تشغيل الوضع الليلي

كيف يمكن نصرة الامام "بالقلم"؟ وهل لهذه النصرة امتداد في عصر الظهور؟

منذ سنة عدد المشاهدات : 1212

لعل من التعاريف الجميلة التي عُرف بها القلم هو ما قيل بأنه " الحافظ للعلوم، المدوّن للأفكار، الحارس لها، وحلقة الاتصال الفكري بين العلماء، والقناة الرابطة بين الماضي والحاضر، والحاضر والمستقبل.
بل حتّى موضوع ارتباط الأرض بالسماء قد حصل هو الآخر عن طريق اللوح والقلم أيضاً".
وبأنه" يربط بين بني البشر المتباعدين من الناحية الزمانية والمكانية، وهو مرآة تعكس صور المفكّرين على طول التاريخ في كلّ الدنيا... ".(١)

فلا عجب أن تكون هناك سورة كاملة في كتاب الله - الذي هو دستور حياة الانسان- باسم "القلم" ففي ذلك إشارة وتنبيه لنا على أهمية هذه الأداة الموصلة للمعارف والتي تكتمل بها معتقدات الإنسان الفكرية وتحفظ بها علومه العقلية والنقلية .
وبذلك يتم إيصال وتبيان الحقائق وتثبيتها للأجيال لكي لا يضلوا الطريق ولا ينحرفوا بالأقلام المشبوه والأخبار المزيفة الموصلة لهلاك الانسان.
ففي كل جانب من جوانب الحياة هناك من يدعو للحق وترسيخ القيم وكل ما يرتبط بالمعارف الالهية وهناك من يدعو لخلاف ذلك مِمَن اتباع هواه ونفسه الأمارة بالسوء.
فالقلم هو رمز لأداة عامة تطورت بمرور الزمن ولكن الغاية منها واحدة وهي إيصال مفهوم ما أو ثقافة أو معتقد ما إلى المجتمع البشري.

وما لفت انتباهي هو أن السورة التي كانت باسم "القلم" كان اطارها العام يتحدث عن صنفين: صنف عَلم بالحق وآمن بالحجج الالهيين فبلغ الهداية، وصنف جهل وأستهزئ بما جاءت به الرسل من آيات فكان مصيره الضلال على أثر ذلك.
ولذا ففي هذا الربط إشارة الى ان القلم من أهم الوسائل بتعريف الناس بالحق المتمثل بمن هو سبيل الله الموصل اليه والمتمثل بخط اهل السماء، وبهذه الوسيلة يتم احياء العقول الجاهلة بهذه الحقيقة.

فالرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) قد بَيّن من هو السبيل بعده واكد على ذلك واراد ان يثبت ذلك في وصيته كما ورد عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس،... قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: « ائتوني بالكتف والدواة ، أو اللوح والدواة ، أكتب لكم كتاباً لن تضلُّوا بعده أبداً ».(٤)

فبالنتيجة هو(صل الله عليه وآله) أراد أن يثبت هذا الأمر عبر تدوينه، إلا ان الامة لجهلها منعوه ان يخط ذلك خشية على مصالحهم الدنيوية إثر اتباعهم لأهوائهم... وأبى الله تعالى الا ان يظهر أمره.
فمنهاج الحجج الالهيين قائم بالأساس على التوضيح والتبيان والفكر لا السيف والاكراه فكما ورد :" إنّ قوام اُمور الدين والدنيا بشيئين: القلم والسيف، والسيف تحت القلم"(١)
وهنا أتى دور انصار الحق والمؤمنين به ممن حفظوا وصية النبي(صلّى الله عليه وآله) في قلوبهم والذين ثبتوا ولم ينقلبوا على اعقابهم؛ واتبعوا السبيل وهو امام زمانهم الامام علي(عليه السلام).
فكانت مولاتنا الزهراء (عليها السلام) الشخصية الابرز في التصدي لحفظ رسالات السماء من خلال خطبها وتضحياتها الجسيمة، فقد كانت خير مُبيّن وناصر لإمام زمانها...
فتوثيق خطبة الزهراء(عليها السلام) كان بمثابة فرقان للناس ليصل من يريد ان يبصر نور الحق من خلالها.
وهذه الفقرة من خطبتها :«وطاعتنا نظاماً للملة، وإمامتنا أمنًا للفرقة».(٥) يمكن ان نقول انها قد أوجزت لنا جوهر غاية الامامة وثمرة اتباع خليفة الله المجعول من قِبل الله في ارضه.
وهكذا الاصحاب الخلص ممن ناصر الامام علياً (عليه السلام) ففي كل زمان كان هناك من يبيّن ويعرّف الناس بحق إمام زمانه ويبين للناس أمور دينهم ودنياهم وفق نهج أهل البيت (عليهم السلام) من أصحاب ذلك الامام وتلامذته، وهناك شواهد كثيرة تثبت ذلك - لسنا بصدد الحديث عنها - ونحن الان في زمن لنا أمام زمان هو غائب عنا بشخصه حاظر فينا لان " الارض لا تخلو من حجة "...
فمن أهم واجباتنا: إعداد أنفسنا لنكون أهلاً لهذا الانتماء من خلال معرفته كإمام مفترض الطاعة وحجة الله وبقيته والسبيل الموصل اليه.
ونجعل طاعتنا وتسليمنا راسخاً في قلوبنا باتباع منهجه والسير على سيرة أجداده وآبائه...
فمتى ما كنّا كذلك كنا ممن يوفقون بأن يكونوا من الادلّاء على امامهم والدعاة إليه والذين يقودون الناس للاهتداء بنوره (عجل الله فرجه)...
فكم من موالي غافل عن امامه؟ فعلى الذاكر لإمامه ان يوقظه من غفلته.
وكم من مدّعٍ لحب أهل البيت وهو يؤذي الامام بأفعاله؟ فعلى العاملين بنهج ائمتهم ان يأخذوا بيده ويصححوا له مسلكه.
وكم من تائه يعيش في ظلمة الذنوب والمعاصي يحتاج الى رشحات نور من نور الامام؟ وعلى من يملكها ممن استقى من نور امامه ان يزوده وينير له ظلمته ...
فكل هؤلاء يحتاجون ان يعرفوا امامهم ويتعرفوا عليه من خلال المنتمين اليه والعارفين بضرورة الارتباط به...
فالضال لابد ان يرتبط بإمامه ليهتدي، والمهتدي عليه ان يزيد ويعمّق ارتباطه بإمامه لكي يكون من اهل الاستقامة. فالإمامة منهج والمأموم عليه ان يكون مرآة تجلٍ لهذا المنهج ليتحول على شكل سلوك سليم يرتضيه الامام فيتحقق بذلك فينا جانب من مفهوم نصرتنا له.

وهنا يمكن أن نستفيد من قول الإمام الصادق (عليه السلام): « إن العلماء ورثة الأنبياء».(٢)
فالعلماء هم ترجمان للخط الالهي، فهم بتثبيتهم للعلوم الحقة بنفوسهم واستيعابهم لها تمكنوا من حفظ إرث الأنبياء والأوصياء...
فكما أن الانبياء جاؤوا لهداية البشرية وليبينوا لهم الحق ويرشدونهم لما فيه صواب؛ فيحيونهم الحياة الانسانية المتمثلة بحياة الفكر والوعي والتعقّل كانت المسؤولية ملقاة على عاتق العلماء كذلك.
فمن غايات خلق الانسان هو ان يكون ذا علم وتعقل ليبلغ الرشاد فلا ينحرف عن طريق الحق ويبلغ الغاية القصوى من خلقه ألا وهي نيل الرحمة الالهية.
ففي زمننا هناك من ينصر الامام بقلمه من العلماء والمفكرين من خلال ما يتوصلون اليه من خلال تتبع اثار النبي (صلى الله عليه وآله) وعترته صلوات الله عليهم وهو ما يعرف بالاجتهاد والفقاهة.
وكل من يبحث ويتوصل للحق وتحصل لديه معرفة بإمام زمانه تقع عليه ذات المسؤولية وذلك بالسعي لإيصال ما يعرفه لمن لا معرفته له.

والسؤال هنا هل هذه النصرة ممتدة في زمن حضوره ؟
هنا يمكن ان نجيب بالاتي:
كما أن هناك في زمن كل إمام حاضر من هم من أهل العلم والمعرفة كان لهم دور في ايصال فكر أهل البيت ومنهجهم للناس مع وجود امام ذلك الزمان، ففي زمن حضور الامام المنتظر(عجل الله تعالى فرجه) هناك علماء وفقهاء ايضا يمارسون هذا الدور ويعطيهم هذه المسؤولية.
فلما نتتبع الروايات- وفق استقراء غير تام - نجد أن هذا الباب يبقى مفتوحاً ولكن بإشراف الامام بشكل مباشر، حيث إن باب الاجتهاد يُغلق والإمام يحيي قلوب الناس بإحياء القرآن واظهار السنن الحقة وتجديد الاسلام.
كما ورد في النهج الشريف :« فيريكم كيف عدل السيرة، ويحيي ميّت الكتاب والسنّة » (٧)

فهناك صنف من الروايات تتحدث عن الاكتفاء الذاتي (المكتسب من فيض الامام الحاضر) للمجتمع الانساني في معرفة الحق كما في هذه المصاديق:
- كما ورد عن الامام الصادق(عليه السلام):« العلم سبعة وعشرون حرفاً.... فاذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين حرفاً فبثّها في الناس،... ». (٨)
- وعن الامام الباقر(عليه السلام):« اذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد، فجمع بها عقولهم، وكملت بها أحلامهم».(٩)
- وعن أبي جعفر(عليه السلام) أنه قال:«...وتؤتون الحكمة في زمانه حتى أن المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله (صل الله عليه وآله وسلم) ».(١٠)

وهناك بالمقابل صنف من الروايات تتحدث عن عدم وجود اكتفاء ذاتي بل هو نسبي عند افراد المجتمع الانساني في دولة الامام(عجل الله تعالى فرجه) كما في المصاديق التالية:
- ففي الحديث الشريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) :« كأنّي أنظر إلى شيعتنا بمسجد الكوفة، قد ضربوا الفساطيط، يعلّمون الناس القرآن كما اُنزل ». (١١)
- وفي الغيبة للنعماني:«...عن محمد بن جعفر، عن أبيه(عليهما السلام) قال: إذا قام القائم [بعث] في أقاليم الأرض في كل إقليم رجلا يقول عهدك [في] كفك، فإذا ورد عليك ما لا تفهمه ولا تعرف القضاء فيه، فانظر إلى كفك واعمل بما فيها».(١٢)

وهنا لعل وفق المقارنة بين ما ذكرناه من روايات ان اتمام العقول وبلوغ اعلى درجات المعرفة يتحقق بشكل كامل في بعض الناس من القادة والاصحاب الذين يعتمد عليهم الامام في تشييد دولته، وتثبيت اركانها في كل العالم.
كما ورد عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في وصف أصحاب المهدي (عجل الله تعالى فرجه):« .. وهم النجباء والقضاة والحكام والفقهاء في الدين، يمسح الله بطونهم وظهورهم فلا يشتبه عليهم حكم».(١٣)

وهذا لا يعني نفي تحقق اكمال عقول عوام الناس بل هو يتحقق ايضاً ولكن في حدود فهمي لعله يكون من ناحية تقبلهم للحق وقبولهم وأقبالهم عليه لما يُدعون له ويُبين لهم ممن هم من اتباع المذاهب الاخرى والشرائع الاخرى كاليهود والنصارى...
أو لعل إكمال عقولهم سيكون في مرحلة متأخرة عن خُلّص أصحابه، وهو ما يمكن أن نفسر به روايات تعليم الناس القرآن كما أنزل وأمثالها.

والخلاصة: ان القلم وسيلة لإيصال العلوم والمعارف ففي زمن الغيبة نحن نتعلم ونعلم بواسطة ما وصل الينا من علوم أهل البيت مما ينطبق ويوافق كتاب الله.
وفي الظهور نأخذ علمنا مباشرة من الامام عليه السلام.

وهو (صلوات الله عليه) كما انه في غيبته يختار اصحابه الممهدين لظهوره، الامر كذلك في ظهوره فأهل الاستعداد والقابلية في الغيبة هم من يلقى عليهم هذا الدور عند تحقق الفرج.
وبذلك فليتنافس المتنافسون الان وقبل الظهور.
________________
(١) تفسير الأمثل: ج١٨، ص٣٠١.
(٢) الكافي:ج١، ص ٣٢، ح٢.
(٣) مجمع البيان: ١٠ : ٥٠١.
(٤) مسند أحمد بن حنبل ٥ : ١١٦: ٣٣٣٦.
(٥) شرح خطبة الصديقة فاطمة الزهراء(ع):ص١٥٥.
(٦) مكيال المكارم :ص١٦٣.
(٧) نهج البلاغة: خطبة١٣٨.
(٨) البحار، ج ٥٢، ص ٣٣٦، ب ٢٧، ح ٧٣.
(٩) البحار ، ج ٥٢، ص ٣٢٨، ب ٢٧، ح ٤٧.
(١٠) كتاب الغيبة: ج ١، ص ٢٤٣.(١١) الغيبة للشيخ النعماني، ص ٣١٨، ح ٣.
(١٢) بحار الأنوار، ج ٥٢، ص ٣٦٥.
(١٣) الإمام المهدي وظهوره، ص٢٣٨ .

فاطمة الركابي

اخترنا لكم

اليميــــن

اليمين هو الحلف، وسمّي كذلك لأن من يُقسم غالباً ما يستخدم يده اليمين فسمي الفعل و هو الحلف باسم الآلة و هي اليد اليمين. والحلف أو اليمين من العادات المعروفة في ألسنة الناس و الموروثة جيلا بعد جيل، ولا يقتصر الحلف على لغة دون لغة . وتُبنى على اليمين الكثير من الأمور كدفع التهمة والحكم ببراءة الشخص مثلا. ويُركن إليه في موارد متفرقة كتطييب النفس وتأييد الخبر وما شابه. ولأهمية اليمين في الفصل في النزاعات فقد اعتنت بأمره القوانين المدنية، ولم تقصر استخدامها على ذلك وحسب، بل وأعطتها وجهة قانونية في بعض الموارد كحلف الرؤساء والوزراء والنواب بل وسائر الوظائف والمهن الأخرى كالطب والمحاماة وغيرها عند تقلد المناصب الهامة في الدولة. و أما الشريعة المقدسة فقد اهتمت به كثيراً، وقد وردت في تشريعه وبيان ماهيته وأحكامه الآيات الكريمة والروايات الشريفة. ولابد في اليمين من القصد وعقد العزم عليه لأن الأعمال بالنيات أولاً ولقوله (عز من قائل): " لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ " (1) , ولما روي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال (الراوي): "سألته عن رجل حلف وضميره على غير ما حلف، قال: اليمين على الضمير" (2). وعليه فإذا تلفّظ شخص بلفظ اليمين دون قصد مسبق ودون وعي كاف، لم يكن ملزماً بتنفيذه… أقســــام اليميـــن: وقد اعتنى الإسلام بشأن اليمين اعتناءً خاصاً فشرع له تشريعاً خاصاً وسنّ للحنث ببعض أقسامه كفارة إذا كان القسم بالذات المقدسة خاصة؛ وذلك لرعاية حرمة المقام الربوبي، وأنواع اليمين هي : الأول: اليمين الغموس، وسمّي بهذا الإسم لأنه يغمس صاحبه بالنار ، و هو الحلف بالله (تعالى) كاذباً على أحداث ووقائع قد وقعت في الماضي . و من أقسامه شهادة الزور إن كانت مقترنة بالحلف، ويترتب على هذا الحلف الإثم فقط ولا كفارة فيه . الثاني : يمين المنعقد ، و هو الحلف على عدم فعل شيء معين، ويشترط في هذا الشيء أن يكون راجحاً عقلاً وشرعاً، وإذا حنث المكلف به -أي فعل ما حلف الامتناع عنه أو امتنع عما حلف القيام به- ثبتت عليه الكفارة والإثم معاً . الثالث : يمين المناشدة: وهو أن يحلف المكلف على قيام غيره بفعل، كأن يحلف على أن يدخل صديقه داره، أو أن يأكل من طعامه وشرابه، ولا يترتب على تخلف المقسوم عليه عن موضوع القسم أثم ولا كفارة لا عليه ولا على الحالف، وإن كان يستحب للمقسوم عليه الاستجابة والبر بقسم أخيه المؤمن، ويعتبر هذا النوع من اليمين من أكثر أنواع اليمين تداولاً بين الناس. الرابع : يمين اللغو: وهو اليمين الشائع بين الناس، كأن يقول الحالف به: والله ذهبت إلى المدرسة ، أو كأن يجيب من يسأله هل امتحنت؟ فيقول: والله إمتحنت ولكن يشترط فيه أن لا يكون بقصد اليمين، ولا كفارة على هذا اليمين، نعم يترتب عليه الإثم إن كان مخالفاً للواقع من باب الكذب. الأيمان المنهي عنها: نهى الدين الاسلامي المسلمين عن استخدام اليمين بالله (سبحانه) و ذلك توقيراً لله (جل شأنه)، إذ قال (سبحانه) : " وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لإيمانكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ "(3). ولايُفهم من سياق الآية الكريمة بالإضافة إلى سبب نزولها أن النهي مطلقٌ بل هو مختصٌ في: إولاً: اليمين الكاذبة سواء كانت في المحاكم لغرض الحكم في الدعاوى أو خارجها فقد روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) إنه قال: " اليمين الفاجرة تخرب الديار وتقصر الأعمار "(4) ، وعنه (صلى الله عليه وآله) أيضاً : " من حلف يمينا كاذبة ليقطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان "(5) ثانياً: ما كان مرجوحاً من الأمور، ولم يكن فيه بر أو تقوى أو إصلاح، كإن يحلف الزوج بعدم مقاربة زوجته، حيث يجب عليه نكث يمينه وإعطاء الكفارة والعودة إليها أو الطلاق، ويسمى هذا الحلف بالإيلاء، أو كالحلف على قطيعة رحم فقد سُئل الإمام (عليه السلام) عن امرأة جعلت مالها هدياً، وكل مملوك لها حراً، إن كلمت اختها أبداً؟ فقال (عليه السلام): "تكلمها وليس هذا بشيء، انما هذا وأشباهه من خطوات الشيطان" (6) ثالثاً: التألي على الله (تعالى)، فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه و آله): " أن رجلا قال يوما : والله لا يغفر الله لفلان . قال الله (عز وجل) : من ذا الذي تألى على أن لا أغفر لفلان ؟.. فإني غفرت لفلان ، وأحبطت عمل المتألي بقوله : لا يغفر الله لفلان "(7). رابعاً: كما ورد النهي عن اليمين (بغير ضرورة) ، كما روي عن الامام الصادق (عليه السلام) أنه قال: " لو حلف الرجل أن لا يحك أنفه بالحائط، لابتلاه الله حتى يحك أنفه بالحائط" (8) خامساً: وردت أحاديث في النهي عن اليمين صادقاً بالله إلاّ لضرورة كما روي عن الامام الصادق (عليه السلام)، أنه قال: "من حلف بالله كاذباً كفر، ومن حلف بالله صادقاً أثم، إن الله يقول: { وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ } ". (9) *أهم الشبهات في باب اليمين والقسم: وإتماماً للفائدة لا بد من التعرض إلى أهم الشبهات التي طرحت في موضوع اليمين و توضيح مفادها والرد عليها، حيث يتهم البعض من يحلف بغير الله (تعالى) بالشرك بالله (جل جلاله) مستنداً في حكمه هذا الى أمرين: الأمر الأول: إن الحلف بغير الله (تعالى) شركٌ به (عز و جل) ؛ لأن اليمين بغير الله (تعالى) إعظاماً للمُقسَم به و إجلالاً لأمره لابتناء معنى القسم على ذلك، وبالتالي ففيه نوع خضوع و عبادة له و هو شرك بالله (عز وجل) و قبل الرد على هذه الشبهة لا بد من توضيح حقيقة و هي إن اليمين الشرعي الذي له آثار شرعية في باب اليمين أو القضاء لا ينعقد بغير الله (سبحانه) كما هو مفصل في الفقه، وعليه ليس كلامنا فيه، وإنما كلامنا عن مطلق القسم بغيره (جل شأنه)، وللرد نقول: أولاً: إن التعظيم له درجات، فالمؤمن ينبغي عليه أن يعظم والديه ويجلهما، كما ينبغي عليه تعظيم معلمه وتعظيم الصالحين وتعظيم الأئمة والأنبياء (عليهم السلام) وأعلى درجات التعظيم التي لا يدانيها تعظيم مطلقاً هو تعظيم الربوبية المستقلة التي يستغني بها الرب عما سواه، وعليه فكل تعظيم لمخلوق لا يصل إلى هذه الدرجة الأخيرة الرفيعة هي جائزة طالما كانت تناسب شأنيته، وبالتالي فليس كل إعظام هو شرك بالله (تعالى). الثاني: إن الله (عز وجل) قد أقسم بكثير من خلقه كالسماء والأرض والشمس والقمر والكنس الخنس من الكواكب وبالنجم إذا هوى، و أقسم بالجبل والبحر والتين والزيتون والفرس وأقسم بالليل والنهار والصبح والشفق والعصر والضحى ويوم القيامة، وأقسم بالنفس، وأقسم بالكتاب والقرآن العظيم وحياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبالملائكة إلى غير ذلك في آيات كثيرة، ولا يخلو قسم من إعظام، فإن كان إعظام المقسوم به شركاً لكان كلامه (سبحانه) أولى بالتحرز منه وأحرى برعايته. الثالث: إن الله (تعالى) قد عظّم أموراً كثيرة في كلامه كالقرآن الكريم والعرش وخلق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال تعالى: "و القرآن العظيم"(10) ، وقال: "وهو رب العرش العظيم" (11)، وقال : " و إنك لعلى خلق عظيم" (12). بل و جعل للمؤمنين حقوقا على نفسه (سبحانه و تعالى) و عظمها واحترمها، قال (تعالى): "وكان حقا علينا نصر المؤمنين"(13)، فما المانع من أن نعظمها نحن و نجري على ما جرى عليه كلامه في مطلق القسم. الأمر الثاني: إن الإقسام بحق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و سائر الأولياء (عليهم السلام) يعد من الشرك بالله (تعالى) لسببين هما : السبب الأول: لأنه بمثابة إعطاء سلطة غيبية للمقسوم بهم على الله (تعالى) . و للرد على خصوص هذا السبب من الشبهة نقول : مما لا شك فيه أن إسناد السلطة الغيبية المستقلة عن الله (تعالى) إلى مخلوق من المخلوقات مهما عظم شأنه وإرتفعت مكانته لا يذعن بها مسلم موحد لله (تعالى) مؤمن بكتابه، وأما مطلق السلطة غير المادية التي لا تتم إلا بإذن الله فما الدليل على امتناع اتصاف بعض عباد الله بها كأوليائه مثلا. وقد نص القرآن الكريم على أن الله (تعالى) قد أسند فعلاً الكثير من السلطات الغيبية إلى الملائكة، كما في قوله (تعالى) : "حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون"(14) ، وقال أيضاً: " قل يتوفاكم ملك الموت"(15) ، بل وأسند أمر التدبير الى بعض الملائكة إذ قال : " والنازعات غرقا، والناشطات نشطا، والسابحات سبحا، فالسابقات سبقا، فالمدبرات أمرا "(16). و لم يقتصر الله (تعالى) في إعطاء السلطة الغيبية إلى الملائكة فقط بل وحتى إلى إبليس إذ قال (جل شأنه): "إنه يراكم هو وقبيله من حيث لاترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون"(17). ثم إن كانت الآثار المادية ثابتة لغير الله (تعالى) بإذنه فما الفرق بينها وبين الآثار غير المادية؟ فإن كان إثبات التأثير لغير الله ممنوعاً فلا فرق بعدئذ بين الأثر المادي وغيره، وإن كان جائزاً بإذن الله (عز وجل) جاز كل منهما بلا فرق. السبب الثاني : إنَّ المحلوف به يجب أن يكون أعظم من المحلُوف عليه، فلازم الحلف بالمخلوق على اللّه كونه أعظم من اللّه. و للرد على السبب الثاني نقول : أولاً : إنما يقسم المسلمون بشيء على اللّه (تعالى) لكون المقسوم به مُحترماً عند اللّه ومقبول الشفاعة والدعاء عنده، ولا يعني فيه إطلاقاً كونه أعظم من المقسوم عليه. ومن أطلق هذه الشبهة لم يفرق بين كون المقسوم به أكرم عند اللّه وبين كونه أعظم من اللّه. ثانياً : قد ورد في الصحاح والمسانيد طائفة من الروايات تضمنت القسم على الله (تعالى) بالنبي الأكرم (صلى الله عليه و آله) كما في : أ ـ ما رواه أبو سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) : «من خَرَج رجلٌ من بيته إلى الصلاة، فقال: اللهم إنّي أسألك بحقّ السائلين عليك وحقّ ممشاي ...» (18). ب ـ ما رواه البيهقي عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللّه ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) : «لمّا اقترف آدم الخطيئة قال: يا ربّ أسألك بحقّ محمّد إلاّ ما غفرت لي...»(19). *إحذروا كثرة الحلف: كثيرٌ من هم يقسمون على كل صغيرة وكبيرة في شؤون حياتهم، وكثرة الحلف والأقسام في كل أمر صَغُر شأنه أم عَظُم إذا دل على شيء إنما يدل على عدم احترام الحالف شيئاً مما يقسم به، وإذا كان حلفه بالله (تعالى) فهو لا يستشعر عظمة الله (جل جلاله) مهما كانت الأسباب، وقد حذّر الإمام الحسين (عليه السلام): عن كثرة الأقسام موضحاً الاسباب الداعية إلى ذلك حيث قال: "احذروا كثرة الحلف فإنه يحلف الرجل لخلال أربع: إما لمهانة يجدها في نفسه تحثه على الضراعة إلى تصديق الناس إياه، وإما لعي في المنطق فيتخذ الإيمان حشوا وصلة لكلامه، وإما لتهمة عرفها من الناس له فيرى أنهم لا يقبلون قوله إلا باليمين، وإما لإرساله لسانه من غير تثبيت "(20) و قد نهى الله (تعالى) عن أن يكون المسلم حلّافاً، قال (تعالى): " وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) " (21) . والحلّاف صيغة مبالغة من الحلف أي كثير الحلف، وغالباً ما لا يتسم هذا النموذج بسمة الصدق، ولذا فهو يحاول أن يطمئن من حوله بصدق حديثه من خلال توكيده بالحلف والقسم، ومن لا يتسم بالصدق فهو بلا شك مُهان و مُحتقر في نظر نفسه وفي نظر من حوله لذا وصفه (عز و جل) بـالــ" مهين " من ( المهانة ) و تعني الحقارة والضعة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) البقرة 225 (2) وسائل الشيعة، ج16، ص179 (3) البقرة224 (4) عوالي اللآلي ج1 ص88 (5) المصدر السابق (6) مستدرك الوسائل ص43، ح6. (7) ثواب الاعمال ج10 ص15 (8) مستدرك الوسائل ج16 ص35و36 (9) ثواب الاعمال ج10 ص15 (10) الحجر 87 (11) ن 4 (12) التوبة 192 (13) الروم 47 (14) الأنعام 61 (15) السجدة 11 (16) النازعات 5 (17) الأعراف 27 (18) سنن ابن ماجة 1: 256، الحديث : 778 (19) مستدرك الصحيحين 2: 615 ، والدر المنثور 1:59 (20) مجموعة ورام ج2 ص122 (21) القلم 10 ــ 13

اخرى
منذ سنة
4410

كيف تعزّز ثقتك بنفسك؟

إن الثقة بالنفس تنبع من إحساس الفرد بقدراته على مواجهة الصعاب، والتحديات التي تعترضه في مسيرته الحياتية بصورة واقعية ومن دون قلق أو رهبة، فمثل هذه التصرفات تكون نابعة من الذات. فهي إحساس الشخص بنفسه وبقيمته، ليترجم هذا الإحساس على حركاته، وتصرفاته، وكلامه إضافةً إلى أسلوبه في التعامل مع الآخرين، فعندما تكون ثقته بنفسه عالية، سوف ينعكس هذا على تصرفاته بشكل طبيعي جداً مع من حوله وعدم اكتراثه لشيء؛ لأنّه يعرف ما هو هدفه وماذا يريد تحقيقه، في حين أنّ انعدام هذا الاحساس يجعله يشعر دوماً بأنه قلق وخائف دائماً وغير مستقر. ولعلّ أبرز ما يؤدّي إلى تحقيق الفرد لأهدافه هو شخصيته القوية وثقته بنفسه، فاذا فقدها فإنه لا يستطيع تحقيق النجاح في جميع ميادين الحياة. والنقطة الأولى التي يجب أن نتعرف عليها في هذا السياق هي معوقات الثقة بالنفس أو أسباب انعدام الثقة بالنفس وتأثيراتها السلبية، ويمكن بيان بعضها بالتالي: أولاً: تهويل الأمور والمواقف، بحيث يشعر الفرد بأن من حوله يستغلون ضعفه ويرصدون هفواته. ثانياً: الخوف والقلق من أن يصدر عن المرء أي تصرف مخالف للعادات والتقاليد يحاسب عليه بالتوبيخ والازدراء، ويشعر الشخص بالفشل. ثالثاً: إحساس الإنسان بضعفه إزاء تقديم أي شيء للآخرين وبأنه فاقد الحيلة ومستسلم لقدره. رابعاً: الإحساس الدائم بأنّك شخص تابع لغيركِ كعدم قدرتكَ على اتّخاذ قرار في أمور جداً بسيطة، يحسسك أنك شخص ضعيف الشخصية، لا ارادة لديك، لأن هذا الشعور يصبح واقعًا ليترجم إلى ما يسمّى بعدم الثقة بالنفس. خامساً: مقارنتكَ أنتَ نفسك بينك وبين الآخرين من ناحية قدرات وفرص تولد بداخلك ضعف وانعدام للثقة بالنفس . سادساً: التعرض للانتقادات الحادة من قبل الأهل والاصدقاء، خاصة في مرحلة الطفولة تجعل من الشخص ضعيفًا مهزوز الشخصية وعديم الثقة بالنفس. سابعاً: عدم إعطاء الفرصة للشخص منذ الطفولة لإثبات ذاته تجعل منه شخص لا يؤمن بقدراته، مما يجعله شخص عديم ثقه بنفسه. ثامناً: الاضطرابات النفسية، في الأغلب أن بعض الاضطرابات مثل الوسوسة، والشعور بالنقص، والتمييز بسبب اللون أو المذهب، وغيرها، تكون سببًا في إحساس الفرد بنقص مما يؤدي لعدم ثقته بنفسه. خطوات لتقوية الثقة بالنفس وهناك عدة نصائح يمكن الاستعانة بها لتعزيز الثقة بالنفس منها: ١- يمكن تعزيز الثقة بالنفس من خلال اكتشاف القوة الكامنة في داخلنا، ومعرفة الذات بشكل صحيح. ٢- محاولة الدخول في تجارب وأمور جديدة، فالروتين يقتل ويذهب جمال الأشياء المكتنز بداخلها. ٣- افتح عقلك للأشياء الجديدة وحاول تجربة الهوايات التي لم تفكر في ممارستها من قبل، فكلما ازدادت معرفتك ونمت مداركك شعرت بأنك أفضل مما كنت عليه من قبل. ٤- التفكير الايجابي : العقل هو مصدر لبناء الثقة بالنفس واتخاذ القرارات الصائبة في الاستجابة للمواقف والتصرفات السليمة إزاء الذات والآخرين. فقائمة الانجازات التي يتطلع المرء لتحقيقها صغيرة كانت أو كبيرة يمكن ترجمتها إلى أفكار وصور ومن ثم تحويلها إلى مواقف، وبذلك يمكن تبديد كل المخاوف التي تراود المرء. ٥- الإخلاد إلى الراحة والتفكير بهدوء يريح النفس ويتيح للعقل التفكير بروية إزاء الكثير من القضايا الشائكة ووضع الحلول الايجابية لها. وجعل التفكير إيجابيًا، والابتعاد عن السلبية والتشاؤم. ٦- الحذر من أن تكون معجب بنفسك إلى درجة الغرور ، لأن هذه الصفة بغض النظر من أنها مذمومة، فهي تجعلك إنسانًا ساذجًا وتافهًا من وجهة نظر الآخرين. ٧- تقبل كل ما هو جديد من تجارب وهوايات من شأنه أن يرسخ الثقة بالنفس في مواجهة أية مواقف طارئة. ٨- يجب العمل باستمرار على تأكيد الذات وعدم الانتقاص من القدرات الذاتية لتخطي العقبات وعدم الاستسلام لليأس. ٩- الاهتمام بالنفس دائمًا بالأمور البسيطة البعيدة عن التعقيد شيء جميل يشعر بالارتياح والرضا الداخلي . ١۰- محاولة المرء أن يكون إيجابيًا وفاعلاً في شتى مجالات العمل بداية الطريق، ثم إلى النجاح والإبداع، والابتكار. ١١- قم بإنشاء صداقات مع اشخاص مناسبين ، فالاختلاط مع الناس يساعد في التعرف على أفكار مختلفة .كثرة التعامل وتبادل الافكار مع الاصدقاء تعزز من ثقتك بنفسك بطريقة الحوار . ١٢- عبارة «لا استطيع» يجب حذفها أو استبدالها بأخرى «ما الذي يمكن فعله»، وبذلك يتبدد الخوف والتردد وتتحدد الأهداف لتخطي المخاوف المثبطة للعزائم. والحزم في اتخاذ القرارات من شأنه أن يقوي ثقتك بنفسك . ١٣- ممارسة الانشطة النافعة والهوايات المفيدة التي تحبها، كالرياضة مثلاً، فعدا عن كونها صحيّة ومفيدة لجسمك، هي أيضاً تساعدك على التخلص من الطاقة السلبية التي بداخلك. كيفية تعزيز ثقة الآخرين بالنفس. لعلّ أبرز ما يؤدّي إلى تحقيق الشخص لأهدافه هو شخصيته وثقته بنفسه، وتعزيز ثقة الآخرين به، وهذه الثقة هو من يقوم بزرعها بداخلهم عندما يكون ذا شخصية قوية قادرة وواثقة بنفسها، وشخصًا محبوبًا، مخلصًا، صادقًا، ماهرًا، ذكيًا، لأن هذه الصفات تساعدنا على أن نكون سعداء فيما نحن به. وهذا يعني أننا نهدف إلى تحقيق أهدافنا وطموحاتنا والتي نؤمن بها، فهذا يجعلنا نشعر بالسعادة، وثقة الآخرين بنا هي انعكاس لمدى ثقتنا بأنفسنا، فالشخصية الواثقة بنفسها تتصف بقدرتها على تحمل المسؤولية دون الشعور بالتردد والخوف، والثقة بالنفس تساعد على احترام الآخرين لمواهبه ولقدراته العقلية والبدنية، وتبني له مستقبلًا عظيمًا، والثقة بالنفس تمكنه من القدرة على نصح الناس وتوجيههم وحل مشاكلهم، والواثق من نفسه يعد قدوة للآخرين في نفس مجاله او غيره، فالشخص المتمتع بالثقة في نفسه تجده محط احترام الجميع، وتكون نظرته للحياة متفائلة. بقلم: حنان الزيرجاوي أم سيد محمد حسين

اخرى
منذ سنة
1766

المؤمن هو الأقدر على التغيير

إن عظمة النفس تكون من خلال العلاقة بالله سبحانه وتعالى عبر الإيمان والعمل بمناهج الإسلام، وهذه العظمة تمنح صاحبها القدرة على التغيير، ولو لم يكن الإنسان يملك القدرة على التغيير لما ركز الله سبحانه على هذه المسألة بالذات، فلا يمكن التغيير الحقيقي الا بالمعرفة والحركة المنسجمة مع المعرفة وبأدوات صحيحة. التغيير يحتاج إلى المبادرة وإلى خطوة يتقدم بها الفرد نحو مسار التغيير حِينَئِذٍ يتحقق التغيير . كل إنسان يتمتع بقوى كامنة في داخله متعددة الجوانب، تميزه عن غيره من البشر، قوةٌ تنبض بالحياة، وتشعُّ بالنور، وعليه استثمار هذه القوة الداخلية وتوجيها بشكل صحيح ، لتمده بالطاقة لمواصلة طريق التغيير والنجاح للوصول الى الهدف الذي من أجله خلقه الله ، وإخراج أفضل ما لديه من إبداعاتٍ ومواهب كامنةٍ تنتظر من يكتشفها. لذلك فمن الخطا أن يعيش الانسان على نمط واحد من التفكير في الحياة الى ان يموت ويخرج من هذه الدنيا . وهو المخلوق العجيب الذي خلقه الله. لان الله تعالى قد وهب للإنسان العقل وهو يستطيع أن يتحرك لكي يكتشف غوامض وأسرار الوجود بل هو يصبح من أسرار الوجود ويكون كما في الحديث (عبدي اطعني تكن مثلي ......) فالإنسان المؤمن القوي هو مشعل وضّاء في كل مكان، فهو ذو فائدة وأعظم درجةً وأرفع قدراً عند الله تعالى. قال تعالى { وجعلني مباركا أين ماكنت } .(١) إنّ التغيير يعد استجابة لأمر الله سبحانه وتعالى، عندما دعا المؤمنين إلى الاجتهاد والعمل، لكي يكونوا بمراتب عالية ولا يكونوا عالة على غيرهم، وأنّ الله سبحانه وتعالى سيجازيهم على عملهم هذا يوم القيامة، قال تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).[٢] إن التغيير يبدأ من الفرد نفسه فهو الأساس في مرحلة التغيير، ثم يأتي بعد ذلك نهوضه لتغيير المجتمع الذي يعيش فيه. فالإنسان يحتاج إلى إرادة قوية ويحتاج إلى عزم وتصميم على التغيير، وأن يربي نفسه على العزم والتصميم على أن يغير مساره . إن النفس إذا كانت عظيمة فإنها ستصبح قادرة على تغيير ذاتها وتغيير الآخرين، لاسيما إذا كانت تستمد عناصر عظمتها من الله سبحانه وتعالى، فإذا عظم الله في الإنسان صغر مادونه في عينه على حد تعبير أمير المؤمنين( عليه السلام ) فعمل مثل هذا الإنسان عظيم لأن المصدر عظيم. وقد نسب إلى الإمام علي(عليه السلام): دَواؤُكَ فيكَ وَما تُبصِرُ - وَدَاؤُكَ مِنكَ وَما تَشعُرُ. أَتَزعُمُ أَنَّكَ جُرمٌ صَغير - وَفيكَ اِنطَوى العالَمُ الأَكبَرُ. فَأَنتَ الكِتابُ المُبينُ الَّذي- بِأَحرُفِهِ يَظهَرُ المُضَمَرُ.(٣) المفروض بهذا الإنسان ان يصل بفكره إلى أعماق هذا الكون والوجود ليكتشف غوامضه وأسراره... ليصل إلى ما أراده الله من خلقه، ولايبقى عديم الحركة وينتظر تغيير الكون وأنظمة الحياة لأجله من دون أن يحرك ساكناً. إذاً الحل ينبع من النفس ومن مناهج الله سبحانه. فالإنسان يمتلك القدرة على تغيير نفسه وعلى تغيير محيطه، مثلما استطاع رسول( الله صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يقيم المجتمع الإسلامي في المدينة التي كانت قلعة للشرك وأن يدخل نور الإسلام إلى كل بيت، وبذلك أقام مجتمعاً نظيفاً كأنما صنع فيه الإنسان صناعة جديدة. إن الإنسان لن يكون له وجود وحضور إلا إذا كانت له مناهج تحترم إنسانيته، وليس مايحترم إنسانيته كالمناهج الإلهية، لذلك نرى الآن المجتمعات الحضاريه تعاني من عدم إيجاد الحلول المناسبة لكثير من المشاكل التي تواجها البشرية، في حين نجد الإسلام جاهزاً لحلها لو عمل بمناهجه وأخذ بحلوله .لذلك نجد الإسلام يقدم العلاج الكافي لحل جميع مشاكل الإنسان، وذلك من خلال انطلاق علاقة الإنسان بنفسه وعلاقته بربه. ----------------------------------- (١) - سورة مريم الآية ٣١ (٢)-سورة التوبة، آية: 105. (٣)-نهج البلاغة

اخرى
منذ سنة
6718

التعليقات

يتصدر الان

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29178

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29063

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29061

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
28290

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنة
12795

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
12389