Profile Image

عبير المنظور

غزوة بدر الكبرى، انتصار ومنهج حياة

بقلم: عبير المنظور معركة بدر الكبرى (أو الثانية) من المعارك المهمة في تاريخ الإسلام، لأنها أول معركة وقعت بين المسلمين ومشركي قريش، وذكرت المصادر التاريخية غزوتين أخريين باسم بدر وهي بدر الأولى وبدر الموعد أو الثالثة، ولكن الأكثر شهرة هي غزوة بدر الكبرى. وأتت شهرة هذه الغزوة من خلال انعكاسات نصر المسلمين الساحق على مشركي قريش وتأثيراته على الساحة الإسلامية والإقليمية -إن صح التعبير- في حينها، إضافة إلى الكثير من المفاهيم المهمة التي أسس لها الإسلام في تلك المعركة. وقعت هذه المعركة حسب أغلب المصادر التاريخية في صبيحة يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان من عام ٢ هـ عند آبار بدر، (تقع بدر على بعد 153 كيلو مترًا جنوب غربي المدينة المنورة، كما وتقع في شمال مكة المكرمة وتبعد عنها 300 كيلو مترًا تقريبًا) (١) وهي من المعارك القصيرة في الإسلام حيث لم تتجاوز عدة ساعات. وردت غزوة بدر الكبرى في القران الكريم ووصفها بيوم الفرقان، وورد ذكرها في عدة سور وهي سورة ال عمران الآيات (١٢-١٣) وكذلك (١٢٣-١٢٧) ووردت أيضًا في سورة النساء الآيتان (٧٧-٧٨) وسورة الأنفال الآيات (١-١٩) و (٣٦-٥١) و (٦٧-٧١). أسس رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هذه المعركة جملة من المفاهيم المهمة التي سنعمد إلى ذكر بعض منها: ١- استشارة الأنصار في مشاركتهم في الحرب ضد قريش (قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل. قال: فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء. لعلّ الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله. فسر رسول الله (صلى الله عليه وآله سلم) بقول سعد ونشطه ذلك ثم قال: "سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم" (٢) ٢- وفي التأمل في أسباب هذه المعركة وخصوصًا قضية القافلة التجارية يتجلى بوضوح أهمية المجال الاقتصادي في دعم بناء الدولة وتأسيس جيش قوي يحافظ على مكانة وهيبة الدولة بين الدول الأخرى خاصة إذا ما عرفنا أن المسلمين الأوائل كانوا في ذلك الوقت لا يمتلكون من الموارد الاقتصادية الشيء الكثير بعد تعذيب قريش لهم وطردهم من مكة، حتى ورد في أغلب المصادر التاريخية أن قوام جيش المسلمين (٣١٣) رجلًا منهم فارسان فقط وهم الزبير بن العوام والمقداد بن عمرو الكندي وسبعون جملًا (٣)، وهو عدد قليل وعدة قليلة قياسا بعدة وعدد جيش المشركين. ٣- وعلى الرغم من قلة جيش المسلمين بالعدة والعدد إلّا أن روحهم القتالية الوثابة والمتقدة بنور الإيمان والعقيدة الحقة كانت السبب الرئيسي في انتصار المسلمين الساحق في هذه الغزوة وتأييد الله لهم بإمداد المسلمين بالملائكة ليوقعوا الرعب في قلوب الأعداء ويرهبوهم كما جاء في سورة ال عمران (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127))، وكذلك قوله تعالى في سورة الانفال (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13).) ٤- إضافة إلى اهمية دور القائد في احتواء المقاتلين ودعمهم ماديًا ومعنويًا بالتشجيع والدعاء، خاصة إذا كان هذا القائد هو خاتم الأنبياء والمرسلين حبيب رب العالمين محمدًا المصطفى الأمين (صلى الله عليه وعلى آبائه الطيبين الطاهرين) فقد (خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الناس فحرضهم وقال: والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة. فقال عمير بن الحمام أخو بني سلمة وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل) (٤). ٥- كما أسس الرسول (صلى الله عليه وآله) للمبادئ والاخلاقيات السامية في الحرب من خلال عدم التمثيل بالعدو حيث ورد (أن عمر بن الخطاب قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله): يا رسول الله دعني أنزع ثنيتي سهيل بن عمرو ويدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا أمثل به فيمثل الله بي وإن كنت نبيا) (٥). ٦- ومن جملة الأُسس الإسلامية النبيلة في هذه المعركة هي الرحمة بالأسرى حيث أوصى بهم رسول الله (صلى الله عليه وآله سلم) بقوله: (استوصوا بالأسارى خيرًا) (٦) ومفاداتهم بالمال لتقوية الصف الإسلامي أو اطلاق سراح بعضهم دون فداء أو اطلاق سراح بعضهم بعد تعليم المسلمين القراءة والكتابة. ٧- ولعل من أجمل ما أسس النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في هذه المعركة هو أخوة المسلمين الحقيقية بالعقيدة والإيمان وجعلها أهم من الأخوة في الدم إن كان الأخ كافرًا بالله، وتجلى ذلك بوضوح في هذه المعركة بأن الأقارب والأرحام يتواجهون في هذه المعركة وكأنهم أعداء، لا تأخذ المسلمين فيهم لومة لائم مهما قربت اللحمة بينهم، فالأُخوة الحقيقية في الدين، وفي ذلك شواهد كثيرة جدًا يطول المقام بعرضها ولكن سأكتفي بموقف مصعب بن عمير (رضي الله عنه وارضاه) وأخيه (أبي عزيز بن عمير، أسره أبو اليسر ثم اقترع عليه فصار لمحرز بن نضلة، وأبو عزيز أخو مصعب بن عمير لأمه وأبيه. فقال مصعب لمحزر: اشدد يديك به، فإن له أمًا بمكة كثيرة المال. فقال له أبو عزيز: هذه وصاتك بي يا أخي؟ فقال مصعب: إنه أخي دونك! فبعثت أمه فيه بأربعة آلاف، وذلك بعد أن سألت أغلى ما تفادى به قريش، فقيل لها أربعة آلاف) (٧). ٨- وبالإضافة إلى ما تقدم فإن هذا النصر الساحق على قريش -القوة الضاربة في التجارة والسطوة بين القبائل في شبه الجزيرة العربية- له الأثر الكبير في رفع معنويات المسلمين وشعورهم بالعزة والقوة وشعور المشركين بالذلة والضعف أمام المسلمين الذين أصبحوا أصحاب قوة يشار لها بالبنان في المنطقة وأصبحت لهم هيبة وعزة مما أدى إلى انتشار دين الإسلام بصورة أوسع. وبلحاظ ما تقدم فإن غزوة بدر الكبرى ليست مجرد معركة مهمة انتصر بها الإسلام نصرًا مؤزرًا انعكس على الجانب السياسي والاقتصادي والاجتماعي للمسلمين بل إنها أسست إلى الكثير من العقائد والمفاهيم الإسلامية على مر العصور والأجيال كمنهج حياة يعتمد على الأسس والمبادئ التي ترتكز على الفطرة والعدالة والإنسانية. _______________________ (١) بدر الكبرى .. المدينة والغزوة، ص ١٨. (٢) تاريخ الطبري، ج٢، ص٢٧. (٣) موسوعة التاريخ الاسلامي،ج٤٢، ص١١. (٤) سيرة ابن هشام، ج٣، ص ١٧٥. (٥) المصدر نفسه، ج٣، ص ٢٠٠. (٦) السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل احداث، ج٣، ص٦١. (٧) مغازي الواقدي، ج١، ص٥٢.

اخرى
منذ سنتين
5574

بين شوق المحراب ودموع العمامة

بقلم: عبير المنظور إيهٍ يبن أبي طالب... يا نفس الرسول! وزوج الطهر البتول! يا أملًا عانق الفقراء وعشعش في أرواحهم المنهكة… يا تنهيدة اليتامى الواقفة على باب دارك يا لهفة أقداح اللبن بأيديهم يا انحناءة الأفق الحزين ساعة السحر يا شجن المسجد وترنيمة المحراب الحزين الذي اعتاد صلاتك ودعواتك الصادقة فيه والذي كان شاهدًا على تهـّجدك وخضوعك لله كان المحراب يستلذ بلذيذ مناجاتك للخالق ويطيب لسماع صوتك المشرق وهو يترنم بالقرآن وكان يرى عن قرب دموع خشيتك من الله يا شوق المحراب لعودتك الروحانية إلى ساحته بعد أن تبرئ من ضربة ذلك اللعين يا شهقة حزن زينب ودموع الحسن واسترجاع الحسين هذه دموع المحراب تمتزج مع دموعهم وآهاته تتحرق مع آهاتهم وجرحه الذي يحاكي جرح هامتك يا نشيج عمامتك التي كانتْ تلتوي على رأسك الطاهر وتحتضنه بقوة لتحميه من سم سيف المرادي ولكن عبثًا ضاعت محاولاتها، فلقد تمزّقتْ أذرعها الحانية وانفلقتْ مع انفلاق رأسك إلى نصفين وتسمّمتْ لتغلغل السم فيه... بكتْ العمامة وناحت خيوطها وذرفت دموعها التي امتزجت مع دماء رأسك الشريف شوقًا لاحتضانه مجددًا وبين شوق المحراب ودموع العمامة قطع النداء السماوي: (تهدمت والله أركان الهدى، وانفصمت العروة الوثقى) تلك الآمال باللقاء مرة أخرى مع الولي إلى آلام لا تنتهي وستبقى نارًا مستعرة في النفوس حتى قيام القائم من آل محمد.

اخرى
منذ سنتين
1699

الإمام الصادق (عليه السلام) وفكر الآخر (٢)

بقلم: عبير المنظور مفردات منهج الإمام الصادق (عليه السلام) في حوار الآخر لا زالت مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) ونهجها المتفرد هي الاولى في الرد على المسائل الكلامية التي أثارت جدلًا واسعًا بين الأوساط الإسلامية ووضع الحدود الفاصلة لتلك المسائل، وكذلك هي الأولى في التصدي للتيارات الفكرية المنحرفة من خوارج وأيضًا زنادقة وملحدين أو ما يسمون بالدهريين. ولأن عصر الإمام الصادق (عليه السلام) -كما ذكرنا في المقدمة التاريخية في الجزء الأول من هذه السلسلة- كان زاخرًا بالمتغيرات السياسية والاجتماعية والفكرية بسبب تكالب الحزبين الأموي والعباسي على الخلافة وسيطرة العباسيين على الحكم ومحاولتهم إشغال العوام عن ذلك الصراع الدموي وتثبيت دعائم حكمه، باستغلال بعض المسائل الكلامية التي اختلف فيها المعتزلة والأشاعرة، كمسألة الجبر والتفويض وخلق القرآن التي أخذت مساحة كبيرة في الساحة الإسلامية وسيّستها لصالحها، وإن كانت مسألة خلق القرآن في عهد الإمام الصادق (عليه السلام) لا تعدو كونها اختلافًا كلاميًا بين المدارس الكلامية، لكنها خلقت أزمة حقيقية في عهد المأمون العباسي القائل بخلق القرآن على رأي المعتزلة وفرض ذلك الرأي بقوة السلطان على الأمة. إضافة إلى الفتوحات الإسلامية التي ساهمت بشكل كبير في تداخل وامتزاج أفكار غير صحيحة مع الأفكار الإسلامية الصحيحة، مما شوه تلك الأفكار وأعطاها خطًا آخر مختلفًا عن الأصل الإسلامي، خاصة مع اهتمام العباسيين بحركة النشر والترجمة التي أدخلت الثقافات الدخيلة إلى المجتمع الإسلامي دون تحصين المجتمع الإسلامي وزرع الوعي فيه في ظل الفقر والعوز الذي عانت منه الأُمة، بسبب الحروب والتكالب على السلطة، إضافة إلى تدنّي مستوى الوعي لدى العوام من الرعية، مما يسهل انجرارهم نحو الاتجاهات الفكرية المنحرفة وترديد إشكالاتهم دون علم ومعرفة _وما أكثرهم حتى في وقتنا الراهن _. كما كان على مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) أن تواجه جميع هذه الاتجاهات وعلى أكثر من جبهة في نفس الوقت، مع الأخذ بنظر الاعتبار تحصين المجتمع من خطر تلك التيارات الفكرية الضالة، ورفع مستوى وعي العوام والخواص، وطبعًا كل حسب علمه وامكانياته واستعداده، وإنها لعمري من أصعب المهام وأكثرها تعقيدًا في ظل هذا الظرف الصعب. وحتى تكون مفردات نهج الإمام الصادق (عليه السلام) قادرة على مواجهة تلك التيارات والرد على شبهاتهم وتوضيحها على مستوى عال من تحجيم الفكر المخالف واتساع رقعة الفكر الصحيح وتمييزه عن السقيم، كان على الإمام أن يتخذ أكثر من أسلوب حسب الاختلافات المذكورة سابقًا، بأن تكون على مستوى واحد من الارتقاء أفقيًا وعموديًا بالمجتمع بخلق حالة من التوازن النسبي في مواجهة الفكر المنحرف وتقويمه وتصحيح السقيم منه وتقوية جانب الفكر السليم وتحصين أفراد المجتمع في الوقت ذاته. وبلحاظ ما تقدم فقد تعددت مفردات ذلك المنهج لضمان تأثيره في المجتمع من وقاية وعلاج، ومن هذه المفردات والخطوط الأساسية العريضة في التصدي والمواجهة: ١- احترام الجوانب الايجابية في فكر الآخر: إن رددنا على فكر معين في بعض المسائل الخلافية، فهذا لا يعني أننا نرفض ذلك الفكر جملة وتفصيلًا، مهما كانت هوية ذلك الفكر إسلامية أم غير إسلامية، عربية أم غربية، فمثلًا هناك العديد من ردود الإمام الصادق (عليه السلام) حول بعض المسائل الكلامية للمعتزلة، فهذا لا يعني أنه يرفض فكرهم جملة وتفصيلًا، وإنما هناك مشتركات كثيرة بين فكرهم وفكر أهل البيت (عليهم السلام)، وكذلك الحال في الفكر غير العربي كالفلسفة اليونانية أو الإغريقية مثلًا، وإن كان هناك اختلافات كثيرة إلّا أن هناك مشتركات أيضًا، وفي حال الرد على مسالة خاطئة، فهذا لا يعني نسف الفكر كله بسبب رفضنا فكرة واحدة مثلًا وهكذا. احترام الجوانب الايجابية لفكر الآخر هي النظرة الايجابية والانفتاحية للفكر الإسلامي بشكل عام. فالفكر الإسلامي منفتح على جميع الثقافات والايديولوجيات، ويحترمها طالما أنها ضمن حدود احترامها للمجتمع الإسلامي وخصوصيته فكرًا وسلوكًا، وهذا الأمر لا يعني أن الفكر الإسلامي منغلق على نفسه، بل بالعكس هو فكر منفتح في ظل ثقافة التعايش والحوار مع الآخر، ولكن -كما أسلفنا في الجزء الأول- ضمن أطر محددة حسب كل زمان ومكان للحفاظ على سلامة المجتمع الإسلامي من حيث الفكر والسلوك. ومن هذه الخاصية من مفردات منهج الإمام الصادق (عليه السلام) في الرد على الشبهات والفكر المخالف نتعلم -ونحن في عصر التقدم العلمي والمعلوماتية والذي كثرت فيه مع الأسف التيارات الفكرية المتأسلمة المنحرفة عن الإسلام الصحيح، إضافة إلى انتشار التيار العلماني والإلحادي بشكل كبير، بالإضافة إلى تقليد مجتمعاتنا الإسلامية للمجتمعات الغربية البعيدة كل البعد عن قيمنا ومبادئنا وثوابتنا الإسلامية- أنه علينا في بادئ الأمر أن نوضح أننا لسنا ضدهم وضد فكرهم عامة، وإنما نرفض ما يسيء إلى ثوابتنا وهويتنا الإسلامية وكل ما يؤثر على سلامة أفراد مجتمعنا، وهو من باب معالجة الخطأ المتفشي في المجتمع ووقاية أفراده من الانجرار خلف الشعارات البراقة لتلك التيارات المنحرفة، أما إذا كانت بعض الأفكار صحيحة وتعتمد على الأسس المنطقية والإنسانية والفطرية، فنحن نرحب بها في مجتمعاتنا كثيرًا ونشجع عليها، مثلًا: ليس كل ما يأتي من الفكر الغربي هو ضد ثوابتنا الإسلامية، فالمسالة ليست عدوانية بقدر ما هي مخالفة الفكر السقيم ومعالجته لتحصين المجتمع بالفكر السليم. ٢- اهمية التخصص في مواجهة فكر الآخر: وهو المنهج العلمي الصحيح المتبع حتى وقتنا الحاضر، فلكل علم متخصصون به وهم أولى الناس بالمحاجّة ودحض الشبهات في تخصصهم، فلا يصح مثلًا أن يتصدى الطبيب للمسائل الفلسفية كما لا يصح تصدي المهندسين لعلم الفقه وهكذا، لا يصح التصدي لإشكالات أي مجال ما لم يكن التخصص فيه هو الفيصل في الحكم النهائي. والإمام الصادق (عليه السلام) اعتمد على التخصص في كل المجالات في مدرسته المميزة، فوجدنا فيها علوم الفقه والحديث والسيرة والكلام والفلسفة والنظريات والطب والكيمياء والرياضيات وغيرها. كما خرّج العديد من الطلاب في شتى مجالات العلوم والآداب والمعارف، كما أنه (سلام الله عليه) كان قد خصّص النوابغ والمتميزين من طلابه -كل حسب تخصصه- في الرد على المسائل المتعلقة بعلم كل منهم وتصدرهم مجال علمهم (كهشام بن الحكم الذي تخصص في المباحث النظرية، وتخصص زرارة ومحمد بن مسلم واشباههم في المسائل الدينية، كما تخصص جابر بن حيان في الرياضيات وعلى هذا الترتيب). (١) فالتصدي لأي مجال من المجالات دون خلفية معرفية وتخصص قد يضر أكثر مما ينفع، وهو درس لنا نتعلمه من منهج الإمام الصادق (سلام الله عليه) في وقتنا الراهن، حيث كثرت شبهات التيار الإلحادي ولغطهم وإشكالاتهم الملتوية، فلا يصح أن يتصدى لهم من لم يكن متخصصًا في الرد على شبهاتهم العقائدية، وإلّا فسيكون ضرره على الخط الإسلامي أكثر من نفعه؛ لأنه سيتخبط في متاهات معرفية لا يضاهي آفاقها الواسعة. ٣-الالتزام بآدب النقاش والحوار والمناظرة: وهذا واضح جدًا من خلال ما عُرف عن تلامذة الإمام الصادق (عليه السلام)، حيث أدّبهم على الالتزام بأدب الحوار والمناظرة، وهذا ما لمسناه واضحًا في محاورة ابن أبي العوجاء مع المفضل بن عمر، وإشادة ابن أبي العوجاء -وهو من كبار الملحدين- بالتزام الإمام الصادق (سلام الله عليه) وتلامذته بأدب الحوار والنقاش بقوله للمفضل: (يا هذا، إن كنت من أهل الكلام كلمناك، فإن ثبتت لك حجة تبعناك، وإن لم تكن منهم فلا كلام لك، وإن كنت من أصحاب جعفر بن محمد الصادق فما هكذا تخاطبنا، ولا بمثل دليلك تجادل فينا، ولقد سمع من كلامنا أكثر مما سمعت، فما أفحش في خطابنا ولا تعدى في جوابنا، وأنه الحليم الرزين العاقل الرصين، لا يعتريه خرق ولا طيش ولا نزق، يسمع كلامنا ويصغي إلينا، ويتعرف حجتنا، حتى إذا استفرغنا ما عندنا وظننا إنا قطعناه، دحض حجتنا بكلام يسير وخطاب قصير، يُلزمنا به الحجة، ويقطع العذر، ولا نستطيع لجوابه ردًا، فإن كنت من أصحابه فخاطبنا مثل خطابه) (٢) ومن هنا يجب علينا الالتفات إلى هذه النقطة الجوهرية في الحوار والنقاش مع الفكر الآخر، بأنه مهما كان الشخص يبلغ من الدرجة العلمية في تخصّصه، فإنه لا ينفع للمناظرات والنقاش ما لم يتحلّ بآداب الحوار والمناظرة، لأنه قد يضر أكثر مما ينفع، خاصة عندما يستفزه الطرف الآخر، فلا يتحكم بأعصابه فينفعل، أو يهمش الطرف الآخر أو يلغيه أو يستهزئ به وبفكره، فإنه يقطع طريق الحوار وهداية الطرف الآخر ويعكس صورة سلبية لفكره الصحيح والهدف من المناظرة. ٤- تأليف الكتب والرسائل في الرد على الشبهات: ومن الواضح أهمية نشر الكتب والرسائل في رد شبهات واشكاليات تلك التيارات الفكرية المنحرفة وفي زرع الوعي في المجتمع وكشف ما يخلطون من الأوراق على العامة، وكشف ثغراتهم وخواء فكرهم القائم على الالتباس وخلط الأوراق مع بعضها، وهو بدوره يعمل على تحصين فكرنا الإسلامي الصحيح وأفراده، ولهذا كانت ردود الإمام القمة السامقة في الحجة والبرهان، وخاصة تأليفه لكتاب (توحيد المفضل) الذي كان من أسبابه الرئيسية محاورة ابن أبي العوجاء مع المفضل بن عمر -التي أشرنا إليها في النقطة السابقة- حيث يُعدّ من أرقى الكتب الاستدلالية في العقائد وعلم الكلام حتى وقتنا الحاضر، وكذلك كتابته للرسالة المسماة بـ (الاهليلجة) مع عظم قيمتها العلمية والطبية، إضافة الى العقائدية دليل على استخدام أدب الحوار والنقاش الذي ينظر إلى الخلفية العلمية للمشكلين وتخصصهم بحيث يلزمهم الحجة بما يتقنون ،وسنأتي في الأجزاء اللاحقة من هذه السلسلة –إن شاء الله تعالى- إلى بيان اهمية كتاب توحيد المفضل ورسالة الاهليلجة بشئ من التفصيل. وقراءتنا لأسلوب الإمام في التصدي بتأليف الكتب والرسائل توحي لنا بأهمية تكثيف النشر لتحصين المجتمع من سمومهم الفكرية، التي يبثونها في جميع وسائل الاعلام المقروءة والسمعية والمرئية، وتعرية فكرهم الضحل الذي صوره لنا الإعلام المضاد بمظاهر الحداثة والتطور كسلاح قوي في الحرب الناعمة، التي هي أخطر بكثير من الحرب العسكرية، للسيطرة على العقول التي لا تعي حجم المؤامرة التي تتعرض لها، وتردد بلا فهم عميق إشكاليات التيار الحداثوي، ولهذا علينا أن نعي بشكل حقيقي أهمية الإعلام وتكثيف النشر لعلوم أهل البيت (عليهم السلام) في الرد على تلك الشبهات، فأصل الشبهات واحدة على مر العصور، وحتى الطرف الآخر نفسه وإن تعددت مسمياته أو اختلفت حسب كل عصر. ٥- عقد المناظرات والمؤتمرات والندوات: التي من شأنها تشخيص الأدواء الفكرية ومعالجتها، إضافة إلى وقاية المجتمع من آفاتها والتقرب إلى أفراد المجتمع بشكل أقرب، والاستماع لطبيعة المغريات التي تستدرجهم للوقوع في فخاخ التيارات الفكرية، والعمل وفقها على تحصين مجتمعاتنا وشبابنا من الانجرار والتأثر بها. ____________________ (١) النبي واهل بيته قدوة واسوة، ج٢ ، ص٦٨. (٢) توحيد المفضل، ص ٢.

المناسبات الدينية
منذ سنتين
6222

النبي وصناعة الإنسان

بقلم: عبير المنظور أولت الأديان السماوية وخاصة دين الإسلام الحنيف أهمية خاصة للإنسان، وأن جميع الشرائع والأديان نزلت لهدايته. الإنسان في الفكر النبوي هو الغاية وهو الوسيلة في الوقت ذاته، فالنبي (صلى الله عليه واله) كان يهدف بالدرجة الأولى إلى صناعة الإنسان بما هو إنسان، إنسان بإيمانه، بعقيدته بمبادئه، بوعيه، بفكره، بمشاعره، بوجوده ككل والهدف من وجوده. لصناعة هذه الغاية (الإنسان) استخدم رسول الله (صلى الله عليه واله) الإنسان نفسه كوسيلة لتحقيق تلك الغاية انطلاقًا من المبدأ القرآني (إن الله لا يغير ما يقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) [الرعد/١١] فالإنسان هو وحده قادر على صناعة الإنسان كإنسان إذا التزم بتعاليم النبي (صلوات الله وسلامه عليه وآله) وتمسك بدينه القائم على الفطرة الإنسانية والمبادئ الحقة. واستخدم رسول الله (عليه وعلى آله آلاف التحية والسلام) في تحقيق ذلك عدة أساليب مهمة منها: * رسم معالم طريق الحق. *ترسيخ تعاليم الشريعة الإسلامية في المجتمع. *إشاعة الثقافة القرآنية بين أوساط المسلمين. *التأكيد على أخذ العظة والعبرة من الأمم الأخرى، خاصة المذكورة قصصهم في القران كمحاولة منه (صلى الله عليه وآله) لترصين المجتمع الإسلامي أكثر من خلال التعلم من السنن الكونية والتاريخية في هذه الحياة. كل تلك الأساليب على المستوى النظري. أما على المستوى العملي فنرى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله): *قد عمل على توحيد كلمة المسلمين ومؤاخاتهم مع بعض. *بالإضافة الى تعزيز الأواصر والروابط بين المسلمين. *وترسيخ تلك القيم النظرية على أرض الواقع لصنع جيل مسلم واعٍ ومدرك لمسؤولياته الكبيرة في الحفاظ على وحدة المجتمع واستقامة أفراده وتقويم الاعوجاج فيه بالحكمة والموعظة الحسنة. * نبذ التنافر والتناحر والنعرات القبلية والصفات الجاهلية وتذويب كل تلك الخلافات في بوتقة الإسلام الواحد الذي يجمع الجميع تحت سقف الجميع، فكان الإسلام دينًا سامٍ وحضارة وعلمًا وصل إشعاعه الى أوروبا وأنار عصورها المظلمة. وما أحوجنا اليوم لتطبيق فكر النبي (صلى الله عليه وآله) في أمتنا الآن في هذا المقطع الزمني بالذات من تاريخ العراق حيث نحتاج لتوحيد الكلمة ورص الصف من الداخل لننطلق بقوة مرة اخرى الى الخارج لنطبق مبادئ الرسول (صلوات الله وسلامه عليه وعلى اله الطاهرين) التي أرادها من صناعة الإنسان أولًا في داخل مجتمعه ثم النهوض بهذا المجتمع بصلاح أفراده ثم انطلاق المجتمع المسلم الى آفاق واسعة نضيئها بنور الإسلام وتعاليم نبي الرحمة.

المناسبات الدينية
منذ سنتين
2307

أنين

بقلم: عبير المنظور لم أكنْ أعرفُ معنى للحياةِ بعدَ أنْ فقدتُها مُنذُ سنواتٍ.. أيقظَني من موتي حينَ جلسَ عليَّ، ووهبَني حياةً لا موتَ بعدَها أبدًا.. لم يكنْ ثقيلًا عليَّ، بل كانَ روحًا شفّافةً يتطايرُ منها الأمانُ والحنانُ.. اعتدتُ عليه وعلى بهائه النوراني وأريجه الإلهي.. كأنّه الجنةُ، لا بل هو الجنةُ! كانَ يجلسُ عليَّ كيانٌ هو أفضلُ ما خلقَ اللهُ (عزَّ وجل) ويخطبُ في الناسِ حتّى عملَ المسلمونَ منبرًا له.. فلم أتمالكُ مشاعري، اشتقتُ له ولريحِه ورحمتِه.. لم أعُدْ أُطيقُ صبرًا لفراقِه، لم أجدْ إلا الحنينَ والأنينَ وسيلةً كي أُعيدَه إليّ.. لم يسكتْ أنيني، ولم يهدأ حنيني، ولم ينتهِ تحرُّقي حتّى عادَ لي النبيُّ (صلى الله عليه وآله) واحتضنني.. تناهَتْ إلى مشامّي رائحةُ النبوّةِ، شمَمْتُه بقوّةٍ فقال (صلى الله عليه وآله) للصحابة: "واللهِ لو تركتُه لبقيَ يئنُّ إلى يومِ القيامة" وكانَ صادقًا فيما قالَ.. ها أنا بينَ أحضانِ الكمالِ والجمالِ والجلالِ؛ لأتنشّقَ من عبيرِ الجنّةِ.. أنا بينَ أحضانِ الرسالةِ، أشمُّ ريحَ مُحمّدٍ (صلى الله عليه وآله)؛ لأخزنها في خلايا ذاكرتي وقلبي وروحي.. وأُسلِّمُ الروحَ بينَ يديه.. فما أجملَ الموت في أحضانِ من نُحِب! فكيفَ إذا كانَ الحبيبُ حبيبَ الله؟! باللهِ يا جذعُ، سكَنَ أنينُك حينَ احتضنَكَ رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله)... وأنا من سيوقِفُ أنيني...؟

اخرى
منذ 10 أشهر
284

فاطمةُ الزهراءُ فكرٌ ثوريٌّ ومنهجُ إباء

بقلم: عبير المنظور فِكرُ الثورةِ والإباءِ الفاطمي كانَ ولا زالَ منبعًا ثرًّا يستقي منه الأحرارُ الدروسَ والعِبَرَ حتّى وقتِنا الحاضر؛ فهو مُتجدِّدٌ عِبرَ الأزمان، فالمفاهيمُ واحدةٌ وإنْ تعدَّدتْ مصاديقُها حسبَ الظرفِ الزمني وتحدّياته على المستوى الاجتماعي والسياسي والمعرفي وغيرها. ونقصدُ بالفِكرِ الثوري الفاطمي منهجيةَ أساليبِ الزهراءِ (عليها السلام) في مُقارعةِ الظُلمِ والظالمين وفي نُصرةِ إمامِ الزمانِ بكُلِّ الوسائلِ والإمكانياتِ المُتاحة. ولقد تعدّدَتْ أساليبُ الثورةِ الفاطميةِ حَسَبَ الظرفِ الذي يفرضُه واقعُ الأُمّةِ الموضوعي تجاهَ الأحداثِ المُتسارعةِ بعدَ رحيلِ رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله)، وهو مسلكٌ مهمٌ في التدرُّجِ بعقليةِ الأُمّةِ ووعيها لظروفِها وتحدّياتِ مرحلتِها؛ فاتخذتْ (عليها السلام) من الدعاءِ والبكاءِ والرثاءِ والكلمةِ والاستنصارِ (طلب النصرة) والإنذارِ والتبليغِ وإلقاءِ الحُجّةِ على الخصمِ والاعتزالِ والمُقاطعةِ وإعفاءِ موضعِ قبرِها منهجًا مُتكاملًا لا يسعُنا تفصيلُه بهذهِ السطور. لقد تنوّعتْ هذه الأساليبِ بالكمِّ والكيفِ فمنها أساليبُ تربيةِ النفسِ وتهذيبِها وربطِها بساحةِ ربِّ العِزّةِ من خلالِ الدُعاءِ وهو في النصوص مُخُّ العبادة؛ لأنّ هذا الأسلوبَ يشدُّ المرءَ إلى خالقِه، ويُشعِرُه بقيمتِه الحقيقيةِ وعجزِه والغايةِ من خلقهِ. وبعدَ هذا الأسلوبِ الذي يشحنُ الروحَ بشُحناتٍ إلهيةٍ من خلالِ التقرُّبِ للهِ (جلَّ جلاله) تدرّجتْ السيدة فاطمةُ (عليها السلام) بأساليبَ تُغذّي العاطفةَ كالبكاءِ والرثاءِ ووظّفَتْها في ترسيخِ مفاهيمِ الدينِ عامّةً والنبوّةِ خاصّةً. ثم تطوّرتِ الأساليبُ وازدادتْ قوّةً حتّى وصلتْ إلى الوقوفِ بوجهِ الحاكمِ الظالمِ بالكلمةِ والخطابِ وما يترتبُ عليه من آثارٍ على كافةِ الصُعُدِ وما انتجَه هذا اللونُ من الفِكرِ الثوري في كشفِ الأقنعةِ وتعريةِ الخصمِ عن واقعهِ اللا إسلامي وإنْ تلبـّسَ بلباسِ الإسلام. ثم تدرّجتْ (عليها السلام) في هذا المُخطّطِ الثوري المُمنهج بمنهجِ الرحمن حيثُ وقفتْ بحزمٍ وتحدٍ وصلابةٍ لنُصرةِ الإمامةِ من خلالِ أسلوبِ الاستنصارِ، حيثُ قرعتْ أبوابَ المدينةِ بيتًا بيتًا لمدةِ أربعينَ يومًا تُطالبُ الأُمّةَ ببيعتِها لإمامِ زمانِها. وبهذا تكونُ الزهراءُ (عليها السلام) قد قفزتْ بأساليبِها الثوريّةِ من الجُهدِ الفردي إلى الجانبِ الاجتماعي لأفرادِ الأُمّةِ لتأخذَ دورَها في أداءِ واجبِها كقواعدَ شعبيةٍ للرسالةِ الخاتمة. ولمّا جابهتِ الأُمّةُ أساليبَها المُتعدّدةَ بالخُذلانِ والتراخي كانَ لِزامًا أنْ يأتيَ دورُ المُقاطعةِ والاعتزال، بل وحتّى إعفاءِ موضعِ القبرِ لما له من دِلالاتٍ وإيحاءاتٍ للأُمّةِ على مظلوميةِ الزهراء (عليها السلام). إنَّ فهمَ الفكرِ الفاطمي ومُحاولةَ تطبيقِه في زمنِ الغيبةِ يرسُمُ لنا ملامحَ الانتظارِ الحقيقي للمُنتظرين لإمامِ الزمانِ (عجل الله فرجه)، لنعبــّد به الطريقَ نحوَ تحقيقِ الوعدِ الإلهي على الأرضِ في ذلك اليومِ الموعود.

اخرى
منذ 10 أشهر
311

كهفُ سورةِ الكهف

بقلم: عبير المنظور أربعُ قصصٍ تخللتْ سورةَ الكهفِ بترابُطٍ مُحكمٍ رغمَ تعدُّدها وحدوثِها في فتراتٍ زمنيةٍ مُتباعدةٍ، لأخذِ العِظةِ والعِبرةِ على مرِّ العصورِ، إلا أنّها تميّزتْ بوحدةِ الموضوع. ذُكِرتْ هذه القصصُ مرةً واحدةً في القرآنِ في سورةِ الكهف؛ لأنّها تتناسبُ مع مقاصدِ السورةِ وجوِّها العامّ الذي بيّنتْه الآيةُ السابعةُ (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) أيّ الابتلاءُ والامتحانُ بزينةِ هذهِ الأرضِ وفتنةُ الإنسانِ بهذه الزينةِ المُختلفةِ في أربعِ قصصٍ هي: ١- قصةُ أصحابِ الكهف: تتمحورُ هذه السورةُ حولَ فتنةِ الدينِ وكيفَ يُمتحَنُ المرءُ بدينِه من خِلالِ قصةِ أصحابِ الكهفِ المشهورةِ والتي سُمّيتِ السورةُ على اسمِ الكهفِ الذي أوى إليه الفتيةُ الذين آمنوا بربِّهم وزادَهم اللهُ هدى فرارًا بدينهم. ٢- قصةُ صاحبُ الجنتين: تتناولُ هذه القصةُ فتنةَ المالِ من خِلالِ حوارٍ بينَ رجلٍ مؤمنٍ فقيرٍ وآخر غني يملكُ جنتين واغترَّ بأمواله وتكبّرَ وكفرَ بأنعُمِ ربِّه حتى أهلكَ اللهُ (تعالى) نعمتَه وجعلَها خاويةً على عروشِها. ٣- قصةُ موسى (عليه السلام) مع العبدِ الصالح. تتحدّثُ قصةُ موسى مع الخضرِ (عليهما السلام) عن بعض قواعد العلم وفروعه؛ فرحلةُ موسى مع العبد الصالح ذكرها القرآنُ بالتفصيلِ مع عِلّةِ وأسبابِ كُلِّ قصةٍ في نهايةِ الرحلةِ ولكن ما يهمُنا في هذه القصةِ أنَّ العلمِ قد يكون من أخطرِ الفِتنِ والاختبارات، فجاءتْ قصةُ النبي موسى وهو نبيٌ ورسولٌ وكليمُ الله يتعلّمُ من الخضرِ (عليه السلام) بما لديهِ من علمٍ لدني باطن لا يستطيعُ النبي موسى (عليه السلام) من خلالِ علمهِ الظاهر أنْ يفهمَه. وفي الرواياتِ أنَّ (موسى سألَ ربَّه هل أحدٌ أعلمُ منّي من الآدميين؟ فأوحى اللهُ إليه: نعم عبدي الخضر، فقالَ موسى (عليه السلام): كيفَ لي بلقائه؟ فأوحى اللهُ إليه أنْ يحملَ حوتًا في متاعِه ويمضي على وجهِه حتى يبلغَ مجمعَ البحرين....)(١) وحين التقاه قالَ: جئتُ لتُعلِّمَني ممّا عُلِّمْتَ رشدًا. قال: إنّي وكِّلتُ بأمرٍ لا تُطيقُه ووكِّلتَ أنتَ بأمرٍ لا أُطيقُه...!)(٢) وفي رواياتِ العامة (يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْم مِنْ عِلْم الله عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْم مِنْ عِلْم الله عَلَّمَهُ الله لك لَا أَعْلَمهُ). ٤- قصةُ ذي القرنين: ومحورُ هذه القصة عن فتنةِ الحكمِ والسلطانِ، وكيفَ يعملُ الحاكمُ العادلُ على حمايةِ سلطانهِ من أشرارِ الخلقِ، وذكرتِ السورةُ بالتفصيلِ رحلةَ ذي القرنين من المَشرقِ إلى المَغربِ، وكيفَ استطاعَ بناءَ السدِّ؛ لحمايتِهم من يأجوج ومأجوج. وبالتأمُلِ في الفِتنِ والابتلاءاتِ أعلاه يتضّحُ لنا ذكر الرواياتِ العديدةِ في عِصمةِ سورةِ الكهفِ لقارئها من الفِتنِ منها ما وردَ عن النبي (صلى الله عليه وآله): (من قرأها فهو معصومٌ ثمانيةَ أيامٍ من كُلِّ فتنةٍ فإنْ خرجَ الدجّالُ في تلك الثمانيةِ الأيامِ عصمَه اللهُ من فِتنةِ الدجال...)(٣) وأيضًا ما وردَ عن رسولِ اللهِ (صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين) قال: (ألا أدلُّكم على سورةٍ شيّعَها سبعونَ ألف ملك، حين نزلتْ ملأتْ عظمتُها ما بينَ السماءِ والأرض؟ قالوا: بلى. قالَ رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله): سورةُ أصحابِ الكهفِ مَن قرأَها يومَ الجُمُعةِ غفرَ اللهُ لهُ إِلى الجُمُعةِ الأُخرى، وزيادة ثلاثة أيّام، وأعطيَ نورًا يبلغُ السماء، ووُقِيَ فتنة الدجّال)(٤) ولو دقَّقْنا النظرَ جيدًا في تركيزِ المروياتِ على فضلِ سورةِ الكهفِ وأنّها تقي من فِتنةِ الدجّالِ فإنّنا سنخرجُ بمُحصِّلةٍ واحدةٍ ناتجةٍ من التأمُلِ في القصصِ الأربعةِ في فتراتِها الزمنيةِ المُختلفةِ في اختبارِ المرءِ وفتنتهِ في الدينِ والمالِ والعلمِ والحكمِ وتتأكّدُ أكثر في زمنِ غيبةِ الإمامِ المهدي (عجل الله فرجه) وظهوره. وفي التأمُّلِ في سُبُلِ النجاةِ من كُلِّ فتنةٍ في كُلِّ قصةٍ من القصصِ الأربع فإنّها حتمًا ستُعطي للمُنتظِر حصانةً من فِتنةِ الدجال. وفي التدقيقِ أكثر في هذه القصصِ الأربع وجدنا ارتباطَها الوثيقَ بالإمامِ المهدي (عجل الله (تعالى) فرجه الشريف)، ففي قصةِ أصحابِ الكهفِ واختبارِ العبدِ بدينِه نرى بوضوحٍ كيفَ يعيشُ المُلتزمون في آخرِ الزمان؛ فهم كما قالَ رسولُ اللّه‏ (صلى الله عليه وآله): (يأتي على الناسِ زمانٌ الصابرُ منهم على دينِه كالقابضِ على الجمر)(٥) ولهذا جاءَ عن الإمام الصادق (عليه السلام): (يخرجُ مع القائمِ (عليه السلام) من ظهرِ الكعبةِ سبعةٌ وعشرون رجلًا، خمسة عشر من قومِ موسى (عليه السلام)، الذين كانوا يهدون بالحقِّ وبه يعدلون، وسبعةً من أهلِ الكهف، ويوشعَ بن نون وأبا دُجانة الأنصارى، ومقداد ومالك الأشتر، فيكونون بينَ يديه أنصارًا وحكام)(٦). أما قصةُ صاحبِ الجنتين وكُفرُه بنعمةِ اللهِ (تعالى) وعدمُ شكرِها فقد جاءَ في الآيةِ الحاديةِ والأربعين: (أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا) والماءُ الغورُ كنايةً عن غيبةِ الإمامِ بأبي هو وأُمّي، وذُكِرَ مرتين في القرآن في سورة الكهف/٤١ وفي سورة الملك/٣٠ (قل أرأيتم إنْ أصبحَ ماؤكم غورًا فمن يأتيكم بماءٍ معين) سُئل الإمامُ الرضا (عليه السلام) عن قولِ اللهِ (عز وجل): (قلْ أرأيتُم إنْ أصبحَ ماؤكم غورًا فمن يأتيكم بماءٍ معين) فقال (عليه السلام): ماؤكم أبوابُكم، أيّ الأئمةُ، والأئمةُ أبوابُ اللهِ بينَه وبينَ خلقِه (فمن يأتيكم بماءٍ معينٍ) يعني يأتيكم بعلمِ الإمام) وعن أبي عبد الله (عليه السلام) في قولِ اللهِ (عز وجل): (قلْ أرأيتُم إنْ أصبحَ ماؤكم غورًا فمن يأتيكم بماءٍ معين) قال: إنْ غابَ إمامُكم)(٧) والمعنى أنَّ كفرانَ النعمِ والتغطرسَ والظلمَ والتكبُّرَ مدعاةٌ لرفعِ رحمةِ اللهِ (تعالى) بالبشرِ بأنْ يغيّبَ عنهم حجته. أما قصةُ موسى والخضر (عليهما السلام) وفتنةُ العلمِ، فالخضرُ في القصةِ كانَ لديه العلمُ الباطني الذي لم يعرفْه موسى (عليه السلام) الذي كان لديه العلم الظاهري في تلك الحوادث، وهو معنى قوله لموسى في الرواية: (إنّي وكِّلتُ بأمرٍ لا تُطيقُه) كما مرَّ سابقًا. وهُنا خصوصيةُ الحكم ببواطنِ الأمور دونَ سؤالِ الدليل والبينةِ من صفاتِ الإمامِ المهدي (عجل الله (تعالى) فرجه) عندَ الظهورِ، فعن أبى محمد (عليه السلام): (القائمُ إذا قامَ، قضى بينَ الناسِ بعلمهِ كقضاءِ داود (عليه السلام)، لا يسألُ البينةَ)(٨) كما أنّ للخضر (عليه السلام) دورًا مهمًا مع الإمام المهدي (سلام الله عليه) في غيبتِه وحتى عندَ ظهورِه، ففي حديثٍ طويلٍ: (سيؤنِسُ اللهُ بهِ وحشةَ قائمِنا في غيبتِه ويصلُ به وحدتَه)(٩). أما قصةُ يأجوج ومأجوج والسدِّ الذي بناه ذو القرنين فالرواياتُ أكّدتْ أنّ هذا السدَّ سيُدَكُّ في زمنِ الإمام المهدي (عجل الله فرجه) وسيقضي على يأجوج ومأجوج ضمنَ أحداثِ آخر الزمان (قَالَ هَٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا)(الكهف/٩٨) (إنّ السدَّ المعنوي والمادي يندكُّ بظهورِ المهدي (عليه السلام))(١٠). وبلحاظِ ما تقدّمَ فإنَّ الفِتنَ التي ذكرتها قصصُ سورةِ الكهف الأربع (فِتنة الدين والمالِ والعلمِ والحكمِ والسلطان). وبالتمعُنِ في تلك القصصِ ومعرفةِ سبلِ التعامُلِ مع تلك الامتحاناتِ والابتلاءاتِ هو السبيلُ للتحصُّنِ من فِتنةِ الدجّالِ الذي يلبسُ الحقَّ بالباطلِ ويخدعُ كثيرًا من خلقِ الله (تعالى) بالمظاهرِ البرّاقةِ ولهذا يُستحبُّ قراءتُها في ليلةِ الجمعةِ ويومِها ليقيَ فتنةَ الدجّالِ آخرَ الزمانِ. ومن اللطائفِ أنَّ يومَ الجمعة مُخصّصٌ للإمامِ المهدي (عليه السلام) ومُتوقّعٌ فيه ظهوره. وعلى ذلك فإنّ تسميةَ السورةِ بالكهفِ هي كنايةٌ عن المكانِ الآمنِ الذي يلجأ إليه من يفِرُّ بدينِه ويُقاومُ الظلمَ حتى يأتيَ اللهُ بأمرِه. وهذا الكهفُ في زمنِ الغيبةِ هو الإمامُ المهدي (عليه السلام) فهو كهفُ سورةِ الكهف. ــــــــــــــــــــــــــــــــ (١)تفسير التبيان، ج٧، ص٦٨. (٢)تفسير الصافي،ج٣، ص٢٦٤. (٣)مجمع البيان، ج٦، ص ٢٧٣. (٤)تفسير الأمثل، ج٩، ص١٨٧، ح١. (٥)أمالي الطوسي ، ص٤٨٤ ـ ٤٨٥، ح ١٠٦٠. (٦)تفسير نور الثقلين، ج٣، ص ٢٧٤، ح٤٠. (٧)راجع بحار الأنوار، ج ٢٤، ص ١٠٠. (٨)تفسير نور الثقلين، ج٣، ص٤٧٠. (٩)معجم أحاديث الإمام المهدي، ج٤، ص١٦٣. (١٠)المصدر السابق، ج ٥، ص٢٣٧.

اخرى
منذ 9 أشهر
569

عـــزاءُ الحبـــال

بقلم: عبير المنظور في كُلِّ عامٍ يغمرُنا الشوقُ ونتلهفُ لنتسابقَ مع بعضِنا ونتشابك معًا لنكونَ أراجيحَ العيدِ، لتعلونا ضحكاتُ الأطفال وبراءتُهم المُتناثرةُ حولَنا، فيزرعونَ السعادةَ رغمَ بساطةِ مشهدِ العيد الذي كانَ الفرحة الوحيدة التي نعيشُها بينَ مُرافقةِ السجناءِ في السجونِ والمُعتقلاتِ أو مُرافقةِ الحيواناتِ أو غيرِها من المهامِ المُناطةِ بنا. ولم يكنْ غريبًا علينا أنْ نُشاركَ في حربٍ ما ولكنّ الغريبَ أنّنا سمعنا صوتَ قعقعةِ سلاحٍ وصليلِ سيوفٍ في شهرِ ذي الحجة الحرام من عام 60 للهجرة وفي يومِ عرفة بالذات! والأغربُ من ذلك عندَما استعانوا بنا في تلك المعركةِ، فأخذونا نحوَ حفيرةٍ تجمهرَ الجنودُ حولَها ليستدرجوا إليها ذاك الأسدَ الضرغام الذي رأيناه وهو يضربُ بالسيفِ ليدفعَ عن نفسِه عشرات الجنود في معركةٍ غير مُتكافئةٍ؛ فقد كانَ يُقاتلُ جيشًا كاملًا بمُفرده ، كانَ يُقاتلُ وحيدًا في أزِقّةِ الكوفةِ وقد تكاثرَ عليه الجنودُ، وهو كالطودِ الراسخِ في الثباتِ والشجاعةِ! تذكّرتُ حينَها أميرَ المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وفروسيته. وظلَّ ذلك البطلُ يُقاتلُ وحدَه وقد أعياهُ التعبُ، يتلفّتُ يمينًا وشمالًا علّه يجدُ من يُعينه بشُربةٍ من ماءٍ، أو من يُقوّي عزيمتَه على الأعداء، لم نلحظْ إلا امرأةً واحدةً تتبعُه وتُراقبُه من بعيدٍ و يبدو أنّها كانتْ تدعو له وأحيانًا تشقُّ طريقَها بينَ الجنودِ لتُشجِّعَه وتحثَّه على القتال وهي مُتألمةٌ لحاله. حتى سقطَ في تلك الحفيرةِ فهتفَ الجنودُ فرحين: لقد أمسكنا بمسلم بن عقيل! ربّاهُ... أهذا ابنُ عقيلٍ حقًّا؟! أ هذا سفيرُ الإمامِ الحسين (عليه السلام)؟! أوثقوه بنا، فأمسكنا به بقوّةٍ كي نحميَه من هؤلاءِ الأرجاسِ الذين أخذوه أسيرًا إلى دار الإمارة. كُنّا معه لحظةً بلحظة نرقبُه عن كثب وكُنّا نتألّمُ ونتأوّهُ لما يجري عليه، فنُحدِّثُ أنفسَنا: إيهٍ يا ابن عقيل، يا ترنيمةَ الشرفِ وأنشودةَ البطولةِ وصوتَ الحقِّ الذي يعلو مُزمجرًا كالرعدِ القاصفِ لنُصرةِ إمامِ الزمان.. يا أيُّها الآه المُستقرّةُ في القلب والشجى المُستقرُّ في الحلق.. فأنتَ كونٌ تاهت بك أكوان.. وأنتَ الفخرُ الممزوجُ باللوعةِ والأسى.. وأنت المِغوارُ المُستبسلُ الوحيدُ في الغُربةِ.. أ تطلُبُ شُربةً من ماءٍ وأنتَ فُراتٌ من الحُبِّ والإخلاصِ لإمامك؟! تحشرجتِ الآهُ في أفواهِنا وتعثّرتْ أنـّـاتُنا خجلة من علياءِ السفيرِ وتساقطتْ عبراتُنا مُعتذرةً من كفيّ مسلم بن عقيل وكتفيه حيث أحطناهُ وآذيناه، ورافقناه بحُزنٍ في طرقاتِ الكوفةِ حتى قصر الإمارةِ وتشرّفنا بقطراتٍ من دمِ شفتيه ونحنُ تائهاتٌ في مشاعرِنا المُتضاربة من خوفٍ وحزنٍ وترقُّبٍ لمصيرِ السفيرِ، حتى أمرَ أبناءُ الأدعياءِ برميه من أعلى القصر.. تابعنا خطواتِه خطوةً بخطوة وصولًا إلى سطحِ القصرِ ونحنُ ننشجُ ألمًا وأخذنا نشدُّ من وثاقِنا بجسدِه الشريفِ ونحتضنُه بقوّةٍ لنودّعَه الوداعَ الأخير بعدَ أنْ رأيناه قد توجّهَ شطرَ المدينةِ وودَّعَ إمامَه وقد أمطرتْ عيناه دموعًا علينا وكأنّه شعرَ بنا ونظرَ إلينا ليواسينا ويُصبِّرنا بحنانِ نظراتِه. وحانَ وقتُ الموتِ وأزِفتْ تباشيرُه، حيثُ شعرَنا أنّنا نتهاوى مع السفير ودماءُ نحرِه التي أغرقتنا، أصغينا مذعوراتٍ لصوتِ تكسُّرِ عظامِه على الأرضِ فكُنّا شاهداتٍ على مُعاناتِه ومصرعِه. بكيناهُ وندبناهُ ولم يسكنْ نحيبُنا بل ازدادَ عندما بدأنا نتقطّعُ، ليسَ من حُزنٍ وبكاءٍ بل لأنّنا أُخِذْنا نُجَرُّ في أسواقِ وأزِقّةِ الكوفة ليسحبوا جسدَ الشمسِ على الأرضِ حتى تقطّعتْ أوصالُنا مع أوصالِ مسلم، وتناثرتْ أوصالُنا هُنا وهُناك وبقيتْ على أرضِ الكوفةِ تندبُ السفيرَ وتبكيه. ومرّتِ الأيامُ ونحنُ نُقيمُ عزاءنا على مسلمٍ؛ ففي كُلِّ شبرٍ من أرضِ الكوفةِ تذكارٌ له من شجاعةٍ وإباءٍ أو بقايا جراحٍ ودماءٍ. وفي يومٍ قائظ من أيامِ عزائنا تناهى إلى مشامِّنا عبيرُ مسلمٍ يتردّدُ في الأرجاءِ! لم نُصدِّقْ لأولِ وهلةٍ وظنّنا أنّنا نتوهّمُ حتى لمحنا من بعيدٍ قافلةَ أسرى لنساءٍ وأطفالٍ يتقدّمُهم عليلٌ وتأكّدنا من شذى السفير كُلّما قرُبتْ تلك القافلةُ منّا حتى لمحنا أمامَنا طفلةً مُقيّدةً بالحبالِ. وهُنا تعالى حديثُ الحبالِ الذي لا يعرفُه أحدٌ غيرنا فسألنا حبالَ الطفلة: - يا حبالُ، من هذه الطفلة التي تُقيّدين؟ - إنّها حميدةُ بنتُ مُسلمٍ بن عقيلٍ الأسيرةُ والكسيرةُ على أبيها وإخوتها.. صرخنا كالثكالى: - كلّا، إنّها الأميرة، أميرةُ آلِ عقيلٍ.. وأعولنا وازدادَ نحيبُنا ونحنُ نُراقبُ تلك القافلةَ وهي تجوبُ الأسواقَ وتدخلُ لقصرِ الإمارةِ فبكينا كثيرًا وظنّنا أنّه العزاءُ الأخير.. حتى مرّتْ أيامٌ وشهورٌ عدةٌ وعادَ أريجُ مُسلمٍ يفوحُ في الأجواء، دقّقنا النظرَ وإذا بطفلينِ يتيمينِ موثقين كتافًا إلى الفراتِ ليُذبحا على شاطئه! وكانَ كُلٌّ منهما يُحاولُ أنْ يفتديَ الآخرَ، فسألنا حبالَ وثاقِهما فعلمنا أنّهما ولدا مسلمٍ وكُنّا شاهداتٍ أيضًا على مصرعِهما على ذاك النهرِ الذي لم يكتفِ بدماءِ قمرِ العشيرةِ، بل شربَ من دماءِ قمرينِ صغيرينِ بعدَ أنْ قُتِلا ورُميا في النهرِ وهما مُتعانقان، فتجدّدَ عزاؤنا مرةً أُخرى وتقطّعتْ نياطُ قلوبِنا وصرخنا ونحنُ نلفظُ أنفاسَنا الأخيرة: - يكفي آل مُسلمٍ عزاءً في الكوفة، لم نَعُدْ نُطِق صبرًا وإنّا لنعجبُ من قلوبِ البشرِ الغُلفِ كيف لم تمُتْ لمصابِ العترة الأطهار؟! فها نحنُ شهداءَ في مِحرابِ عشقِ إمامِ الزمانِ ونُصرتِه، ذاك العِشقُ الذي تعلّمناه من مُسلم. فسلامٌ عليكَ يا بن عقيل يومَ ولِدتَ ويومَ استُشهدتَ ويومَ تُبعثُ حيًّا.

اخرى
منذ 8 أشهر
285

معركةُ أُحُد عِبَرٌ تتأرجَحُ بينَ المِحنةِ والمِنحة

بقلم: عبير المنظور أقبلَ النورُ بمُحيّا مشجوجٍ ورُباعيةٍ مكسورةٍ وشفةٍ مكلومةٍ كفؤادِه الذي يعتصرُه الأسى، وهو يتنقّلُ بينَ أصحابه؛ ليزرعَ الأملَ في نفوسٍ خارتْ عزائمُها وحلَّ محلَّها الانهزامُ والانكسارُ النفسي بعدَ نكسةِ أُحُد، فعلى الرغم من جراحاتِ الرسول (صلى الله عليه وآله) الكثيرة، وما أصابه من الوَهَن، وحزنه على فقد أحبتِه من أهله وأصحابه إلا أنّه كان كالبلسم على جِراحِ المسلمين؛ يبثُّ الروحَ في جسدِ الأُمّةِ المُحتضِر ويستنهضُ هممهم مُجدّدًا لتحدّي الصعاب بعدَ هزيمتِهم في معركةِ أُحُد ليجعلَ من تلك الانتكاسةِ محطةَ انطلاقٍ جديدةٍ لإكمالِ المسيرةِ؛ فالبلاءُ ظاهرُه بلاءٌ ولكنّه يستبطنُ الرحمةَ والنعمةَ. ولهذا كانَ الرسولُ (صلى الله عليه وآله) يوصي المُسلمين بأنْ يجتازوا المِحَنَ باستخلاصِ المِنَحِ الإلهيةِ منها ليؤسِّسَ بذلك منهجيةً مُتكاملةً في التعامُلِ مع البلاءات والمحن. فانطلق (صلى الله عليه وآله) من هذا المبدأ ليعملَ على إعادةِ رصِّ الصفِّ الإسلامي المُتصدِّع بعدَ النكسةِ وتدعيمِ ركائزِه الماديةِ منها والمعنوية. ولعلَّ من أهمِّ ما عملَ عليه الرسولُ (صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطاهرين) هو الحالةَ النفسيةَ للمسلمين الذين تخبّطوا بينَ مشاعرِ الألمِ بعدَ الهزيمةِ ومشاعرِ الندمِ لمُخالفتِهم أوامرَ الرسولِ (صلى الله عليه وآله) ومشاعرِ الحزنِ لفقدِهم خيرةَ الصحابة. ولاحتواءِ المِحنةِ عمدَ الرسولُ (صلى الله عليه وآله) إلى تثبيتِ بعضِ المفاهيمِ في المُجتمعِ المُسلمِ، منها مسألةُ المشاورةِ؛ فقد كانَ رأيُ الرسولِ (صلى الله عليه وآله) أنْ يتحصّنَ بالمدينةِ إلا أنّ المسلمين أصرّوا على الخروجِ لمُلاقاةِ العدو ممّا اضطرَّ (صلى الله عليه وآله) إلى الخروجِ من المدينةِ رغمَ كونهِ قرارًا خاطئًا؛ كي يؤصِّلَ لمبدأ الشورى بين المسلمين. وركّزَ (صلوات الله عليه وعلى آله) أيضًا على أمر طاعةِ الرعيةِ للقائد؛ فلو لم يخالف رُماةَ المُسلمين أمرَه (صلى الله عليه وآله)، ولو لم يبرحوا أماكنهم، لما انهزموا في المعركة، وكذلك فإنّ الطمعَ المادي في الغنائمِ وغيرِها يؤدّي الى الفشل فالهزيمة(1). ومن أهمِّ الأمورِ التي كانَ يُعلِّمُها الرسولُ (صلى الله عليه وآله) لأصحابه هي أنَّ الإخلاصَ للهِ (تعالى) ولرسولِه (صلى الله عليه وآله) هو سرُّ الشهادةِ؛ فليسَ كُلُّ من قُتِلَ في المعركةِ كان شهيدًا، مثلما حصلَ في حادثةِ مقتلِ قزمان مُنافقًا كما أخبرهم الرسولُ (صلى الله عليه وآله) بذلك وبعدَ أنْ تحقَّقَ الصحابةُ من أمرِه تبيّنَ أنّه كانَ يُقاتلُ حميّةً لقبيلتِه وليسَ دفاعًا عن دينِ اللهِ (تعالى) ونصرةً لرسوله(2). ومن عِبَرِ أُحُد هي كيفيةُ التعامُلِ مع الشائعاتِ والأراجيفِ في الحروب فهي سلاحٌ فتّاكٌ في المعاركِ، مثلما حدثَ مع شائعةِ قتلِ رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) والموقف المُشرِّف لأنس بن النضر حيث احتوى الصحابة سريعًا ودعاهم إلى إكمالِ مسيرةِ الرسولِ إنْ كانَ حيًّا أو ميتًا. وعمدَ الرسولُ (صلى الله عليه وآله) أيضًا إلى بيانِ مكانةِ الشهيدِ في الإسلامِ والمواصلةِ بعدَهم خاصةً بعدَ أنْ استُشهِدَ خيرةُ الصحابةِ في أُحُد وعلى رأسهم الحمزةُ عمُّ الرسول (الذي حزنَ عليه الرسولُ كثيرًا؛ لأنَّ العبدَ وحشي مثّلَ به بأمرٍ من هند بنت عتبة آكلة الأكباد) ومصعب بن عمير وحنظلة بن أبي عامر المعروف بغسيلِ الملائكةِ وعبد الله بن عمرو وعمرو بن الجموح وغيرهم كثير. فكانَ الرسولُ (صلى الله عليه وآله) يذكرُهم كثيرًا ويهتمُّ بعوائلِهم، فعلينا نحنُ أيضًا أنْ نُمجِّدَ تضحياتِ شهدائنا ونُدرِّسَها لأجيالِنا ونهتمَّ بعوائلِهم كي لا تذهبَ دماؤهم هدرًا. وللنساءِ حضورٌ قويّ ومُهمٌّ في تلك المعركةِ؛ فقد لعبنَ دورًا فاعلًا في دعمِ الرسالةِ ونصرةِ الرسولِ بمُساعدتهن للمُقاتلين ودفعهن رجالهن إلى ساحاتِ الوغى وحثِّهم على الذبِّ عن رسولِ الله (صلى الله عليه وآله) ومن أبرزِهن أُمُّ عمارة نسيبة بنت كعب التي قالَ عنها رسولُ الله (صلى الله عليه وآله): "ما التفتُّ يمينًا ولا شمالًا إلا وأنا أراها تُقاتِلُ دوني"(3). وأيضًا حمنة بنت جحش زوجة مصعب بن عمير حيث قُتِلَ خالُها وأخوها وزوجُها، ومنهن أيضًا السُميراء بنت قيس حيثُ قُتِلَ ابناها وهي تقولُ: كُلُّ مصيبةٍ بعدَ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله) جلل(4). ولعمري إنّها مواقفُ عجزَ عنها الكثيرُ من الرجالِ الذين هربوا عندما حمي الوطيسُ وحملَ المشركون على رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) حملةَ رجلٍ واحدٍ ضربًا بالسيوف وطعنًا بالرماح ورميًا بالنبال ورضخًا بالحجارةِ، فثبتَ القليلُ من الصحابةِ مثل أمير المؤمنين (عليه السلام) وأبي دُجانة وسهل بن حُنيف يدفعون عن النبي (صلى الله عليه وآله) وكان قد اُغميَ عليه مما ناله(5). ولثباتِ أميرِ المؤمنين (عليه السلام) ودفاعِه المُستميتِ عن الرسولِ (صلى الله عليه وآله) كانَ النداءُ السماوي: (لا فتى إلا علي، لا سيفَ إلا ذو الفقار)(6). وبلحاظِ ما تقدّمَ يتبيّنُ لنا أنّ كُلَّ مسيرةٍ ناجحةٍ في أيّ ميدانٍ من ميادينِ الحياة قد تعترضُها أحيانًا بعضُ الانكساراتِ، قد توقفُها قليلًا أو تُعرقِلُ تقدُّمَها، والعُظماءُ فقط هُم من يتخذون من تلك الانتكاسةِ محطةَ انطلاقٍ جديدةٍ، وهذا يعتمدُ على الحنكةِ وقوّةِ الإيمانِ والصبرِ ودراسةِ أسبابِ الفشلِ ومُعالجةِ الأخطاءِ والاعتبارِ منها كي لا نقع فيها مرةً أُخرى إضافةً إلى النظرةِ الإيجابيةِ للانتكاسةِ نفسِها وجعلِها حافزًا للتقدُّمِ ومواصلةِ المسير مُجدّدًا لا للتقهقرِ والفتورِ وندبِ الحظ. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) السيرة النبوية دروس وعبر، مصطفى السباعي، ص 87و 88 (2) السيرة النبوية، ابن هشام، ج2 ص ح88 (3) المغازي، الواقدي، ج 1 ص271 (4) المصدر السابق ص 291و 292 (5) حياة محمد في أحاديث الشيعة، طالب السنجري، ص 229 (6) معرفة نبي الاسلام، محمد علي الحسيني، ص31 وأيضًا أمالي الطوسي 1 : 142 : ح 45

اخرى
منذ 7 أشهر
311

تمتمةُ قيد

بقلم: عبير المنظور تمتمَ القيدُ مُسبِّحًا للهِ (تعالى) حامدًا له وشاكرًا بأنّه ضمَّ أيدي الإمامِ المعصوم. وفي الوقتِ ذاته كانَ يعتصرُ قلبَه الألمُ؛ لأنّه آلمَ جسدَ الإمامِ فاعتذرَ من يديه وقدميه وعنقه قبلَ أنْ يحتضنهم ويواسيهم بدمعه الذي امتزجَ من دماءِ الإمامِ السائلاتِ من أثرِ القيود. وكانَ شاهدًا على ثقلِ الحديدِ الذي أثقلوه به؛ ليُجهدوا الإمام.. بأبي هو وأُمّي في طامورةٍ لا يعرفُ فيها الليلُ من النهارِ، ورغمَ ذلك كانَ راكعًا ساجدًا ذاكرًا للهِ (تعالى)، وكانَ شاهدًا على أنفاسِ الإمامِ التي تضيقُ كثيرًا بسببِ قِلّةِ الأوكسجين في تلك الطامورةِ.. ومع كُلِّ نفسٍ ثقيلٍ على قلبِ إمامِنا كانَ القيدُ يبكي ويشتكي للهِ الجبار ما فعلَه الظالمون ويُتمتِمُ بدعواتٍ أنْ لا يُهلكَ اللهُ هذه الأُمّة التي عذّبتْ حجةَ اللهِ في الأرضِ في قعر السجون.

اخرى
منذ 8 أشهر
465

محطّاتٌ عاشورائية ٢

بقلم: عبير المنظور في ملحمةِ كربلاء تمرُّ علينا العديدُ من المواقفِ والنصوصِ التاريخيةِ التي يجبُ أنْ نقفَ عندَها وبتأمُّلٍ؛ لتكونَ لنا محطةٌ للعِبرةِ والعَبرة المحطةُ الثانية: قولُ الإمامِ الحسين (عليه السلام): "لا أُعطيكم بيدي إعطاءَ الذليل، ولا أُقِرُّ لكم إقرارَ العبيد"* كُنْ حُرًّا وإنْ ضاقتْ عليك الأمورُ وتنكّرتْ لك الدُنيا وأهلُها وغدروا بك ما دمتَ على الحقّ، كُنْ دائمًا في موقعِ القوةِ والعِزّةِ، فلا الذُلَّ ولا المهانةَ يُعيدانِ الحقَّ ويُصلحانِ الأُمّة. ولا تُقِرّ إقرارَ العبيد للظالمين؛ لأنّ ذلك سيزيدُهم ظلمًا وطغيانًا؛ فما استكبرَ ظالمٌ وتجبّرَ إلا عندَما خنعَ المظلومُ واستسلم. * بحار الانوار، العلامة المجلسي، ج٤٥ ، ص٧.

اخرى
منذ 3 أشهر
218

مَحطّاتٌ عاشورائية(٣)

بقلم: عبير المنظور في ملحمةِ كربلاء تمرُّ علينا العديدُ من المواقفِ والنصوصِ التاريخيةِ التي يجبُ أنْ نقفَ عندَها وبتأَمُّلٍ؛ لتكونَ لنا محطةً للعِبرةِ والعَبرة.. المحطّةُ الثالثة: محطةٌ لم يقفْ عندَها الكثيرون من الشُعراءِ والخُطباءِ والكُتّابِ، رَوَى العَلَّامَةُ المَجْلِسِيُّ وَالخَوَارِزْمِيُّ وَابْنُ عَسَاكِرَ وَابْنُ العَدِيمِ جَمِيعُهُمْ بِالإِسْنَادِ إِلَى المُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ الجَعْفِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) قَالَ: "لَمَّا قُتِلَ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ جَاءَ غُرَابٌ فَوَقَعَ فِي دَمِهِ، ثُمَّ تَمَرَّغَ، ثُمَّ طَارَ، فَوَقَعَ بِالمَدِينَةِ عَلَى جِدَارِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) وَهِيَ الصُّغْرَى، فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا وَأَنْشَأَتْ تَقُولُ: نَعِبَ الغُرَابُ، فَقُلْتُ: مَنْ تَنْعَاهُ وَيْلُكَ يَا غُرَاب؟ قَالَ: الإِمَامُ، فَقُلْتُ مَنْ؟ قَالَ المُوَفَّقُ لِلصَّوَاب قُلْتُ: الحُسَيْنُ؟ فَقَالَ لِي: حَقًّا لَقَدْ سَكَنَ التُّرَاب إِنَّ الحُسَيْنَ بِكَرْبَلَا بَيْنَ الأَسِنَّةِ وَالضِّرَاب فَابْكِ الحُسَيْنَ بِعَبْرَةٍ تُرْضِي الإِلَهَ مَعَ الثَّوَاب ثُمَّ اسْتَقَلَّ بِهِ الجَنَاحُ فَلَمْ يُطِقْ رَدَّ الجَوَاب فَبَكِيتُ مِمَّا حَلَّ بِي بَعْدَ الوَصِيِّ المُسْتَجَاب قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: فَنَعَتْهُ لِأَهْلِ المَدِينَةِ، فَقَالُوا: قَدْ جَاءَتْنَا بِسِحْرِ عَبْدِ المُطَّلِبِ! فَمَا كَانَ بِأَسْرَعَ أَنْ جَاءَهُمُ الخَبَرُ بِقَتْلِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ)* رغم الأسى في قصةِ مولاتِنا فاطمة العليلة (عليها السلام) وشجو أبياتها مع الغراب الناعي وصدقِ قولِها في قتلِ أبيها على مكانتِه في المجتمع الإسلامي بكُلِّ أطيافه وتوجُّهاته كسبطِ الرسولِ وريحانتِه وسيّدِ شبابِ أهلِ الجنة، إلا أنّ حملةَ التشويهِ والتسقيطِ قائمةٌ لمُجرّدِ حِقدهم على أهلِ بيتِ النبوّةِ بقولهم: (قد جاءتنا بسحرِ عبدِ المطلب). نعم، لقد تجاوزَ المنافقون الرسولَ، ووصلوا إلى جدِّه عبد المطلب، وما هو إلا حقدُ الأدعياءِ ووضيعي النسبِ لأنسابِ الشُرَفاءِ الناصعةِ ومكانتِهم الاجتماعيةِ والدينية. هي محطةٌ توضِّحُ أنّ المنافقين والحاقدين موجودون في كُلِّ زمانٍ ومكانٍ ومُتخصِّصون في تسقيطِ الشُرفاءِ من الخلقِ؛ لعجزِهم المادي والمعنوي عن المواجهةِ وجُبنِهم، فلا تبتأسْ من كلامِهم فسُرعانَ ما يُبيّنُ اللهُ (تعالى) الحقيقةَ ويُكشفُ كذبَهم ويتجلّى صِدقَكَ ولو بعدَ حين. *بِحَارُ الأَنْوَارِ ج45 ص172، تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ لِابْنِ عَسَاكِرَ ج70 ص24، بُغْيَةُ الطَّلَبِ فِي تَارِيخِ حَلَب لِابْنِ العَدِيمِ ج6 ص2647، مَقْتَلُ الحُسَيْنِ لِلخَوَارِزْمِيِّ، الفَصْلُ الثَّانِي عَشَرَ.

اخرى
منذ 3 أشهر
162