تشغيل الوضع الليلي

المودة والصفاء في الحياة الزوجية

منذ سنة عدد المشاهدات : 1210

مفاهيم في الأخلاق والعقيدة
المودة والصفاء في الحياة الزوجية وقانون الاختيار في أفعال البشر

قال تعالى : [من عمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها، وما ربك بظلام للعبيد]، هذه تنفي عقيدة الجبر الفاسدة، وتصرح بأن الله تعالى لا يجبر الناس على ارتكاب الذنوب ولا أن الإنسان غير مختار في أفعاله، فهذه الآية تنفي تلك العقيدة الفاسدة وتثبت ان الانسان مختار في أفعاله وقادر على الفعل والترك، ببيان:
إن هذه الآية المباركة وقعت في سياق الكلام حول محاربة الكفار والمشركين وتكذيبهم للنبي صلى الله عليه وآله وكفرهم بآيات الله، ليختم جل وعلا هذه الفقرة بقانون عام، وهو قانون الاختيار في أفعال البشر، وان الله قد بين لهم أحكامه عبر إرسال الأنبياء بالكتب السماوية، وبعد كونهم مختارين، فإن عملهم هو الذي سيحدد مصيرهم من سعادة وشقاء...(انا هديناه السبيل أما شاكرا واما كفورا.) فالإنسان كائن حر، بالإرادة مخير.
فبالعقل يختار فعله دون إجبار فهو من يحدد فعل هذا الشيء او تركه
وفي قوله تعالى : [ من عمل صالحا فلنفسه ]، بيان إلى أن الإنسان أولا هو الذي يعمل، فهو مختار، فإن كان عمله صالحا موافقا لما يحبه المولى وما يأمر به، فهو الذي سيستفيد من آثار ونتائج هذا العمل الصالح والحسن في الدنيا والآخرة، وبالتالي هو من سيرسم طريق سعادته من خلال عمله.... فهو اما يسلك طريق الرشد والتكامل او طريق الشرير والقبائح.

الإنسان إذا لم يمتثل أمر الله فهو الذي سيتكبد آثار وتبعات عمله، وبالتالي سيخط بذلك مسيره إلى جهنم.....لأن الله يجازي العبد وفقا لما يستحق فيعاقب المسئ على اعماله وافعاله
وفي قوله تعالى : [ وما ربك بظلام للعبيد ]، ، تصريح بأن المولى جل وعلا عادل يعطي كل ذي حق حقه، ولا يظلم أحدا، فلا يضيع عنده أجر المحسنين العاملين، ويعاقب العاصين والمسيئين، ويكون عمل كل إنسان هو الذي يحدد مصيره الأخروي من النعيم أو الجحيم فالله عادل لم يكلف الانسان فوق طاقته بل سهل عليه أموراً كثيرة، قال تعالى (لا يكلف الله نفسها الا وسعها)
ما هي المودة؟
المودة هي المحبة والميل النفسي الذي يشكل قاعده للانسجام والتفاهم بين الزوجين في محل كلامنا.
ينبغي أن تسود الحياة الزوجية علاقة المودة والصفاء فان الحياة الخالية من الحب لا معنى لها، والمودة من وجهة قرآنية هي الحب الخالص المتين الذي يكوّن بين الزوجين علاقه قويه ذات رباط قوي يضرب بجذوره في الاعماق، والأسرة التي تتوفر فيها المودة سوف يشملها الله بعطفه ورعايته
قال تعالى (وجعل بينكم مودة ورحمة)
إن الجو الاسري الذي يسوده التفاهم والمحبة والاهتمام يساعد الابناء على النجاح في حياتهم وفي دراستهم.
إن الطفل يحتاج إلى النمو والتعلم في جو أُسري دافئ ومستقر،

أما الرحمة فهي نوع من الرقة والتعاطف، فلم يكتف الله تبارك وتعالى بالمودة بل عطف عليها الرحمة، أي الرقة بين الزوجين والتعاطف في ما بينهما.
والتعاطف يظهر بين الزوجين في الأعمال على شكل عطاء لا ينتظر مقابلاً فقد ورد في الحديث: ما من امراه تسقي زوجها شربة ماء خير لها من عبادة سنه صيام نهارها وقيام ليلها.


ورغم كل ما أمر الله به من وجوب وجوب المودة والرحمة، نجد في زمانا هذا عكس ما يطلبه الله منا فنجد الكثير من العوائل في مجتمعاتنا تفتقر الى أجزاء العطف والمودة والرحمة حيث ينشغل الرجل بعالمه الخاص، وكذلك المرأة تنشغل بعالمها وصديقاتها، فيقضي الأولاد أكثر اوقاتهم امام التلفاز والكمبيوتر او مع أترابهم من خارج العائلة.

يجب الانتباه الى خطر هذا الإهمال الاسري والانتباه الى باقي افراد الاسرة وهم الاولاد واشباعهم مودة وعطفاً حتى لا ينحرفوا وينزلقوا الى الهاوية

إن أهل البيت عليهم السلام يبينون لنا مدى اهمية الجلسات العائلية الودية التي تملأ نفوس افراد العائلة بالمحبة والحنان والاحترام ويتيح لهم الفرصة بتبادل المشاعر والاحاسيس ليزداد التماسك الاسري.

والحمد لله رب العالمين

اخترنا لكم

لِمَ لا نتأثر بكلام الله (تعالى)؟

قال (تعالى) : " وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ " " (1)، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): " وَ اِعْلَمُوا أَنَّ هَذَا اَلْقُرْآنَ هُوَ اَلنَّاصِحُ اَلَّذِي لاَ يَغُشُّ وَ اَلْهَادِي اَلَّذِي لاَ يُضِلُّ وَ اَلْمُحَدِّثُ اَلَّذِي لاَ يَكْذِبُ وَ مَا جَالَسَ هَذَا اَلْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلاَّ قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ زِيَادَةٍ فِي هُدًى أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمًى " (2)، فإذا كان كتاب الله كذلك فلِمَ لا يتأثر به ذلك التأثير المرجو (الرحمة والهداية والزيادة في الهدى والنقصان من العمى) كل من يقرؤه؟ نجيب: إن القرآن الكريم كالشمس التي تظهر على الدنيا أجمعها ولا يحرم منها إلا من حرم نفسه وركن الى الظل، فهو مصدر رحمة وهداية ولا يحرم من خيره وبركاته إلا من أوجد الحجب التي تمنع من وصول أشعة علمه ونور هدايته ودفء سكينته. والحجب تارة تكون: • بالغفلة عن كلام الله (تعالى) كأن يُشرّق القارئ ويُغرّب ويناقش مختلف مشاكله أثناء تلاوته ، أو يتلوه وكل همه آخر السورة فلا يفقه ما يقرأ ولا يفهم ما يتلو .. ولذا روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال : " بيّنه تبيينا، ولا تهذّه هذا الشعر، قفوا عند عجائبه، وجرحوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة "(3). • وأخرى يتلو الكتاب ويعي معانيه ويفهم مقاصده إلا أنه يتلوه وكأنه يتحدث عن غيره وكإن المخاطب به سواه، فيقرأ " أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ "(4) وذكر الله بين يديه ولا يخشع قيد أنملة !! ويقرأ " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ "(5)، وهو يرتكب كل ما نهي عنه وكأنه ليس المخاطب! وهكذا ... • وأما الصنف الثالث فإنه حتى وإن تلا الكتاب بالتفات وعلم أنه المقصود بالخطاب إلا أنه لا يتأثر فيه لكثرة الذنوب التي ارتكبها والآثام التي اقترفها والتي شكلت رينا كسا قلبه وأقفالاً حالت دون دخول معاني القرآن اليه فيبقى مظلماً ولذا قال (تعالى) : " أفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا " (6). إذن فالقرآن الكريم كنز لا يمكنه التأثير على حياتنا أو تغيير واقعنا أو تطهير نفوسنا أو معالجة أمراضنا إلا باستثمار ما فيه من الجواهر الاعتقادية والدرر الأخلاقية، ولا بد من استخراج اللآلئ العلمية واستنباط الدروس والعبر من قصص الأمم الماضية، ولا يكون ذلك إلا إذا أزلنا ما على قلوبنا من حجب بترك اقتراف الذنوب وفتشنا عما فينا من العيوب وعملنا على إصلاحها أولا، وقرأنا القرآن الكريم ونحن في قرارة أنفسنا متيقنين بأننا نحن المخاطبون به فنتفاعل في كل آية من آياته المباركة ونتأثر بكل ما يرد فيه من وصف لأهل الجنة ولأهل النار .. وهذه هي سمة المتقين التي ذكرها أمير المؤمنين لصاحبه همام حيث قال: " فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، وتطلعت نفوسهم إليها شوقا، وظنوا أنها نصب أعينهم، وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم، وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم "(7) فالمتقون يركنون أي يميلون ويشتاقون إلى كل آية فيها تشويق للجنة طمعاً لما فيها، وتتطلع نفوسهم أي تشرف شوقاً إلى النعيم، و ظنّوا أنّها نصب أعينهم أي أيقنوا أنّ الجنّة التي وعدوا بها هي ماثلة بين أيديهم ولذا وصفهم في نفس الخطبة بأنهم: " فهم والجنّة كمن قد رآها فهم فيها منعّمون "(8). وإذا مرّوا بتلاوتهم لكتاب الله (تعالى) بآية فيها تخويف و تحذير من النار أصغوا أي أمالوا إليها مسامع قلوبهم لا مسامع آذانهم وحسب وظنّوا أي علموا أنّ زفير جهنّم وشهيقها أي صوت توقدها وسعيرها في اصول آذانهم أو قد يكون المراد زفير أهلها المعذبين و شهيقهم، ولذا وصفهم في نفس الخطبة بأنهم: " فهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون " (9).. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الاسراء 82 (2) نهج البلاغة خطبة 171 (3) نوادر الراوندي: 30. (4) الحديد 16 (5) الحجرات 12 (6) محمد 24 (7) نهج السعادة ج1 ص39 (8) في ظلال نهج البلاغة ص162 (9) المصدر السابق ص163

اخرى
منذ سنتين
1630

من أسئلتكم ما هي أسباب عدم استجابة الدعاء؟ (3)

بقلم: رضا الله غايتي تقدم أن عدم استجابة الدعاء يعود إلى جملة من الأسباب، ووصلنا إلى: القسم الثاني: عدم تحقق شرائط الدعاء وآدابه. للدعاء شرائط وآداب تزيد النفس تهذيبًا والقلب نورانيةً لا بدّ من مراعاتها لتترتب عليه الاستجابة المرجوة منه إن شاءت حكمته (جل وعلا) ذلك. فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: "احفظ آداب الدعاء... فإن لم تأت بشرط الدعاء فلا تنتظر الإجابة... وأعلم أنه لو لم يكن الله أمرنا بالدعاء لكنا إذا أخلصنا الدعاء تفضل علينا بالإجابة، فكيف وقد ضمن ذلك لمن أتى بشرائط الدعاء" (1). والشروط هي: الشرط الأول: معرفة الله سبحانه، والثقة باستجابته، واليأس من الناس. يشترط لإجابة الدعاء معرفة العبد بالله سبحانه وبصفاته وبرحمته اللامتناهية وقدرته اللا محدودة، لذا روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قال الله (عز وجل): من سألني وهو يعلم أني أضر وأنفع استجبت له" (2). كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) -وقد سأله قومه-: ندعو فلا يستجاب لنا؟! قال: "لأنكم تدعون من لا تعرفونه" (3). فإذا عرف العبد ربه بصفاته الجميلة وسماته الجليلة، امتلأ صدره بحسن الظن به، وهو أدبٌ مهم من آداب الدعاء، فقد روي عنه (عليه السلام) في قوله "فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي" قال: "يعلمون أني أقدر على أن أعطيهم ما يسألوني" (4). وعنه (عليه السلام) أيضًا: "إذا دعوت فظن حاجتك بالباب" (5). بالإضافة إلى حسن الظن بالله تعالى، فإن اليأس من الناس مما حثت عليه الروايات. فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): " إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربه شيئا إلا أعطاه فلييأس من الناس كلهم، ولا يكون له رجاء إلا عند الله، فإذا علم الله (عزو جل) ذلك من قلبه لم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه" (6). الشرط الثاني: الرغبة الصادقة والطلب الجِدّي: فلا بد أن ينبثق دعاء الإنسان من أعماقه وبصورة جدية، تترجم ملامحه مدى احتياجه لتحقق مطلبه، ويستشعر نبض قلبه أهمية مراده وافتقاره إليه. ومن هنا كان البونُ شاسعًا بين الدعاء الحقيقي وبين مجرد تلاوته، إذ الدعاء يعبر عن الحاجة الحقيقية، وهذا ما لا تعبر عنه مجرد القراءة. وقد أكّد الإمام الصادق (عليه السلام) على هذا المعنى فيما روي عنه أنه قال: "من دعا إلى الله أربعين صباحاً بهذا العهد كان من أنصار قائمنا، فان مات قبله أخرجه الله تعالى من قبره وأعطاه بكل كلمة ألف حسنة ومحا عنه ألف سيئة" (7) إذ قال (من دعا) لا (من قرأ). الشرط الثالث: إقران الدعاء بالعمل. اقتضت حكمة الله تعالى أن يجعل لكل شيء سببًا، فمن لم يستعن بالأسباب معتمدًا على الدعاء فقد خالف السُنة الإلهية في نظام الكون. ولذا فقد روي عن أبي عبد الله الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: "أربعة لا تُستجاب لهم دعوة: رجل جالس في بيته يقول: اللهم ارزقني فيقال له: ألم آمرك بالطلب ورجل كانت له امرأة فدعا عليها فيقال له: ألم أجعل أمرها إليك ورجل كان له مال فأفسده فيقول: اللهم ارزقني، فيقال له: ألم آمرك بالاقتصاد، ألم آمرك بالإصلاح، ثم قال: " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما"، ورجل كان له مال فأدانه بغير بينة فيقال له: ألم آمرك بالشهادة" (8). ومن الواضح أن عدم الاستجابة لا تختص بهذه الأربعة، فإنها قد ذكرت من باب المثال لا الحصر. إذ إن الدعاء لم يشرع ليحل محل العمل، بل ليكون مكملاً له. كما روي عنه (عليه السلام) أيضًا: "الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر" (9). الشرط الرابع: الطهارة والصدقة والذهاب إلى المسجد: من آداب الدعاء أن يكون الداعي على وضوء، روي عن مسمع قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): "يا مسمع ما يمنع أحدكم إذا دخل عليه غم من غموم الدنيا أن يتوضأ ثم يدخل مسجده فيركع ركعتين فيدعو الله فيها؟" (10). وأن يقدم صدقة قبل الدعاء، فقد روي عن أبي عبدالله عليه السلام قال: كان أبي إذا طلب الحاجة طلبها عند زوال الشمس فإذا أراد ذلك قدم شيئا فتصدق به وشم شيئا من طيب وراح إلى المسجد ودعا في حاجته بما شاء الله" (11). الشرط الخامس: البسملة وتمجيد الله تعالى وصلاة ركعتين والصلاة على النبي محمد وآله (صلى الله عليه وآله). روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنه قال: "لا يرد دعاء أوله بسم الله الرحمن الرحيم" (12). وعنه (صلى الله عليه وآله) أيضًا: "إن كل دعاء لا يكون قبله تمجيد فهو أبتر، وإنما التمجيد ثم الدعاء، قلت: ما أدنى ما يجزئ من التمجيد؟ قال: قل "اللهم أنت الاول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، وأنت العزيز الحكيم" (13). كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "إن رجلا دخل المسجد فصلى ركعتين ثم سأل الله عز وجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: عجل العبد ربه، وجاء آخر فصلى ركعتين ثم أثنى على الله عز وجل وصلى على النبي [وآله] فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): سل تعط" (14). الشرط السادس: التضرع والابتهال وحضور القلب ورقته والإقرار بالذنب: تقدم أن الدعاء يمثل الافتقار الحقيقي والجد في الطلب. وعليه فمن كان قلبه لاهياً وعقله ساهياً عما يدعو به، فلا يمكن أن يكون جاداً في الطلب. لذا ورد فيما وعظ الله تعالى به عيسى (عليه السلام) أنه قال: "يا عيسى ارفق بالضعيف وارفع طرفك الكليل إلى السماء وادعني منك فإني منك قريب ولا تدعني إلا متضرعا إلي وهمك هما واحدا فإنك متى تدعني كذلك أجبك" (15). كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "إن الله (عز وجل) لا يستجيب دعاء بظهر قلب ساه، فإذا دعوت فأقبل بقلبك، ثم استيقن بالإجابة" (16). وعنه (عليه السلام) أيضًا: "إذا اقشعر جلدك ودمعت عيناك ووجل قلبك فدونك دونك فقد قصد قصدك" (17). ويمكن للعبد تحصيل الرقة وإحضار الدمعة باستشعار تقصيره مع ربه (جل وعلا) واستذكار ذنوبه، بل إن ذلك مما نصت على ضرورته الروايات لاستجابة الدعاء، كما روي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: "إنما هي المدحة، ثم الثناء، ثم الاقرار بالذنب ثم المسألة، إنه والله ما خرج عبد من ذنب إلا بالإقرار" (18). الشرط السابع: التوسل بأهل البيت (عليهم السلام): روي عن أبي الحسن (عليه السلام): "إذا كان لك يا سماعة إلى الله (عز وجل) حاجة فقل: "اللهم إني أسألك بحق محمد وعلي فإن لهما عندك شأنًا من الشأن وقدرا من القدر، فبحق ذلك الشأن وبحق ذلك القدر أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تفعل بي كذا وكذا" (19). الشرط السابع: الإسرار بالدعاء أو الاجتماع وتعميمه: قال (تعالى): "وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ"(20). وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "دعوة في السر تعدل سبعين دعوة في العلانية" (21). وعلى الرغم من التأكيد المتقدم على الإسرار بالدعاء فإن رواياتٍ أخرى تؤكد على الاجتماع فيه، كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "ما اجتمع أربعة رهط قط على أمر واحد فدعوا [الله] إلا تفرقوا عن إجابة" (22). وعنه (عليه السلام) أيضًا: "كان أبي إذا حزنه أمر جمع النساء والصبيان ثم دعا وأمنوا" (23). ويمكن الجمع بينهما: بأن يكون الإسرار أفضل عند الاعتراف بالذنب الشخصي والدعاء لغفرانه أو طلب حاجة شخصية، فيما يكون الاجتماع أفضل لأنه من شروط الإجابة. فضلاً عن أن نفس الاجتماع مطلوب في بعض الأحيان كما في صلاة الجماعة والاستسقاء مثلًا. كما حثت الروايات الداعي على شمول المؤمنين بدعائه ليكون أقرب إلى الاستجابة كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "من قدم أربعين من المؤمنين ثم دعا استجيب له" (24). الشرط السابع: اختيار الأوقات المناسبة: ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "من أدى فريضة فله عند الله دعوة مستجابة" (25). وعن الإمام الصادق (عليه السلام): "ثلاثة أوقات لا يحجب فيها الدعاء عن الله: في أثر المكتوبة، وعند نزول القطر، وظهور آية معجزة لله في أرضه" (26). كما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "خير وقت دعوتم الله (عز وجل) فيه الأسحار، وتلا هذه الآية في قول يعقوب "سوف أستغفر لكم ربي" [و] قال: أخرهم إلى السحر"(27). الشرط السابع: الإلحاح: روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): "إن الله (عز وجل) كره إلحاح الناس بعضهم على بعض في المسألة وأحب ذلك لنفسه" (28). وعنه (عليه السلام): "والله لا يلح عبد مؤمن على الله عز وجل في حاجته إلا قضاها له" (29). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) ميزان الحكمة ج2 ص16 (2) ثواب الأعمال ص138 (3) التوحيد ص209 (4) تفسير العياشي ج 1 ص 83 (5) شرح أصول الكافي ج19 ص96 (6) الكافي ج2 ص215 (7) مصباح الزائر ص 235 (8) الكافي ج2 ص698 (9) من لا يحضره الفقيه ص25 (10) تفسير العياشي ج 1 ص 43 (11) الكافي ج2 ص657و658 (12) الدعوات للراوندي ج52 ص131 (13) مكارم الأخلاق ص356 (14) الكافي ج2 ص667 (15) شرح أصول الكافي ج20 ص176 (16) الكافي ج2 ص651 (17) المصدر السابق ص658 (18) المصدر نفسه ص666 (19) المصدر نفسه ص763 (20) الاعراف 205 (21) الدعوات للراوندي ج18 ص7 (22) شرح أصول الكافي ج16 ص234 (23) الكافي ج2 ص669 (24) الخصال ج 2 ص 110 (25) مجالس المفيد ص 76 (26) أمالي الطوسي ج 1 ص287 (27) الكافي ج2 ص675 (28) المصدر السابق ص653 (29) شرح أصول الكافي ج16 ص193

اخرى
منذ 5 أشهر
1760

تربية الأبناء بين الحاضر والمستقبل

إنّ التربية هي علاقة تفاعل بين الأبوين والأبناء. وكلما زاد هذا التفاعل ازداد الانسجام وأصبحت الرؤيا التربوية أكثر وضوحاً للأبوين، وأصبح الأمر أقل تعقيداً، فالتربية عملية شاقه لايفهما الا اللبيب الحاذق من المربين، والزمن في تغير مستمر وتعقيد كثير، بسبب التطور التقني والمعلوماتي الذي يمرّ بسرعة لذلك وجب علينا الاستعداد بشكل كامل لمواجهة كل التغيرات الحاصلة التي من شأنها أن تؤثر سلباً على طريقة تعاملنا مع أبنائنا، إذا لم نحسن التصرف بشكل صحيح، وما أجمل تلك الحكمة الرائعة التي قالها امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام حين قال: (لاتقسروا أبناءكم على آدابكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم) قد بين أمير المؤمنين (عليه السلام) منذ مايقارب 1400 سنة ما سيحدث من تطور معلوماتي تقني يؤثر في كل محطات الحياة فالتغير السريع، الذي شهدته التكنولوجية قد سرّع من التغيرات الحياتية والاجتماعية في كل شيء وأصبحت الفروق بين جيل وجيل شاسعة للغاية وهذا ما سبب فوضى عارمة لدى كثير من الأسر المسلمة، والآن نعاني من صراع مستمر بين أصول وتقاليد تربوية راسخة وبين رغبات وتطلعات الأجيال الجديدة؛ فالآداب تتغير مع مرور الأيام وتغير الزمان، فطريقة اللبس والآكل مثلاً تغيرت وفقاً للتقدم السريع الذي مر به الزمن ولاضير من ترك المجال للأبناء في التعبير عن أفكارهم وتطلعاتهم وآرائهم ما دامت في طول الشريعة السمحاء لا في عرضها؛ فالتربية السليمة هي تلك التي توفر الأفكار والأدوات والأساليب التي تساعد الصغار على الأستعداد للعيش وفق أسس الأسلام المحمدي الأصيل انسجاماً مع التطور الحضاري والتقني ....... قاسم المشرفاوي

اخرى
منذ سنة
1284

التعليقات

يتصدر الان

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29142

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29043

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29043

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
27907

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنة
12667

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
12241