنك مخطئ دون أن تصرح بذلك، مثلاً كان معك أحدهم وأنت تعلم أنه لا يصلي، فمن غير المحبذ ولا النافع أن تقول له: يا لك من زنديق كيف لا تصلي يا كافر يا...!
بكل هدوء يمكنك أن تقول: ما رأيك أن نقوم للصلاة، بدل ان نؤجل صلاتنا لآخر الوقت بسبب المشاغل. أولاً سيستحيي منك وينهض للصلاة ويكون قد فهم تماماً أنك علمت أنه لا يصلي لكنك لا تريد أن تجرحه أو تكذبه إن لم يقر أنه لا يصلي، وهذا له تأثير نفسي كبير عليه مما يجعله ولو تدريجياً يصلي ويهتم بصلاته، وقس على هذا سواه...

٨- في حياتك ستصادف أناساً رائعين محببين للنفس، ما أن تنصحهم حتى تفيض أعينهم من الدمع حباً لك وفرحاً أن وجدوا من يرشدهم، احمد الله على وجودهم في هذا العالم وبمقدرتك أن تكون لهم هادياً.
وكذلك قد تصادف أناساً غليظي القول كأَن طينتهم مزجت بالسوء والقسوة، لربما في نصيحتك لهم تلقى الكلام الجارح والتصرف غير اللائق، أبق مبتسماً هادئاً وكلّمهم بهدوء، تذكر دوماً أن النبي محمداً (صلى الله عليه وآله) بعظمته رجمه قومه بالحجارة وما قال فيهم إلّا (اللهم اغفر لقومي إنهم لا يعلمون)!

٩- صدق من قال: إن الناس عقولهم في عيونهم وآذانهم. لا تنصح الناس بما لم تتمسك به أنت، وإن كنت مضطراً فبيّنْ لهم إنك فعلت خطأ وأنت كذلك تريد أن تصلح نفسك بهذا كما تريد اصلاحهم، وإلّا فلا تتعب نفسك بالنصح بل لا تجعلهم يظنون أن كل مرشد هو منافق ينهى الناس عما يأتي به!

١٠- وأهم من كل ما سبق: كن مخلصاً وصادقاً في نصحك للناس، اجعل غايتك أن ترضي الله وترشدهم، سواء كانوا من قومك أو لا، سواء كنت تحبهم أو تكرههم، لا يكن هدفك تتبع عثرات الناس، فمن تتبع عثرات الناس تتبع الله عثرته.

نجلاء المياحي

اخترنا لكم

كرم الله تعالى ليس له حدود

بقلم: اشواق علي الموسوي ابكتني والله بعد مرور خمسة عشر عامًا من الزواج والصبر والثبات على مرض زوجي، إلى أن شفاه الله وعافاه، مررت باختبارات صعبة من أم زوجي التي كانت تحملني فوق طاقتي وكنت أصبر لأكون نعمة الزوجة لرجل أحببته. كان كلي يقين بأن الله سيشفيه. كان يتعجب ويقول: أنت تعيشين بالأمنيات! كنت أقول: إن الله على كل شيء قدير شاء الله وقدر له الشفاء وكلي فرحة... كنت أرتب في داخلي كيف سأرد عليه وقت أن يطلب مني أن نسافر لقضاء شهر عسل! أنا لم أفرح مثل باقي البنات زوجي مرض وأصيب بحادث يوم زفافنا! كنت انتظر لهفته عليّ، وكنت أقول: أنا ما زلت عروسًا نسيت أن أنظر إلى نفسي بالمرآة، لاحظ أني تقدمت بالعمر، واهتممت به وبصحته ونسيت الاهتمام بنفسي، كبرت، ومن الهم والتعب ظهرت التجاعيد بوجهي، ولم ألاحظ ذلك... يا الله... إن العمر قليل قليل. بعد شفاء زوجي بشهرين، وبمعنى أصح بعد أن اعتاد عليّ كخادمة له، كان يطلب منى كل شيء بالبيت، كان لا يعطيني وقتًا لأستريح، وأجده يقول لي: أنت مهملة! لأول مرة منذ خمسة عشر عامًا تُقال لي هذه الكلمة، صُدمت وبكيت حد الوجع، كنت أنام الساعة الثانية عشرة ليلًا، وأصحو في السابعة صباحًا، بدون مبالغة لا أستريح إلا وقت الصلوات، نحن في بلد ريفي وكثير منكم يعلمون نظام البيوت الريفية... حتى لا أطيل عليكم بدأ زوجي يراني عجوزًا، ولا يرغب بي، حتى جاء يوم أمام الجميع من أهله وقال: إنه سيتزوج بأخرى حتى يعوض سنين عمره التي قضاها بالمرض! أتعرفون أحساس الذل والقهر والوجع وحبس الدموع حتى لا ينهار الكبرياء؟! كنت أشعر بأن روحي تسحب مني ببطء شديد... فات أسبوع كامل وبعد استخارة وأكثر، طلبت الطلاق متنازلة عن كل شيء، بما فيها قائمة جهازي الذى في بيته، حتى ملابسي تركتها لأخواته اللاتي كُنّ ينهشْن لحمي. خرجت من بيته مع أخي، أبكي بحرقة، كان الجيران يبكون لبكائي، كانوا يهينون زوجي بأبشع الكلمات، جاء إمام مسجد من الجيران وقال لي: ما ظنك برب العالمين؟ قلت: نعم، الإله سيجبرني ولو بعد حين... قال: والله ستُجْبَرين قريبًا. رجعت إلي بيت أخي، وجد لي عملًا، والحمد لله بدأت أستعيد شبابي من جديد، بدأت أشعر أني لي حق في هذه الحياة. مرت السنوات أو ما يقرب من العامين... جاء زميل لي بالعمل لخطبتي، ولم يسبق له الزواج من قبل رغم أن عمره 40 عامًا، تعجبت كثيرًا وجلست معه في بيت أخي. قال: بكل وضوح وصراحة وانكسار أنه لم يتزوج لأن لديه مشكلة بالإنجاب، ولكنه يود الزواج من إنسانة على خلق فكري، واخبريني بردك، وأيًا كان الرد أرجو عدم أخبار أحد بموضوع الإنجاب، وهمّ ليخرج وإذ بي أقول له: موافقة! والله لا أعلم لماذا قلتها، وكيف خرجت مني هذه الجملة دون تفكير... لعلها إرادة الله (عز وجل). لو كنتم معي لشاهدتم فرحة في عيونه، والله لم أرها من قبل، حتى أني بكيت من بكائه بفرحته... مضى شهر ونحن مخطوبين، وجاء وقت الزفاف، أصر أن يعمل لي فرحًا، ووافقت كأني ما زلت عذراء... وتم الزفاف على كتاب الله وسنة نبيه، وكان فرحًا إسلاميًا، وبعد الزواج بشهر يفاجئني بعمرة، وكانت أمنية حياتي، ذهبنا لبيت الله نرجوه وبكل حب ندعوه أن يرزقنا الذرية الصالحة... بكى زوجي كثيرًا وكنت احتضنه وأقول له: أنت عوض الله لي، ولن يرد الله دعاءنا... رجعنا من العمرة، كأننا ولدنا من جديد، والله يا أخوات كأني تبدلت حتى بالشكل، أصبحت جميلة بشكل عجيب، حتى أن زوجي بدأ يغار فقلت له: أريد ارتداء النقاب. فرح جدا وانا بعقلي أقول: يا إلهى اي كرم هذا ،زوج جميل يسر القلب ونقاب يزيد الستر، وحياة في طاعتك، اللهم أدمها نعمة ... بعد ستة أشهر من رجوعنا من العمرة، تعبت، وذهبنا للطبيبة، فتبشرنا بأني حامل في شهرين! زوجي سجد أمام الطبيبة باكياً ويصرخ: ما اكرمك يا رب العالمين تهدئنا الطبيبة وتسألنا عن قصتنا، فرويناها لها فتقول: والله لقد سُر قلبي لكما أكثر من نفسي بارك الله لكما ورزقكم طفلا سليما معافىً.... ومع تقدم الحمل تبشرنا الطبيبة بأني حامل بتوأم ليزداد خجلنا من كرم رب العالمين فاللهم لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد اذا رضيت و لك الحمد بعد الرضا أترون يا أخوات، عوض الله لي ولزوجي!! اقتربوا أسألكم سؤالا واحدًا.... ما ظنكم برب العالمين؟!

اخرى
منذ 6 سنوات
5331

من أقوالِ سيدِ الشُّهداءِ (عليه السلام) (7)

بقلم: شيماء المياحي روي عن الإمام الحسين (عليه السلام) أنّه قال: "أيّما اثنِين جَرَى بِينهُمَا كلَامٌ فطلبَ أحدُهُمَا رضَى الآخر كان سابقهُ إلى الجنةِ"(١) الإنسانُ كائنٌ اجتماعي بطبعه؛ فلا غنى له عن التواصلِ مع أبناءِ مُجتمعه؛ فيحتاجُ إلى سُبُلٍ ووسائلَ للتواصل مع الآخرين، وأبرزُ تلك السُبُل الكلامُ؛ فهو لغةُ التواصُل بين بني البشر.. فالكلامُ له أهميةٌ بالغةٌ جدًّا، وخطرٌ بالغٌ جدًّا أيضًا. بالكلامِ توصّلنا إلى معرفةِ الدينِ ومعرفة الخالق (تعالى)، وقد سُمّيَ علم العقائد بـ(علم الكلام). بالكلام يُعبَدُ اللهُ (تعالى) ويُعصى. الكلمةُ كاشفةٌ عن حجمِ معرفةِ الإنسان، فقد وردَ عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام): "تكَلَّمُوا تُعرَفُوا، فَإِنَّ الَمرءَ مَخبُوءٌ تَحتَ لِسَانِه"(٢)، وعن رسولِ الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "وهل يُكبُّ النَّاسُ في النارِ إلّا حصَائد ألسنتهم"(٣) ولذلك أولى كُلٌّ من القرآنِ الكريم، والسُنّةِ النبوية، وتُتمِّمُها أحاديثُ المعصومين (صلواتُ الله عليه أجمعين) أهميةً بالغةً في إيرادِ آدابِ الكلام؛ حفاظًا على استمرارِ الصِلةِ الطيبة بين أفراد المُجتمعِ من جِهةٍ، وعلى مصيرِ الإنسانِ الآخروي من جهةٍ أخرى؛ للارتباطِ الوثيق بين الكلامِ وهاتين الجهتين، فقد وردَ عن رسولِ الله (صلى الله عليه وآله): "لا يستقيمُ إيمانُ عبدٍ حتى يستقيمَ قلبُه، ولا يستقيمُ قلبُه حتى يستقيمَ لسانُه"(٤) ومن تلك الآدابِ ما وردَ عن الإمامِ الحُسين (عليه السلام) من عدمِ الاستبداد بالرأي عندَ الكلامِ مع الآخرين، وتقديمِ رضا الطرفِ الآخر على رضا النفسِ والانتصار لها، وعدم إفحام الغير وتعجيزه عن الرد، وذكرَ أنّ من يتصفُ بهذه الصفةِ يكونُ سابقًا للطرفِ الآخر إلى الجنة؛ لأنَّ ذلك من الجدالِ الممقوتِ الذي يورثُ الضغينةَ بين أفرادِ المُجتمع، وقد يتعاملُ به البعضُ حتى مع أفرادِ أُسرتِه، فيُحاولُ الزوجُ أنْ يفرضَ رأيَهُ في الكلامِ والنقاشِ مع الزوجةِ والأولاد، مُتخذًا من قواميته عليهم ذريعةً في ذلك، وعادةً ما ينشأ ذلك عن عدّةِ أمور: ١ - الجهلُ والحماقةُ: من الجهلِ والحماقةِ أنْ يعتقدَ الإنسانُ بأنّ الصوابَ معه دائمًا وأبدًا، فكُلُّ إنسانٍ مهما بلغَ من المعرفةِ والحكمة لا يصلُ إلى المعرفةِ المُطلقة في كُلِّ الأمور، ويبقى لكُلِّ امرئٍ قدرُه المحدودُ في كُلِّ شيءٍ، فقد وردَ عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام): "كفى بالمرءِ جهلًا أنْ يجهلَ قدره"(٥) وقيل للنبي عيسى (عليه السلام) في حديثٍ عن أبي عبد الله (عليه السلام): "يا روحَ اللهِ وما الأحمق؟ قال: المُعجَبُ برأيه ونفسِه الذي يرى الفضلَ كُلَّه له، لا عليه ويوجبُ الحقَّ كُلَّه لنفسِه، ولا يوجِبُ عليها حقًا، فذلك الأحمق الذي لا حيلةَ في مداواته"(٦) ٢ - الرغبةُ في السيطرةِ على الآخرين والتحكُّم في قُدُراتِهم: وهو مرضٌ نفسي خطيرٌ عادةً ما ينشأ من أسباب، منها: البيئةُ التي يعيشُ فيها، ومراحلُ حياتِه من الطفولةِ إلى المُراهقةِ والشباب، فكُلُّ مرحلةٍ لها تأثيرها البالغ على تكوينِ سلوكِ الإنسان، ويشتدُّ هذا السلوكُ مع غفلةِ الإنسانِ عن نفسِه وعيوبِها، وعدم السعي لإصلاحها، وغيرها الكثير من الأسبابِ التي تجعلُ الإنسانَ يفرضُ رأيَه في كُلِّ حوارٍ ونقاشٍ، مُتجاهلًا ما وردَ عن أهلِ بيتِ العصمة (عليهم السلام) من آدابِ الكلام، ومداراة الناس فقد وردَ عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "أمرني ربّي بمُداراةِ الناسِ كما أمرني بأداءِ الفرائض"(٧) أما إذا كان الكلامُ يتعلّقُ بإثباتِ العقيدةِ الحقّة، وكان الغرضُ منه الإرشادَ والهداية ولم يكنِ الطرفُ الآخر مُعاندًا؛ فلابُدَّ من الجدالِ معه بالتي هي أحسن، فلا ينبغي إرضاءُ الطرفِ الآخرِ على حسابِ العقيدة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (١) المحجة البيضاء: ج٤/ ص٢٢٨ (٢) عيون الحكم والمواعظ لعلي بن محمد الليثي الواسطي: ص٥٥٠ (٣) بحار الانوار: ج٧٢/ ص٢٦٠ (٤) بحار الانوار: ج٦٨/ ص٢٨٧ (٥) غرر الحكم : ص٢٣٣ (٦) بحار الانوار: ج١٤/ ص٣٢٤ (٧) الكافي: ج٢/ ص١١٧

اخرى
منذ 5 سنوات
1919

نمرةُ الفسحة (قصة قصيرة)

بقلم: حيدر عاشور تطلّعت صبرة عبرَ عينينِ مُثقلتينِ بالكرى إلى أسفلِ الشارع وما حولَ بيتِها ببطء، ورمقتْ هِمّةَ ناسها بهذا اليوم وما يستوجبُ عليهم فعله تخليدًا لصاحب الذكرى. ثمةَ خليطٌ من البقوليات على صفائحَ مُسطحةٍ، والقدورُ الكبيرةُ تجلس على عروشها الحديدية كأنّها صورٌ أثريةٌ أو ألواحٌ سماويةٌ تعيدُ جمالها كلَّ سنةٍ مرة. كان الشارعُ تغمره البيوتاتُ القديمةُ والوحيدةُ التي ترتفع من جهةٍ واحدة، تشبهُ سفينةً عملاقةً تطوّقُ مملكة "الفسحة"* تحتَ قوسٍ مفتوحٍ بأضواءٍ حزينةٍ راجفة، وطقوسٌ تقلد أعوامًا ضوئيةً من الظلمِ والبشرِ والتاريخ.. وعلى الجهةِ الأخرى مقهى (يوسف عرسان) كبرلمان لأهالي المنطقة، ومقر لهيئةِ شبابِ الفسحة تنطلقُ منه مواكبُ التعزية. يُجاوره (خان المخضر) الكبير، أكبر مجمعٍ لبيع الخضروات في كربلاء، ما منْ فلاحٍ وبائعٍ إلا وكان يتواجد فيه. أما سور الخان على طول الشارع فتبرز منه المحلات البارزة والمعروفة كربلائيًا، فعند بابه الكبير (نجارةُ مجيد النجار، وسيد صالح العطار، وهادي كبابي، وسوق السمك، ومقهى لفتة، ومحلات جواد زنكي لبيع الفواكه بالجملة). الشارعُ مهرجانٌ عشوائي دائم لبيع الخضروات، ينطلق مرتادوه من صلاةِ الفجر حتى شروق الشمس، يفترشُ البقالون والفلاحون بضاعتهم المكونة من مختلف أنواع الخضروات والفواكه في كلِّ ركنٍ وزاويةٍ من الشارع. وتبقى المملكةُ مزدحمةً طوالَ النهار بالغرباء والتجار والوسطاء، لا تنصاع لأية أنظمة. أهالي المملكة الأشقياء يظهرون بشكلٍ خاصٍ بمحرم الحرام، كسوارٍ مُتحركٍ متجدد في كلِّ لحظة، غير مسبوقٍ بمثال، عملٌ خالٍ من المصالح لا نظيرَ له، ومفعم ٌ بالتوفيقات الإلهية... لعلعت الصلوات والتكبيرات فجأة، وأحسّت كأنَّ روحها انقبضت وبصرها غيّم، وشعرت أنّ أصواتَهم تتصاعد إلى سطح البيت، نظرت مجددًا إلى الشارع وجدته قد تحوّل إلى عاصفةٍ من النار تُفرِّقُ الناس جميعًا، وداس بعضُهم على صفائحِ البقوليات، وأشباحٌ ترتدي ثيابًا زيتونيةً تركضُ مع أسلحتِها خلفَ الأهالي الهاربين من الضربِ أو القتل أو الاعتقال. فأبطالُ الفسحة قد اعتادوا على هجومِ الاشباح الزيتونية طيلةَ أيام عاشوراء، لا جديدَ في الأمرِ سوى التحدي في إتمام طقوسِ الحزن الحسيني، فقد توارثوه عن الآباء والأجداد. فمحرمُ يُعطي الشارع لونًا أحمر، ويمزجُ تلويناته الأسود والأخضر، وتتشابه فيه كلُّ البيوتات وهي تنحشرُ إلى جانب بعضها بعضًا، أبوابُها مفتوحةٌ على مصراعيها للزائرين وعلى مدارِ الساعة. ففتحُ الأبواب أصبح سُنةً لدى أمهات البيوت عند كلِّ حدثٍ يحدثُ في الفسحة، إشاراتٌ إلهيةٌ جعلت الأهالي يتماسكون بها في سرائهم وضرائهم، لم يعدْ بينهم أناسٌ فردانيون، الفردانية لا تعملُ في عاشوراء كربلاء.. سحبت صبرة على عجلٍ آخر رغيفٍ من تنورها الطيني، وحرّرت نفسَها من (ثوب العمل) ونزلت مُسرعةً لتقف عند باب البيت، وكان كلُّ همِّها هو إعاقةُ الأشباح الزيتونية وإخافتهم بصوتِها الذي بدأ يُلعلع عاليًا حتى انتبهت باقي البيوت وخرجت النسوة المعروفات بقوتهن، وامتزجت أصواتهن فأصبح الصوتُ كبركانٍ من نار تتطايرُ على رؤوس الأشباح. منهم من توقّف عن الملاحقة وآخر رجع ليقفَ بجانبِ القدور، ومجموعةٌ دخلت مسجد الإمام السجاد المجاور لبيت (صبرة) والمقابل لباب الخان الكبير، فتمكن الفسحاويون من الاختفاء دون أضرارٍ أو اعتقال. وأكبرُ إنجازٍ حققه الزيتونيون هو مصادرةُ مكبراتِ الصوت التي تنثرُ القصائد الحسينية طوال شهر محرم، وعند محاولة الأشباح رفعَ القدورِ السجادية من عروشها خرجت النسوة مُحزماتٍ (بعباءاتهن)، وفي مقدمتهن (صبرة) وهن يحملن شعلاتِ النار متجهاتٍ صوب القدور، مُزمجراتٍ بأصواتِهن مُهدداتٍ بحرقِ كلِّ من يمسُّ القدور، وساعدتهن حركة الحشود من زائري الإمام الذين فاضَ بهم الشارع، وكأنّ النسوةَ أصبحن غمائمَ سودًا. وبدأ الزوار يساعدون النسوة بإشعال النار تحت القدور دون أنْ ينتظروا من يدعوهم لذلك. وكلُّ شيءٍ من حولهن يوحي بنهارٍ قد يكون داميًا، وصبرة تقودهن بحذر، والقدور أصبحت مثل اللآلئ تضيءُ في السماء. كان الجريُ قائمًا وراء شباب الفسحة الخُلّص، واستحال للزيتونيين الإمساك بهم، رغم أنّ بعضهم أطلق عيارات نارية في الفضاء لإضفاءِ الرعب والتلويح بالتهديد بالموت. والحقيقةُ كان الجريُ وراء أبطالٍ متوارية في كلِّ بيوتاتِ الفسحة القصيّة على الأشباح، وكأنّها شُيّدت باتفاقٍ مسبق وسريّ للغاية لهذه الأيام لتجاوز ضغينة أعداءِ الطقوس-العاشورائية- بالتحديد، التي شهدت لسنين معاركَ داميةً وتربصًا مملًا. كانتِ الحكوماتُ تعجز عن إيقاف الشعائر الحسينية فتختلق الفتن بين منطقةٍ وأخرى. والفسحةُ ساحةُ قتالٍ دائمة مع حاملي السكاكين والهراوات من أبناء جلدتهم، لكن العقل كان دائمًا يُرجعهم إلى السكينة والوحدة. وكان الدورُ المثاليّ أيضا لتلك المرأة القويّة صبرة، حين اشتداد وطيس التنافس بين شباب الفسحة وشباب المنطقة الأخرى على انطلاق مواكب التعزية في التاسع من محرم، أيُّهما يدخلُ الحرمين الشريفين أولًا. كان الطرفان مندفعين لتدميرِ كلٍّ منهما الآخر بعراكٍ دامٍ كالغرباء، قد يبلغُ مداه للانتقام من لا شيء. تحت ضغط شهوة الانتقام والجميعُ ساكنٌ الرعبُ والحماسُ في قلبه، وهم يجهزون الخناجر والسيوف. وصبرة تخيّط رايةً بيضاءَ بحجمٍ مُخيفٍ كتبت عليها (السلامُ عليك يا أبا الفضل العباس) بلونِ الدم. وحين اقتربت ساعةُ التلاحمِ تعالى صراخُ الشباب (حيدر..حيدر) حتى اختلطت أصواتهم بصوتِ البوق والطبول، والنسوةُ يصرخنَ مُستغيثات، فالموتُ سيحدثُ لأولادهن أمامَ أعينهن، فالشباب مصممون على الاقتصاص من غرمائهم. والقادمون كأنَّهم بحرٌ شره يريد أنْ يُغرق في لُجّتِه كلَّ شيءٍ أمامه. وعند اللحظة الحاسمة كانت صبرة جاهزةً كأنّها حصانٌ جامحٌ وقف وسط الجموعِ، وهي تصرخُ بصوتٍ ملائكي، وبشعورٍ وحنانٍ حسيني مُفعم بالأخوة: (يا عباس) اطفئ شرارةَ الغضب بين الشباب؛ فهم لا يفقهون معنى الأخوة. ورفعت بساعدها وسواعد النسوة الراية البيضاء وهي لا تزالُ تقطرُ باللون الأحمر كأنّه دمٌ عبيطٌ لحظةَ بدءِ المعركة، ولكن ما أنْ شاهدوا الراية حتى وقفوا كالتماثيل قبالتها وتعانقوا كالأحبابِ بعد بكاءٍ حارٍ على صوتِ عبد الزهرة الكعبي وهو يُصوّرُ بصوته مشهد انكسار ظهر الحسين باستشهاد أخيه أبي الفضل .. لا أحدَ يسلمُ من الزيتونيين لهم ألفُ رأسٍ ورأسٍ، تبترُ رأسًا من هنا يبرز لك من هناك رأسٌ. قالت ذلك "صبرة" وهي تنتفضُ بتصلبٍ على إحدى النسوة الخائفات. حيث يكون هناك ولاءٌ وحبٌّ وثقةٌ، فبالعقيدةِ والمذهبِ فإن الموت يكون مثل الشهد. ارفعي القلق عن نفسكِ ودعينا نُكمل (شلة السجاد)*. الزائرون ينتظرونها كلَّ سنةٍ في هذا اليوم بالتحديد الخامس والعشرين من محرم يوم استشهاد السجاد (علي بن الحسين). كان كلام صبرة لنسوة الفسحة مثل نارٍ مُلتهبةٍ، وهي مستعدةٌ لأن تحرق كلَّ من يتجاسر على مسِّ أيِّ شيءٍ يخصُّ مراسيمَ طبخ التعزية السجادية. لقد تغيّرت وجوههن في غضون لحظة، وقفزن للعمل مُقطبات، وصوتُهن حادٌّ ممتلئٌ بالحماس والقوة، يشبه صوت جبلِ الصبر "زينب" حين حُرِمت فجأةً من عضيدها وحامي حماها. تجمهر الزيتونيون الأشرار حول القدور وبدأوا يفرقون بالعصي كبارَ السن من الزائرين ورجال الفسحة، ضربوهم ضربًا مبرحًا. وكانت صبرة والنساء يعملنَ بصمتٍ بلا توقف وبسرعةٍ هائلة. لم تُزعزعهن هذه التكوينات اللاأخلاقية في ممارسةِ المنع الإجباري. إنّ الواجبَ المنوط بهن هو إتمامُ الطبخِ بدلًا من الشباب وصونِهم من التأثيرات المؤذية. وضعنَ خليط البقوليات في جميعِ القدور تحتَ صوتِ قائد الزيتونيين: أنا أمنعكن من إتمام الطبخ..وا !، قال بانفعال وضرب بقدميه بنفادِ صبرٍ موجهًا كلامه إلى صبرة: إنّكِ لست أكثر طولًا من فردةِ حذائي، سأسحقُ رأسكِ به، إنْ لم تتوقفي عن العمل وتحريض الناس على عصيان الحزب والدولة. تفرّست صبرة في وجهه وهي مُفزعةٌ تمامًا، بعدها وللحظة صرخت بكلِّ المرارة التي تقدر عليها، ففزع أمامها وصيّرته غاضبًا وخائفًا، فبدأت قذارته تظهر حين همّ بضربها أمام الجميع وما كاد يفعل، فصبّت عليه الماء الحار من قدرٍ نُحاسي صغير فانزلق على الأرض وقد ضُرِبَ ضربًا قاسيًا بالأحذية و(النعل) والعصي، من قبلِ النسوة وسائر الزينبيات من الزائرين، مؤججات أصواتًا حسينية أرهبت كلَّ الزيتونيين، والأطفالُ شاركوهن فرموا بقايا الطماطم والخيار التالفة والتي اختلطت مع قاذوراتٍ أخرى. وبدا عليهم الانهيار الشخصي وخليط من الغيظ والحدّة والدم الحار مما أجّج فيهم حميةَ الغضب والكلبية النائمة في داخلهم لقد أدركوا أنّهم قد تمادوا كثيرًا؛ لذا لا يستطيعون التملُّص فقد يكون الأمرُ مكلفًا في معركةٍ لا تتوقف إلا بنهايتهم. صبرة، عندما تتمنطق وتتكلمُ بصوتٍ واثقٍ ولغةٍ حسينيةٍ قوية وثبات عجيب تبدو وكأنّها تسمو فوق الاحداث، في خضم الخطط والهجومات المباغتة والمشاحنات سمحت له بالنهوض بالرغمِ من أنّها كانت لا تزالُ تضربه ضرباتٍ متتالية وبقوة. بدت منه صرخةٌ عاليةٌ وغريبة يمكن تسميتها صرخة استسلامٍ وتهديدٍ فهو شخصٌ قاسٍ وخبيثٌ، يعرف أفانين غريبة ومتلونة، كالحرباء يظهر في كلِّ مكانٍ بشكلٍ مُغاير تمامًا عن سابقهِ. فتوقفت المعركة بسجالٍ وعراكٍ انتصرت به "الفسحاويات". وشباب الفسحة كانوا يراقبون الوضع من السطوح، فهم لا يزالون مع الحدث ليُثبتوا ويُراهنوا على القوة والشهامة والنبل للروح الجريحة حين يزدادُ نزفها، فصارت لهم مبعثَ حقٍ وقوةٍ وسحرهما كان على أشده هذا اليوم السجادي المهم.. نزلوا إلى الشارع حاملينَ السيوفَ والخناجرَ وكأنّهم على استعدادٍ أنْ يُنازلوا قوى الشر واختلطوا بأمهاتهم يعملون كخليةِ نحلٍ في توزيع بركات السجاد فامتلأ الشارع بالمهرعين للحصول على بركةِ هذا الزاد الذي اشتهر أنْ يكون دواءً لكلِّ عليلٍ على مدى سنين طوال. أما الزيتونيون وقائدهم فاصبحوا كخيالِ الأموات وروبوتات انقطع عنها التيار الكهربائي وانتهى شحنها عند حدود الضرب والإهانة. الجميع في الفسحة يعرفون أنّ صبرة امرأة زهرائية مُحصنة دينيًا، رغم ذلك خططوا أنْ يحموها من عنجهية الأشرار فالكلُّ يعلمُ غدرهم في أيِّ لحظةٍ يعود إليهم شحن صدورهم المشبعة بالغلِّ من أيامِ عاشوراء، فيما إذا جاءت قوةٌ إضافيةٌ تساعدهم على تحقيق ما فشلوا به. وأولويات هدفهم كانت صبرة بلا منازع. هكذا انتهى النهار الشاق المليء بالأحداث وبصورٍ مشرقةٍ من البطولة راحت تترجمُ الحزن بالانتصار من خلال الألم وقوة صبرة والنساء اللواتي أعلنّ عن ميلاد عقلٍ واعٍ وقلبٍ نابهٍ وفكرٍ مُتقد. نساءٌ استطعن بكلِّ حسمٍ صيانةَ مملكة الفسحة بالأوقات الحرجة. يومٌ غلب فيه البوح، وما زالت تجول في مشاكسته علاماتُ استفهامٍ لا توجد لها إجابة. فبين أفكارٍ متزاحمة وحمم متلاحقة من الحنق والكره الذي يملأ قلوب وعقول أهالي الفسحة من تدخل الغرباء، لكنّهم أبدوا خوفهم على صبرة التي عملت موقعًا مرعبًا. فكيف لامرأةٍ مثلها أنْ تفعلَ هذا الفعل الشجاع وتهم بفعل كلَّ تلك الأفاعيل؟! حيث انعقدت ألسنتهم عن مواجهة تلك النمرة السجادية، قلّما يُطالع الإنسانُ مثلها، فقد كانت أنوثتها تعرف كيف تخاطب الرجال؟ والمرأةُ البارعةُ والحازمة التي قد تصير أقسى من الرجال لو اقتضى الأمر ذلك. قضتْ صبرة ليلتها لم تذُقْ عيناها النوم، ولم تنعم بهدْأةِ الكَرى.. أحسّت أنّ رعبًا أخرس يتنامى في ذاتِها فقالت بينها وبين نفسها: جميل أنْ نحمل الزمن بين أيدينا، ولا نكون أسرى لهُ.. فالموتُ يتوشحُ لي قبة السماء، فحيثما أُولّي وجهي يُبصرني الموت. أنا شهيدةُ يوم استشهاد السجاد لا يُمكن أنْ أكون في حلم. فالحبُّ الحسيني الذي تكابد لأجله أرواحُنا لا يخرج منّا إلا بانتزاعها. مع طنين البائعين الرتيب في ليلٍ قاسي الملامح طُرِقتْ بشدةٍ بابُ بيت صبرة وبذات الوقت كانت حركةً قويةً فوقَ السطح، وأصواتٌ كانت أعمق أثرًا في نفسها وهي تعلمُ مصيرها.. استقامت من جلستها مُقبلةً على أثر الأصوات في غضبٍ تنظر إلى ما حولها من أبّهة المنظر كأنّهم جاؤوا إلى اعتقال محاربةٍ أو سياسيةٍ مُحنّكة في النضال. أخرجوا صبرة تلك الليلة بطولها الجسيم المهيب وضخامة جثتها، ولكن من دون صوتِها الجهوري، تنظرُ بعينيها الواسعتين الكبيرتين بلونِهما النرجسي إلى الجميع بأنَفَةٍ عجيبة جعلت المشتركين في اعتقالها يضعون عباءتها على وجهها؛ لأنّ الأبصار تتجمهر في المملكة. وزاغت حولها ولمعت عيونُ الغضب فيها، لكنّ القوة المُعتقِلة كانت من الكثرة ما تجعلُ الشُجعان يتصنمون كالرخام في أماكنهم. واختفت نمرةُ الفسحة "صبرة" مدةً من الزمن لا أثر لها ولا صوت، أفل شعاعُ تلك الإنسانةِ الملتزمة في الانسانية والشجاعة، وأصبحت ذكرى خالدةً على مدى السنين... .................................. • الفسحة: منطقة (الفسحة) في محلة باب الخان بمدينة كربلاء المقدسة إحدى محافظات العراق، شيّدها السيد (عماد الدين طاهر البحراني) سنة1381هـ (1961م) مؤسسة مدرسة الإمام الباقر(عليه السلام) الحوزوية آنذاك. • شِلّة السجاد: هي يطلق عليها شوربة أو آش، تتكون من سبعة أنواعٍ من البقوليات، اعتاد العراقيون بصورةٍ عامة والكربلائيون خاصة على إعدادها في ذكرى استشهاد الإمام علي بن الحسين السجاد (عليه السلام) في 25 محرم الحرام.

اخرى
منذ 6 سنوات
6297

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
88517

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
79770

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
60835

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 7 سنوات
51676

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 8 سنوات
48728

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
45007