عبير المنظور

متلازمة الصبر والصلاة في القرآن

بقلم :عبير المنظور تكرر الأمر الإلهي بالإستعانة بالصبر والصلاة في أكثر من موضع في القرآن الكريم مما يشكّل لدينا انطباعاً بأن هناك نوعاً من التلازم بين الصبر والصلاة ، فقد جاء في قوله تعالى بِسْم الله الرحمن الرحيم (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ)(١) نجد الأمر الإلهي بفعل الأمر (استعينوا) بالصبر والصلاة والضمير في (إنها) عائد للصلاة. وفِي آية أخرى ورد ذات المعنى مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ ففي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (٢). نلاحظ أيضاً الأمر الإلهي للمؤمنين بالإستعانة بالصبر والصلاة وذكرت الآية أيضاً المعية الإلهية مع الصابرين ولم تذكر المعية الإلهية مع المصلين! وبجمع الآيتين مع بعضهما بالكلمات المشتركة (استعينوا بالصبر والصلاة) نخرج بالمحصلة وهي أن الاستعانة يجب أن تكون بالصبر قبل الصلاة والاستعانة هنا هي طلب العون والمدد من الله تعالى كما ورد في المصطلحات الفقهية في المعاجم. وقد يتبادر للذهن سؤال وهو، لماذا تُقدّم الصبر على الصلاة في الاستعانة في الآيتين أعلاه؟ وبتأمل بسيط ندرك جيداً أن الدين كله عبارة عن صبر، صبر على الطاعات، صبر على المعاصي، صبر على الشهوات، صبر على المكاره والابتلاءات وما إلى ذلك، والصلاة هي عمود الدين إن قُبِلَتْ قُبِلَ ما سواها وإن رُدّت رُدَّ ما سواها وهي المقدّمة على سائر العبادات في الإسلام، ولعلّ تقدّم الصبر على الصلاة في الاستعانة لأن الصبر يهذّب النفس ويشذّبها ويحبسها عن المحرمات مما يُصفّي ساحة النفس من وساوس النفس الأمّارة ويعرج بها نحو عوالم الملكوت لتتجرّد من الأنانية والشهوات لتدخل حرم الصلاة بخشوع وحضور قلب لتكون بذلك الصلاة الحقيقية التي تنهى عن الفحشاء والمنكر وهكذا في سائر العبادات الأخرى، ولعلّه لهذه العلة ذكرت الآية المعية الإلهية مع الصابرين ومن هنا فإن تقديم الصبر على الصلاة في الاستعانة يساهم بشكل أو بآخر في تكامل الفرد فالصبر على المكاره يسبب حالة من الاستقرار والصفاء النفسي والرضا بقضاء الله وقدره وينطلق من تلك الروحية في الصلاة نحو معارج الكمال. ومن ناحية أخرى فإن الآيتين الآنفتي الذكر اللتين ذكرتا الاستعانة بالصبر والصلاة قد وردتا في سورة البقرة وهي مدنية ومن المعلوم أن حياة المسلمين في المدينة كانت تستلزم الصبر أكثر والالتزام بالصلاة لأنها رمز الإسلام وإيقونته الواضحة في العبادة ولانتشار الإسلام على نطاق أوسع مما كان عليه في المجتمع المكي ولتزايد أعداء الاسلام من قريش وحلفائها من القبائل العربية إضافة إلى يهود المدينة الذين نقضوا العهود والمواثيق مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وازدياد عدد الغزوات والمعارك وانعكاساتها على نفسية الفرد المسلم مما يستلزم منه الصبر سواء كان رجلاً أو امرأة أو طفلاً في ظل هذه المنعطفات التاريخية بالإضافة إلى مسؤوليات المسلمين في نشر تعاليم الإسلام إلى كافة الأصقاع، وكل هذه المسؤوليات الجسام تخفف حدتها الصلة بالله تعالى عن طريق الصلاة٠ وَفِي سورة طه ورد أمر إلهي آخر بشكل أمر مباشر وليس كاستعانة مقرونا الصبر بالصلاة، إلّا إن التعبير القرآني هنا تقدّمت فيه الصلاة على الصبر في قوله تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ) (٣)، نلاحظ جلياً الأمر الإلهي بالصلاة وأعقبته كلمة (واصْطَبِر عليها) والضمير في (عليها) عائد للصلاة، وهنا يرد سؤال آخر: لِمَ أمر الله تعالى نبيه الكريم (صلى الله عليه واله وسلم) أن يأمر أهله بالصلاة ويصطبروا عليها مع أن الصلاة مع مقدّماتها لا تستغرق عدة دقائق؟! وقبل الإجابة على السؤال يجب التفريق أولاً بين مفهومي الصبر والاصطبار فالصبر في اللغة حبس أو منع النفس عن شيء معين وأما الاصطبار فيعني حسن الاحتمال والصبر دون شكوى. وفحوى الآية الكريمة أن الله تعالى يأمر بالصلاة والاصطبار عليها ولا يعقل أن يكون الاصطبار عنها لقيام أو ركوع أو سجود أو أركان الصلاة وإنما الأمر أعمق من ذلك بكثير فهو لا يخص مظهر الصلاة فقط وإنما يتعلق بجوهرها وباطنها المعنوي وانعكاساتها الخارجية على سلوك المصلي وكما قلنا سابقاً إن جميع العبادات تحتاج إلى صبر وحبس النفس عن الذنوب والمعاصي والمحرمات فكذلك الصلاة تحتاج إلى صبر كبير دون شكوى أو تذمر مما يسهّل ضبط النفس لاستحصال حضور القلب والخشوع وإبعاد طائر الخيال الذي غالباً ما يفسد لنا بعض الصلاة إن لم تكن كلها ونحن لا ندرك حقيقة ذلك، فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن من الصلاة لما يقبل نصفها وثلثها وربعها وخمسها إلى العُشُر وإن منها لما تُلفُّ ما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها وما لك من صلاتك إلا ما أقبلت عليه بقلبك) (٤). وورد في هذا المعنى أيضاً عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام): (إن ما لك في صلاتك إلا ما أقبلت عليها فيها فان أوهَمها كلها أو غفل عن آدابها لُفَّت فضرب بها وجه صاحبها)(٥). وقد يسأل سائل: هل يعقل أن الصلاة وهي لا تتجاوز بضع دقائق قد يتشتت فيها ذهن المصلي فيصليها دون حضور قلب أو خشوع؟! فنقول: نعم ولا نغالي إنْ قلنا: إن من أصعب الأمور على الإنسان أن يجعل كل صلاته خاشعة وبحضور قلب ،ففي الصلاة يتجلى صبر الإنسان على الشيطان ووسوسته والتغلب عليه في حال حضور القلب وإبعاد طائر الخيال هو قهر للشيطان الذي يحاول جاهداً وقت الصلاة أن يغوي بني آدم، فالصلاة كما سائر العبادات هي محط الصراع بين القوى الرحمانية والشيطانية داخل النفس البشرية، فظاهر المصلي هو وقوفه متزناً ويؤدي ظاهر الصلاة من ركوع وسجود وقد يطيلهما ويحسن القراءة ولكن قلبه ساهٍ عن التفكر في جوهر صلاته وأهدافها أو قد يؤديها من باب العادة وليس من باب العبادة وأحياناً نجده لا يتورع عن ارتكاب المحرمات بعد الصلاة مباشرة وهذا ناتج عن الرؤية الخاطئة للدين عموماً والصلاة خصوصاً حيث يعتقد بعض المصلين أن نجاح صلاتهم وقبولها يعتمد فقط على التحلي بآداب الصلاة الظاهرية بل وحتى الباطنية منها في حال الصلاة فقط ولا يتعدى الأمر أبعد من ذلك فنجد أن شخصيتهم تتغير تماماً بعد الصلاة لأن صلاتهم لا تؤثر فيهم ولم تنههم عن الفحشاء والمنكر ، (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)(٦)، الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر هي تلك الصلاة التي يصطبر فيها المصلي على المصاعب التي تواجهه للحفاظ على جوهر تلك الصلاة والحفاظ على مكتسباتها الرحمانية وتطبيق تلك المكتسبات فكراً وسلوكاً في حركة الفرد المسلم في المجتمع ، فينقلنا الصبر على الطاعات والصبر عن المحرمات بقفزة نوعية في الصلاة الخاشعة -كما سائر العبادات- من حالة الإصلاح الفردي (للفرد في حال الصلاة) إلى حالة الإصلاح الذي ينطلق نحو المجتمع بطريقة متوازنة مما يجعل من منهج الاستعانة بالصبر والصلاة والاصطبار على الصلاة منهج حياة من حيث قبول الأعمال والطاعات الفردية والانطلاق منها بحركة إيجابية نحو المجتمع وإبقائه داخل دائرة الشريعة التي كفلت تنظيم وسعادة البشرية في المجتمع الملتزم حتى قيام الساعة . الهوامش (١) سورة البقرة الآية ٤ (٢)سورة البقرة الآية ١٥٣ (٣) سورة طه الآية ١٣٢ (٤) بحار الأنوار ج ٨١ ص ٢٦٠ (٥)وسائل الشيعة ،كتاب الصلاة ، أبواب افعال الصلاة ، باب ٣ - ح ١ (ج ٤ ص ٦٨٧) (٦) سورة العنكبوت الآية ٤٥

اخرى
منذ سنة
1259

عيد الندبة!

وحلّ العيد، واختنقتْ الأنفاس بعبرتها، وارتعشت الأوصال وتوضأت بدموع الآماق حينما رمتُ الدخول إلى محراب العشق الأقدس في صباح يوم العيد، حيث موعد الخلوة والنجوى، بين آهاتٍ تتناثر وسط كلمات دعاء الندبة، وزفرات تتخلل المعاني المختبئة بين السطور، وبين حبر الأدمع وقرطاس القلب ترتسم لوحة الولاء الحقيقي لإمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وشدة الاشتياق ولوعة الغياب وألم الانتظار وبث الشكوى، إنها باختصار لوحة العيد التي يرسمها الانتظار بريشة الشوق وبرعاية دعاء الندبة. نعم، هو الدعاء الذي تُعد قراءته من المستحبات المؤكدة في الأعياد الأربعة (عيد الفطر وعيد الأضحى وعيد الغدير والجمعة) فهو بمثابة دورة تربوية مكتملة الجوانب في أدب التعامل مع إمام الزمان (عليه السلام)، فقراءة دعاء الندبة ليس مجرد دعاء نقرؤه أو لقلقة لسان بكلمات مأثورة من الأدعية، ولا هو دعوة للتشاؤم والسلبية للبكاء والنحيب في العيد، وإنما هو تعبير عن الصلة القوية بينك وبين إمام زمانك، ومؤشر لشدة التقارب الروحي منه ، فمن الطبيعي جداً أن يتأثر الإنسان في لحظات فرحه العارمة بتذكره لأحبّته ممن غابوا عنهم أو غيّبتهم المنيّة تحت الثرى، ويتمنى أن يشاركوه فرحته، ولعله من هذا المنطلق ينبغي تكرار قراءة دعاء الندبة في الأعياد، لأنه يشعرك بأنك مع الإمام في فرحك وحزنك وأنك على قدر مسؤولية انتظاره الفعّال في عصر الغيبة الكبرى عن طريق التمهيد لظهوره المبارك بالعمل والسعي الجاد. إذن فهو يمثّل دافعاً إيجابياً نحو التقدم لا التقهقر وندب الحظ، بحيث ينطلق بنا الدعاء من إطار الفردية إلى التعاون والعمل الجمعي مما يوحّد جهود المنتظرين للإمام في زمن الغيبة بالكم والكيف، مما يسهل بالتأكيد التمهيد للظهور ويشد ويؤازر بعض المنتظرين مع البعض الآخر، لنكوّن بذلك الوحدة الحقيقية للانتظار الواعي والفاعل الذي ينتشر في جميع الاتجاهات وفي جميع نواحي الحياة، لنعيش بذلك عيدنا الحقيقي وهو النظرة الأبوية الرحيمة من المولى صاحب الأمر (روحي فداه) الذي أدعوه بـ (عيد الندبة) ولكن بشرطه وشروطه. بقلم : عبير المنظور

اخرى
منذ سنة
729

حمائم البقيع

بقلم : عبير المنظور حمائمٌ كحمائم الملكوت ترتاد رياض الجنان على الأرض ، تعبق بأنسام الولاء ، تتجمع صباحاً مع بعضها لتزاحم خطوات الزائرين ، مزهوةٌ تتبختر على ثرى الأطياب ، وشجو هديلها يعانق تلك القباب الشامخة بهجةً وسروراً ، وليلاً تنعم بأمانٍ من أمانِ أهل الأرض وأوتادها . إنها حمائم بقيع الغرقد التي ترفل بحنوٍ على تلك الأضرحة المقدسة للطاهرين من أهل بيت محمد (عليهم السلام) شأنها شأن جميع حمائم العتبات الطاهرة للآل الكرام تتماهى في عالمها الملكوتي فهنيهة كانت تحط على ضريح ريحانة الرسول وكريم اهل البيت ، وهنيهة على ضريح زين العباد ، وهنيهة أخرى على ضريح باقر علوم الأولين والآخرين ، وتارة على عالِم الآل وصادقهم ، وتارة اخرى على ضريح أم القمر الساطع والأنجم الزاهرة (صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين) ، حتى حانت لحظة تغيّر فيها كل شيء ، لحظة تهدّم فيها ذلك العالم النوراني من منارات وقباب تتسامق للسحاب عزاً ، وإذا بها بظرف لحظات أصبحتْ تراباً وانقاضاً ، إنها لحظة وقف الزمان عندها صامتاً واجماً ، تسمّر الزمان في تلك اللحظة ليُلَملِم شتاته ويعلن وقفة الحداد والعزاء المتجدد للأخيار من آل محمد (عليهم السلام). إنها فاجعة تهديم قبور أئمة البقيع (سلام الله عليهم) , جريمة العصر الشاهدة على بغض الوهابية النواصب وعدائهم لأئمة أهل البيت (سلام الله عليهم أجمعين) فهم يخشونهم أحياءاً وأمواتاً لأنهم رمز الإباء والعزة والشموخ ورفض الباطل ومقارعة الظالمين وهم النور الذي لا يخبو (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)*(1) في صباح الثامن من شوال من عام 1344 للهجرة تطايرت تلك الحمائم فزعةً، واختنقت بعَبرَتها قبل أن تختنق بذرات الغبار الذي ملأ الأرجاء بعد التهديم حيث تهدم معها عالمها الملكوتي أمام ناظريها لتكون الشاهدة على تلك الجريمة النكراء، جريمة تهديم قبور الأئمة والصحابة والتابعين (رضوان الله عليهم أجمعين) . وبقيت تلك الحمائم تحوم حول تلك الأضرحة المقدسة بعد أن سُوّيَتْ بالأرض لا تعلم ما تفعل سوى التحليق ، وتجمّعتْ ليلاً على تلك القبور الدوارس لتبّثّ حزنها وشكواها وتذرف الدمع دماً لهول الرزء وكأني بها تترنّم وتتمثّل بقول الشاعر : ويكَ يا شوال أخزيتَ الشهور فيكَ هُدّتْ لبني الهادي قبور وظلّت حمائم البقيع أسيرة حزنها حتى يومنا هذا حيث استحال هديلها نشيجاً يعلوه الترقب والأمل لطلعة الموعود من آل محمد (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ليشهدوا معه وعلى يديه الكريمتين إعادة بناء تلك الأضرحة المقدسة لأئمة البقيع (عليهم السلام) لتحط مجدداً على تلك القباب الذهبية في عصر الظهور المقدس لإمام الزمان (روحي وأرواح العالمين لتراب مقدمه الفدا). _________________ *(1) سورة التوبة / 32

اخرى
منذ سنة
672

حيثيات المشهد السياسي في حياة الإمام الباقر (عليه السلام)

لا يخفى تأثير الصراع السياسي في أي مقطع زمني على مر العصور في مجريات الأحداث في جميع الشعوب والمجتمعات حيث تتعدد الرؤى السياسية لكل فريق، وتنعكس هذه الرؤى المتضادة على أرض الواقع مما يزيد من حدة الصراع بين قوى الحق والباطل، وإن لم تكن قوى الحق طرفاً في النزاع فقد تكون الأطراف المتضادة جميعها على باطل إلا إن قوى الحق وقواعدها الشعبية ستتأثر حتماً بتداعيات تلك الصراعات فتتعرقل مسيرتها في إحقاق الحق وتطبيق مبادئ الشريعة فيكون لزاماً عليها وخاصة قادة الامة وأئمتها الشرعية أن يتصدوا لكل تلك التحديات قدر الإمكان وبكل الوسائل المتاحة وبما يتناسب ووعي الأمة . وبإلقاء نظرة سريعة على الأحزاب المتصدرة للمشهد السياسي في عصر الإمام الباقر (عليه السلام) ندرك جيداً عظم المسؤولية التي كانت على عاتق الإمام وشيعته ، ومن أخطر هذه الأحزاب هو الحزب الأموي وهو أكثرها وحشية واجراماً حيث خَبِرَهُ الإمام الباقر (سلام الله عليه) عن كثب منذ طفولته في مجزرة كربلاء وما رافقها من قتل وسلب ونهب وسبي وانتهاك للحرمات ، وحتى بعد واقعة الطف حيث شاهد الإمام الباقر (عليه السلام) التضييق والإقامة الجبرية على أبيه الإمام زين العابدين (عليه السلام) وملاحقة أصحابه المخلصين والتنكيل بشيعته بشكل عام . وعاث الحزب الأموي فسادا في الامة عن طريق القمع والارهاب ليس فقط للشيعة وائمتهم بل لجميع المعارضين والمناوئين لهم واشغال الامة باصطناع الفتن والشبهات العقائدية والمسائل الكلامية والاختلافات الفقهية وإشعال فتيل الحرب الأهلية بتأجيج الصراع بين الفرق المختلفة وانتشار مظاهر الفسق والمجون والغناء والترف والثراء الفاحش مما أدى الى ازدياد الفوارق الطبقية بين طبقة الحكام والمتنفذين في البلاط الأموي وبين الرعية التي ترزح تحت نير الفقر والظلم والجوع والمرض ، بالإضافة الى انتشار ظاهرة وضع الأحاديث المكذوبة عن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) لتمجيد بني أمية ونشر تلك الأحاديث على نطاق واسع عن طريق ماكنتهم الإعلامية المتمثلة بفقهاء البلاط والشعراء الذين يمدحون الحكام الأمويين ويمجدون بهم ، مما أدى بشكل او بآخر إلى تغيير المنظومة القيمية للأمة بتغيير المفاهيم وحركتها في المجتمع بما يناسب اهواءهم حتى وإن خالفت أساسيات الدين الذين يرتكزون عليه في خلافتهم. وفي ظل الحكم الأموي عانى الإمام الباقر (عليه السلام) من جميع ما ذكرنا باستثناء فترة حكم عمر بن عبد العزيز التي دامت سنتين ونصف تقريباً، الذي كانت سياسته معتدلة نوعاً ما مع أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم، حيث أعاد فدكاً للإمام الباقر (سلام الله عليه) ومنع سب الإمام علي (عليه السلام) على المنابر وعاش الشيعة في عهده فترة من الانفراج النسبي، مما سهّل كثيراً على الإمام أن يقوم بدوره بنشر علوم أهل البيت (عليهم السلام) على نطاق أوسع من ذي قبل، وتخريج الكثير من العلماء والفقهاء والرواة ، وبعد وفاة عمر بن عبد العزيز عادت الأمور إلى سابق عهدها، لا بل ازدادت سوءاً وشراسة في عهد يزيد بن عبد الملك وهشام بن عبد الملك والوليد بن عبد الملك حيث ضيّقوا كثيراً على الإمام وشيعته . أما فئة الخوارج في عصر الإمام الباقر (عليه السلام) فلم تكّف عن إثارتها للقلاقل والفتن واختلاقها للحروب والقتال ونشر البلبلة والفوضى بين الناس وسعيهم الدائم لتشتيت الأمة بزرع مبادئهم الفاسدة وغرس بذور التفرقة فيها . أما الحزب الزبيري فقد أثار موجة كبيرة من الاضطراب والانشقاق في الأمة الإسلامية مستغلين قرابتهم من رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) حيث أدى طمع عبد الله بن الزبير في الخلافة واستقلاله عن حكم بني أمية وتأسيس خلافة زبيرية له في الحجاز إلى ارتفاع حدة الصراع بين الأمويين والزبيريين مما أدى الى نشوب حروب ومعارك طاحنة بين الفريقين بالإضافة إلى أساليب الحرب الناعمة بمحاولة الزبيريين التشبث بمظاهر الشريعة وتسقيط بني أمية وتكفيرهم ،وبعد صراع مرير انتهى تأثير الحزب الزبيري نهائياً بعد أن قضى عليهم الحجاج بن يوسف الثقفي المعروف بدمويته وظلمه حيث بدأ عهد اكثر وحشية من سابقه. أما الحزب العباسي فنشط إبّان تهاوي صرح الخلافة الأموية وتصدّع أركانها حيث كثرت الثورات والانتفاضات عليهم فأضعفتهم عسكرياً، إضافة إلى تردي الأوضاع الاقتصادية بسبب الترف والبذخ الأموي ، وبدأ الصراع الأموي العباسي يشغل الفريقين مما سمح للإمام الباقر (عليه السلام) بانتهاز هذه الفرصة جيداً بنشر فقه وعلوم أهل البيت وتأسيس القاعدة العلمية لجامعة الإمام الصادق (سلام الله عليه) من علماء وفقهاء ومثقفين. ومن خلال هذه الإطلالة السريعة على أحداث المشهد السياسي الذي عاصره الإمام الباقر (عليه السلام) يتبين لنا بأنه مهما ضيّق الظالمون على الإمام او شيعته ومهما حاولوا تقييده او إبعاده عن قواعده الشعبية إلا إنه يبقى باقر علو م الأولين والآخرين ، لم يتوانَ في أ ي مرحلة من مراحل حياته الشريفة عن نشر الفقه والعلم والعقيدة والمبادئ الحقة ومحاربة الباطل وتصحيح المفاهيم والبدع التي ابتدعتها تلك الأحزاب والفئات حتى شكّل قاعدة علمية واعية من علماء وفقهاء وحملة قران ورواة أحاديث اهل بيت النبوة (عليهم السلام) في ظل ظروف استثنائية حرجة جداً ومفصلية في تاريخ الإسلام كان الإمام الباقر(عليه السلام) فيها قمة سامقة في الحكمة والوعي بحسن إدارته لأدواته في تلك المراحل بما يناسب وضع الأمة ، وكان هو النور الساطع بين دياجير الظلام الذين حاولوا تقييده بشتى الوسائل من إقامة جبرية وإشخاص وتهجير وتشريد وتطريد وملاحقة له ولذريته ، وحينما فشلوا في التضييق عليه وعلى عطائه اللا محدود قاموا بدس السم اليه ،ورحل الإمام الباقر (عليه السلام) عن هذه الدنيا شهيداً في السابع من ذي الحجة من عام 114 للهجرة تاركاً وراءه تراثاً حضارياً ضخماً من فكر أهل بيت النبوة الذي لا زلنا ننهل من سلاسبه التي لا تنضب . فسلامٌ عليك يا مولاي يوم ولدتَ ويوم استشهدتَ ويوم تبعث حياً . عبير المنظور

اخرى
منذ سنة
631

من أسئلتكم

السؤال : هل يشفع الشهيد لأقربائه؟ وهل ينجو من عذاب وضغطت القبر من يدفن بجانب الشهيد؟ الجواب: للشهادة والشهيد مساحة كبيرة في القران الكريم والتراث الروائي الاسلامي والتي تكاد تكون من الثوابت لدى جميع المدارس والمذاهب الاسلامية مع بعض الاختلافات اليسيرة التي سنتعرض لها لاحقاً. فيما يخص الشق الاول من سؤالكم حول شفاعة الشهيد لأقربائه، فقد أثبتتْ الروايات الشفاعة للشهداء، ومنها ما ورد عن الامام الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : (ثلاثة يشفعون الى الله يوم القيامة فيشفعهم : الانبياء ثم العلماء ثم الشهداء)(١) ولم تحدد الروايات في أمهات الكتب الحديثية لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) على حد اطلاعنا عدد من يشفع لهم الشهيد ومَن هم الذين يشفع لهم ، أما في كتب الجمهور فقد ثبت في أحاديثهم أن الشهيد يشفع لعدد محدد من أهله فقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) :(يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته)(٢) . أما إجابة الشق الثاني من سؤالكم حول نجاة من يدفن بجانب الشهيد من عذاب وضغطة القبر، فلم يرد ذلك في كتب الحديث، لا من طرقنا ولا من طرق العامة ، ولكن ثبت لدى المدرستين بأن ذلك من مختصات الشهيد فقط، وليس لمن يدفن بجانبه حظاً منها ، فعن ابي عبد الله (عليه السلام) قال : (قيل للنبي (صلى الله عليه وآله) ما بال الشهيد لا يفتن في قبره؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم) كفى بالبارقة فوق رأسه فتنة)(٣) وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) :(من لقى العدو وصبر حتى يقتل أو يغلب لم يفتن في قبره)(٤) ، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :(يعطى الشهيد ست خصال عند أول قطرة من دمه :يكفّر عنه كل خطيئة ويرى مقعده من الجنة ويزوج من حور العين ويؤمن من الفزع الأكبر ومن عذاب القبر ويجلى حلة الايمان)(٥)، وهناك العديد من الروايات التي تؤكد على أن الشهيد والمرابط وإن لم يكمل رباطه يأمن عذاب وفتنة القبر (٦). ورغم هذه الامتيازات العظيمة للشهيد التي ذكرتها الاحاديث والروايات ومنها دخول الشهيد للجنة دون حساب الا ان هناك أمراً واحداً يحاسب عليه الشهيد كما يحاسب عليه سائر الموتى وهو الدَّين، لأنه يتعلق بحقوق الناس فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : (الشهادة تكفّر كلّ شيء الا الدَّين)(٧) وقال الباقر (عليه السلام) :(أول قطرة من دم الشهيد كفارة لذنوبه إلا الدّين كفّارته قضاؤه)(٨). الهوامش : (١) قرب الاسناد ج١ ، ص٣١ سفينة البحار ج٤ ، ص٥١٣ مستدرك الوسائل ج١١ ، ص٢٠ (٢) كنز العمال ج٤ ، ص٦٩٣ ، حديث١١١١٩ (٣) الكافي ج٥ ، ص٨٢ ، باب فضل الشهادة ، حديث٨٣٣٢ وقريب منه مع اختلاف ببعض الالفاظ في كنز العمال ، ج٤ ، ص٥١١ ، حديث ١٠٦١٠ (٤) كنز العمال ، ج٤ ، ص٤٧٣ ، حديث١٠٤٩٦ د(٥) كنز العمال ، ج٤ ، ص٧٠٥ ، حديث ١١١٥٢ (٦) راجع كنز العمال ، ج٤ ، ص ٤٧٣-٤٩٤ (٧) ميزان الحكمة ، ج٢ ، ص١٥١٤ (٨) وسائل الشيعة ، ج١٣ ، ص٨٥ ، حديث ٥ عبير المنظور

اخرى
منذ سنة
423

شاطئ الوصول

لم أعهد شاطئاً للوصول قبله، فكل الشواطئ كانت ولا زالت مرفأ الآهات وبث الشكوى من لواعج الفراق وأنّات الغياب، تمتزج أمواجها مع أمواج الحزن العاتية في قلوب المشتاقين، إلا ذلك الشاطئ الذي راوده عاشق غيور ابتغى الوصل بحبيبه عند جرفه، خرَّ راكعاً في محراب العشق والوفاء عند حافة ذلك الشاطئ، فتمثّلتْ صورة المحبوب أمام ناظريه عندما أحسّتْ قدماه برودة الماء، ولما اغترف من معينه غُرفة، نظر إليها وراح يحاكي ظمأ فؤاد المعشوق المتفطر من الصدى ، وتنزّلتْ الصور تترى أمام هذا العاشق لطفل رضيع جفَّ ثدي أمه من العطش، إلى صورة الأطفال من كل جانب، تجر أذياله قائلة: عماه، قتلنا العطش! إلى صورة أخته التي تمثّل ضياء عينيه. صورٌ من وصال القلب، تحوم على جانب الشاطئ حول ذلك العاشق كما تحوم حوله السهام والنبال من كل جانب، ليس لِتقطِّعَ أوصاله فحسب، وإنما قطَّعَّتْ بخبثها صور الوصال تلك... ظَــمِــئ َ النهر وفاءً فاحتضن ذاك العاشق ليرتوي من وفائه لمحبوبه، وأراد تقبيله، غير أن العاشق رفض أن يرشف من ثغر ذلك الشاطئ، ورمى عربون المحبة الذي قدمه له، والذي كان شربة ماء بارد تطفي لهيب فؤاده المستعر... رفضها ذلك العاشق واعتذر من الشاطئ ،بأن القلب الذي يتسع للواحد لا يتسع للاثنين، وقام ليكمل مسيرة عشقه، ويختمها على ذات الشاطئ حيث اعتنقه الحبيب ووضعه في حجره مودعاً، فأبى القمر إلا أن يكمل وصال الحبيب على الثرى، كي يواسيه عندما يبقى وحيداً بين الأسنة والرماح مثخناً بالجراح . ولم ينتهِ الوصال عند هذا الشاطئ الذي كان شاهداً لقصة ذلك العاشق ووفائه ووصاله الاخير مع الحبيب، فانحنى الشاطئ إجلالاً وإكباراً لذلك العاشق، وتوضأ بدموعه ليُحرِمَ شاطئ العلقمي في رحاب أبي الفضل العباس (عليه السلام) ويطوف حول وفائه، حتى كان الوصال الأبدي بين شاطئ العلقمي وساقي العطاشى . عبير المنظور

اخرى
منذ سنة
280

إذا ثَبتَ العمود نفعتْ الأطناب

الصلاة هي تلك الصلة بين العبد وربه وهي من أساسيات الدين الإسلامي وأولى واجباته العبادية وأهمها لأنها محور قبول الأعمال الأخرى، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: أول ما يحاسب به العبد (على) الصلاة فإذا قِبلتْ قُبلَ (منه) سائر عمله وإذا رُدَّتْ عليه رُدَّ عليه سائر عمله)(١). من هذا الحديث يتبين لنا أهمية الصلاة ودورها في قبول الأعمال وردِّها، ولهذا شُبِّهتْ الصلاة في الاحاديث والروايات بالعمود في التفاتة بلاغية دقيقة لأهمية العمود في إقامة البناء وبخلافه تضعضعه وانهياره ، فعن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :(مَثَلُ الصلاة مثل عمود الفسطاط إذا ثبتَ العمود نفعتْ الأطناب والأوتاد والغشاء وإذا انكسر العمود لم ينفع طنب ولا وتد ولا غشاء)(٢). ورغم أهمية الصلاة ومحوريتها في قبول بقية الأعمال الأخرى في الإسلام، نجد ظاهرة ترك المراهقين للصلاة تنتشر بكثرة في مجتمعاتنا الملتزمة منها وغير الملتزمة، ولا نغالي إن قلنا بأن ظاهرة ترك الصلاة انتشرت بين البالغين أيضاً ولكن النسبة بين المراهقين أكثر بكثير من البالغين ، وتعود أسباب هذه الظاهرة إلى طبيعة المراهقين أنفسهم في هذه المرحلة العمرية وتمرّدهم على العديد من المفاهيم التربوية والواجبات الدينية في محاولة منهم لإبراز شخصيتهم وتفرّدها بعيداً عن سلطة الأبوين، وغالباً ما تكثر هذه الظاهرة في حالة إهمال الوالدين للأبناء او اختلاف طرق التربية بين الوالدين أنفسهم مما يخلخل المنظومة القيمية للطفل، وفي غالب الأحيان يعود سببها إلى اتخاذ الوالدين الأساليب غير الصحيحة للتربية، فنجدهممثلاً يستغرقون في أسلوب الترهيب والتخويف والإجبار في تعليم الأبناء للصلاة منذ الطفولة مما يشكّل للطفل حالة عقدة من الصلاة وعدم الارتباط بها روحياً، أو يتبعون أسلوب الترغيب فقط بالهدايا أو النقود فقط مما يجعل الطفل يستغل أداء الصلاة للكسب المادي فقط، أو إنهم يعوّدون الطفل على أداء الصلاة كعادة لا كعبادة، وكلها تصب في عدم توجيه الطفل منذ الصغر نحو أهمية الصلاة والارتباط بها ارتباطاً روحياً وثيقاً. ولا ننسى تأثير أصدقاء السوء على المراهقين وكذلك العولمة وسوء استخدام مواقع التواصل الاجتماعي حيث اتخذها أعداء الإسلام كوسيلة لدس السم في العسل لتوهين عقيدة الناشئة من أطفال ومراهقين وحتى البالغين أيضاً بهجمات موجهة ضمن عمل مؤدلج في حرب باردة وبأساليب برّاقة وتحت مسميات حضارية يؤثّرون بها على فئة المراهقين وانجرارهم خلف تلك المسميات والايديولوجيات، لتسلخهم من دينهم وصلاتهم التي هي أساس وعمود دينهم. ومن الأسباب الأخرى لترك المراهقين والشباب للصلاة هو: السلوك الخاطئ لبعض رجال الدين الأمر الذي يعمّم على بقية التيار الديني الملتزم خاصة مع ما توظّفه وسائل الإعلام المضادة من رصد لهذه الهفوات والسلوكيات والتحشيد عليها بهجمات شرسة قد لا يقوى الإعلام الديني الملتزم على الرد عليها جميعاً، لكثرة أساليبهم وتنوّعها وتعدّد الجهات التي يتوّجب على إعلامنا الديني مجابهتها، خاصة إذا ما اتصف أغلب أفراد المجتمع بضعف الوازع الديني، مما يجعل الشخص يستسهل ترك الصلاة ثم بقية الواجبات شيئاً فشيئاً. ولعله من أسباب ترك المراهقين للصلاة أيضاً هو سماع الانتقادات والاستهزاء والتهكم وأسلوب النصح الخاطئ والنقد اللاذع من قبل بعض الملتزمين الذي ينفّر الشباب من الدين بشكل عام والصلاة بشكل خاص. وكنتيجة منطقية لما ذكرنا من أسباب، سيخسر الشاب نفسه عند انجراره مع التيارات الفكرية المضادة وتضيع هويته الدينية بترك الصلاة، وهي أهم الفرائض والواجبات، مما ينعكس حتماً على علاقته بأسرته، خاصة إذا كانت الأسرة غير واعية لخطورة هذه الظاهرة وتلك المرحلة على الأبناء وسلوكهم في المستقبل، مما يؤدي الى حصول شرخ واضح في المجتمع وضياع هويته الإسلامية، وغياب الهوية الاسلامية في المجتمع سيعطي مساحة فراغ كبيرة تسهّل كثيراً احتضان واحتواء أي ايديولوجيات وعادات غريبة عن واقعنا الإسلامي، وتندمج في مجتمعاتنا بدون رادع مجتمعي مما يعطي الصورة المشوّهة للإسلام والمسلمين، التي تتصيّدها التيارات العلمانية والإلحادية للطعن بالأديان مما يفكّك المجتمع ووحدة أبنائه. ومحاولة علاج ما تم ذكره من أسباب ونتائج تنطلق على مستويين: مستوى فردي وأسري ومستوى اجتماعي. فعلى المستوى الفردي الأسري: تتعدد أساليب المعالجة منها: توعية الوالدين للأبناء توعية دينية ملتزمة منذ الطفولة، وخاصة في مسألة أداء الصلاة، كتخصيص مساحة صغيرة من المنزل، كمحراب للصلاة. وكذلك أسلوب الاقتداء بالقدوة الصالحة من المعصومين (عليهم السلام) او الوالدين او الأقارب أو الشخصيات العامة، وتحبيب سلوكهم الملتزم إلى الطفل باستخدام التلقين تارة، وتارة أخرى بالأسلوب القصصي المحبّب للأطفال، خاصة عندما نقص عليهم مثلاً أن الإمام علي (عليه السلام) قتل وهو يصلي في المحراب، أو نقص عليهم كيف أن الإمام الحسين وأصحابه (عليهم السلام) التزموا بأداء الصلاة وهم بين قعقعة السلاح وصليل السيوف ووابل السهام التي تتراشق عليهم عند صلاتهم، كما لا يخفى تأثير قصة رقية بنت الحسين (سلام الله عليهما) على الأطفال عندما نخبرهم كيف كانت تهيئ المصلاة لأبيها، أو كيف كان ولدا مسلم بن عقيل يصليان وهما في السجن، وحتى قبل أن يذبحا على شاطئ الفرات طلبا من قاتلهما أن يصليا لله ركعتين. قصص الأطفال مع الصلاة لها تأثير كبير في نفسية الطفل أكثر من قصص الكبار . إضافة الى الموازنة بين أسلوب الترغيب والترهيب. وكذلك الحرص على مشاركة الأطفال والمراهقين للوالدين أو الأخوة في أداء الصلاة معاً أو اصطحابهم الى صلاة الجمعة او صلاة العيد وتعويدهم على ارتياد المساجد والحسينيات لأداء الفرائض جماعة لتعزيز مفهوم الصلاة وحقيقتها عند الطفل بتأثير السلوك العبادي الجمعي في تفكير الطفل، وتوجيهه توجيهاً صحيحاً منذ الطفولة حتى مرحلة المراهقة، التي تستلزم النصح والارشاد بالحكمة والموعظة الحسنة، لأنه بكثرة الضغط والشد على المراهق ستطغى لغة العناد على أقوالهم وأفعالهم، أو نجدهم يتشبثون بحجج واهية كتقصير بعض الأفراد الملتزمين مما يجعل المراهق يعمّم هذه الحالة على التيار الملتزم بأكمله، وهنا يتوجب على الوالدين أنْ يربّوا أولادهم على أن البشر خطّاؤون وليسوا معصومين وأن يتّبعوا منهج أمير المؤمنين (عليه السلام) بأن يعرفوا الرجال بالحق ولا يعرفوا الحق بالرجال. ولا نغفل عن الدور الكبير للوالدين في متابعة أصدقاء أولادهم لتأثيرهم الشديد عليهم وعلى سلوكياتهم، مع ملاحظة أهمية الدور الرقابي للأهل على مواقع التواصل الاجتماعي لأبنائهم من بعيد وباعتدال أي بكلمة أخرى لا نشدّد الرقابة عليهم ولا نهملها. وكذلك غرس مبادئ التربية الإيمانية للأبناء وتقويتها من خلال الاستماع للقرآن الكريم وتفسيره أو الاستماع إلى المحاضرات القيمة وحضورها والبرامج الهادفة التي تصنع فرداً متكاملاً وأمة واعية تعي جيداً أن ظاهرة ترك الشباب للصلاة ليست حالة حضارية أو مواكبة للتطور، كما يروّج المغرضون. وهنا تتجلى أهمية الوعي والإدراك لدى الوالدين والمربين بشكل عام، لتصحيح المفاهيم المغلوطة التي أخذت بالانتشار والتجذّر في مجتمعنا، وتفعيل دور المساجد في صناعة أفراد الأمة الرساليين، كما فعل رسولنا الكريم محمد (صلى الله عليه وآله) حينما جعل من المسجد النبوي محطة لانطلاق رسالته باتخاذه مقراً للصلاة وتجمّع الأمة فيه، مما أسهم كثيراً في تربية جيل إسلامي متميز ومتين عقائدياً وفكرياً وروحياً. وبتظافر الجهود الفردية للآباء والمربين مع مؤسسات المجتمع الدينية منها والحكومية لتعزيز الوالدين والمربين بصورة عامة والمراهقين بالثقافة التربوية الصحيحة من خلال قنوات الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة أو من خلال مؤسسات الإرشاد الأسري بإقامتها للندوات والدورات التثقيفية في هذا المجال، مما يستلزم منا تقوية إعلامنا الديني الملتزم وتطوير أساليبه وانتشاره وتسويقه ليواكب مسيرة التقدم في مجتمعاتنا الإسلامية، في زمن العولمة، للحفاظ على مبادئنا وأسسنا الاسلامية وبناء جيل إسلامي على أسس رصينة لا يتأثر بالتيارات الفكرية المناهضة للفكر الدين،ي وليعيد نهضة الأمة ومجد الاسلام بعد هذا التراجع والتقهقر لنمهّد بذلك لدولة العدل المنتظر مع إمام الزمان روحي له الفداء. ________________________ (1) من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق ، ج1 ، ص209 ، باب فضل الصلاة ، حديث 626 (2) الكافي للكليني ، ج3 ، ص320 ، حديث 9 عبير المنظور

اخرى
منذ سنة
582

منهجية الخطاب الحسيني يوم عاشوراء

الخطاب الحسيني هو خطاب إسلامي أصيل متكامل الجوانب شرعياً وإنسانياً وأخلاقياً وقيمياً واجتماعياً وسياسياً ، إنه باختصار: منهج حياة . مرَّ الخطاب الحسيني بمراحل عديدة منذ انطلاقة النهضة واستمر لما بعدها بما رسَّخ من مبادئ وقيم لا زالت خالدة حتى يومنا هذا ، ولتشعّب مراحل الخطاب الحسيني وتنوّعها فلكل مرحلة من مراحله لها أسبابها وظروفها وواقعها الموضوعي ونتائجها التي لا نستطيع الالمام بها في هذه الأسطر، ورعاية للاختصار سنقف على أهم ما تميز به الخطاب الحسيني في يوم عاشوراء فقط، لأنه اليوم الذي ترجم بوضوح كل محطات الخطاب الحسيني وأهدافه. ولعل أول وأهم مفردات منهج الخطاب الحسيني في يوم عاشوراء هي التوكل على الله والالتجاء إليه، فقد روي عن الإمام السجاد (عليه السلام) :( لما أصبحت الخيل تُقبل على الحسين (عليه السلام) رفع يديه وقال :اللهم أنت ثقتي في كل كرب ، ورجائي في كل شدة ، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة ، كممن كرب يضعف عنه الفؤاد ، وتقلّ فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ، ويشمت فيه العدو ،أنزلتُه بك وشكوته إليك ، رغبة مني إليك عمن سواك ، ففرّجته وكشفته ، فأنت ولي كل نعمة ، وصاحب كل حسنة ، ومنتهى كل رغبة)(1) يتبين من الخطاب الحسيني في هذا الدعاء أن حركة الإمام الحسين (عليه السلام) مرتبطة بالله تعالى هدفاً وسلوكا ًوغاية ووسيلة من خلال التوجه والخضوع لله تعالى والدعاء بنفس الكيفية في حالة السراء والضراء مما تعزِّز من الارتباط بالله تعالى والتسليم المطلق لحكمه وإرادته. وبدأ الخطاب الحسيني يعلن عن مبادئه في أول مواجهة صبيحة يوم عاشوراء حينما أُوقدتْ النار في الخندق الذي يحصِّن المخيم الحسيني من مباغتة الأعداء من الخلف فصاح الشمر بأعلى صوته : يا حسين أتعجّلت بالنار قبل يوم القيامة ؟ فقال الحسين (عليه السلام) :أنت أولى بها صلياً. ورام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم فمنعه الحسين (عليه السلام) من ذلك ، فقال له : دعني حتى أرميه ، فقال له الحسين (عليه السلام) : لا ترمه! فاني أكره أن أبدأهم بقتال)(2) إنها أخلاقية الحرب في الإسلام وهذه مبادئ الحسين التي لا يتخلى عنها أبداً فهي ثابتة عنده في السلم والحرب ، إنها ذات المبادئ التي منعت مسلم بن عقيل (عليه السلام) أن يفتك بابن زياد في دار هانئ بن عروة ، وهي ذات المبادئ التي تسلَّحَ بها أمير المؤمنين (عليه السلام) ضد خصومه ورفضه للغدر ، فالمنهج هو ذات المنهج ، منهج الرسالة المحمدية الأصيلة . بعد هذا الإعلان عن القيم والمبادئ الحقة التي انتهجها الخطاب الحسيني يوم عاشوراء لإبراز هوية النهضة الحسينية وأصولها، أكمل الخطاب الحسيني مسيرته في إرساء قواعد العدالة والإصلاح في هذه الأمة عن طريق النصح والإرشاد وإلقاء الحجة فحاول الإمام الحسين (عليه السلام) أن يخاطبهم، إلا إنهم أبوا حتى أن يسمعوا الحق وعلا ضجيجهم ولغطهم ورضخوا في نهاية الأمر فخطب فيهم خطبته المشهورة والتي سنقتطف جزءاً منها: (ألا لعنة الله على الناكثين الذين ينقضون الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً فأنتم والله هم ،ألا وإن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ، ورسوله والمؤمنون ، وحجور طابت وطهرت ، وأنوف حمية ، ونفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام ، على مصارع الكرام ، ألا وإني زاحف بهذه الأسرة على قلة العدد وخذلان الناصر)(3) كان الخطاب في هذه الخطبة شديد اللهجة حيث عاتبهم الامام الحسين (عليه السلام) على نكثهم الوعود وتخاذلهم عن نصرته وثباته على موقفه رغم هذا الخذلان. كما حاول زهير بن القين وبرير بن خضير بلغة العقل والمنطق ان يتحدثوا مع جيش بن سعد إلا إنهم رفضوا أن يسمعوا لهم أيضاً. وهنا بدا المشهد واضحاً أن لا جدال ولا حوار ينفع مع القوم، فهم يلهثون وراء أطماعهم وأسيادهم فاستعمل الإمام الحسين (عليه السلام) أسلوباً آخر في المحاججة فعاد على ظهر فرسه ووقف أمام الجيش وخاطبهم قائلا: (أما بعد فانسبوني فأنظروا من أنا، ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، وأنظروا هل يحل لكم قتلي، وانتهاك حرمتي، ألست ابن بنت نبيكم، وابن وصيه وابن عمّه، وأوّل المؤمنين بالله، والمصدّق لرسوله بما جاء من عند ربّه؟ أو ليس حمزة سيّد الشهداء عم أبي؟ أو ليس جعفر الشهيد الطيار ذو الجناحين عمّي؟ أو لم يبلغكم قول مستفيض فيكم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لي ولأخي: (هذان سيّدا شباب أهل الجنّة)، فإن صدّقتموني بما أقول وهو الحق، والله ما تعمّدت الكذب منذ علمتُ أنّ الله يمقت عليه أهله، ويضرّ به من اختلقه، وإن كذّبتموني، فإنّ فيكم من أن سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري، وأبا سعيد الخدري، وسهل بن سعد الساعدي، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، يخبرونكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لي ولأخي)(4) فقاطعه الشمر لعنه الله وأكمل الإمام الحسين (عليه السلام) خطابه الاحتجاجي بتغيير محور الاحتجاج الذي يطرحه في كل مرة، فقال (عليه السلام): (إن كنتم في شك من هذا القول، أ فتشكّون فيّ أنّي ابن بنت نبيكم؟ فو الله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم، ولا في غيركم، أنا ابن بنت نبيكم خاصة ، أخبروني أتطلبوني بقتيل منكم قتلته؟ أو مال لكم استهلكته؟ أو بقصاص من جراحة؟)(5) وأيضاً لم يستجب له احد فأعاد الخطاب الحجاجي مرة أخرى ولكن بمصاديق واقعية فقال: (أما ترون سيف رسول الله ولامة حربه وعمامة علي؟ قالوا نعم. قال: فلم تقاتلوني؟ أجابوا :طاعة للأمير بن زياد(6) وهنا بعد أن أجابوه بأن قتالهم لهم طاعة للحاكم الظالم واتضح أن لا رأي لهم ولا حكمة فهم مجرد أدوات قتل لمعارضي سادة الحكم، فأخبرهم الامام الحسين (عليه السلام) بمصيرهم وما سيقع عليهم بعد استشهاده وأنه عهد معهود من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو تعبير عن مشروعية ثورته واتصالها بأصل الشريعة ورسولها بقوله سلام الله عليه : (أما واللَهِ لاَ تَلْبَثُونَ إلاَّ كَرَيْثِمَا يُرْكَبُ الْفَرَسُ ، حَتَّي‌ تَدُورَ بِكُمْ دَوْرَ الرَّحَي‌ ! وَ تَقْلَقَ بِكُمْ قَلَقَ الْمِحْوَرِ ! عَهْدٌ عَهِدَهُ إِلَي‌َّ أَبِي‌ عَنْ جَدِّي‌ ؛ فَأَجْمِعُو´ا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُو´ا إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ إِنِّي‌ تَوَكَّلْتُ عَلَي‌ اللَهِ رَبِّي‌ وَ رَبِّكُم‌ مَا مِن‌ دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذُ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي‌ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ)(7). إن أسلوب إلقاء الحجة والاحتجاج بالأدلة الشرعية والبراهين من أههم مفردات الخطاب الحسيني يوم عاشوراء واكثرها تأثيراً لمتانة الأدلة وتنوّع الأساليب الاحتجاجية والموعظة الحسنة بين ثنايا هذا الخطاب، إلا إن عمر بن سعد لعنه الله كان مصِّراً على قتال الإمام الحسين طمعاً بحكم الري ، وهنا انتهى دور الحوار والنصح بعد إلقاء الحجة، فأخبر الامام الحسين (عليه السلام) عمر بن سعد بمصيره الأسود وسوء عاقبته: (أي عمر أتزعم أنك تقتلني ويوليك الدعي بلاد الري وجرجان، والله لا تهنأ بذلك، عهد معهود، فاصنع ما أنت صانع، فإنك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة، وكأني برأسك على قصبة يتراماه الصبيان بالكوفة، ويتخذونه غرضاً بينهم فصرف بوجهه عنه مغضباً)(8) وبدأ عمر بن سعد القتال قائلا :(اشهدوا أني أول من رمى ، ثم ترامى الناس وتبارزوا)(9) وبدأت المعركة وانجلت الغبرة عن الحملة الاولى بخمسين قتيل من اصحاب الحسين سلام الله عليهم أجمعين كان الإمام الحسين يجلس فيها عند الشهداء ويدعو لهم ، وقد طغت الرحمة والرأفة على مفردات الخطاب الحسيني فيها. وفي الحملة الثانية لأصحاب الحسين (عليه السلام) كان الخطاب الطاغي على مفردات المنهج الحسيني هو خطاب التشجيع والحث على القتال واستنهاض همم بقية الاصحاب خاصة عندما اشتدت حملات جيش العدو على مخيم الحسين وأمطروه بوابل من السهام حتى لم يبقَ أحد من أصحاب الحسين إلا وأصابه سهم وتمثل ذلك بقوله (عليه السلام) :(قوموا رحمكم الله الى الموت الذي لا بدَّ منه فإن هذه السهام رسل القوم إليكم)(10) . ودارت رحى الحرب، حتى حان وقت الزوال وهو موعد الصلاة الأخيرة وموعد اللقاء الأخير مع الخالق في هذه الدنيا، فلم تمنع السهام والأسنة والرماح الإمام الحسين وأصحابه من العروج الملكوتي في الصلاة، والحرب لمّا تضع أوزارها وإنها لعمري من روائع منهج الخطاب الحسيني الالتزام بالصلاة في أصعب المواقف والظروف ، واستمرت المعركة وأقمار بنو هاشم من آل الرسول يتساقطون الواحد تلو الآخر على رمضاء كربلاء فتحول الخطاب الحسيني إلى خطاب مشحون بالعاطفة وانطلقت صرخات الاستغاثة بعد أن حز ّّفي نفسه الأبية عويل النساء وصراخ الاطفال والأيتام من آل محمد فوقف بأبي هو وأمي ينادي: (هل من ذاب عن حرم رسول الله؟ هل من موَّحد يخاف الله فينا؟ هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا)(11) فلم يجبه أحد غير صراخ العائلة المروِّع كما ازداد الصراخ بعد أن ذُبِحَ الرضيع بين يدي الحسين (سلام الله عليه) وهو لا زال كالطود الأشّم لم يضعف ولم يتزعزع قيد أنملة بل راح يناجي ربه وهو يرمي الدم إلى السماء(هوَّنَ ما نزل بي أنه بعين الله)(12). وبعد استشهاد أخيه وحامل لوائه العباس (عليه السلام) انكسر ظهر الإمام الحسين بأبي هو وأمي لكن لم ينكسر الخطاب الحسيني فالخطاب هو هو خطاب يملؤه القوة والإباء حتى بعد أن اقتحم الميدان ليصل إلى الفرات عند أخيه أبي الفضل أصابه سهم بحنكه فانتزع السهم وهو يقول: (اللهم إني أشكو إليك ما يُفعل بابن بنت نبيك)(13) وهنا اشتكى الإمام الحسين الى الله ما جرى عليه بعد أن ألَمَّ به الخطب وفدح به المصاب. ورغم بقاء إمامنا الحسين (سلام الله عليه) وحيداً فريداً بين الوحوش البشرية ممن لا يردعهم دين ولا حمية إلا إن الغيرة الهاشمية على حرم رسول الله كانت هي الطاغية على مفردات الخطاب الحسيني في لحظاته الأخيرة فصاح بهم (انا الذي أقاتلكم والنساء ليس عليهن جناح فامنعوا عُتاتكم من التعرض لحُرَمي ما دمت حيًا)(14) فتقدم الشمر وعشرة من رجاله نحو المخيم فصاح فيهم: ( ويلكم يا شيعة آل سفيان, إن لم يكن لكم دين, وكنتم لا تخافون يوم المعاد, فكونوا أحراراً في دنياكم [هذه]. وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون. فناداه شمر: ما تقول يا ابن فاطمة؟ فقال: أقول إني أقاتلكم وتقاتلونني, والنساء ليس عليهن جناح. فامنعوا عتاتكم وجهالكم وطغاتكم من التعرض لحرمي ما دمت حياً. فقال شمر: لك ذلك يا ابن فاطمة)(15). وقاتل الحسين وحيداً أمام هذا الجيش العرمرم وصار جسده الشريف مرتعاً للسهام والنبال والرماح وطعن السيوف وفي كل جرح كان يذكر الله في آخر مفردات الخطاب الحسيني يوم عاشوراء الذي بدأه بذكر الله وختمه بذكر الله كما عاش بينهما لله وفي الله حتى حزّوا رأسه الشريف وهو يلهج بذكر الله ، ولم ينتهِ الخطاب الحسيني في هذه اللحظات بأفول شمس الحسين (عليه السلام) بل امتدّ كشعار ومدرسة ومشروع إصلاح ونهضة أمة وجهاد وتاريخ ورسالة مؤثرة في حركة البشرية حتى قيام الساعة. _____________________________ (1)تاريخ الامم والملوك للطبري/ج4/ص321 الارشاد للشيخ المفيد/ص233 (2) راجع الارشاد للشيخ المفيد/ص217 بتصرف (3) راجع مقتل الحسين للخوارزمي /ج2/ص6_7 تاريخ ابن عساكر /ص670 (4) تاريخ الامم والملوك للطبري/ج4/ص322 الكامل في التاريخ لابن الاثير /ج4/ص61 (5) تاريخ الامم والملوك للطبري/ج4/ص323 الكامل في التاريخ لابن الاثير /ج4/ص62 (6) مقتل الحسين للمقرم /ص233_234 (7)المصدر السابق ص235 (8)الكامل في التاريخ لابن الاثير / ج4/ص241 (9) الارشاد للشيخ المفيد/ص236 (10) مقتل الحسين للمقرم/ص237 (11) مقتل الحسين لابن طاووس/ ص49 (12) مقتل الحسين لابن طاووس /ص49 تاريخ الامم والملوك للطبري/ج4/ص342 ابن كثير/ج8/ص187 (13) الارشاد للشيخ المفيد/ص240 (14) مقتل الحسين لابن طاووس/ص50 (15) اعيان الشيعة لمحسن الامين العاملي/ج1/ص609 بحار الانوار للمجلسي /ج45/ص51 عبير المنظور

اخرى
منذ سنة
738

المظلوميات الإعلامية للإمام الحسن (عليه السلام) 《١》

لا يخفى تأثير الإعلام في مجريات أحداث كل مرحلة تاريخية ودوره الكبير في تثبيت وقائع الأمم وأحداثها وبيان حقائق الأمور عن طريق مفاصل الإعلام وقنواته الموجهة ، فالحياة تمثل جبهة الصراع بين الحق والباطل ولكل جبهة إعلام خاص بها يؤيد ايدولوجياتها وخطواتها وأحيانا يباركها وأحيانا أخرى يقدسها ويصبغها بصبغة شرعية، ومن جهة أخرى يهاجم الأعداء ويطعن بالخصوم ويلصق بهم كثيرا من التهم والافتراءات كنوع من الحرب الباردة بخلط الأوراق على الناس لتزييف الحقائق وإشاعة الأمور والمفاهيم المغلوطة والعمل على انتشارها على نطاق واسع لإضعاف جبهة العدو ، ومنذ القدم فطن البشر إلى أهمية هذا السلاح في تحقيق الأهداف والمصالح المرجوة منه إذا ما استُثمر بشكل صحيح وبالإمكانيات المتاحة وبحسب متطلبات كل عصر . وحينما نتحدث عن عصر الإمام الحسن (عليه السلام) فإن القنوات الإعلامية المضادة لفكر الإمام الحسن (عليه السلام) استخدمت بعض الأساليب المعتمدة في ذلك العصر من إطلاق الشائعات والأراجيف والعمل على نشرها بين أوساط العامة التي كان يغلب عليها طابع الجهل والبساطة ، وكذلك أسلوب وضع الأحاديث لإسباغ الصفة الشرعية عليها ، وانتشرت الأقلام المأجورة في عصر الإمام الحسن (سلام الله عليه) الذي كان الصراع والتناحر فيه على أشده في ظرف سياسي صعب على أمة الإسلام فهي لم تكد تستقر بعد مواجهة الناكثين والقاسطين والمارقين ولما تندمل جراح الأمة بعد، بالإضافة إلى محاولة الحزب الأموي ترسيخ دعائم دولته على خلفية حراك داخلي شرس لأبناء الطلقاء وأتباعهم من خلال حياكة المؤامرات والدسائس التي حاولوا فيها الانتقاص من شخصية الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) فهو القمة السامقة في النسب والأخلاق والورع والتقى وهو روح لا تعرف أن تطأطئ للباطل رأسا وهو سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو سيد شباب أهل الجنة وهو السيد الشريف الذين رام أبناء الطلقاء الانتقاص من عليائه بشتى الوسائل والأساليب الملتوية فشقت عليهم المواجهة لجبنهم وجبلهم على الغدر فاتّبعوا الحيل والمكائد بإطلاق سلاح الشائعات لتأليب الرأي العام ضد الإمام الحسن (عليه السلام) في ظرف تاريخي حرج لتعدد التوجهات والتيارات الدينية والفكرية والعقائدية والسياسية وانعكاساتها على الأمة الإسلامية ككل، فعمدوا إلى تشويه سمعة الإمام لإبعاد قواعده الشعبية الملتفّة حوله في محاولة بائسة منهم لإضعاف خط الإمام وهو خط الإسلام المحمدي الأصيل الذي حرفه بنو أمية وفق أهوائهم ومصالحهم، فاتهموا الإمام الحسن (سلام الله عليه) بالعديد من التهم والافتراءات ووضعوا فيها الأحاديث المكذوبة وغالطوا الحقائق وخلطوا الأوراق على عوام الأمة ليشككوا بالإمام، وسنتطرق تباعا إلى هذه المظلوميات الإعلامية التي تعرض لها إمامنا الحسن بأبي هو وأمي. ومن هذه المظلوميات: اتهام الإمام الحسن بأنه رجل ترف وبذخ، وأنه رجل مزواج مطلاق، ووضعوا في ذلك العديد من الأحاديث المكذوبة ونسجوا فيها القصص والحكايات وأكثروا فيها الحديث عن ولع الإمام بالزواج وعدد زوجاته، وبالغوا فيها إلى حد كبير وغير معقول ، وأول من أطلق هذه التهم هم بنو أمية وأتباعهم من علماء البلاط ووضّاع الحديث، وأكمل عليها العباسيون لمحاربتهم السادة الحسنيين، وبقيت مستمرة حتى يومنا هذا من قبل الفرق المناهضة لفكر أهل البيت وكذلك بعض المستشرقين الحاقدين الذين لا همَّ لهم سوى تشويه صورة الإسلام. واعتمد معظم الرواة والمؤرخين هذه الأحاديث والمرويات الموضوعة وذكروها في كتبهم دونما تحقيق في السند او المتن، إما تساهلا في نقل النصوص الروائية وإما بغضاً ﻷئمة أهل البيت (سلام الله عليهم أجمعين) ، ومن هذه الروايات ما نسبوه الى الإمام علي (عليه السلام) قوله:(يا أهل الكوفة لا تزوجوا الحسن فإنه رجل مطلاق ، فقال رجل من همدان :والله لنزوجنّه فما رضي أمسك وما كره طلق)(1). وقالوا عنه (عليه السلام) أيضا :(كان حسن رجلاً كثير نكاح النساء وكن قلما يحظين عنده وكان قل امرأة تزوجها إلا أحبته وصبت إليه)(2) كما نسبوا إلى جعفر بن محمد _يعنون الإمام الصادق (عليه السلام)_ عن أبيه _يعنون عليا(عليه السلام)_ قال:(كان الحسن يتزوج ويطلق حتى خشيت أن يورثنا عداوة في القبائل)(3) وزعموا أيضا (وقد كان علي عليه السلام يضجر من ذلك حياء من أهليهن إذا طلقهن)(4) وذكروا أيضا (وكان الحسن ربما عقد على أربعة وربما طلق أربعا)(5) وقالوا بأن الإمام كان يسرف في مهور هؤلاء النسوة فذكروا هذه الرواية (تزوج الحسن بن علي امرأة فبعث إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم)(6) وغيرها الكثير من الروايات التي لا تصدق والتي لا يسع المجال لذكرها إلا أنهم لم يكتفوا بهذا القدر من الافتراءات بل زادوا عليها كثيراً واختلفوا حول عدد زوجات الإمام الحسن فانقسموا حسب اطلاعنا إلى ثلاثة آراء : الرأي الأول : إن عدد زوجات الإمام الحسن سبعين امرأة وتبنّى هذا الرأي المدائني والذهبي وابن كثير، ومن هذه الروايات القائلة بهذا الرأي ما (قال المدائني أحصيت زوجات الحسن بن علي فكن سبعين امرأة)(7) ، وأيضاً (يقال أنه أحصن سبعين امرأة)(8) وكذلك (تزوج سبعين امرأة ويطلقهن)(9). الرأي الثاني : فيذهب إلى أنه (عليه السلام) تزوج تسعين امرأة وتبنى هذا الرأي كل من الشبلنجي والسيوطي فذكروا (وأحصن تسعين امرأة)(10). الرأي الثالث : وهو أقرب الى الخيال منه إلى الواقع وانفرد به أبو طالب المكي حيث ذكر (تزوج الحسن بن علي رضي الله عنهما مائتين وخمسين امرأة وقيل ثلاثمائة)(11). وبالطبع فإن جميع هذه الآراء مرفوضة جملة وتفصيلاً، وسنعمد إلى تحليل هذه الروايات لبيان ضعفها وعدم قبولها وإن كان بعض علماء العامة المنصفين قد تكفّل بردّها بشكل مفصل ودقيق قبل علمائنا من أتباع أهل البيت (عليهم السلام)(12). ففي الرواية التي نسبوها للإمام علي (عليه السلام) أنه يحذر أهل الكوفة وينصحهم بأن لا يزوجوا ابنه الحسن وقد نسبوا سندها للإمام الصادق (سلام الله عليه) فهل يعقل أن الإمام الصادق يروي عن أجداده أحاديث كهذه ؟! وهل من المعقول أن يقوم الوالد وهو خليفة المسلمين بتحذير الناس من تزويج ولده على المنبر وأمام الملأ؟! ولِـمَ لَمْ يحذره دون التشهير به أمام عامة الناس فهل يعقل أنه حذّره وامتنع سيد شباب أهل الجنة عن الامتثال لأمر أبيه مما دفع الإمام أمير المؤمنين بتحذير أهل الكوفة من تزويجه؟! وإن كان التعدّد حلالاً فالإمام علي لا يحرم حلالاً وإن كان حراماً فهل يفعله سيد شباب أهل الجنة ؟! كما أن الروايات المتعرّضة لكثرة زوجات الإمام على اختلافها فسندُها إما ضعيف وإما مجهول الحال، والروايات المتعرضة لعدد زوجات الإمام فرواها المؤرخون عن المدائني والشبلنجي وابي طالب المكي ، أما المدائني صاحب المصنفات الكثيرة التي كان يحصي فيها العديد من الموضوعات المتفرقة كمن هجاها زوجها أو من تشبه بالرجال من النساء، وهكذا ذكر ما لا يزيد عن اثتي عشرة زوجة للإمام الحسن فلماذا لم يحصِ عدد زوجات الامام السبعين حسب زعمه ؟! ولكن الأمر واضح جلي فالمدائني معروف عنه بأنه أموي النزعة وأنه تفرّد بنقل هذه الروايات مرسلة فتعتبر مرفوضة لجهالة الراوي(13) وكلمة (يقال أو قال قوم) ليست بحجة في نقل المرويات وهي لوحدها كافية برد هذه الروايات من ناحية السند فضلا عن المتن ، كما إن علماء العامة وإن احترموا النتاج العلمي للمدائني وكثرة مصنفاته إلا أنهم ضعّفوه في الرواية ولم يعولوا على حديثه، فقد قال عنه الذهبي (امتنع مسلم من الرواية عنه في صحيحه)(14) وضعفه أيضاً ابن عدي بقوله (ليس بالقوي الحديث وهو صاحب الأخبار قل ما له من الروايات المسندة)(15) وأما رواية الشبلنجي فأيضاً ذكرها مرسلة دونما إسناد، فهي محكومة بالضعف أيضاً ، وأما روايات أبي طالب المكي فلا يعوّل عليها مطلقاً، لأنها مرسلة بدون إسناد فحكمها الضعف كما كتابه كله، فقالوا فيه (وقد صنّف كتاباً أسماه قوت القلوب وذكر فيه أحاديث لا أصل لها)(16) وقال عنه الخطيب البغدادي (صنف كتابا سماه قوت القلوب على لسان الصوفية ذكر فيه أشياء منكرة مستشنعة)(17) كما اشتهر عنه قوله (ليس على المخلوقين أضر من الخالق) فبدعه الناس وهجروه(18). أما فيما يخص عدد زوجات الإمام الحسن (عليه السلام) فجُلُّ ما ذكره التاريخ لا يتجاوز خمس عشرة امرأة فأين أسماء العشرات من زوجاته كما يزعمون ولماذا هن مجهولات الحال؟! وهذه إحصائية حسب اطلاعي لأسماء زوجات الإمام الحسن اللواتي ذكرتهن المصادر التاريخية على اختلاف مشاربها 1- خولة الفزارية 2- عائشة الخثعمية 3- جعدة بنت الأشعث 4- أم إسحاق بنت طلحة بنت عبد الله التميمي (وقيل التيمي) 5- أم بشير بنت أبي مسعود الانصاري 6-حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر (وقيل اسمها هند) 7- أم عبد الله وهي بنت الشليل بن عبد الله أخو جرير البجلي 8-هند بنت سهيل بن عمرو 9-عائشة الشيبانية من آل همام بن مرة 10-أم كلثوم بنت الفضل بن العباس بن عبد المطلب 11-امرأة من بني عمرو بن أهيم (أهتم) المنقري 12-امرأة من بنات علقمة بن زرارة 13-امرأة من ثقيف 14-أم القاسم وهي أم ولد وقيل اسمها نفيلة أو رملة وكما نرى لا يتجاوزن الخمس عشرة امرأة فأين قولهم بأنه مزواج؟ وإن كان قد تزوج هذا العدد الهائل من النسوة ألم يشهد أحد على زواجه وطلاقه منهن ؟! فلماذا لم يذكر الشهود ذلك أو ذكروهم في سند الروايات التي رأينا أن أغلبها مرسلة وضعيفة وإن كان لها سند فإسنادها ضعيف بتضعيف رواتها بلحاظ ما سبق . بالإضافة إلى الروايات الضعيفة مَتْناً، والتي لا تصمد أمام النقد لمجرد سماعها فكيف إذا علمنا بأنها مرسلة ضعيفة ومن هذه الروايات (وروي ان الحسن بن علي رضي الله عنه لما وافاه الأجل المحتوم خرجت جمهرة من النسوة حافيات حاسرات خلف جنازته وهن يقلن نحن أزواج الحسن)(19). ثم إن هذا العدد الكبير من زيجات الإمام يستلزم أن يكون له عدد كبير من الذرية بينما نجد في كتب التاريخ والسير أن أكثر عدد بولغ فيه لأولاد الإمام لا يتجاوز العشرين ولداً بين ذكر وأنثى . كما ان أصحاب النوادر كابن حبيب والمحبر الذين كانوا يحصون عدد العميان والخرسان في كتبهم والتي تعتبر كمثل موسوعة للأرقام القياسية لم يذكروا ذلك عن الإمام . ثم إن الإمام الحسن بأبي هو وأمي استشهد بعمر 47 عاما فكيف تحقق له الزواج من هذا العدد المهول من النساء خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الظرف السياسي الذي عاشه الإمام والحروب التي خاضها ومهامه الدينية كإمام مفترض الطاعة. كما أن جُلَّ ما ذكرته الروايات الصحيحة من أسباب موضوعية لطلاق الإمام لزوجاته كانت لثلاث نساء فقط وهن: 1- أم كلثوم بنت الفضل بنت العباس بن عبد المطلب، حيث خان عمها الصلح وكانت تميل إلى عمها فطلقها. 2-عائشة الشيبانية، حيث ظهرت عليها إمارات الخوارج الذين يكفرون الإمام علي (عليه السلام) فطلقها. 3- عائشة الخثعمية وقد تزوجها في حياة أمير المؤمنين ولما قتل (عليه السلام) أظهرت الشماتة بقتل أبيه فطلقها(20) فأين زعمهم بأنه (سلام الله عليه) كان مطلاقا ؟! وعلى صعيد آخر فقد اتخذ أعداء الإسلام من المستشرقين هذه الروايات الضعيفة والموضوعة سببا للطعن في الإسلام وسماحة أحكامه ومن هؤلاء الحاقدين المستشرق الانكليزي هنري لامنس الذي زاد على هذه الروايات السابقة الكثير من البهتان ولفّق الأكاذيب فأحصى للإمام بزعمه مائة زوجة وأن كثرة طلاقه للنساء تسببّت لأبيه في خصومات عنيفة مع القبائل وانه كان يبعثر مال الدولة في خلافة أبيه على زيجاته وخدمهن وحشمهن وهذا مما لم يرد في كتب المسلمين أصلا على اختلاف مذاهبهم، وواضح جدا انها كذب مفترى. وبلحاظ ما تقدم نرى مدى الهجوم الشرس الذي شنه أعداء الإمام وخصومه منذ مئات السنين من الحزب الأموي والعباسي وحتى وقتنا الحاضر بما تفتعله أقلام المستشرقين الحاقدة لنعي جيدا مظلومية الإمام الحسن الذي واجه أكثر من ظلامة وعلى أكثر من صعيد في آن واحد، ورغم هذه المحاولات اليائسة يبقى الإمام الحسن وهجا ساطعا وعلما من أعلام الإسلام ودعائم استمراره بما واجه من تحديات كبرى في عصره بحنكته وعبقريته وحلمه في التصدي لمكائد الأعداء راسماً لنا منهجا متكاملا في الصبر والحلم والتعامل بحكمة في أقسى الظروف الموضوعية بما يتناسب مع الإمكانيات المتاحة لدينا في كل عصر لأداء واجبنا الرسالي. الهوامش 1-تاريخ الخلفاء للسيوطي ج1 ص77 تاريخ الاسلام للذهبي ص498 البدء والتاريخ لابن المظهر ج1 ص281 البداية والنهاية لابن كثير ج8 ص38 نور الابصار في مناقب ال بيت النبي المختار للشبلنجي ص 247 قوت القلوب لابي طالب المكي ج2 ص219 2-تاريخ الخلفاء للسيوطي ج1 ص77 3-المصدر السابق 4-قوت القلوب لابي طالب المكي ج2 ص219 5-المصدر السابق ج2 ص220 6-تاريخ الاسلام للذهبي ص498 البداية والنهاية لابن كثير ج8 ص38 7-شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج16 ص22 8- البداية والنهاية لابن كثير ج8 ص38 9- تاريخ الاسلام للذهبي ص498 10- تاريخ الخلفاء للسيوطي ج1 ص77 نور الابصار في مناقب ال بيت النبي المختار للشبلنجي ص 247 ترجمة الحسن لابن عساكر ص152 11- قوت القلوب لابي طالب المكي ج2 ص219 12-راجع الحسن بن علي بن ابي طالب رضي الله عنه لعلي محمد الصلابي ص27_34 13-انظر مبادئ الوصوى للعلامة الحلي ص206_207 (ولا تقبل رواية المجهول حاله) وجاء عن الرازي في كتابه المحصول ص405 (الرابع اجماع الصحابة رضي الله عنهم على رد رواية المجهول) وهناك الكثير من اراء علماء المسلمين شيعة وسنة في رد رواية المجهول لا يتسع المجال لذكرها في هذا الهامش 14-ميزان الاعتدال للذهبي ج3 ص 138 15-الكامل لعبد الله بن عدي ج5 ص 213 16-البداية والنهاية لابن كثير ج11 ص319 17-تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج3 ص89 18-وفيات الاعيان لابن خلكان ج4 ص303 تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج3 ص89 لسان الميزان لابن حجر العسقلاني ج5 ص300 19-الحسن بن علي بن ابي طالب رضي الله عنه لعلي محمد الصلابي ص33 20-حياة الامام الحسن دراسة وتحليل لباقر شريف القرشي ج2 ص464_465 21-دائرة المعارف ج7 ص400 عبير المنظور

اخرى
منذ سنة
1247

المعالم التربوية في السلوك النبوي《١》

تعددت أسباب بعثة الأنبياء للأمم ولكنها جميعا تصب في مصب واحد وهي تربية البشرية وهدايتها إلى جادة الصواب وأحكام الشريعة والفطرة الإنسانية، وتختلف السبل في تحقيق أهداف تلك التربية من شريعة لأخرى بحسب الظروف الموضوعية لكل أمة من الأمم. والرسالة الإسلامية شأنها شأن جميع الرسالات السماوية فأهدافها وأساليبها تحاكي طبيعة المجتمع الجاهلي قبل البعثة الذي كان مجتمعا وثنيا عاكفا على عبادة الأصنام كما كان مجتمعا فوضويا لا يقوم على أسس مبدئية او فطرية أو إنسانية أو قانونية تحكمه وتضمن حقوق أفراده، كان مجتمعا تسود فيه قيم الغاب والتمايز الطبقي والعرقي والجنسي ،كان مجتمعا يأكل القوي فيه الضعيف ويشجع على القتل والسلب والنهب والإغارة على القبائل اﻷخرى، مجتمع ذكوري بحت تعتبر المرأة فيه عيبا وعارا، مجتمع إذا بشر أحدهم بالأنثى في أحسن اﻷحوال يسْودُّ وجهه وهو كظيم لأن النظرة العامة في المجتمع آنذاك تتبنى قولا وفعلا مقولة (نعم الصهر القبر) فانتشرت فيه ظاهرة وأد البنات، مجتمع يتصف بالخشونة والغلظة والفظاظة في التعامل مع الرق والعبيد، وكذلك الفوارق الطبقية المقيتة التي قسمت المجتمع إلى ثلاث طبقات: ١- طبقة الأثرياء ٢-طبقة الفقراء ٣- طبقة العبيد وفي ظل هذه الظروف انطلقت بعثة الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) لهداية هذا المجتمع المتحلل من كل القيود والالتزامات الإنسانية والعرفية والفطرية، ولأجل تحقيق هذه الغاية فقد تعددت أساليب النبي (صلى الله عليه وآله) لتغيير تلك المفاهيم الخاطئة وتنوعت سبل تربية الأمة على المبادئ الحقة الإنسانية التي قام الإسلام على أساسها. إن الإسلام يحقق المساواة بين البشر جميعا -رجلا كان او امرأة او طفلا- فقوانين وأحكام الإسلام هي قوانين تنظر للإنسان على إنه إنسان وتهدف في الأساس إلى صناعة اﻹنسانية فيه، ولهذا تنوعت أساليب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في التدرج في تربية أفراد الأمة تربية إسلامية صحيحة بما يتناسب وظروف المجتمع وحركة الوعي فيه لزرع الوعي واﻹيمان في النفوس. إن من أهم معالم التربية في السلوك النبوي هو: تثبيت منهج اتخاذ القدوة الحسنة. ومن أفضل من النبي قدوة؟! فهو الصادق اﻷمين قبل البعثة وهو قدوة المسلمين في القول والفعل والتقرير بعدها، فأصبح سلوكه (صلى الله عليه وآله) سنة لأمته من بعده ومنهجا يقتدي به المسلمون ما بقيت الدنيا. ومن سلوكياته (صلى الله عليه وآله) التي عززت منهجا رائعا في التأثير في الأمة هو اهتمام الكبير باﻷطفال وتعهدهم بالرعاية والحنان، فكان معروفا عنه (صلى الله عليه وآله) أنه يمسح على رؤوس الصبيان في الطرقات ويسلم عليهم ويضع أطفال المسلمين في حجره ويلاعبهم ويلاطفهم ويكثر من تقبيلهم كما كان شديد التعلق بأولاده (صلى الله عليه وآله) يقبلهم ويشمهم. روي أنه جاءه إعرايي فقال له: تقبّلون الصبيان؟ فما نقبلهم. فقال (صلى الله عليه وآله): أو أملك لك إن نزع الله من قلبك الرحمة(1). وتذكر الروايات أن الأقرع بن حابس أبصر النبي (صلى الله عليه وآله) يقبّل الحسن بن علي فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدا منهم. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنه من لا يَرحم لا يُرحم(2). ومن هنا فإن النبي (صلى الله عليه وآله) -في سلوكه مع الأطفال ورحمته بهم وملاطفته لهم- يؤسس منهجا إنسانيا في الاهتمام بالطفولة في بناء شخصية الفرد مستقبلا. كما استخدم (صلى الله عليه وآله) أسلوب الموعظة في الحث والترغيب على ثواب الآخرة في التأكيد على مسألة البنات من الأطفال والحرص الشديد على رعايتهن والاهتمام بهن في مجتمع كان يئد البنات وينظر لهن نظرة دونية، فتجده (صلى الله عليه وآله) يعلم الامة ويرشدها ويربيها على احترام المرأة والاهتمام بها منذ طفولتها، فقد جاء عنه (صلى الله عليه وآله): (من كن له ثلاث بنات فصبر على ﻷوائهن وضرائهن وسرائهن كن له حجابا يوم القيامة)(3). وعنه (صلى الله عليه وآله): (نعم الولد البنات ملطفات مجهزات مؤنسات باكيات مباركات)(4). وعنه ايضا (صلى الله عليه وآله): (من عال ثلاث بنات يعطى ثلاث روضات من رياض الجنة كل روضة أوسع من الدنيا وما فيها)(5). وعنه (صلى الله عليه وآله):(نعم الولد البنات المخدرات من كانت عنده واحدة جعلها الله له سترا من النار ومن كانت عنده إثنتان أدخله الله بهما الجنة ومن كان ثلاثا أو مثلهن من الأخوات وضع عنه الجهاد والصدقة)(6). وفي حديث جميل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ما من بت فيه البنات إلا نزلت كل يوم عليه اثنتا عشرة بركة ورحمة من السماء ولا تنقطع زيارة الملائكة من ذلك البيت يكتبون لأبيهم كل يوم وليلة عبادة سنة)(7). ومن سلوك الرسول لتأكيد هذا المعنى هو اهتمامه بعائل البنات ودعاؤه له ولهن وملاطفته للبنات من الاطفال، ومن أروع سلوكيات الرسول في هذا المعنى ما جاء عن أم خالد بنت خالد بن سعيد وهي تتحدث عن أيام طفولتها:( أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع أبي وعلي قميص أصفر، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (سنه سنه), قال عبد الله: وهي بالحبشة (حسنة)، قالت: فذهبت ألعب بخاتم النبوة فزبرني أبي، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): دعها، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إبلي وأخلقي ثم إبلي وأخلقي ثم إبلي وأخلقي)(8). وفي هذه الأحاديث وأشباهها تأكيد ضمني عنه (صلى الله عليه وآله) على مسألة بالغة الأهمية في شريعته السمحاء وهي الاهتمام بالمرأة التي عاشت في مجتمع يمتهنها ويئدها ويحرمها من جميع حقوقها الإنسانية، وينظر إليها وكأنها متاع من أمتعة الرجل، فكرّم الرسول الأنثى وحفظ لها كيانها المساوي للرجل في الاسلام وإن كان الاختلاف بينهما من الناحية الفسيولوجية فقط لطبيعة كل جنس ونوع المهام المناطة به لا أكثر من ذلك ولا اقل. وهناك سورة كاملة في القرآن الكريم باسم النساء وهناك العديد من آيات القرآن الكريم تقرن الرجل بالمرأة في النداء والأحكام والعمل والحقوق والواجبات وغيرها. وهذا أمر أكد عليه الرسول (صلى الله عليه وآله) كثيرا عندما أعطى الحق للمرأة في حرية الانتخاب السياسي _إن صح التعبير_ عندما شاركت النساء في البيعة وقبل الرسول بيعتهن، كما ضمن حق المرأة في الإرث ووجوب النفقة عليها من قِبَل ولي أمرها كي لا يشق عليها ذلك ويكفيها المؤونة رعاية لطبيعتها الرقيقة ومشاعرها المرهفة وحفظا لها وسترا. كما اتخذ (صلى الله عليه وآله) أساليب تربوية اخرى مستثمرا القرآن الكريم وقدسيته عند المسلمين في القصص القرآني والأمثال في القران واتخاذها منهجا في تغيير قناعات المجتمع الجاهلي الممتهن للمرأة والتعريف بطاقات المرأة ودورها في نصرة جبهة الحق واعلاء كلمة الله ودينه، حيث ذكر القرآن الكريم المرأة في القصص القرآني وبين دورها الكبير في دعم الرسالات السماوية، كالسيدة مريم وزوجة فرعون وأم موسى وأخته وبلقيس. كما تعرض إلى الملكات النفسية لبعض السيدات الجليلات عندما ضرب ببعضهن الأمثال للذين آمنوا كمريم ابنة عمران وآسيا بنت مزاحم، إضافة إلى ذكر النموذج الآخر من النساء في جبهة الباطل لبيان طبيعة الصراع بين جبهة الحق والباطل وبيان السلوك الخاطئ، كما ضرب ببعضهن الأمثال للذين كفروا كامرأة نوح وامرأة لوط وكامرأة العزيز. كل ذلك لأجل تثبيت مبدأ أن الرجل والمرأة في حركة المجتمع وفي نصرة الحق ومواجهة الباطل سواء. كما كان رسول الله يؤكد في حديثه على مكانة المرأة في الإسلام ليرتقي بالمجتمع المسلم إلى مدارج الكمال الإنساني والأخلاقي فنجده (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي أكثر من مناسبة يذكر مناقب ابنته الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) على الملأ مرارا وتكرارا لبيان عظمة مقامها ليست لأنها ابنته فحسب، وإنما لمكانتها عند الله تعالى فهي التي قال عنها (صلى الله عليه وآله): (يرضى الله لرضى فاطمة ويغضب لغضبها)(9) كما قال (صلى الله عليه وآله) عنها في حديث طويل اقتطفنا منه موضع الحاجة (وأما ابنتي فاطمة فإنها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين وهي بضعة مني وهي نور عيني وهي ثمرة فؤادي وهي روحي التي بين جنبي)(10) وفي حديث يقاربه لفظا قوله (صلى الله عليه وآله): (فاطمة بضعة مني وهي روحي التي بين جنبي يسوؤني ما ساءها ويسرني ما سرها)(11) كما كان يفديها بنفسه بقوله (صلى الله عليه وآله): (فداها أبوها)(12). ورغم كل هذا التركيز النبوي على مقام الصديقة الزهراء (عليها السلام) ودورها في حركة الأمة ورسالتها، إلا أن الأمة كانت حديثة عهد بالجاهلية ولما يدخل الإيمان في قلوبهم بعد، فابتعدوا كل البعد عن منهج رسول الله (صلى الله عليه وآله) فظلموا بضعته وروحه التي بين جنبيه وابتزوا حقها وكسروا ضلعها وأسقطوا جنينها. وللأسف الشديد لا زالت أمة خاتم الأنبياء والرسل وبعد أربعة عشر قرنا من الزمن وتطور الافكار وتعدد الايديولوجيات وتعاقب الحضارات وازدهار التكنولوجيا الحديثة إلا أنها لا زالت تتبنى أفكاراً ومبادئ الجاهلية ولكنها جاهلية حديثة لا تكرم المرأة بل تمتهنها وتتشدق بذلك تحت مسميات براقة تناسب الحضارة كما يزعمون، كالمناداة بحقوق المرأة وحقوق الإنسان والحرية الشخصية والتحلل من كل القيود الدينية والعرفية والاجتماعية، لا بل حتى الإنسانية أحيانا، لتسلخ المرأة من هويتها الإسلامية وتنزع حياءها شيئا فشيئا، في مخطط يهدف إلى تمييع المبادئ والثوابت الإسلامية. فعلينا أن نعي هذه المخططات ونعمل على مجابهتها وتوعية النساء بخطورة الانجراف وراء تلك المخططات، والالتزام بالمنهج النبوي للحفاظ على كرامة المرأة المسلمة لنحفظ بذلك سلامة ديننا ووحدة مجتمعنا وصلابة أفراده أمام التحديات الكبيرة التي تواجهها الأمة في زمن تأثر أفرادها كثيرا بالإلحاد والعولمة. الهوامش (1)موسوعة الدفاع عن رسول الله ج3 ص477 (2)أم لم يعرفوا رسولهم ص281 (3)الخصال ص181 (4)مستدرك الوسائل ج15 ص87 (5)نفس المصدر (6)المصدر السابق ص88 (7)نفس المصدر (8)عناية الرسول بالمرأة والطفل ص21 (9)مستدرك سفينة البحار ج4 ص152 (10)بحار الأنوار ج28 ص38 (11)بحار الأنوار ج27 ص63 (12)بحار الأنوار ج43 ص20 عبير المنظور

اخرى
منذ 11 شهر
429

المعالم التربوية في السلوك النبوي 《٢》

تعددت الطرق التربوية التي اتبعها الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) لتربية الأمة من خلال سلوكياته للارتقاء بالمجتمع المسلم إلى مستوى الخلق الرفيع الذي يوصل الفرد إلى أعلى درجات الإنسانية. ومن هذه السلوكيات النبوية المؤثرة في تربية الأمة هو أسلوب ضرب الأمثلة الواقعية ومحاكاة جنباتها مع محاولة إشراك الأفراد فيها لتعزيز هذا المفهوم بالمصاديق المادية لتترسخ هذه القيم والمبادئ في النفوس. فقد رُوِيَ عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السَّلام) أنهُ قَالَ :إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) نَزَلَ بِأَرْضٍ قَرْعَاءَ. فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : " ائْتُوا بِحَطَبٍ " .فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، نَحْنُ بِأَرْضٍ قَرْعَاءَ ، مَا بِهَا مِنْ حَطَبٍ ! قَالَ : " فَلْيَأْتِ كُلُّ إِنْسَانٌ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ ". فَجَاءُوا بِهِ حَتَّى رَمَوْا بَيْنَ يَدَيْهِ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ .فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) : " هَكَذَا تَجْتَمِعُ الذُّنُوبُ ". ثُمَّ قَالَ : " إِيَّاكُمْ وَ الْمُحَقَّرَاتِ مِنَ الذُّنُوبِ ، فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ طَالِباً ، أَلَا وَ إِنَّ طَالِبَهَا يَكْتُبُ ﴿ ... مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾(1).(2) ومن المعلوم ان هذا الأسلوب الذي يعتمد على الواقعية في ضرب اﻷمثلة أبلغ تأثيرا في النفس البشرية من أسلوب الوعظ والإرشاد وأكثرها ترسيخا في القلب والعقل فالمفاهيم النظرية لا تترسخ في العقول والأذهان إن لم تطبق بشكل عملي لتقريب المعنى، وهنا يريد (صلى الله عليه وآله) عدم تحقير الذنوب مهما صغرت لأن ذلك يؤدي إلى الاجتراء شيئا فشيئا على المعصية من الصغائر إلى الكبائر وإن كانت أكثر الذنوب ناتجة من اللمم -الصغائر من الذنوب- التي تتراكم علينا وعلاجها أن لا ننظر إلى حجم المعصية بقدر ما ننظر إلى من عصينا. كما يرسم لنا (صلى الله عليه وآله) من خلال تعامله مع خادمه منهجا متكاملا في أدب التعامل مع المرؤوسين فعن أنس قال: (والله لقد خدمته تسع سنين ما علمته قال لي لشيء صنعته لم فعلت كذا وكذا؟ ولا عاب علي شيئا قط والله ما قال لي أف قط)(3)، وعنه أيضا قوله: (والذي بعثه بالحق ما قال لي في شيء قط كرهه: لم فعلته؟ ولا لامنّي نساؤه إلا قال دعوه)(4). وهنا تتجلى أرقى سلوكيات النبي (صلى الله عليه وآله) في التعامل مع خادمه أنس ليرسم لنا ملامح التعامل مع الأقل شأنا من الخدم أو المرؤوسين، وكذلك يعطي لنا المعالم الرئيسية للصفات التي يجب أن يتحلى بها الرئيس في العمل او المدير في التعامل مع الموظفين وهي التواضع والحلم لتكسب الإدارة قلوب الموظفين كما تشجعهم على العمل بإخلاص وتفان ومحبة وبالتالي زيادة الإنتاج في أي مجال، فالتعامل الأخلاقي الراقي مع الموظفين يصب بالتأكيد في مصلحة الجميع من رئيس ومرؤوس بعكس الإدارة المتزمتة والمتعالية والغاضبة والمتطلبة والمانة عليهم. فلو تحققت مرونة تعامل الادارة مع الموظفين والحلم على جهلهم والتنبيه على أخطائهم والعمل معا على تجاوز وإصلاح تلك الأخطاء كي لا تتكرر مرة أخرى بالحكمة والموعظة الحسنة واعتبارهم اخوة أو أبناء لأنهم يركبون سفينة واحدة (المؤسسة) وهدفهم الوصول بها إلى بر الأمان (أي تحقيق الهدف من العمل بأقل خسائر ممكنة وتعزيز قيمة العمل وزيادة الإنتاج) لما شاهدنا كل هذا التناحر والاختلاف والمشاكل في المؤسسة الواحدة الذي ينعكس سلبا على تقدم المجتمع وبالتالي تقهقره في مواكبة عجلة التطور الحضاري. وعلى صعيد آخر نجد معالم التربية في سلوك النبي (صلى الله عليه وآله) في أدق مفاصل الحياة المنزلية للفرد، فمثلا نرى سلوكه في أدب التعامل مع الضيف واحترامه في مسألة الجلوس معه على الطعام، فعن أبي عبد الله (عليه السلام): (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أكل مع قوم طعاما كان أول من يضع يده وآخر من يرفعها ليأكل القوم)(5) وعن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام): (ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أتاه الضيف أكل معه ولم يرفع يده من الخوان حتى يرفع الضيف يده)(6) ومما لا شك فيه ان هذا الخلق النبوي إذا تأصّل في الأمة فإن له تأثيرا كبيرا في نفسية الضيف لما يجد من تقدير واحترام وانعكاس ذلك في زيادة تقوية المحبة والتواصل بين أفراد المجتمع. وفي صميم الحياة الزوجية نرى سلوك رسول الله (صلى الله عليه وآله) لتعليم اﻷمة من خلال تعاونه مع أهل بيته في أعمال المنزل للتخفيف من أعباء الزوجة، فعن أبي عبد الله (عليه السلام): (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحلب عنز أهله)(7) وبالرغم من مكانته (صلى الله عليه وآله) كخاتم الأنبياء والرسل وحبيب إله العالمين وموقعيته القدسية لدى المسلمين إلا أننا نرى تواضعه ورأفته بنسائه حينما يشارك أهل بيته الأعمال المنزلية وهو درس عظيم جدا من رجل عظيم ورسول كريم لحث رجال أمته على الرأفة بنسائهم والرحمة بهن ومشاركتهم المرأة في مسؤولياتها المنزلية فهم الملجأ الآمن لهن، ولا يخفي تأثير هذا التفهم لمسؤوليات المرأة الكبيرة في تعميق أواصر المودة والرحمة والسكن النفسي بين الزوجين وانعكاس ذلك على الأبناء ووحدة اﻷسرة بشكل خاص لتماسك المجتمع بشكل عام؛ لأن اﻷسرة نواة المجتمع، فبالمودة والرحمة والتعاون نبني أسرة مسلمة نموذجية تسير على خطى النبي الذي كان كما جاء عنه (صلى الله عليه وآله): (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)(8) وهذه الخيرية التي أرادها رسول الله لرجال أمته لا تأتي من خلال الغلظة والخشونة في التعامل مع الزوجة ولا من خلال التعالي عليها أو النظر إليها كمصنع للإنجاب فقط أو كخادمة عليها إنجاز المهام المنزلية وهو يأمر وينهى ويغلظ في القول والفعل بحجة أنه يتعب في كسب المعاش، نعم نحن نقدر تعب الرجل في كسب الرجل لمعاشه خارج المنزل فهو عبادة ولكن تعب الرجل في الكد على عياله ليس مسوغا بأن ينقلب شخصا آخر بمجرد دخوله إلى المنزل يصب جام غضبه على الزوجة والأولاد ويهيل السباب والشتائم عليهم ومصادرة حقوقهم حتى في الدفاع عن انفسهم بالكلام ، أو نجد بعض الرجال ينظر لزوجته نظرة دونية فيفخر بذكوريته مثلا او عقله المتكامل لأنه يعتبر المرأة ناقصة عقل ودين ويتكبر عليها ويستضعفها ويمتهنها لضعغها. الخيرية التي أرادها رسول الله من رجال أمته لنسائهم هي بمشاركة الرجل زوجته مسؤولياتها واهتماماتها المنزلية ولو بالسؤال والتشجيع المعنوي، فالمرأة بطبيعتها لا تنتظر من الرجل أن يشاركها أعمال المنزل بشكل مادي وإنما بشكل معنوي من خلال اهتمامه بها ومشاركتها آلامها وتعبها ومعاناتها في المنزل لتستطيع أن تستند عليه وتكمل المسيرة في إدارة بيتها وتربية أولادها بمعنويات عالية وبود وتفاهم كبير بين الزوجين. وبهذا القدر اليسير من جواهر السيرة النبوية نكون قد رسمنا بعض المعالم التربوية في السلوك النبوي من خلال السلوك العام خارج المنزل وداخله لنتخذ من سلوكيات الرسول (صلى الله عليه وآله) منهجا للحياة وسبيلا كاملا للنجاة لنضمن بذلك الفوز برضوان الله وجنانه. الهوامش (1)سورة يس الآية 12 (2)الكافي ج2 ص288 (3)قطوف من الشمائى المحمدية ص21 (4)كان رسول الله ص90 (5)الكافي ج6 ص407 ح 11657 2 باب الأكل مع الضيف (6)المصدر السابق ح 11659 4 (7)الكافي ج5 ص138 ح 8450-2- باب عمل الرجل في بيته (8)وسائل الشيعة ج2 ص171 ح[25337]8 عبير المنظور

اخرى
منذ 11 شهر
508

التنمية البشرية في الفكر المحمدي

في ظل تهافت شعوب العالم حول مفاهيم التنمية البشرية في عصرنا الحاضر ومحاولة اكتساب المهارات وتطوير الذات ومراجعة الكتب والمؤلفات والدراسات وإقامة الدورات والندوات والمحاضرات الكثيرة في هذا المجال، إلا إن هذه المفاهيم والسبل لتطوير الموارد البشرية قد جاء بها رسول الإنسانية محمد (صلى الله عليه وآله) ووضح مبادئها وأسسها وعمل على إرساء قواعدها في المجتمع الجاهلي منذ مئات السنين وبأساليب بسيطة جدا تحاكي حركة الوعي في المجتمع آنذاك وإن كانت المسميات مختلفة بعض الشيء إلا إنها تصب في نفس المعنى. علم التنمية البشرية يسمى أيضا بعلم تنمية الموارد البشرية مع وجود فارق بسيط، وعلى العموم فالتسميتان واحدة لأنهما تعتمدان على التنمية بشكل أساسي فعلم التنمية البشرية عام يشمل جميع جوانب الحياة لمختلف فئات المجتمع ويعتني باﻹنسان لكونه جوهر عملية التنمية، أما علم تنمية الموارد البشرية فهو متخصص أكثر ويهتم بفئات محددة من أجل زيادة الإنتاج وتحسينه كالموظفين والمدراء وغيرهم . والاصطلاح اللغوي للتنمية البشرية فيه لبس لغوي على العامة فأصل التنمية من الفعل (تنمّى) بتشديد النون وهو من النميمة ونمّيت -بتشديد الميم- الحديث تنمية: إذا بلغته -بتشديد اللام- على جهة الإفساد ونمَيته -بفتح الميم- نمْيا -بسكون الميم-: على جهة الإصلاح(1) ولجهل العامة بألفاظ اللغة العربية الفصيحة توهموا أن المصدر (تنمية) من الفعل (نما) من الزيادة والنمو والرفعة والذي مصدره نموا ونماءً(2) وليس تنمية كما تقدم. وعلى كل حال لا يهمنا المعنى اللغوي الدقيق بقدر ما يهمنا المعنى الاصطلاحي المعاصر للتنمية البشرية وهو تحفيز وتدريب قدرات الإنسان من خلال توفير البيئة الملائمة لتنمية القدرات والخبرات والسلوكيات والطموحات لكل فرد من أفراد المجتمع من جميع جوانبه بما يضمن وعي المجتمع لإمكانياته الفردية والجماعية ورقيه حاضرا ومستقبلا. وقد عمل على ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) من خلال اعتماده على أهم مادة أساسية في دينه وهو الإنسان، فدين اﻹسلام هو دين اﻹنسانية يهدف في اﻷساس إلى صناعة الإنسان بما هو إنسان وتطوير قابلياته وقدراته وتسخير كل إمكانياته المتاحة لخدمة المجتمع -كالمجتمع الجاهلي مثلا- الذي ارتقى كثيرا بهذه الخطوات الجبارة والتي أحدثت فيه تغييرا ملحوظا في النهج والفكر والسلوك عن طريق استخدام رسول الله (صلى الله عليه وآله) عدة محاور منها: تطوير الذات واستثمار القدرات والطاقات البشرية في عملية زيادة الإنتاج. فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : اشتدت حال رجل من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) فقالت له امرأته: لو أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسألته؟ فجاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فلما رآه النبي (صلى الله عليه وآله) قال: من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله. فقال الرجل: ما يعني غيري فرجع إلى امرأته فأعلمها فقالت: إن رسول الله بشر فأعلمه. فأتاه فلما رآه رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله. حتى فعل الرجل ذلك ثلاثا ثم ذهب الرجل فاستعار معولا ثم أتى الجبل فصعده فقطع حطبا ثم جاء به فباعه بنصف مد من دقيق فأكله، ثم ذهب من الغد فجاء بأكثر من ذلك فباعه، فلم يزل يعمل ويجمع حتى اشترى بكرين وغلاما ثم أثرى حتى أيسر. فجاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فأعلمه كيف جاء يسأله وكيف سمع النبي (صلى الله عليه وآله) فقال النبي (صلى الله عليه وآله) قلت لك: من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله. (3) نلاحظ في هذا الحديث كيفية تحفيز رسول الله (صلى الله عليه وآله) الرجل للتفكير واستثمار الطاقات البشرية الكامنة فيه بالاعتماد على النفس، وبالتالي زيادة الإنتاج والعطاء والانطلاق من حالة الاكتفاء الفردي إلى الاكتفاء المجتمعي العام، مغيرا بذلك النظرة العامة لمجتمع ما قبل الإسلام الذي كان مجتمعا تسوده الطبقية. فالمقدرات الاقتصادية من التجارة وغيرها كانت تدار من قبل طبقة الأثرياء والوجهاء ويعمل عليها الرقيق والعبيد لتحقيق مصالح تلك الطبقة، أما طبقة الفقراء من الرعية فقد كانت ترزح تحت نير الفقر والعوز، ولهذا كان المجتمع استهلاكيا لا يقدر قيمة العمل والانتاج ، فكانت أرزاق الطبقة الفقيرة المعدمة تأتي إما من تسخيرهم للعمل لصالح الأثرياء مع الرقيق والعبيد، أو من خلال الحروب وشن الغارات على القبائل الأخرى لأجل الحصول على الغنائم. بينما حاول الرسول (صلى الله عليه وآله) بناء مجتمع إسلامي على أسس رصينة باستثمار الطاقات البشرية وتقدير قيمة العمل والجد والاجتهاد لا بالإغارة والسرقة ولا بالقعود وبذل ماء الوجه بالسؤال والاستعطاء مهما كانت الظروف صعبة على الأفراد عليهم مواجهتها بالعمل والصبر والتقوى وفي السيرة النبوية شواهد كثيرة في هذا المجال. ومن محاور التنمية البشرية التي عمل عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لتعزيزها في أفراد أمته هي مسألة تهذيب الإنسان لملكاته النفسية وضبط نفسه عن الهوى. ولعل أهم ما يرمز لذلك هو (حفظ اللسان) فاللسان يوضح أول ردة فعل للإنسان من غضب أو حزن أو فرح. ولأن الكلمة في الإسلام لها وزن وقيمة وحساب، جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): يعذب اللسان بعذاب لا يعذب به شيئا من الجوارح فيقول :أي رب عذبتني بعذاب لم تعذب به سيئا من الجوارح قال: فيقال: خرجت منك كلمة بلغت مشارق الأرض ومغاربها فسفك بها الدم الحرام وانتهك بها الفرج الحرام وعزتي لأعذبنك بعذاب لا أعذب به شيئا من جوارحك.(4) وعنه (صلى الله عليه وآله): (نجاة المؤمن في حفظ لسانه)(5)، وجاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله أوصني فقال: احفظ لسانك فقال: يا رسول الله أوصني فقال: احفظ لسانك فقال: يا رسول الله أوصني فقال : احفظ لسانك ويحك وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم.(6) وفي هذه الأحاديث تذكرة نبوية عظيمة لمن طلب النجاة في الدنيا والآخرة فهو (صلى الله عليه وآله) يؤسس بذلك إلى منهج ضبط النفس وعدم الانفلات، فالانضباطية هنا ليست سهلة على الفرد مطلقا وإنما يحتاج حفظ اللسان إلى مهارات وتدريبات مستمرة لاستحصال هذه الملكة وبالتالي تعزيز هذه القيمة لدى الفرد، وهو عينه ما يدعو إليه بعض مدربي التنمية البشرية في عملية تطوير المهارات الفردية عن طريق التحكم بالحواس والسيطرة عليها. وفيما يخص حاسة النطق (حفظ اللسان) فحفظه عن الكذب والغيبة والنميمة وكل ما هو شائن ويستحب إطلاقه في الكلمة الطيبة التي تعتبر في الإسلام صدقة والاصلاح بين الناس وغيرها والتي تقابلها في مصطلحات التنمية البشرية الحديثة فن الحوار والتفاوض والإقناع، وفي انضباط الحديث بهذه الأمور وتطوير القابليات على التحلي بها سنصل إلى ما يسمى بمعرفة الأنماط التمثيلية للبشر- وتسمى الانظمة التمثيلية أيضا وهي آلية استقبال المعلومات عن طريق الحواس الخمس ومعالجتها ومن ثم برمجتها على هيئة إما صور (نظام بصري) أو أصوات (نظام سمعي) أو مشاعر وأحاسيس(نظام حسي)- ومحاولة اعتمادنا عليها في تطوير قابلياتنا في الحوار مع الطرف الآخر بما يتناسب ونمطه التمثيلي فنحفظ بذلك ألسنتنا من الزلل والخطأ ،ولا يخفى التأثير الإيجابي لصفة حفظ اللسان بهذه الكيفية من الفهم والدقة في تحليل المعلومات قبل النطق بها على المجتمع وأفراده. وركز رسول الله (صلى الله عليه وآله) كثيرا في مسيرته التنموية لأمة الإسلام على نقطة مهمة جدا للفرد وهي مسألة (مداراة الناس) ويقصد بها في الإسلام: ملاينة الناس وحسن محبتهم واحتمال أذاهم، فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ثلاث من لم يكن فيه لم يتم له عمل: ورع يحجزه عن معاصي الله وخلق يداري به الناس وحلم يرد به جهل الجاهل.(7) وقال (صلى الله عليه وآله): من عاش مداريا مات شهيدا.(8) وعنه (صلى الله عليه وآله): مداراة الناس صدقة.(9) وقال (صلى الله عليه وآله): مداراة الناس نصف الإيمان والرفق بهم نصف العيش.(10) وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس في غير ترك حق...)(11) وقوله (صلى الله عليه وآله): (.... أعقل الناس أشدهم مداراة للناس.....).(12) وبالتأمل قليلا في كمِّ الأحاديث أعلاه عن مداراة الناس وغيرها الكثير التي حفلت بها مصادر الكتب الحديثية يتبين لنا التأكيد النبوي على أهمية هذه الصفة عند الفرد، ومن الواضح ان اكتساب هذه الصفة ليس بالأمر الهين، وكما قيل: رضا الناس غاية لا تدرك . ومن هنا يتبين أن على اﻹنسان أن يعمل على نفسه ويطور من قدراته وإمكانياته في ملاينة الناس وتحمل أذاهم. إنه لعمري من أعظم جهاد النفس خاصة في عصرنا الحالي في زمن اختلطت به الايديولوجيات وتعددت فيه اﻷفكار والتوجهات داخل المجتمع الواحد مع الأخذ بنظر الاعتبار اانفتاح الكبير على المجتمعات وتأثير العولمة في تغيير الأفكار والسلوكيات في المجتمع، وفي مداراة الناس بالإضافة إلى عظيم أجره وجزيل ثوابه الذي ذكرته الأحاديث النبوية المتقدمة. إلا إنه ينظم المجتمع من خلال تدريب الأفراد على التحلي بالذكاء الاجتماعي لخلق مجتمع متعاون متراحم وانعكاسه الإيجابي على اﻷمة من هدوء وانسجام بين الأفراد بعيدا عن الصراعات واانقسام الداخلي. إننا لا ننكر وجود الخلاف في التوجهات والأفكار داخل المجتمع الواحد ولكن بمداراة الناس فيما بينهم نستطيع احتواء هذا الخلاف كل ضمن دائرته مع احترام الرأي الآخر، فإن هذا حتما لا يؤدي الى الفرقة والتناحر والاختلاف، ومن خلال صقل مهارات الأفراد وإنجازات التنمية البشرية على ضوء السيرة النبوية نصل بأفراد المجتمع ككل إلى هذه الحالة من التنظيم الذاتي التي ستدفع بدورها عملية التنظيم المجتمعي الواعي. وبلحاظ ما تقدم نستطيع القول: بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ارتكز في عملة التنموي لأفراد اﻷمة على عدة أسس منها: 1-تمهيد الأرضية الصالحة للعمل التنموي في المجتمع من خلال نبذ الايديولوجيات والأفكار الجاهلية المقيتة البعيدة عن روح الإنسانية والفطرة وزرع الأفكار والمفاهيم الصحيحة وتثبيتها شرعا وخلقا وسلوكا وتطبيقا. 2-العمل على ركنين مهمين في تركيبة الإنسان : أ-الركن المادي : ويعمل أساسا على العقل البشري بتطوير الأفكار فيه إلى مشاريع وأعمال مادية على أرض الواقع تضمن تقدم المجتمع وازدهاره مع التأكيد على قيمة العمل وإتقانه والإنجاز في أحاديث وسلوكيات الرسول (صلى الله عليه وآله). ب-الركن المعنوي : ويعمل أساسا على إصلاح سريرة الإنسان وتهذيب صفاته النفسية وبالتالي خلق فرد متوازن نفسيا يستطيع السيطرة على حواسه وانفعالاته الداخلية ويستطيع تصحيح اخطاءه. 3- توفير بيئة مثالية للأفراد في التعايش مع اﻵخر لتحقيق اهدافهم وصناعة جيل واعي يتحمل مسؤوليته في بناء المجتمع وعلى كافة الصعد. 4- التفكير الاستراتيجي لرسول الله (صلى الله عليه وآله) لأبعاد هذه التنمية البشرية لأمة الإسلام واستمراريتها مستقبلا ما بقيت محاولات اكتساب تلك المهارات والملكات النفسية والتحلي بالفضائل قائمة في المجتمع كإيديولوجيات تنموية لها جذورها الدينية والعقائدية والفطرية والإنسانية. وكنتيجة منطقية لما سبق فان التنمية البشرية في الاسلام التي جاء بها الرسول (صلى الله عليه وآله) لو طبقت بحذافيرها والتزمت بها الأمة سنصنع أمة تعتمد على التطوير الذاتي والاجتماعي ونصنع مجتمعا منتجا لا استهلاكيا ، مجتمعاً يقدر جيدا استثمار تلك الطاقات البشرية في زراعة الوعي في الأمة وصناعة الحضارة وهو ما نحتاج إليه في هذا المقطع الزمني الذي تمر به أمة الإسلام. ____________________________ (1) المحيط في اللغة ج2 ص477 (2)راجع العين للخليل الفراهيدي ج2 ص201 (3)الكافي ج2 ص139 ح7 (4)مستدرك الوسائل ج9 ص15 (5)الكافي ج2 ص114 ح9 (6)الكافي ج2 ص115 ح14 (7)الكافي ج2 ص116 ح1 (8)روضة الواعطين ص454 (9)مشكاة الأنوار ص218 (10) الكافي ج2 ص117 ح2 بحار الأنوار ج72 ص440 (11)بحار الأنوار ج74 ص145 (12)الأربعون حديثا للعاملي الجرني ص47 عبير المنظور

اخرى
منذ 10 أشهر
685