عبير المنظور

حينما يتحدث الصمت!

في أفنية هذه الحياة ثمة أوجاع متناثرة هنا وهناك تبددت أوصالها وتبعثرت أشلاؤها على صفحات وجدران الأيام وضاعت أصوات الآه الحبيسة بين ثنايا الحلق والقفص الصدري وأطبق الصمت على الشفاه فأُخرست الكلمات وجعاً... هدوء مطبق على الجوارح غير أن صرخة الصمت المدوية تعصف بجمجمة الرأس لتقرع طبول الحرب الأزلية بين العقل والقلب وفي ساحة هذه المعركة الضارية توجه بضوضاء صمتك لربك وخالقك فالله تعالى يعرف جيدا لغة الصمت هذه ويفهم جيدا أن الصمت الناجم عن تجمد المشاعر المتخدرة من شدة الوجع له حديث خاص ولغة خاصة لا يفهمها الا هو... يفهمها ويشذبها ويحتويها ويترجمها بسكون متناغم مع الاطمئنان النفسي بالتوجه إليه بيقين وتوكل عليه عز وجل. إن شعرت يوما ما أن صمتك سيغلبك، وبدأ بالثوران الداخلي، اعرض صرخاته على الله تعالى، فصرخات استغاثة صمتك ستترجم إلى خشوع وخضوع ودموع على مصلاتك في لحظة دعاء ومناجاة. استمع لكلامه يستمع لصمتك! فعند قراءتك او استماعك لآيات القرآن الكريم، حتماً ستلامس صمتك الصاخب الكثير من المعاني فتهدأ وتنعم بسكون وطمأنينة. ففي هذه الساحة القدسية يتوافق العقل والقلب. ويتناغمان ويتناسيان الحرب الضروس ويعلنان الهدنة. وربما وقف إطلاق النار -إن صح التعبير- وأخيرا يعم السلام الروحي في هذه النفس الثائرة وستتوضح لك الرؤية ويتميز لك السبيل في مدلهمات المزالق فالله تعالى أنيسك الوحيد حينما يتحدث الصمت. عبير المنظور

اخرى
منذ 9 أشهر
715

الإمام الصادق (عليه السلام) وفكر الآخر (1) قراءة تاريخية

بقلم: عبير المنظور احترام فكر الآخر وعقيدته هو السبيل الوحيد للتعايش السلمي بين فئات المجتمع على اختلافها، وهو حرية كفلها الإسلام للفكر الموالف والمخالف، ولكن ضمن أطر محددة لضمان سلامة المنظومة العقائدية والسياسية والاجتماعية للمجتمع الإسلامي. واحترام فكر الآخر يشجع على شيوع ثقافة الحوار في المجتمع واحتواء الاختلاف منعًا للخلاف، طال ما كان الطرف الآخر لا يؤثر على غيره في تمييع الأفكار أو التحريض على الخلاف، وبخلافه يختلف التعامل مع الآخر حسب الجهة والموقف ضمن مفردات منهج متكامل في التصدي لتلك المحاولات. نعم هو منهج، وليس الأمر -كما يتصور البعض- أن الحرية الشخصية بالفكر والسلوك مطلقة وبلا حدود، وكأن مفهوم الحرية الشخصية عندهم هو التحلل من كل الحدود والأعراف والشرائع والقيم والمبادئ، كلا، فالحرية الشخصية بالفكر والسلوك لها مساحتها الخاصة، ولكنها تقف عندما تتعارض مع حريات الآخرين فكرًا وسلوكًا. هذا المفهوم الذي غاب عن الكثيرين حتى وقتنا الحاضر، وإنّ التخبط في فهم هذ المفهوم وتطبيقه أفرز العديد من التيارات الفكرية والسلوكية المنحرفة في المجتمع الإسلامي منذ بدايته؛ لأنهم لم يتشربوا المفاهيم التحررية الصحيحة على ضوء المنهج الإسلامي ولا زالت حتى الآن. واحترام الفكر الآخر مبدأ إسلامي أصيل، التزمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع مشركي قريش أولًا، حتى ضيقت قريش على المسلمين الأوائل وعذبتهم، فكانت الهجرة إلى الحبشة ثم إلى يثرب، وهناك تم عقد الاتفاق مع يهود المدينة -كما هو مفصل في كتب السيرة والتاريخ- حتى نقضت قبائل اليهود عهودها مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعرّضت المجتمع الإسلامي للخطر، ولم تنفع معهم المفاوضات -كما في التسمية الحديثة- فكان السيف والقتال هو الحل الأخير. وخيار القتال والسيف والحرب لا يمكن أن يتخذ مباشرة، وإنما تسبقه العديد من المحاولات لرأب الصدع واحتواء الموقف، وطبعًا يعتمد بشكل أساسي على طبيعة الجهة وشدة مواجهتها للمجتمع الإسلامي وتعريضه لخطر الأفكار والسلوكيات المنحرفة، وإن كانت السلوكيات المنحرفة هي نتاج الفكر المنحرف بطبيعة الحال، ومن هنا اتخذت مواجهة الفكر المنحرف بالفكر السليم أهميتها في تجنيب المجتمعات الأخطار الكارثية، وحمايته من انحراف الفكر قبل السلوك، كما يعتمد قرار الصدام والمواجهة المسلحة على تقدير المعصوم نفسه في قراءة الحدث والمقطع الزمني وظروف المجتمع وأفراده وكمّ التحديات التي تواجه المجتمع الإسلامي. وفي الغالب كانت هذه الحروب تقع في بداية الإسلام، حيث كان المجتمع الإسلامي مهددًا بشكل كبير من قبل اليهود في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله) واشتدت أكثر من بعده بأبي هو وامي من قبل التيارات الإسلامية المنحرفة والرسول لمّا يُقبر، فكان لزامًا العودة بالمجتمع إلى سنة الرسول، ومما لا يخفى كيف تأسس تاريخيًا: 1- تيار السقيفة وما جر بعده من الويلات على الأمة لا زالت آثارها حتى عصرنا الراهن. 2- تيار الخوارج، وهو أول خط يكفّر فيه المسلم أخاه المسلم وتأثيرهم السلبي على المجتمع الإسلامي والأمة الإسلامية بأسرها، وقد امتدت جذور هذا الخط حتى وقتنا الحاضر وإنْ اختلفت التسمية، إلّا أنّ المنبع والأصل واحد. 3- التيار الأموي، وواضح جدًا من سيرة زعمائهم مخالفتهم للشريعة الإسلامية وامتهانهم للمسلمين والتآمر عليهم واضطهادهم وسرقة مقدرات الأمة. ولا يخفى أن هذه التيارات -العقائدية منها والسياسية- قد هدمت باسم الإسلام أساسيات الإسلام، فكانت الجمل وصفين والنهروان وعاشوراء من الثورات التصحيحية المهمة في تاريخ الإسلام للتمييز بين الخط الإسلامي الأصيل من المتأسلم. ومع تلاشي آخر معاقل الأمويين ونشاط الحزب العباسي وتربعه على السلطة بعد صراع مع الأمويين، مع خفة وطأة الأخطار الخارجية للإسلام نوعًا ما من تهديدات الصليبيين، بالإضافة الى ازدهار العلوم والمعارف، وانتشار حركة الترجمة خاصة في عصر الإمام الصادق (عليه السلام)، مما ساعد على انتشار العلوم والفلسفة اليونانية والإغريقية وتداخل الأفكار والعقائد المنحرفة عند بعض المسلمين ضعيفي العقيدة، فنشأت بعض الفرق من الزنادقة والملحدين، ونشطت حركتهم في عهد الإمام الصادق (سلام الله عليه). وفي قراءة سريعة لطبيعة المجتمع الإسلامي وتعدد المذاهب الفكرية في عهد الإمام الصادق (عليه السلام)، خاصة الخوارج والزنادقة والملحدين، وبالنظر إلى حرج الوضع السياسي آنذاك وملل الأمة وسأمها من الحروب، نعلم جيدًا أنّ المعركة كانت فكرية أكثر منها حربية، واختلاف التيارات التي ألقت بظلالها على المجتمع، وعلى أكثر من جبهة فكرية ،فكانت نهضة الإمام العلمية في تأسيس منهج في الرد على الشبهات والمخالفين وفق ضوابط وأدب الحوار واحتواء المجتمع الإسلامي بكل فرقه المختلفة، وتنقيته من هذه الشوائب الأيديولوجية كل حسب منطلقاته وتوجهاته، بمفردات منهج اسلامي -أصيل سنأتي على فقراته تباعًا في الأجزاء القادمة من هذه السلسلة إن شاء الله تعالى- التي ستنفعنا كثيرًا في رسم الخطوط الأساسية في الحوار والتعامل مع الفكر التكفيري المتشدد والفكر الإلحادي الآخذين بالانتشار وعلى نطاق واسع في مجتمعاتنا الإسلامية وتأثيرها الكبير في الحرب الفكرية الباردة لتهديم مبادئ وأسس ديننا الحنيف.

المناسبات الدينية
منذ شهرين
266

الرصاصُ المقبور شاهدٌ وشهيد

بقلم: عبير المنظور كثيرةٌ هي اللحظات التي كنتُ أتمنى فيها أن أتحرر من سجني، لا لحريةٍ مكذوبةٍ أتمناها، وإنّما لحريةٍ حقيقةٍ كنت أرومها، وهي أن أُرزقَ الشهادة، فقد كان حلم الشهادة يراودني أنا ورفاقي ويحرّك الأمل القابع في الروح شوقًا وتحرّقًا لتحقيق ذلك الحلم يومًا ما، كنا جميعًا نتشاطر ذات الحلم، كنّا نغبط رفقاءنا الذين سبقونا للشهادة، وقضوا على أشرار الخلق، وانتهت حياتهم بشرف بانتهاء تلك المَهمَّة بزفَّةِ عُرسٍ مُضمّخةٍ بدماءِ الشهادة، كنت كلما أرى شخصًا يفتح باب السجن كنتُ أتوجّه إلى الله بتراتيل دعاء، وأتمتم بترنيماتِ عشقٍ وأملٍ بأن يحين دوري للمَهمَّة القادمة، وفي كلّ مرة كنت أزداد أملًا عن سابقتها حتى حان دوري، طاش لُبّي فرحًا وتلعثمتُ بهجةً وسرورًا، ودّعتُ رفاقي وانطلقت مُحلِّقةً بزهوٍ في السماء بين أقراني، ملأنا الخافقين مرة واحدة كزخات المطر، وأصبحنا نتراشق من هنا وهناك في أعالي الجوّ مع أسراب الطيور، كان منظرًا جميلًا لم أشهده من قبلُ، فكل ما كنتُ أعرفه عن عوالمنا أنها خالية من الحياة والجمال والعطاء، فنحن خُلِقنا للحروب والقتل في المعارك الضارية، ووُجِدنا لقتل الأشرار وتنقية العالم منهم، إلا أنني لم استمتع بمنظر أسراب الطيور الخلّاب هذا، فوجودنا قد أثار الطيور وشتت انتظامها مما اضطرها للهروب، لم أفهم للوهلة الأولى ما يجري، وأكملتُ مسيرتي بحسب ما يرسمه القدر لوِجْهَتي. توقفتُ في المحطة الأخيرة، واخترقتُ الخطوط، وجِبتُ الأروقة، لكنني كنت في كلّ مرة أزداد تعجُّبًا ممّا أرى، وفي الوقت ذاتِه أصبحتُ أُدركُ جيدًا أنني أخطأت الهدف، حاولتُ الرجوع مرارًا ولكن هيهات، كان خطُ انطلاقِ مَهمَّتي خطَ انطلاقٍ لا رجعةَ فيه، لم أجد بُدًّا من الاستقرار في قلب الهدف إلا أنّني أُعجِبتُ بكَمِّ النقاء والبراءة فيه، كان الهدفُ عبارةً عن رأس طفلة لم تتجاوز السابعة من عمرها الغضّ، رأسٌ صغيرٌ سكنتهُ صور الوالدين والإخوة والأقارب والأصدقاء ترافقها أحلامٌ كبيرةٌ بأن تصبح طبيبة؛ لتخدم الإنسانية، وتسهم في تقدم وطنها وازدهاره، وفيه العديد من الأفكار البريئة والذكريات الجميلة من ابتساماتٍ تلقائية وضَحكاتٍ لمواقفٍ طريفةٍ جمعتها مع الأحبة، ويبدو أنّ دُميتها الصغيرة كانت تحتلُّ مساحة كبيرة فيه. لم أجد في ذلك الرأس شيئًا من التعقيد إلا بعض المسائل الرياضية التي أشكل فهمها على تلك الطفلة المسكينة؛ بسبب صعوبة المناهج الدراسية في أثناء السنوات الأخيرة، كانت هذه الجنبة السلبية الوحيدة التي وجدتها في رأس تلك الطفلة، وانزعجتُ؛ لأنني لم أجد ما كان يتكلم عنه رفاقي الذين رافقوا أبطال الحشد الشعبي في معاركهم البطولية عن هدف، وأصل مَهمًّتنا هو القضاء على الشر ومصدره ومحيطه، ونحقق الخير والأمان، لم أجد الشرّ الذي كانوا يتكلمون عنه، فبدأت ألوم نفسي، أيعقلُ أنني غيّرت المسار وغيّرتُ الهدف؟! كيف ذلك وأنا موجهةٌ نحو الهدف فأصبحتُ على يقين أنَّ الرامي هو مَنْ أخطأ الهدف، فهو كما يبدو لم يُصوِّبْ على هدفٍ معينٍ بل أطلقني عشوائيًا وإلاّ لِمَ أصبتُ هذا المحيط المتشبّع بالخير والنقاء! أيُعقل أن يكون الرمي العشوائي بهذه القسوة؟! أن يقتل أحلامًا وضَحكاتٍ لطفلةٍ بريئةٍ ليس لها ذنب سوى أنّها كانت جالسةً في حديقة منزلها تتأمّلُ الورد؛ لتقطف أزاهيرًا من الشكل أجملها ومن العبق أضوعها؛ لتهديها لأمها في عيد الأم. تُرى منْ المسؤول عن هذه الفاجعة؟ هل هو جهل الرامي أم تهوره الذي تسبب في مقتل شخص برئ بالخطأ؟ ألم يكن يعلم أن الرصاص يقتل؟! وأنّه وُجِد لساحات الوغى والقتال للقضاء على الأعداء والأشرار؟! كم كنتُ غبيةً حينما كنتُ أُمنّي نفسي بالخروج من حافظة الرصاص التي كنتُ أعدُّها سجنًا لي كي أُرزق الشهادة وأموت في رأسٍ داعشيٍّ بغيضٍ دنَّس أرض المقدسات؛ لأقضي على أفكاره الشيطانية وخططه القذرة، وأقتل بذلك آماله بأن يقتل الأبرياء، ويسبي النساء، ويستعمر بلد الأنبياء والأولياء، وإذا بي أجد واقعًا مختلفًا عمّا كنتُ أخططُ له. كم كنتُ ساذجةً حينما كنت أرسمُ نشوةَ شهادتي في رأسه العَفِن، وإذا بي استقرُّ في رأس طفلة بريئة، كم احتقرتُ نفسي حينها واحتقرتُ مَن أطلقني أكثرَ وأكثرَ. أيُّ استهتار وأيُّ جهل وأيُّ تسيّب أوصل الأمة لهذه الحال البائسة؟! ما الدافع المُهم الذي يستوجب الرمي العشوائي؟ مهما كانت المناسبة ومهما كانت الأسباب فإنّها مسوغات سخيفة جدًا وغير منطقية للموجودات العاقلة. أنا أُحدّثكَ أيها الرامي بشكل عشوائي فاستمع مقالي: أولاً وقبل كلّ شيء: أنا لستُ رصاصة طائشة كما تزعم، وإنّما أنت الطائش بتصرّفك غير المسؤول هذا. تُرى ماذا ستكون ردّة فعلكَ إن استقرتْ رصاصة في رأس أحدٍ من أطفالك أو أقاربك؟ هل ستقول: إنّها رصاصة طائشة! أم ستلعن مَن أطلقها لعنًا وبيلًا هو وأهله وعشيرته؟ تُرى هل ستتخيل نفسَكَ يوم القيامة قاتلًا لنفس بريئة دون ذنب؟! وإن قلتَ: إنّكَ لم تكن قاصدًا لقتل نفس بريئة، وإنّكَ رميتَ عشوائيًّا بدافع الفرح والحماسة، أقولُ لكَ: ألمْ تسمعْ وترى في كلّ الأعياد والمناسبات العامة والخاصة بحالات القتل بالرصاص العشوائيّ أو الطائش كما تزعم؟! وإن لم تسمعْ بذلك، ألمْ تفقه أننا جنس قاتل؟! ألم يُخبركَ مَنْ علّمكَ حملَ السلاح أنّ الرصاص غادرٌ ومُميتٌ، وعليكَ إتقان التصويب؛ كي لا تُخطِئَ الهدفَ فتقتل شخصًا بريئًا دون قصدٍ أو تُصيبهُ بإعاقةٍ دائمةٍ أو مؤقتةٍ؟! لماذا لا تُعبّرُ عن فرحِكَ وحماسِكَ بطُرُقٍ وأساليبٍ حضاريّةٍ تُوافق كونَكَ إنسانًا لا همجيًّا وفوضويًّا؟ ألمْ تعلم كلّ هذا؟! ألمْ تعلم بأنّ الله سيَحشُركَ مع القتلة والمجرمين وإن كنتَ غير متعمِّدٍ للقتل، ولكنك ستُحاسَبُ على إصرارك وتهوُّرِكَ واستهتارِك بأرواح الأبرياء في الرمي العشوائيّ مع احتمال قتل نفس محترمة ولو بنسبة ١ %؟ زيادةً على مساهمتك في زعزعة الأمن والسلام في المجتمع وإخافة الناس وترويعهم وخاصة النساء والأطفال، إذن ما الفرق بينك وبين الإرهابيين؟! شارفت حياتي على الانتهاء ولم يَعُدْ لي متسعٌ من الوقت، ولم تنتهِ كلماتي للرامي العشوائيّ بعدُ، فتوجّهتُ لله تعالى ودعوتُ بدعواتي الأخيرة: إلهي، اغفر لي فأنت تعلم بأني لستُ أنا المذنبة في جريمة القتل هذه، وأنا سأكون شاهدةً على جريمة الرامي يوم القيامة؛ لآخذَ بحقِّ هذه الطفلة التي يتمنى أهلها أن يعرفوا شخصَ قاتِلها للاقتصاص منه؛ كي تهدأ ثورة نفوسهم. ورجائي الأخير أنْ أُقْبَرَ مع كَمّ البراءة هذه في قبرها الصغير، وأنْ لا أخرجَ منه أبدًا؛ لأنني لم أجد مكانًا أكثرَ نقاءً وبراءةً من رأسِ هذه الطفلةِ الصغيرةِ لأُدفنَ به... أحسستُ ببرودةٍ أحاطتْ جسدي، وأيقنتُ بحلول أجلي، فتمنّيتُ أمنيتي الأخيرة بأن تخترقَ رأسي رصاصة عشوائية وتستقر فيه؛ لتقتلَ خلايا ذاكرتي التي امتلأتْ بالذكريات المؤلمة في هذه الرحلة التي خيّبتْ آمالي وأراقتْ دمَ شخصٍ بريءٍ... أنا... أنا تلك الرصاصة التي تنقلُ لكم ما رأته وما تشعرُ به الآن؛ لأرقد بسلامٍ حتى أُستدعى للشهادة في ساحة المحشر، أنا والعديد من أمثالي من الرصاص المقبور.

اخرى
منذ 6 أشهر
179

شمس باخمرا وضحاها

بقلم: عبير المنظور شموس الآل تبقى ساطعة منيرة مهما حاول الظالمون إخفاءها أو إطفاء أنوارها، لا، بل نراها تزداد وهجاً وتألقاً على مر السنين، وإن تناثرت تلك الشموس في الأصقاع لتنير ظلمتها الحالكة بنور الإيمان والتقوى والبصيرة . ومن هذه الشموس الزواهر شمسٌ رتلت حياته آيات سورة الشمس واستنطقتها آية آية بمواقف تزلزل الجبال الرواسي من عظم المأساة بعد أن خرج من مدينة جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) خائفاً يترقب يشق طريقه على مجرى نهر الفرات، حتى وجد ضحاه على ضفاف نهر سورى وهي تلك الفتاة التي كانت تقسم ببيعة صاحب الغدير فاطمأن قلبه وكانت سبباً في إشراقة شمسه المضيئة على حي باخمرا (1) الذي لم تشرق عليه شمس مثله من قبل مهما حاول شمسنا أن يخفي أنواره ونعت نفسه بـ(الغريب) ليعمل شمسنا سقّاءً في ذلك الحي، وظل يرسل أشعته الذهبية من ورع وتقى وعلم وشجاعة وأمانة إلى أهل باخمرا، حتى قدّر الله للشمس بأن تقترن بضحاها بنت كبير الحي (والشمس وضحاها) لتأتي (والقمر إذا تلاها) والقمر هو تلك الطفلة (فاطمة) التي كانت سلوى الشمس على فراق الأحبة وضياء حياته فكانت (والنهار إذا جلاها) بكل ما يحمله النهار من نور ونشاط وعطاء حتى جاء (والليل إذا يغشاها)، حيث أفل نور شمس القاسم بن الإمام الكاظم (عليهما السلام) وهو في عز سني شبابه ولما يستضيء باخمرا بنوره الباهر، وعمّ الظلام على حي باخمرا وافتقد الحي ذلك النور البهي من أنوار العترة الطاهرة، الذي أوصى بأن يلتحق قمره ببقية الأقمار والشموس من أهله في مدينة جده الرسول صلى الله عليه وآله، فخيّم الحزن على حي باخمرا وجميع ما أقلّت (والسماء وما بناها والأرض وما طحاها) خاصة بعد رحيل القمر (فاطمة) إلى مدينة جدها، حيث أخذت تدرج في سكك المدينة لتأخذها ريح العشق العلوي إلى حيث الآه المستقرة في منزل الأرامل واليتامى، تخطو خطواتها وعواصف الهم تضرب رأسها، وتهدّأ خفقات قلبها المضطربة بقوله تعالى (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسـاها)، ولاحت تباشير اللقاء على أعتاب منزل الأقمار من آل محمد، كان قمرنا الصغير (فاطمة) تأمل أن ترى ولو شمساً مضيئة غير مكسوفة لتعوضها عن شمس أبيها القاسم، وإذا تُفاجَأ بكمٍّ من الأقمار الثواكل وحولها جمعٌ من الايتام، سألنْها عمّن تكون؟ فلم تحر جواباً، فأجابتهم دمعتها الحرّى، فاحتضنها القمر الكبير (مولاتنا تكتم) قائلة: (إنها والله يتيمة ولدي القاسم) وأخذت تنشج ألماً وتشمها لتشم رائحة ولدها القاسم، وأسقمها الحزن وفارقت الحياة بعد ثلاثة ايام لعظم رزئها بولدها(2). والتحق قمر باخمرا الصغير بباقي أقمار بني هاشم التي عانت ما عانت من ظلم بني العباس وتشريدهم وقتلهم لرجال بني هاشم، وكذلك موت الهاشميات كمداً على تلك الشموس العلوية وكسوفها الواحد تلو الاخر؛ لتكون شاهدة على تجبّر العباسيين، ولترسم لنا ملامح عاقبة الظالمين لآل محمد في الدنيا قبل الآخرة (كذّبت ثمود بطغواها إذ انبعث أشقاها فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسوّاها ولا يخاف عقباها). أين الخلفاء العباسيون الآن ليروا شموخ قبة القاسم الذهبية لمئات السنين؟ وبقي قمر باخمرا وجميع أقمار آل محمد على مر الأزمان يرقبون بزوغ شمس آل محمد، آخر الزمان لتشرق على المظلومين والمعذبين في الأرض؛ ليرتل الكون معه آيات سورة الشمس ليبسط العدل على هذه البسيطة وليأخذ بثأر شموس العترة الطاهرة ودموع وغصص أقمارها. ____________________ (١) وتدعى الآن مدينة القاسم وتقع في العراق في محافظة بابل وسمي حي باخمرا نسبة إلى شيخها المعروف آنذاك بلقلب "باخمرا". تقع على نهر الفرات . أما اسمها الآرامي فهو سورى أو صورى. (2) انظر شجرة طوبى ج1 ص171.

اخرى
منذ 7 أشهر
428

موائدنا الرمضانية تحت المجهر!

بقلم: عبير المنظور شهر رمضان الذي أنزل فيه القران، شهر الضيافة الإلهية، شهر الرحمة والمغفرة والبركة، فيه تعمر موائد الرحمن. تعمر تلك الموائد قبل حلول الشهر الفضيل! فقبل حلوله تنشط حركة الأسواق لشراء المواد الغذائية وتتصاعد الأسعار تبعًا للطلب، لا بل نجد تهافت ربات البيوت على شراء المواد الغذائية وتحضيرها وتجميدها استعدادًا للشهر الفضيل، نعم لا ننكر أن على المرأة في شهر رمضان حملًا ثقيلًا تحاول أن تخفف عنه نهار الصيام بإعدادها المسبق لبعض الأطباق، ولكن ننكر أن يتحول الشهر الفضيل إلى شهر طعام وشراب. في سؤال سريع سألته لعينات عشوائية من النساء عن السبب في تحضير تلك الوجبات وتجميدها كانت بعض الإجابات رائعة ولكن الإجابات الأخرى صادمة. النساء الموظفات أعانهن الله يحضّرن تلك الأطباق مسبقًا لضيق الوقت مع ضغط العمل والمشقة في الدوام. هنا نجد تنظيم المرأة لوقتها وتنظيمه بين العمل والمنزل رائع جدًا. والبعض الآخر من النساء يرين أن في ذلك إنقاذًا لهن في مائدة إفطار الضيوف، وجهة نظر سديدة أيضًا. وبعض النساء تحضّر مسبقًا لتتفرغ للعبادة وقراءة القران والأدعية المخصوصة والقيام بأعمال شهر رمضان المبارك، جميل جدًا تخصيص وقت العبادة وتفضيله على باقي الأعمال المنزلية دون أن تخل بواجباتها المنزلية في هذا الشهر الكريم. أما بعض الإجابات وهي السائدة فكرًا وتطبيقًا في مجتمعاتنا هي أن النساء تجمّد الاطعمة لتتفرّغ لبقية الاطباق آنية التحضير! وسألتُ سؤالًا مهمًا في نفس السياق ولكن إجابته تفصّل النتيجة تفصيلًا دقيقًا: كيف تكون موائدنا الرمضانية عامرة؟ أغلب الاجابات كانت يرثى لها، بتعدد أصناف الطعام وكأن مائدة شهر رمضان لا تعمر إلا إذا زادت عن خمسة أو سبعة أصناف من الطعام. وفي محاولة مني لتقريب المعنى سألتهن أيضًا: شهر رمضان شهر الخير والبركة، ما هي البركة في هذا الشهر؟ كانت معظم الإجابات أن البركة في الطعام والشراب! توقفتُ كثيرًا أمام تلك الاجابات وللأمانة كانت هناك إجابات مميزة تنمّ عن وعي وادراك لعظمة وبركة الشهر الفضيل وان كانت نسبتها قليلة لا تتجاوز ٢٠٪، وان كانت النسبة الحقيقية أقل من هذه بكثير في المجموعات النسائية على السوشيال ميديا حسب استقرائي البسيط. توقفت كثيرًا أمام هذه النسبة المهولة من شريحة مهمة في المجتمع تعتقد أن شهر رمضان موسمًا للطعام والشراب وامتلاء الكروش بما لذ وطاب من الأصناف ولكل شخص طبقه المفضل من الأطباق الرئيسية والمقبلات والحلويات، والكلام ليس موجهًا للنساء فقط بل الرجال أيضًا فهو من يحاسب المرأة حسابًا دقيقًا لو أن صنفًا واحدًا لم يُطبخ على مزاجه، وما أكثرهم في أيامنا هذه! وأكررها مرارًا، نحن لسنا ضد أن يتغذى الصائم ويتقوت بطعام لذيذ يشبعه ويشتهيه ولكننا نرفض أن يكون شهر الخير والرحمة شهرًا للإسراف والتبذير ورمي الطعام الفائض في القمامة رغم وجود العديد من العوائل ترزح تحت نير الفقر والجوع لا تجد ما تفطر به بعد يوم طويل من الصيام. نحن ضد ان يتحول شهر رمضان الى افراط وتفريط فلا نبالغ في المثالية ونجعل من انفسنا زهّاداً وعبّاداً ونقصـّر في إطعام عوائلنا، ولا نسرف في اعداد الطعام، ولكننا نريد الامر بين امرين (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين) (١). توقفتُ طويلًا عند تلك الاجابات في مسالة الطعام والشراب في شهر رمضان المبارك، وتأملت أسباب هذا الفهم الخاطئ وفي الغالب هي طريقة التربية التي يتلقونها منذ الصغر، اضافة الى الحرب الناعمة والاعلام المضلل الذي يبث سمومه على القنوات الفضائية والسوشيال ميديا بجعل الامة تلهث وراء المظاهر كالطعام والشراب حسب الوصفات العالمية والملابس والماركات التجارية والاهتمام بكماليات الامور اكثر من الضروريات مع التركيز والترويج للشركات العالمية المنتجة لها. إضافة إلى الانسياق وراء العقل الجمعي في مثل هذه الظواهر المنتشرة بكثرة على السوشيال ميديا، والتفاخر والتعالي على الغير وارضاء هوى النفس وغيرها. ومن أهم أسباب انتشار هذه الظاهرة هو عدم سماع توجيهات من يقوم بالتبليغ الديني في ايصال الأهداف الحقيقية والأسباب والعلل وجماليات الاحكام في الاسلام بشكل عام ومظاهر الصيام بشكل خاص، وإلّا فكيف نبرر وجود نساء صائمات مع السفور أو التبرج أو الاختلاط؟ أين صوم الجوارح اذن؟ هنا يجب أعادة ترتيب الخطاب الديني وتوجيهه نحو المجتمع توجيها صحيحًا والتركيز على آداب وتعاليم الرسول الأكرم (صلى الله عليه واله) وأهل بيته الكرام (سلام الله عليهم اجمعين)، ويلزم على المجتمع أيضًا أن يستمع لهذه التوجيهات التي تدخل ضمن المعرفة الصحيحة لبركة شهر رمضان المبارك، ونحن نعيش في طيات شهر رمضان ذكرى شهادة امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) وطعام افطاره المكون من رغيف خبز الشعير والملح وهو خليفة المسلمين. على الخطاب الديني بجميع مستوياته المنبري والاعلام الديني المكتوب والمسموع والمقروء أن يصحح مسار المجتمع ويضع الحلول لمثل هذه الظواهر. وكحلول بسيطة لهذه الظاهرة اقترح ان نضع موائدنا الرمضانية العامرة تحت المجهر: هل مصدر أموالها حلال لا شبهة فيه؟ هل لحومها مذبوحة شرعًا ومن قبل جهات موثوقة متخصصة؟ هل تتسم بالاعتدال أم فيها الكثير من الاسراف؟ هل اخرجنا صنفا منها لنطعم أو نفطر صائمًا من الجيران والاقارب؟ وهكذا وكما أن للجسد غذاءً فللروح غذاءً ايضا وله موائده المعنوية، فشهر رمضان هو من المواسم المهمة لتزويد الروح بجرعات تغذيها ما يكفيها عاما كاملا، وهو سر بركة ذا الشهر حيث تضاعف الاعمال فيه، وفيه محطات عديدة كوفاة ابي طالب والسيدة خديجة (عليهما السلام) ومعركة بدر وولادة الامام الحسن (سلام الله عليه) وليالي القدر وشهادة امير المؤمنين (عليه السلام) كلها تزيد من شعورنا بالالتزام بإعمار تلك المائدة الروحانية في هذا الشهر الفضيل على الاقل بنسبة متساوية مع موائدنا الرمضانية المادية والطعام المعنوي هنا قراءة القران مع فهمه وتدبره والتسبيح والاستغفار والادعية والاعمال العامة لهذا الشهر العامة والمخصوصة اضافة للصدقة وتحسين الخلق واعمال الخير الاخرى . مثلا لو كانت مائدتنا الرمضانية المادية مكونة من ٤ اصناف علينا ان نجعل من مائدتنا الرمضانية المعنوية ٤ اصناف ايضا ان لم نزد عليها لزيادة الاجر وتحصيل مكاسب معنوية، لنوازن بين حاجات الروح والجسد في شهر الرحمة والمغفرة ولتكون موائدنا الرمضانية متساوية المادية منها والمعنوية. اما في المحطات العبادية المهمة في هذا الشهر الكريم كليالي القدر فيفضل ان تكون المائدة الرمضانية المعنوية والروحانية عامرة جدا بجميع اصناف العبادات من قران ودعاء وتسبيح وصلاة وعبادات مخصوصة وصدقة وحسن خلق وغيرها لأنها الزاد الذي سيطعم روحك وجسدك عاما كاملا بمزيد من التوفيقات والارزاق المادية منها والمعنوية حتى قابل، فاي مائدة رمضانية عامرة تلك اولى بنا أن نحرص عليها كثيرًا. فاعمر مائدتك الرمضانية المعنوية واحسن اعمارها وتناول منها انت وعائلتك واطعم منها غيرك من المقربين والأباعد فإنها سر الاسرار، ومحالّ فتح الشفرات الالهية للمنح والنفحات الربانية في هذا الشهر الكريم. اعمر مائدتك الرمضانية الحقيقية وضعها تحت المجهر هل تناسب مع ما انعم الله عليك به؟ هل تناسب ثمن الرحمة والمغفرة والعتق من النار؟ ضع مائدتك الرمضانية المعنوية تحت المجهر وقدمها لله تعالى في شهره الكريم كما احسن الله لك فيه وأنت في ضيافته الإلهية. ___________________ (١) سورة الاعراف/31.

اخرى
منذ 4 أشهر
213

إحتضارُ الوفاء

بقلم: عبير المنظور في صباحِ يومٍ هجيرٍ، تثاقلتْ خطاها نحو قبورها الرمزية الخمسة، كانت تتمايلُ ضعفاً، وأطبقَ الوهنُ على فؤادها المكلوم، وتراءت لها صورة المنايا تلوح في الأفق، فاستشعرتْ قرب الأجل، فقصدتْ تلك الشواهد للوداع الاخير... قطعتْ الطريق وعبابُ الأفكار يلفُّ رأسها ،وصدّعته صورٌ وتأملات تتوارد من هنا وهناك، كل خطوة ترسمُ ألفَ لونٍ ولون من مشاعر متخبطة، لا تعرف القرار والاستقرار، حتى لاحت لها من بعيد تلك الشواهد، خفقَ الفؤاد بشدة واضطربت الجوانح وارتعشت الجوارح، حتى وصلت لتلك القبور الخمسة، ووطأتْ قدماها حرم العشق الأقدس، فجلست عند قبر منفرد يعلو قبوراً أربعة، وأخذتْ تنشجُ ألماً، وتنسجُ حلماً، من عشقٍ ونصرةٍ لإمام الزمان، وتفرقتْ ادمعها، وهينامات عزائها على بقية القبور .. كانت رحلة قدسية يومية استمرت لأربعة أعوام، رافقها فيها البكاء والعويل، غير أن هذه المرة كانت رحلتها مختلفة، فقد كانت رحلة وداعٍ أكثر منها رحلة عزاء، اختتمتْ طقوسها اليومية بفرض ٍأخير، حيث ولّتْ وجهها شطر الغري، لتبث شكواها الأخيرة للوصي، ودموع الشوق والأسى سبقتها تنحدر قبل السلام بصوتها الكسير: السلام عليك سيدي يا أمير المؤمنين، سلامُ مودِّعٍ لاحقٍ عما قريب، سلامٌ يتغشّاه الحياء خشية تقصيري ووُلْدي عن نصرة الائمة من وُلْدك، سلامٌ ملؤه اعتذارٍ عن طشتٍ لكبدٍ تَفَرّى من السِموم، وعن طشتٍ لرأسٍ قطيعٍ ضُرِبَتْ به ثنايا السبط المظلوم، وعن بناتِ وحيٍّ سِيْقَتْ سبايا من بلدٍ الى بلد يحدوها الاعداء، وعن أولادٍ وعشيرةٍ مجزّرين كالأضاحي على رمضاء كربلاء، وعن نفي عقيلتك زينب الى الشام وموتها كمداً في غربةٍ عن ديارها، وعن إمامِ زمانٍ قُيِّد بالسلاسل والجامعة والاغلال وحُبِسَ بين اطباق الإقامة الجبرية... وكلُ ذلك على مرأى ومسمع مني .. وها هو عبّاسك قمر العشيرة أعظم قرابيني، خلّفته قطيع الكفين مهشّم الجبين والسهم نابت في العين وتلته ثلاث أنجُمٍ زاهرةٍ أرضعتهم الولاء والوفاء قبل اللبن، قرابينُ رسمتُ بها ملامح النصرة الحقة لإمام الزمان في يوم عاشوراء، فهل الى السماح من سبيل ؟ وألجَمَ النحيبُ كلماتِها لتُلملمَ شَتاتها، لكنها ظلتْ تتمتمُ ببقايا شجىً وأسىً، فتصدّعتْ أحجار الشواهد حزناً لمشهد الوداع الأليم، واحتضر الوفاء في هذه اللحظة، وظل يصارع الموت، حتى توفي شهيداً في محراب عشق إمام الزمان ونصرته، على شرف تلك السيدة الجليلة، وأُقْبِرَ الوفاء معها حيث لا وفاء يكون بعد سيدة الولاء والوفاء أم البنين (عليها السلام)...

اخرى
منذ 7 أشهر
398

جريمةٌ بحصانةٍ مجتمعية!

بقلم: عبير المنظور وُجِدَتْ الجريمة منذ بداية الخليقة، وقصة ابنيّ آدم (عليه السلام) هي قصة الجريمة الأولى على هذه البسيطة، حيث قتل قابيل أخاه هابيل لنوازع نفسية ومصلحية في قصة مفصّلة، ولا زلنا حتى يومنا هذا -وبعد فترات زمنية سحيقة- نتعاطف مع الضحية وندين القاتل وهو أول مجرم في التاريخ، وهذه الجريمة يستنكرها الجميع ويحاربها ويرفضها إنسانيًا وأخلاقيًا ودينيًا، كما يرفض كل الجرائم من قتل وسرقة وتزوير واختطاف وغيرها لكونها تمثّل التعدي على حقوق الآخرين وسلبها منهم. ومنذ فجر التاريخ والبشرية تقنّن التشريعات وتسنّ القوانين للحفاظ على نظام المجتمعات من التخبط والفوضى وللحد من معدل الجريمة، وكان العراق القديم مهد الحضارات أول من شرّع القوانين وسنّها، ومسلّة حمورابي المؤلفة من ٢٨٢ مادة قانونية شاهدة على دقة التشريعات خاصة فيما يتعلق بقوانين الأسرة حيث يحتوي القسم الثامن منها على المواد من 127-195 والتي تتعلق بشؤون العائلة وحقوق أفرادها. ويا للعجب! في بلد عريق وسبّاق لتنظيم المجتمع وسنّ القوانين لحفظ حقوق أفراد الأسرة والمجتمع وبعد آلاف السنين يفتقر لقانون يُجرّم من يقوم بالعنف الأسري وكأنها ليست بجريمة تستحق الردع بالعقاب والمحاكمة في زمن التطور والتكنولوجيا والتشدّق بحقوق الانسان! فالعنف الأسري في العراق جريمة تحظى بحصانة مجتمعية! الأسرة منظومة مهمة في البناء الاجتماعي وسلامته من سلامتها، وهذه المنظومة -شأنها شأن أي منظومة أخرى- قد تتعرض أحيانًا إلى التصدع، وأن لم يعالج هذا التصدع منذ البداية ويرمّم، فقد يسبب انكسارات عميقة قد تؤدي في النهاية إلى تضعضع كيان الأسرة وانهدامها. إن من أهم الأمور التي تسبّب تصدّع الأسرة هو العنف الأُسري، ويعني اصطلاحًا: استخدام القوة المفرطة ماديًا أو معنويًا في الإساءة لفرد أو أفراد من الأسرة أو إلحاق الأذى والضرر به لإجباره على أمر معين أو للسيطرة عليه تمامًا. وبرأيي فإن العنف الأُسري هو جريمة أيضًا ككل الجرائم لأنها تعتمد على سلب الأخرين حقوقهم بطرق غير مشروعة وبالإكراه. تختلف حدة العنف الأسري من مجتمع لآخر ومن منطقة لأخرى بحسب طبيعة المجتمع ودرجة الوعي فيه، إضافة إلى الفروق الفردية والثقافية بين أفراد الأسرة ذاتها. وللعنف الأسري أشكال متعددة هي: أ- العنف المادي: ويشمل الاساءة أو إلحاق الأذى بشكل مادي ملموس، وله عدة صور أيضًا: ١- العنف الجسدي: كالضرب واللّكم والركل والحرق والخنق والغرق والصعق والدفع أو استخدام آلات حادة أو تجويع أو حرمان من أدوية معينة وغيرها، وقد يتسبب هذا النوع في إعاقة جسدية وأحيانًا قد يؤدي إلى الموت. ٢- العنف الجنسي: والغرض منه ممارسة الجنس بإكراه الطرف الآخر. ٣- العنف الاقتصادي: حيث يُحرم أحدهم من المال أو يُستحوذ على أمواله كنوع من التحكّم وفرض السيطرة على الضحية. ٤- العنف العشائري: حيث يتم إهداء بعض نساء العائلة لحلّ لعض النزاعات العشائرية بسبب رعونة وطيش وإجرام أحد أفراد الأسرة. ب-العنف المعنوي: ولا يقل خطورة عن العنف المادي، فهو يعمل على تحطيم نفسية ومعنويات الضحية من خلال: ١- العنف اللفظي: كالسباب والشتائم والتحقير والاستهزاء أمام أفراد الأسرة أو خارجها. ٢- عزل الضحية اجتماعيًا: من خلال حبسه في البيت ومنعه من التواصل مع الأهل والأصدقاء. ولا يخفى أن جميع أنواع العنف الأسري المذكورة سابقًا تحدث بكثرة في مجتمعنا العراقي، ولكن مع الأسف لا يُعرف منها إلّا القليل، وحتى وإن عُرف فإنه يتم التعاطف مع الضحية قلبيًا فقط، لأنها لا تستطيع مجابهته وإيقافه في ظل الأعراف والتقاليد المجتمعية البالية التي لا تجرّم من يقوم بالعنف الأسري ولا تتدخل أحيانًا كثيرة بحجة أنها أمور عائلية، وأن للرجل حق القوامة على المرأة، أو أن للأب سلطة على الأبناء، وهو يربيهم بمعرفته، في حين نجد أن المعنفّين من النساء والأطفال لا حيلة لهم سوى التحمل وعدم الكلام عن الموضوع لأنه يعتبر إفشاءً لسر العائلة! نعم يجب أن تكون للعائلة خصوصية، لكن في حدها المعقول، وإلّا فما ذنب الزوجة التي تتحمل العنف الأسري المستمر أمام أولادها كي لا يُطلق عليها لقب (مطلقة) مثلًا، أو محاولة منها للّم شمل الأسرة، خاصة إذا كان هناك أطفال (ضحايا) بين الزوجين، أو مثلًا أب يحرم طفله من الدراسة ليعمل في الشوارع، أو طفل يتعرض للتعذيب على يد أبيه أو أمه أو أخيه أو زوجة أبيه... والغالبية العظمى من المجتمع يفهم أن العنف الأسري يقع بين الزوج والزوجة فقط، بينما تشير الاحصائيات إلى أن ٧٥% من حالات العنف الأسري تكون ضد الأطفال! فتأملوا خطورة هذه الجريمة. وعمومًا فان نسبة ضحايا العنف الأسري في العراق كبيرة جدًا في ظل مجتمع ذكوري في الغالب، يشجّع على السلطة المطلقة للرجل على النساء (أم، زوجة، أخوات) والأطفال حتى وإن كانت خارج سلطته الشرعية التي منحتها الشريعة له، والتي قد يفرط الرجل في استخدامها مع تأييد المجتمع لما يقوم به، وأنه ضرب من الرجولة والالتزام الديني، خاصة في ظل غياب القانون الذي يجرّم ويحاسب من يقوم بذلك، إن ذلك مما يزيد من حالات التفكك الأسري وازدياد معدل تسرب الأطفال من المدارس وهروبهم إلى الشارع، وبالتالي ازدياد معدل الجريمة واختلال القيم والمعايير الأخلاقية في المجتمع، وفي أحسن الحالات نجد الأمراض النفسية وعدم الاستقرار داخل المنظومة الأسرية، وهذا يمثل الاتجاه الاجتماعي لأسباب نشوء العنف الأسري الذي تعود أسبابه أيضًا إلى أسباب فردية ونفسية، منها ضعف الوازع الديني وعدم اختيار شريك الحياة على أسس صحيحة، إضافة إلى الاهمال وعدم تحمل المسؤولية. وبلحاظ ما تقدم يكون علاج العنف الأسري على مستويين: ١- مستوى فردي: ويكون ضمن إطار الأسرة نفسها من خلال تعميق الوازع الديني والتحلي بالأخلاق الحميدة والسير على نهج محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم)، بالإضافة إلى مسؤولية الأهل في إعداد البناء لمرحلة الزوجية ومعرفة أسسها وتعزيز مفهوم الشراكة فيها، ورسم حدود الحقوق والواجبات لكل فرد من أفراد الأسرة وفق الدساتير الدينية والإنسانية. ٢- مستوى اجتماعي: من خلال تفعيل الدولة للدوائر والمؤسسات ذات الصلة بحماية الأسرة، وتشريع القوانين التي تجرّم العنف الأسري والتشديد على إجراءات تلك القوانين، إضافة إلى توجيه الإعلام توجيهًا صحيحًا لبناء الأسرة والعمل على زيادة وعي المجتمع والنهوض به ثقافيًا وإنسانيًا، ولا يخفى دور مؤسسات المجتمع المدني ومراكز الإرشاد الأسري في توجيه الأسرة نحو مسارها الصحيح لنضمن بذلك سلامة المجتمع وأفراده.

اخرى
منذ 4 أشهر
131

أريج التوبة مع الإمام الكاظم (عليه السلام) (٢)

بقلم: عبير المنظور العشقُ سجدةٌ! بارعةُ الجمال، فائقةُ الحسن، فاتنةٌ ذات غنج ودلال، لا يستطيع رجل أن يفلتَ من سيف لحظي القاتل، أقوى الرجال وأشرسهم واغناهم كانوا يركعون تحت قدمي بنظرة واحدة مني، ويسجدون لأرضى عنهم، هكذا أنا ومن على شاكلتي، نفخر بعدد ضحايانا من الرجال وركوعهم وسجودهم أمام جمالنا الوضّاء. طارَ لُبّي عندما أخبرني أحدهم بأن الخليفة العباسي هارون يستدعيني، ويأمرني بأن أقابله وأنا في أبهى حلة وزينة وعطر، امتثلت مسرعة للأمر. غمرتني السعادة حتى كاد قلبي يخرج من قفصي الصدري فرحاً وأنا أدخل على الخليفة. دخلتُ على هارون وكُلّي أمل بأن يجعلني محظية عنده، استبشرتُ خيراً عندما تفحّصني مبتسماً من أعلى رأسي حتى أخمص قدميّ، عندها أمر الخادم بان يأخذني إلى السجن! تحيّرت وانعقد لساني من الذهول، أيُّ سجن هذا؟ ولماذا؟ كنتُ على وشك الانفجار حتى علمتُ أنهم يستخدمونني لإغواء احد السجناء بحجة خدمته! رغم انني ذُهلتُ أيضاً لهذه المهمة الغريبة، ومن هو هذا السجين الذي يود الخليفة أن يجعلني خادمة له ليفتنه بالنساء واللهو وهو في قعر السجن! ولماذا؟ وسرعان ما طردت هذه الأفكار من رأسي، المهم إنني سأدخل السجن أؤدي مهمة اعتدتها ولن أُطيلَ المقام كثيراً فأنا لستُ سجينة، ومهما كان السجين فإنه سيركع ويسجد أمام جمالي بسرعة وسيزداد عدد ضحاياي. ذهبت مع الخادم إلى السجن وكان سجناً مظلماً ضيقاً خانقاً، امتعضتُ للوهلة الاولى، كيف سأبقى في هذا السجن؟! وما كان يُطمئن قلبي أنني لن أُطيل المكوث هنا، فأي سجين في هذا السجن المخيف يرفض امرأة بارعة الجمال تخدمه وتقضي حوائجه! تشتّتْ أفكاري هذه على صوت فتح باب الزنزانة، دخلت الزنزانة وإذا بي أرى رجلاً مقيداً بالسلاسل والأغلال، عليه سيماء الصالحين، ففي وجهه نور لم ألحظهُ أبداً في ضحاياي، كنتُ أتأملُ ذلك النور حينما أخبره الخادم بأنني هدية الخليفة إليه لأخدمه في السجن، كنتُ أظن أنني سأراهُ مبتهجاً لهذه الهدية. فوجئتُ كثيراً عندما قال له: قل لهارون: بل أنتم بهديتكم تفرحون، لا حاجة لي في هذه وأمثالها. استشطتُ غضباً منه كيف يرفض هدية الخليفة؟! وأي هدية! أنا فاتنة الرجال؟! تحيّرتُ في أمره مَنْ يكون؟ خرجتُ من الزنزانة وعباب الأفكار يلـّفُ رأسي، لا أُنكِرُ أنني أعجبتُ بقوة إرادته رغم أغلاله وقيوده وزنزانته، ولكنني غضبت لرفضه، وغضب هارون أيضاً، فقال للخادم قل له: ليس برضاك حبسناك ولا برضاك أخدمناك، واترك الجارية عنده وانصرف. أُعجبتُ بمقالة هارون وصمـّمتُ على إغواء ذاك السجين، وكأن الأمر أصبح تحدياً بيني وبينه. عدتُ إلى الزنزانة مجدداً وعزمتُ على تنفيذ المهمة في أسرع وقت. بقيت واقفة عندما كان السجين منقطعاً في صلاته ما بين ركوع وسجود، وكان يطيل السجود كثيراً، فغضبتُ لأنني اعتدت أن يركع الرجال ويسجدون تحت قدمي. وقفتُ كثيراً وطال وقوفي وهو يصلي ليله ونهاره، فلما انصرف من صلاته وهو يسبح الله ويقدسه قلت له: هل لك حاجة أعطيكها؟ فقال: وما حاجتي إليكِ؟ قلتُ: إني أُدخلت عليكَ لحوائجك. فقال: فما بال هؤلاء؟ - وأشار بيده إلى جهة- فالتفتُّ فاذا روضة مزهرة لا أبلغ آخرها من أولها بنظري، ولا أولها من آخرها، فيها مجالس مفروشة بالوشي والديباج، وعليها وصفاء ووصايف لم أرَ مثل وجوههنّ حسناً، ولا مثل لباسهنّ لباساً، عليهن الحرير الأخضر، والأكاليل والدر والياقوت، وفي أيديهن الأباريق والمناديل، ومن كل الطعام، وإني لمّا عاينت من الأمر نادتني الجواري: يا فلانة ابتعدي عن العبد الصالح حتى ندخل عليه فنحن له دونك. فوقعتُ ساجدة لعظيم ما رأيت لا أرفع رأسي وأردد: قدوس سبحانك سبحانك. لم أشعر إلا وقبضة الخادم الذي أمره هارون بمراقبتي مع ذلك السجين تجرجرني إلى الخليفة الذي كان يستشيط غضباً وهو يقول: سحرها والله موسى بن جعفر، عليَّ بها. أتيتهُ وأنا أرتعدُ وقد شَخَصْتُ ببصري نحو السماء وأنا أذكر الله وأمجّده، فسألني هارون: ما شأنكِ؟ قلتُ: شأني شأن البديع، وقصصتُ عليه ما رأيت. قال لي: يا خبيثة لعلّك سجدتِ، فنمتِ فرأيتِ هذا في منامك! قلت: لا والله يا سيدي، رأيتُ هذا قبل سجودي، فسجدتُ من أجل ذلك. فقال الرشيد الخادم: اقبضْ هذه الخبيثة إليك، فلا يُسمع منها هذا. واعتقلني الخادم عنده، فأقبلتُ على العبادة والصلاة، فاذا سُئلتُ عن ذلك قلتُ: هكذا رأيت العبد الصالح(١). ولم تمر أيام قليلة حتى سمعتُ بنبأ وفاة العبد الصالح. فتأثرتُ كثيرا، فلم يكن العبد الصالح مجرد رجل مرّ في حياتي لم يأبه لجمالي وفتنتي، بل لأنني عشتُ بفضله لحظة مقارنة تأملتُ فيها دناءة نفسي مع تلك النفوس القدسية. ولأنني عرفتُ على يديه معنى الحرية الحقيقية، تلك الحرية التي تكمن في الروح وترفض أغلال الظالمين وسلاسلهم وزنازينهم وترفض اتّباع الشهوات، نعم وجدتُ الحرية هنا بين هذه القضبان! متجسّدة في العبد الصالح موسى بن جعفر. عرفتُ على يديه الكريمتين معنى الصلاة بالركوع والسجود الحقيقي، سجود العبودية لله هو حرية الانسان الحقة من سلاسل الذات والمال والجمال والشهوة والسلطة وغيرها، عرفتُ كيف يُسلّم ُالإنسان لأمر ربه بيقين وتوكل، ومهما ضاقت عليه السبل ظاهرياً إلا أنه في نعمة باطنة لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم. عرفتُ تلك الحقيقة عندما رأيت نعيم الجنة للعبد الصالح وهو حبيس هذه الزنزانة. عرفتُ كم كنتُ بشعة وحقيرة ورخيصة ومتهتكة أمام جمال الحور العين اللاتي رأيتهن وهن يبعدنني عن العبد الصالح لأنني قد لوثتُ نفسي بالمعاصي والذنوب واصطياد عيون وقلوب الرجال وغرائزهم، وافتخاري بذلك على بقية الجواري أمثالي! كانتْ لحظة غيرّتْ مسار حياتي وفكري وعقيدتي وروحي، لحظة جعلتني أُدركُ الحقيقة، حقيقة أن لكل سوق بضاعة والبضاعة لها ثمن، إلا نحن النساء اللاهيات العابثات، فنحن السوق ونحن البضاعة ونحن الثمن! مهما ركع الرجال بين أقدامنا نبقى في الحضيض وفي قعر سجن الذات والشهوات. لم أَعُدْ سوقاً ولا بضاعة ولا ثمناً بخساً للذئاب البشرية، فقد تعلمتُ من مولاي العبد الصالح أن الدنيا سوق والجنة هي البضاعة والثمن هو عملنا الصالح والعبادة الحقيقية. فوقعت ساجدةً سجدةَ عشقٍ أَعلنتُ بها توبتي الى الله مما كنتُ عليه وبدأت صفحة النقاء والعفة والانقطاع إليه تعالى. كانت أعظم دروس توبتي هي معرفة معنى السجود من مولاي صاحب السجدة الطويلة والدمعة الغزيرة. فالآن عرفتُ لماذا كان يطيل العبد الصالح السجود، فقد كان منقطعاً برفقة من أحبّ في محراب العشق الإلهي. يا بنات حواء، هذه قصة توبتي بين أيديكن، اقرأْنها بقلوبكن، فمهما تغيّرت الحياة عبر قرون وقرون، تبقى المرأة مرأة بكل جمالها وعنفوان أحاسيسها ومشاعرها المندفعة والمترعة بالعاطفة. لا تُحوّلنَ عواطفكن إلى سوق أنتن فيه البضاعة والثمن، كُنَّ بضاعةً في سوق العفاف وثمنكن الكرامة، فالله قد أكرمكن في الدنيا والاخرة، فالمرأة الصالحة في الدنيا خير من الحور العين في الجنة. _____________________ (١) أنظر مناقب آل أبي طالب، إبن شهر آشوب، ج٣ ، ص٤١٥.

اخرى
منذ 5 أشهر
354

بروايةِ صنم خُزَاعة!

بقلم: عبير المنظور كنتُ أكبرهم حجماً وأعلاهم شأناً وأرفعهم مقاماً، وضعني أتباعي على سطح الكعبة مع ثلاثمائة وتسعة وخمسين صنماً آخر على عدد أحياء العرب، وكان من اتخذوني إلهًا لهم يتضرعون إليّ لقضاء حوائجهم ويقدمون لي الهدايا والنذور، وكنت أشعر بالزهو والخيلاء حتى على بقية الأصنام، إلى أن أتى ذلك اليوم الذي غيّر كل شيء. إنه يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب بعد ثلاثين عاماً من عام الفيل، جاءت امرأة من بني هاشم تُدعى: فاطمة بنت أسد، وقفتْ بإزاء الكعبة وقد أخذها الطلق، فرمت طرفها نحو السماء وتوجّهتْ بالدعاء: (ربّ إنّي مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب وإني مصدقة بكلام جدي إبراهيم الخليل وانه بنى البيت العتيق فبحق هذا الذي بنى هذا البيت وبحق المولود الذي في بطني لما يسّرت عليّ ولادتي)(١) فعجبتُ واستشطتُ غضباً، مَنْ هذا الرب الذي تدعوه فاطمة؟! ومَنْ يكون هذا الجنين لتدعو ربها بحقه؟! وفي هذه الأثناء رأيتُ أن جدار الكعبة قد انشّق، ودخلتْ فاطمة ثم التصق الجدار مرة أخرى وسط ذهول الجميع، وازددتُ عجباً لأنهم كلما حاولوا فتح باب الكعبة لم يُفتح، وبقيت فاطمةُ ثلاثة أيام داخل الكعبة، وكنتُ خلال هذه الايام الثلاثة أتأمل في سرّ هذه الحادثة العجيبة التي أصبحتْ حديث مكة، وكان يقطع تأملاتي صوت تهليل وتكبير منبعث من داخل الكعبة. وما زاد تعجبي واندهاشي أنّ شَقَّ جدار الكعبة ذاته قد فُتح مرة أخرى وخرجتْ فاطمة تحمل وليدها وقالت أشياء كثيرة، وذكرتْ نساءً لم أعرفهنّ كمريم وآسية، ولكن يبدو أن لهنّ شأناً عظيماً. منذ متى والنساء في الجاهلية لهن شأن؟! وعجبتُ أكثر عندما قالت: (فلما أردتُ أن أخرج وولدي على يدي هتف هاتف وقال: يا فاطمة سمّيه عليًّا، فأنا العلي الأعلى، وأني خلقته من قدرتي وعز جلالي وقسط عدلي، واشتققتُ اسمه من إسمي، وأدّبته بأدبي، ووقفته على غامض علمي، ووُلِدَ في بيتي، وهو أول من يؤذن فوق بيتي، ويكسر الأصنام ويرميها على وجهها، ويعظّمني ويمجّدني ويهلّلني، وهو الإمام بعد حبيبي ونبيي وخيرتي من خلقي، محمد رسولي....)(٢) أوجستُ خيفة من قولها. أيعقل أن هذا المولود سيكسر جميع الاصنام؟! حتى أنا -صنم خزاعة- الموتد بأوتاد من الحديد؟! كيف يحطمني؟!. رغم أني لم اشك للحظة بصدق مقالها، لما رأيته من العجب في أمرها وأمر وليدها، مما جعلني أترقّب بخوف ذلك اليوم. ومرت الأيام والسنون، والخوف في داخلي يكبر من ذلك اليوم الذي سيحطمني فيه هذا المولود. وكَبُرَ عليٌّ، وكبر خوفي معه، فقد كانت فرائصي ترتعد خوفاً كلما جاء عليٌّ إلى الكعبة في صباه برفقة محمد المعروف في مكة بالصادق الأمين، مع زوجته خديجة بنت خويلد، ويؤدّون حركات لا أعرفها، كنتُ أسترق السمع إليهم، فسمعتهم يقولون أشياء كثيرة عن صلاة ودين جديد اسمه الاسلام، وأن محمداً هو رسول الله وخاتم النبيين، وكنت أرى أتباع محمد من المسلمين يتظاهرون حول الكعبة معلنين دين التوحيد، لا يخافون سطوة قريش رغم ما عانوا من التعذيب على إيمانهم برب واحد، ورأيتُ صحيفة مقاطعة قريش لهم على جدار الكعبة، وسمعتُ أنهم هاجروا من مكة إلى يثرب، عندها استعدتُ انفاسي قليلاً... فقد ابتعد عليٌّ عني، ورغم ذلك لا زال بعض الخوف يراودني في قرارة نفسي من أن يحطمني يوماً ما. وفي يوم الثامن من شهر رمضان من عام ٨ للهجرة، وقع ما كنتُ أخشاه، ورأيتُ محمداً وعلياً والمسلمين قادمين نحو الكعبة بعد أن فتحوا مكة، وقام محمد بتكسير جميع الأصنام في الكعبة وأخذ يطعنها بقضيب فيخرُّ كل صنم على وجهه ولم يبقَ من الأصنام إلا أنا. فاضطربت وخفق قلبي بشدة، وإذا بي أرى محمداً يرفع علياً على منكبيه، ويأمره بتحطيمي وهو يقول: (إيه إيه، جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا)(٣) (٤). عندما أحسستُ بقبضة عليٍّ تحاول أن تزعزع كياني، حاولتُ جاهداً أن أقاومه، لكن عبثاً ضاعت محاولاتي في أن أتمسـّك بأوتاد الحديد، ولكن يبدو أن قوة قبضة علي أقوى من الحديد كثيراً، حتى تمكن مني وقذفني من أعلى الكعبة. وأنا أهوي إلى الأرض سمعتهم يهلّلون ويكبّرون، فعاد بي الزمن لواحد وثلاثين عاماً خلتْ، حينما سمعت ذات التهليل والتكبير يوم ولادة علي! فقصتي مع وليد الكعبة بدأتْ بالتهليل والتكبير وانتهتْ بالتهليل والتكبير أيضاً. إنها قصة برواية صنم خزاعة! _____________________ (١) بحار الانوار، ج٣٥، ص٨. (٢) امالي الطوسي، ج٢ ، ص٧٠٦. (٣) سورة الاسراء/ ٨١. (٤) انظر السيرة الحلبية ، ج٣، ص١٢٤.

اخرى
منذ 6 أشهر
346

نبض الطود

بقلم: عبير المنظور جبلٌ ككل الجبال الشوامخ، تعانق قممها عباب السماء رفعة وعلياء، جبل له من الصلابة ما للجبال الرواسي من الثقل والقوة، جبل يثبّتُ الأرض الواسعة بأوتاده العظيمة تحت الأرض (والجبال أوتادا) (النبأ/7)، جبل ليس ككل الجبال، فمادّتُه ليست صخوراً صمّاء، وإنما هي أمر مختلف تماماً، إنه أمر معنوي، لكنه أقوى وأصلب بكثير من الصخور، طود عظيم من أطواد الأمة تنحني البشرية له إجلالاً وإكباراً عند ذكر اسمه، جبل مجلل بالهيبة والوقار ومكلّل بالقداسة اسمه (جبل الصبر زينب). زينب، كتلك الرواسي الشمّاء بعليائها وثباتها وقوتها، إلا إن الجبل يبقى صامداً ثابتاً، لا تتزعزع أركانه، ولا تتصدع جوانبه، مهما زمجرتْ العواصف والأعاصير من فوقه، ومهما اهتزت الأرض وتزلزلتْ من تحته، فكذلك زينب (سلام الله عليها) تسامقتْ لقمم الجبال في الصبر والثبات، وشمختْ كالطور في بيانها المسطور في قدر مقدور في جميع مراحل حياتها نور على نور، إلّا أن جبل الصبر هذا له قلب استثنائي، قلب صبور موقن، مرّتْ عليه أحداثٌ اعتصر لها ألماً، ككل القلوب الحنونة، فازدادتْ خفقاته واضطربتْ نبضاته لهول تلك المصائب. اعتُصِرَ لأول مرة في طفولتها حينما فارقت معدن الوحي ومهبط الرسالة جدها الرسول (صلى الله عليه وآله). وتدكدكَ بشدة وهي لمّا تنفض غبار حزنها على جدها النبي، عندما شاهدت أمها سيدة نساء أهل الجنة تُعصر بين الباب والجدار، ونبت في صدرها المسمار، وسقط جنينها على أعتاب الدار. واعتصرَ أيضاً عندما شاهدتْ أباها وصي الرسول بطل الاسلام وقالع باب خيبر وقد فُلِقَتْ هامته غدراً بسيف مسموم. وتصدّعَ قلبها عندما رأتْ كبد أخيها شبيه الرسول وريحانته وسيد شباب أهل الجنة مسموماً وهو يلفظ كبده في طشت. إلا أن اضطراب قلب الجبل هذا لم يزلزل كيانه، فالجبل يبقى جبلاً قوياً لصلابة مادته الأساس وقوة أوتاده، ولأن سيد الشهداء كان قد مسح عليه بيديه الحانيتين في لحظة دعاء وخشوع وخضوع ودموع: اللهم اربط على قلبها بالصبر، لأن الآتي أدهى وأعظم. إنها كربلاء التي تَزلزلَ الكون لما مرّ بها من أرزاء، فاجعة أبكتْ أهل الأرض والسماء، حيث مصارع الأحبة والأنصار على الرمضاء، ورؤوس مرفوعة على الرماح، وأطفال تركض مذعورة من ألسنة النار وخوفاً من سحق الخيول، وقافلة سبايا من أرامل وأيتام، وشماتة الأعداء في رحلة السبي، ودخول حرائر الوحي ومخدرات الرسالة في مجالس الأدعياء وأبناء الطلقاء. كل تلك الصور التي اعتصر لها قلب جبل الصبر، إلاّ أنها ما رأتْ به إلاّ جميلًا. لله دَرُّكَ يا قلب زينب، كيف رُبِطتَ بالصبر فأصبحتَ نبض الطود الحامد الشاكر العارف الذي رفع ما تبقى من أوصال مقطعة وعظام مهشمة ليشكر القلب قبل اللسان: اللهم تقبل منا هذا القربان. ومرت صور هذه المآسي سريعاً على شريط الذكريات لزينب (عليها السلام) وهي تصارع الموت بين أطباق المنفى في أرض الشام التي عانت فيها ما عانت. واضطرب نبض الطود لهول تلك الصور المؤلمة، إلاّ أن اضطرابه هذه المرة كان مختلفاً، فقد اضطرب الاضطراب الأخير، وتوقـّفَ نبض الطود لتلتحق العقيلة بالرفيق الأعلى صابرة محتسبة، إلا أنها ستبقى ذلك الجبل الشامخ العظيم الذي لا يهتز ولا يتزلزل قيد أنملة مهما ماجت الأرض من تحته، لأنها ثبّتت إيمانها بأوتاد اليقين والتوكل على الله لتصبح جبل الصبر وصرخة الحق ورسالة الإعلام الحسيني الملتزم على مر العصور.

اخرى
منذ 5 أشهر
305

أريج التوبة مع الإمام الكاظم (عليه السلام) (١)

بقلم: عبير المنظور قارورة عطر... في دكان للعطور، كنتُ مع رفيقاتي القوارير أنتظرُ من يشتريني... وفي أحد الأيام اشتراني شاب من أثرى أثرياء بغداد... وكان يبدو عليه الاضطراب، وطيّبَ بعطري ورقة كان مكتوبًا عليها: اسم الله تعالى، وهو يقول (سيدي اسمك ها هنا ملقىً على الأرض؟!)... فعلمتُ أنه وجد هذه الورقة على الأرض، ثم شاهدته وهو يدفن الورقة في إحدى فتحات بيته كي لا تكون في معرض التدنيس مرة أخرى، فعجبتُ من أمر ذلك الشاب المعروف بسوء السمعة والسلوك. وازداد تعجبي أكثر، حينما رأيته في نفس تلك الليلة وقد أخبره قائل في منامه (يا بشر بن الحارث رفعتَ اسمنا عن الطريق وطيّبته، لأُطيّبنَّ اسمك في الدنيا والاخرة)... فصرتُ أترّقب كيف يطيّبُ الله اسم شاب معروف باللهو والفجور وارتكاب المحرمات؟! ومرّت الأيام وهذا الشاب العابث يلهو كعادته بين الغانيات والخمر والقمار وآلات الطرب والمعازف... وفي إحدى لياليه الحمراء، استبطأ جارية له خرجت لترمي النفايات، وسألها عن علّة تأخرها، فأجابت: رأيت رجلًا سألني سؤالا غريبا عنك سيدي، قال لي: سيدك حرٌ أم عبد؟! فعجبتُ لأمره كيف لا يعرفكَ، فقلت له: بل حر. قال لي: (صدقتِ لو كان عبداً لخاف من مولاه). وهنا رأيته قد تغيّر لونه وانتفض راكضاً وراء ذلك الرجل الذي عرفه بِشْر، وعرفته أنا أيضاً من طيب موعظته... إنه الإمام الكاظم (عليه السلام)، فعرفتُ أنه هو الطبيب الرباني الذي حَبَا الله به بِشرا، بأن جعل الإمام الكاظم سبباً لهدايته.... عاش بِشر لحظة الثورة على الذات والانقلاب الروحي بتأمل بسيط بكلمات الإمام، فسمع الموعظة بقلبه فأحيته بلحظة حاسمة ومصيرية، غيّرتْ مسار وواقع حياته، فاتخذ قراره بسرعة وخرج حافياً ليلحق بالإمام ويعلن توبته على يديه الكريمتين تاركًا وراءه غر الشباب وغفلته وثروته وجاهه... وتفرغ للعبادة وأصبح جليساً للعلماء، حتى أصبح بِشر الحافي من كبار الزهّاد والعّباد في عصره... وفعلًا شهدتُ كيف طيّبَ الله اسم بشر في الدنيا قبل الآخرة، حتى توفي في بغداد عام ٢٢٦ للهجرة عن عمر ٧٥ عامًا. نعم أيّها الإنسان... إنه بِشر الحافي الذي طيّبَ اسم الله في الدنيا فطيّب الله ذكره في الدنيا والآخرة، تلك هي المعادلة التي قلبت حياة بِشر. حياة بِشر كحياة العديد من الشباب قبل الكبار، يعيشون الغفلة والابتعاد عن الله، فلا تيأس من رحمة الله وتُبْ، فقد يكون لك عمل خير خالص لوجهه تعالى، يغير مجرى حياتك بتوفيق ذلك العمل وأثره الوضعي في الدنيا. كُنْ كبِشر الحافي... واتخذ في حياتك قارورة عطر معنوي... وطّيب بها نيّتك وأخلاقك وسلوكك وعبادتك مع خالقك وتعاملك مع الخلق خالصاً لله تعالى... وطيّبْ بها صورة دين الله في زمن اختلطت فيه القيم والمعايير وأصبح الإلحاد أقرب إلى الناس من الإيمان... وسترى كيف يطّيبُ الله حياتك في الدنيا قبل الآخرة... فحياتك ومصيرك يحددها ما تختار من قارورة عطر!

اخرى
منذ 5 أشهر
421

تأملات في تراتبية المواليد الشعبانية

بقلم: عبير المنظور شهر شعبان هو شهر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وفيه من النفحات القدسية والعبادات القُربية ما يعمّق الارتباط برسول الله (صلى الله عليه وآله) ضمن سلسلة من التهيئة الروحية تبدأ من شهر رجب شهر أمير المؤمنين (عليه السلام) مرورًا بشعبان شهر سول الله (صلى الله عليه وآله) وصولاً إلى الذروة في شهر رمضان شهر الله تعالى. وللعبادة في شهر الرسول (صلى الله عليه وآله) أجر عظيم، روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «‌قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): شعبان شهري وشهر رمضان شهر الله فمن صام يوماً من شهري كنت شفيعه يوم القيامة، ومن صام يومين من شهري غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومن صام ثلاثة أيام من شهري قيل له استأنف العمل...» (١) ومن أبرز مصاديق تعميق الارتباط برسول الله (صلى الله عليه وآله) هي المودة في القربى التي جعلها الله تعالى أجر الرسالة المحمدية في قوله تعالى في آية المودة: (ذَٰلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۗ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ) (٢) ومن لطائف وأسرار هذا الشهر الفضيل أنه يتضمّن بين طيّات أيامه الغراء ذكرى مواليد عطرة لقربى أهل بيت النبوة لستة من الأقمار الزاهرة وهم بالترتيب: الإمام الحسين والعباس والسجاد وعلي الأكبر والقاسم بن الحسن والحجة المنتظر (عليهم جميعاً سلام من الله ورضوان) ومودتنا لهم هو أهم ما نقدمه للنبي (صلى الله عليه وآله) خاصة في شهر شعبان، مع ملاحظة أن المودة القلبية لا تكفي في إعطاء أجر الرسالة ما لم نشفعه بإيماننا بهم وحسن الالتزام بسيرتهم (عليهم السلام). ولو تأملنا قليلاً في المواليد الخمسة الأولى للاحظنا أنها تخص الشموس الزواهر لأهم شخصيات معركة كربلاء الحسين، معركة الإصلاح، معركة رفض الظلم والاستكبار، معركة بسط العدل في مجتمع ضاعت كل قيمه ومبادئه وثوابته، فكانت ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) رمز الاصلاح على مرّ العصور، وكان دوره أساسياً ومركزياً في نهضة الأمة بعد تقهقرها، وصناعة إنسان رسالي بعد أنْ تشوَهتْ معالم إيمانه، متخبّط الخطى في ظل سياسة القمع والإرهاب والتجهيل من خليفة غرّ نزق شارب للخمر ملاعب للقرود ليُصبح بين ليلة وضحاها خليفة رسول الله وحاكماً للمسلمين! أعادتْ ثورة السبط الشهيد الهمّة في الأمة الخائرة القوى، وأصبحتْ تعرف مسؤولياتها جيدًا في ظل الظرف السياسي والاجتماعي الحرج الذي مرّت به الأمة بعد واقعة الطف. ولم يكن هذا الجانب الاجتماعي المشرق في دور الامام الحسين (عليه السلام) في كربلاء الذي أدّى غرضه في الأمة فقط، فسلوكه الفردي مع أهل بيته وأصحابه كان الوهج الذي استضاءت به الأمة على قرونًا طويلة لتربية أجيالها على أسس الإسلام الصحيحة. ففي كربلاء دروس وعبر لا تنتهي في التعامل مع الأخ أو الأخت أو الابن أو الطفل أو الشيخ أو القربى أو الأصحاب بل وحتى الأعداء، كلها إصلاح في إصلاح. كما تجسّـدت قيم الأخوّة والبطولة والفداء والوفاء والغيرة والحمية في نفس أبي الفضل العباس (سلام الله عليه) فهو بعد أخيه الحسين فضلاً وشرفاً وكرامةً، ودوره البطولي الكبير في الحروب والدفاع عن الإسلام الذي لا يقل بطولة عن أخلاقه العالية والمفاهيم الإنسانية والأخوية التي غرسها في الأمة بعد أخيه خاصة مسألة التعامل بين الأخوة غير الأشقاء، فقد علّمنا العباس (عليه السلام) بحبه وإيثاره بنفسه وإخوته الأشقّاء في سبيل إخوته غير الأشقاء كالحسين وزينب (سلام الله عليهم أجمعين)، علّمنا كيف نجمع الأخوة بدون فوارق، وكيف نذيب الأنانية في نفوسنا وأن نصهرها بحب الله فقدّم إخوته غير الأشقاء على نفسه وأشقائه لأنهم حجج الله على خلقه. ولا يخفى التأثير الكبير في عطاء الإمام السجاد (عليه السلام) بعد كربلاء في ظل الأسر والسبي والتشديد والتضييق والإقامة الجبرية، فلم ينكفئ (عليه السلام) عن الدعوة إلى الله وتربية الأمة في أحلك الظروف، فربّى الأمة بالدعاء والمناجاة والانقطاع إلى الله بالعبادة، فلم تمنعه القيود وأغلال الجامعة والحبس الجبري عن أداء واجبه الرسالي والقيام بدوره في صناعة الإنسان وصناعة أمة واعية تقدر قيمة إصلاح مجتمعها بأي وسيلة متاحة لديه مهما أباد الطغاة أهله وأخوته وبني عمومته، فهو من أكمل مسيرة كربلاء بعد أبيه الحسين بقوة إرادته عن طريق زرع مفاهيمها الحقة في الأمة رغم الصعوبات التي واجهها. وللشباب الملتزم والواعي دوره الكبير في بناء المجتمع الصالح الذي أراده الرسول (صلى الله عليه وآله)، علي الأكبر (عليه السلام) مثال للشاب الذي جعل من إيمانه بالمبدأ نقطة الانطلاق نحو المجد والخلود بحماسة الشباب وعنفوان مشاعرهم، فكانت كلماته الخالدة (لا نبالي أن نموت محقين) (٣) شعار لكل الشباب الرسالي الغيور على دينه ومجتمعه من الانتهاك، وخير مثال على طاعة الوالدين واحترامهم. ومع القاسم بن الحسن (عليه السلام) لنا وقفة مع الأشبال، حيث عّلمنا القاسم على صغر سنه معالم التربية الحسنة والوعي لتحديات الظرف المرحلي وهو ناجم عن الملكات النفسية الخاصة لهذا الغلام واستعداده الكبير لتحمل مسؤولية عجز عنها الكثير من الرجال المتخاذلين عن نصرة امام زمانهم فشع فهبّ القاسم وهو غلام لم يبلغ الحلم ليرسم لنا أروع صور النصرة وبأبهى أشكالها. كل وقفة من وقفات مواليد ابطال كربلاء في شهر شعبان كفيلة بأن ترسم لنا ملامح التربية الحقة على أسس ومفاهيم تعمل أولاً على تهذيب ميدان النفس الأمارة بالسوء لتنطلق نحو الأسرة بجعلها لبنة صالحة في مجتمع يصلح بصلاحها، فننطلق بالتربية والتهذيب من الجانب الفردي إلى الجانب الاجتماعي ولا يخفى تأثير ذلك على الصبغة العامة للمجتمع ورقيه وتطوره بوعي أفراده من أصغرهم إلى أكبرهم. من كربلاء وشخوصها وشواخصها ننطلق بالتدريج نحو الإمام الحجة (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في منتصف الرحلة الملكوتية في هذا الشهر الفضيل -مع ملاحظة أن القمر في منتصف الشهر العربي يكون البدر كاملًا- وربما هو كناية عن كمال الدين وإتمام النعمة في ولادة المنقذ والمخلّص ومهدي هذه الامة الذي سيملأ الارض قسطاً وعدلاً كما ملئتْ ظلماً وجوراً بثورة تصحيحية شاملة، أي عاشوراء أخرى لتصحيح المفاهيم المغلوطة ونشر الوعي ورفض الظلم والاستكبار العالمي الذي أخذ يُحكمْ قبضته ويُحيطُ بأذرعه الأخطبوطية كل مفاصل الحياة من سياسة واقتصاد وإعلام وتكنولوجيا وغيرها لصالحه وأخذ يتحكّم في العقول وتوجيهها نحو مخططاتهم الشيطانية عن طريق التشكيك بالأديان وتوسيع رقعة التيار الإلحادي في العالم، فعلى المنتظِر لإمام زمانه في زمن الغيبة والشبهات أنْ يتسلّح بالإيمان والوعي لنصرة إمام زمانه والتمهيد لظهوره المبارك بعد أن يحصّن نفسه أولاً بالمفاهيم والعِبر التي استقاها من ملحمة كربلاء وشخصياتها الخالدة. وكما نعلم أن شهر شعبان محطة روحية مهمة لتهيئة النفس قبل شهر رمضان المبارك وهو شهر الله الذي دُعينا فيه إلى ضيافته تعالى، فعليه يكون ظهور الإمام المهدي (روحي وأرواح العالمين لتراب مقدمه الفداء) هو تحقيق الوعد الإلهي في بسط العدل على الأرض عندها ستكون البشرية كلها في ضيافة الله وعدله حتى قيام الساعة. ________________________ (١) فضائل الأشهر الثلاثة، الشيخ الصدوق، ص ٤٤. (٢) سورة الشورى/٢٣. (٣) الإرشاد، الشيخ المفيد، ص٢٢٥.

اخرى
منذ 5 أشهر
406