KH750

يومُ تمامِ النعمة

بقلم: خلود الفريجي عبقٌ يتردّدُ في فؤادِ العارفين، ولذّةٌ تهفو لها قلوبُ العاشقين، تحيا في حنايا الروحِ ذكراهُ، فتُحيي به نفوسَ المُخبتين، نفسُ المصطفى قد أصبحَ الوليَّ بأمرِ ربِّ العالمين.. في وهجِ تلك الظهيرةِ لفحتْ نسماتُ الصيفِ في الأرضِ القاحلة وجوهَ المجتمعين في ذلك المكان، وترقّبَتِ العيونُ، ورجفتِ القلوبُ.. كانتِ السماءُ قبلَ الأرضِ تستعدُّ لحَدَثٍ عظيمٍ، واستبشرتِ الملائكة؛ فقد كانت ترى في الملأ الأعلى بشائرَ الرحمةِ وآياتِ الهداية وتمام النعمة، واغتمَّتِ الشياطينُ؛ فقد خابَ سعيُها وحفظَ الرحمنُ دينَه من كيدها.. كان الربُّ الرحيم يُهيئُ تلكَ الروحَ الاستثنائية منذ نشأتِها، الطاهرة في كلِّ ذراتِها، المميزة في كُلِّ جنباتها. وفي حجةِ الوداع أمرَ نبيه بأنْ يكونَ لمدينةِ علمِه بابٌ يقصدُه الطالبون لينهلوا منه كُلٌ على قدرِ وعائه، وبأنْ يروي الظمأ قبل الرحيل ويُرشدهم إلى غديرِ التوحيد علي بن أبي طالب، من سقاه من غديره شربة الولاية لن يظمأ بعدها أبدًا.

اخرى
منذ شهرين
125

اضطراب

بقلم خلود الفريجي إنّها تلك الأيامُ التي يبدأُ فيها الألمُ يتسللُ إلى النفسِ رويدًا، فتظنّ أنّك تشعرُ بالكآبة أو الإحباط، ثم تعلم ما ألمّ بك عندما تبدأ تلوحُ في الأُفُقِ غيومُ الأحزانِ المُثقلة بالوجع، تلك التي إذا أمطرت من عيونِ العاشقين دموعًا لؤلؤية غسلتْ أرواحهم بطهارةِ عشقِ الحُسين (عليه السلام) انظرْ بعينِ القلبِ؛ فقد نشرت الملائكةُ قميصَ الحُسين (عليه السلام) الذي مزقته السيوفُ والرماحُ، هل ترى كم فيه من الطعنات؟! في صدره طعنةٌ، في قلبه طعنةٌ، وأخرى في كبده، وأخرى وأخرى، هل ترى؟ فعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "أُصيبَ الحُسينُ بن علي (عليه السلام) ووجدَ به ثلاثمائةٍ وبضعٌ وعشرون طعنةً برمحٍ، أو ضربةً بسيفٍ، أو رميةً بسهم" هل تساءلتَ يومًا: لماذا قّدم الحُسين (عليه السلام) كُلَّ ما قّدمَ وهو أكثرُ من أنْ تختزلَه الكلماتُ أو تُحيطَه العبارات؟ ما فعل إلا لكي يصلَ إليك الدين الحق، ولا تزل قدمك عن الجادة كغيرك.. فانظر أين أنت من الحُسين (عليه السلام)؟ وانظر بماذا جزيته؟ وهل جزاءُ الإحسانِ إلا الإحسان؟! غريبٌ كيف يُعشقُ فيك الألم؟ وتتنفسُ الزفراتُ اختناقَ الشجن؟! عجيبٌ كيف يُلتذُّ باضطرابِ القلوب لذكركَ أيُّها المرتهن؟! هو الوعدُ، وعدُ السماءِ بنصرِك مهما طال الزمن فسلامٌ على قلبِك المفجوع يا صاحب الأمر

اخرى
منذ شهر
121

قصةُ ما قبلَ النهوض/ ١

بقلم: خلود الفريجي عندما رجعتُ من المجلسِ سألتني: هل كانتْ مولاتي فاطمة هناك؟ استغربتُ لهذا السؤال لوهلة، وحيثُ تعوّدتُ أنْ أغرسَ في طفلتي القيمَ كُلَّما سنحتْ فرصةٌ لذلك، فقلتُ: - حبيبتي لقد كانتْ حاضرةً بروحِها؛ فالأمُّ لا تتركُ ولدَها، فهي ترعاه ولو من بعيد، وإنْ ماتت تظلُّ روحُها تحومُ حولَ وليدِها.. هكذا هي الأمُّ . - هل رأتِ الحسينَ (عليه السلام) وهو يرى إخوته وأولاده يموتون واحدًا بعدَ الآخر؟ - (قلتُ بحسرةٍ): نعم كانت هناك ترى قلبَه الحنونَ يعتصرُه الألمُ فتحزنُ أضعافَ حزنه.. - وهل كانت هناك عندما كان عطشانًا هو وأهل بيته وأطفاله! - وهل كانت هناك عندما بقيَ وحيدًا بلا ناصر؟! وهل كانت هناك عندما قطعوا نحره ووطئتْ حوافرُ الخيلِ صدرَه، ورفعوا رأسه على الرمحِ وسبوا حرائر رسولِ الله (صلى الله عليه وآله)؟! - قلت -ولم أتمالك دموعي- نعم، كانت هناك.. فصُعِقَت لجوابي وصرختْ: مولاتي فاطمة! أيُّ حزنٍ أصاب قلبكِ لمصابِ حبيبكِ الحُسين، وأجهشت بالبكاء حتى نامت. وعندما استيقظتْ قالت لي بكلمات حازمة: - سوف تقصين عليّ كُلَّ يومٍ حكايةً عن الحسين (عليه السلام)؟ يجبُ أنْ أعرفَ إمامي؛ فقد رأيتُه في منامي يوم أمس يُعاتبني لتقصيري، وعلى الرغم من حزني لعتابه فإنَّ قلبي يشعرُ بالفرحِ العارمِ لرؤيةِ قسماتِ وجههِ الملائكي، ولما غمرني به من نورِ رحمتِه.. - فقلتُ: نعم حبيبتي هذا عهدُنا مع الإمامِ الحسين (عليه السلام) من اليوم فصاعدًا سيكونُ لنا كُلَّ يومٍ حكايةٌ معه (سلام الله عليه).

اخرى
منذ شهر
126

قصةُ ما قبلَ النهوض/ ٢

بقلم: خلود الفريجي شهقتْ شهقةً كادتِ السماوات أنْ يتفطرنَ منها! ماذا رأت عيناها؟ خيامٌ محروقةٌ، أطفالٌ عُطاشى لم يُروَ غليلُهم منذُ أيامٍ! ها هي طفلةٌ مذعورةٌ تركضُ حافيةً جرحتِ الأشواكُ قدميها الغضّتين وما شعرت بهما! وها هُنا طفلةٌ سحقتْها حوافرُ الخيلِ وهي تحضنُ أختها.. وأخرى مرعوبةٌ لما ترى؛ جُثثٌ مُضمّخةٌ بالدماءِ، مقطوعةُ الرؤوس، نساءٌ فاقداتٌ ثكالى، ليس هذا من فعلِ بني البشر، بل هم ذئابٌ مُتعطشةٌ للدماء.. رجعتْ بها الذاكرةُ إلى ذلك اليوم، حيثُ كانت تنتظرُ قُرّةَ عينِها، الذي حملته بين أحشائها، وأخذت تعدُّ الأيامَ حتى تحملَه بين ذراعيها، وتغدقَ عليه من عطفِها. وعندما أتى اليومُ الموعودُ أشرقتِ الشمسُ في ذلك الصباح على يومٍ ليس كباقي الأيام، حيث ولدت سيدةُ النساءِ (عليها السلام) مولودها الثاني، ذكرًا كفلقةِ القمر، يُجلِّلُه النورُ، ويُحيطُ به البهاء، فتهلّلَ وجهُ خاتمِ الأنبياءِ (صلى الله عليه وآله) وأخَذَهُ بيده، والبسمةُ لا تُفارِقُ ثغرَه الشريف.. ولم تمضِ إلا لحظاتٌ حتى غطّتْ غمامةُ الحُزنِ وجهَهَ الشريف، فبدت على مُحيّاه علاماتُ الألمِ، فانقبضَ قلب فاطمة (عليها السلام)؛ فقد أحسَّ فؤادُها بأمرٍ جلَل، وانتظرت وهي تنظرُ إلى عيني أبيها المغرورقة بالدموع عسى أنْ يُخبِرَها ما الأمر، ثوانٍ بَدَتْ كأنّها دهورٌ وهي تنتظرُ، قال: "أتاني جبرئيل فأخبرني أنّ طائفةً من أمّتي ستقتلُ ابني هذا"(١) فهل هذه وصيةُ رسولِ الله في أهلِ بيتِه؟! ألم يسمعوا قولَه (صلى الله عليه وآله): "هذا الحسينُ بن عليّ خيرُ الناسِ جدًّا، وخيرُ الناسِ جدّةً؛ جدُّه مُحمدٌ رسولُ الله، سيّدُ النبيّين، وجدّتُه خَديجةُ بنت خويلد، سابقةُ نساءِ العالمين إلى الإيمانِ بالله ورسوله. هذا الحُسينُ بن عليّ؛ خيرُ الناسِ أبًا، وخيرُ الناسِ أُمًّا؛ أبوه عليّ بن أبي طالب، أخو رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ووزيره، وابنُ عمّه، وسابقُ رجالِ العالمين إلى الإيمانِ بالله ورسوله. وأُمُّه فاطمةُ بنتُ محمّدٍ، سيّدةُ نساءِ العالمين. هذا الحسينُ بن عليّ: خيرُ الناس عمًّا، وخيرُ الناس عمّةً؛ عمُّه جعفر بن أبي طالب، المُزيَّنُ بالجناحين يطيرُ بهما في الجنّة حيثُ يشاء. وعمّتُه أُمُّ هانئ بنت أبي طالب. هذا الحُسينُ بن عليّ؛ خيرُ الناسِ خالًا، وخيرُ الناسِ خالةً؛ خالُه القاسمُ بن محّمدٍ رسولِ الله. وخالتُه زينبُ بنت محّمدٍ رسول الله. هذا الحُسينُ بن عليّ، جدُّه وجدّتُه في الجنّة، وأبوه وأُمُّهُ في الجنّة، وعمُّه وعمّتُهُ في الجنّة، وخالُه وخالتُه في الجنّة، وهو وأخوه في الجنّة"(٢) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١ كتاب كشف الغمة ٢ مختصر تاريخ دمشق لابن منظور

اخرى
منذ شهر
111