Profile Image

نورا كاصد العبودي

آثار ٌراحلة

بقلم: نورا گاصد العبودي تزهرُ أمّي في جميعِ المواسم.. حتّى عندما تذبُلُ أوراقُها، كانتْ تورقُ وتخضرُّ وتنمو من جديدٍ؛ فهي جوريةٌ بجدارة.. كانتْ تجمعُ الأشياءَ اللطيفةَ وتُخبِئها للانهاية.. تكوّنتْ صفاتُها من شجرةِ اللطافةِ.. رقيقةٌ كنسمةِ الصباحِ على نافذةٍ يصدأ زجاجُها من الخُذلان.. شديدةٌ أمامَ الظروفِ .. رحيمةٌ علينا بكُلِّ الأوقات.. تدّخِرُ في صندوقِها كُلَّ شيءٍ ثمين.. منديلًا قديمًا جدًا لكنّه ناصعُ البياضِ كقلبِها، وقدحَ شاي نقيٍ كسريرتِها خُدِشتْ إحدى أركانه بسببِ طولِ عمره.. وإطارَ صورةٍ مُهترئ.. وأزرارَ قميص.. تجمعُ العطورَ من ثيابِ أبي وتضعُها في قارورةٍ وتركُنُها في ذاتِ الصندوق .. غالبًا ما كُنتُ أشعرُ أنّها تدفنُها في ذاتِها؛ لأنّ ذلك العطرَ ملأ كيانَ أُمّي! في كُلِّ صباحٍ كانتْ أُمّي تُخرِجُ ذكرياتِها من ذلك الصندوقِ المُعلّقِ على رفِّ الأيامِ العسيرةِ، وتُطلِقُ تنهيدةً عميقةً بعُمقِ صعوبةِ الليالي الماضية.. كانتْ تُرى ابتسامتُها وهي تُغادِرُها بخِلسةٍ على طُرُقِ الحياةِ المفروشةِ بالأشواك.. تجمعُ آثارَ أقدامِهم المُتجمِّدة على عَتَبةِ دارِها.. راحلةٌ هي ومُخلِّفةٌ داخلها حيرةً ويأسًا شديدين! تزفرُ غبارَ الأمسِ وتعودُ لقوقعتِها وتغلقُ البابَ جيدًا .. وتجلسُ أمامَ الرف! تَعدُّ الليالي المُقفرة والأرواحُ المُرهقة التي صادفتْها .. تُغمِضُ عينيها بكلتا يديها وتُطلِقُ صوتًا مهزوزًا.. لم يُجمِدْ بردُ ديسمبر أوتارَ حُنجرتِها .. حتى عندما جلستِ الوحدةُ أمامَ ألمِها تقصُّ عليها مُنجزاتِها وما فعلتْها بالوحيدين.. اعتادتْ أُمّي على السيرِ بالأنفاقِ المُظلمةِ بثقةِ رجلٍ شجاع فقدَ كُلَّ شيء؛ لأنّ الفاقدَ برأي أُمّي شجاعٌ فهو ما عادَ يملكُ شيئًا ليخسره .. تتكأ على عُكازِ الصبر.. ترمقُ الفشلَ من بعيدٍ يتكأ على حُطامِ المُنهزمين ويبتسمُ كأنّه يُناديها تهزُّ برأسِها وترفعُه عاليًا وتسيرُ بأملِ أنَّ الغدَ الذي يُعيدُ الراحلين سيُطرِقُ بابَها مؤكدًا..

القصص
منذ 7 أشهر
255

# ترانيم الانتظار

بقلم: نورا كاصد العبودي تهزمُك تفاصيلُ الرياحِ الصغيرةِ وتغلقُ النوافذَ بوجهِ أملِك الوحيد.. تودُّ حينَها لو أنّك تهرم.. تسقط.. وتتلاشى.. لكن تذكّرْ جيدًا أنَّ هناك نافذةً مفتوحةً وبابًا لم يغلق.. لك موعدٌ تلقاه يومَ الجمعةِ رغمَ المستحيل .. # ترانيم الانتظار

اخرى
منذ 5 أشهر
293

الضيفُ ذو السبعةِ أرواح

بقلم: نورا گاصد العبودي أباحَ البحرُ لموجِه قتلي، فقطعَ أشرعتي، وهوَتْ أركاني، وبانتْ جِراحي حتى قفزتْ تعلو فوقَ صدري مأساتي.. غطسَ النهارُ في صحنِ الليل، وبانتْ أطرافُ الأخير! دخلَ القمرُ والنجومُ من حولِه إلى قلبِ السماء، وسادَ صمتٌ رهيبٌ.. طُرِقَ بابُ بيتي ليلةَ أمس طرقةً قويةً، ثم أُردِفتْ بالثانيةِ، وقبلَ أنْ تتمَّ الثالثة نهضتُ فزعةً وفتحتُ البابَ ووقفتُ خلفَه.. وإذا بأحدِهم يُلقي السلامَ، رددْتُ التحيةَ وصمتُّ! قال: هل لي أنْ أدخلَ داركِ؟ قلتُ: من تكونُ يا سيدي؟ قال: أنا الذي يسكنُ جوفَ كُلِّ من جعلَ المصائبَ ترافقُه.. أنا من يجلسُ بجانبِ كُلِّ من ينظرُ إلى الناسِ ويقول لنفسه: لِمَ لم أفرحْ مثلهم؟!.. وجهي يخلو من البهجةِ تمامًا.. ارتدي السوادَ، وأمتطي جوادَ كُلِّ مُتفائلٍ.. أنا خيالُ كُلِّ من يرى نفسَه وحيدًا لا سندَ له في الحياة.. أتقمّصُ دورَ المسكينِ لكُلِّ شخصٍ يشعرُ أنّه مظلومٌ وأُعشْعِشُ داخلَ عقلِه.. أقتاتُ على رُفاتِ فاقدي الأمل، أنهشُ ما تبقّى منهم.. أصدقائي هم المُتذمرون والمُتشائمون.. أدخلُ البيوتَ فيعمُّ السكونُ فيها، وتطفأُ أنوارُها، وتتلبّدُ وجوهُ أصحابِها بالسُحُبِ الكثيفة، وهيهاتَ أنْ تُمطِرَ قطرةَ أملٍ واحدةٍ في حضوري.. نظرَ لي بعُمقٍ وقال: أنا من قتلتِني ثلاثَ مراتٍ، لكن ما زلتُ أحيا في قلبكِ! أنا البُكاءُ الذي يملأُ روحَكِ الآن! أنا رفيقُكِ بعدَ كُلِّ خيبةٍ، والواقفُ في جانبِكِ عندَما يدعكِ الجميعُ وتنفردين بوحدتك.. أنا العُتمةُ التي تملؤكِ.. وانهياراتُ روحِك.. ونفادُ صبرِكِ في الشدائد.. أنا الدمعةُ المُتلألئةُ أسفلَ جفنيكِ.. أنا كُلُّ خساراتِكِ.. أنا انتقاداتُ الآخرين لتصرفُاتِكِ.. أنا الرفيقُ الوحيدُ لكِ.. أنا الروحُ الرابعةُ التي ستخلُدُ.. أنا حُزنُكِ الأبدي.. أنا ذو الأرواحِ السبعة! كُلّما قتلتِ روحًا، نبتتْ لي روحٌ أُخرى من بينِ ثقوبِ قلبِكِ! قلتُ: معذرةً يا حزن، لكن من قالَ لكَ: إنّي أنا الحزينةُ، اليائسةُ، القانطةُ، المسكينةُ، المُنكسرةُ، الخاسرة! لم أجثُ على رُكبتي أمامَكَ أو أشكُ منك.. ولم أدعْكَ تراني مدفونةً ضمنَ إطارِ صورةٍ عمرُها سبعون عامًا. لن أجعلك ترى أنفاسي المُتقطعةَ التي تلفظُ بقاياها على استحياءٍ هاربةً دونَ عودةٍ.. لن ترى كومةَ الحصى التي تتلاطمُ فيما بينها، ترِنُّ في خافقي وتجعلُ روحي تئنُّ وتزفِرُ صرخاتٍ ونداءاتٍ راحلةٍ.. لن أسمحَ لكِ أنْ تقفَ على كومةِ حُطامٍ أنتَ صنعتَها في داخلي! وأنا كُلّما شعرتُ بك أسندتُ وجهي للجِدارِ لتختبئ عيناي فيه منك.. منذُ زمنٍ أصبحَ قلبي كالصبّارِ خشنَ الملمسِ، يعيشُ في كلِّ الظروف.. وهذا ما جعلَ الأشواكَ تظهرُ على راحةِ يدي.. حتى خُطُواتي مُنتبهةٌ لكُلِّ العثراتِ التي تضعُها في طريقي! وباتتْ تعدُّ الواحد، والاثنين، حتى تصلَ خطواتي الألفَ ميل.. أما عن ابتسامتي فاستطعتُ أخيرًا أنْ أحصُلَ على قلمِ تلوينٍ وأنا الآنَ أخطُّها بكُلِّ شجاعة.. رافقتُ نجمةً وأنا الآن مُضيئةٌ جدًا.. صمتَ الحُزنُ، وتراجعَ إلى الخلفِ عندَما رأى صلابتي حيثُ أخذَ المساءُ يخلعُ رداءَه ويسلِّمُه للفجرِ، وبدأ صوتُ الأذانِ يرتفعُ من المساجد.. فتلاشى الحُزنُ وهربَ من النافذة.. حملتُ حقيبتي، وسرتُ في طريقٍ تتكوّرُ فيه طيورُ الأملِ، وتُرفرِفُ بأجنحتِها فوقَ رأسي، كأنّها تُسبِّحُ للهِ (سبحانه وتعالى)، مُحدثةً ضجّةً تبعثُ في قلبي الاطمئنان، وتُنعِشُ أركانَ روحي، وتُرمِّمُ جِراحاتي بسماعِ صوتِ القرآن.. والأهمُّ من ذلك كُلِّه أنّها قتلتْ روحَ الحُزنِ الرابعة.. ها هو الصباحُ آتٍ، فاليومَ أفضلُ.. وغدًا أجملُ بإذنِ الرحمن.

اخرى
منذ 7 أشهر
281

رحلةُ العِشقِ

بقلم: نورا كاصد العبودي سمعتُ أنه سيُقامَ حفلٌ كبيرٌ غدًا، كم أتمنّى لو أحضر وأشاهد عن كثبٍ كيفَ سيكونُ شكلُ هذا الاحتفال؟ دسستُ صواعَ حُبِّك تحتَ وسادتي، وفي رحلِ روحي أخذتُ أطوف، ساقني الحلمُ أصبو في الوصولِ إليك، أرجو الصفحَ وأطلبُ عونًا! أسيرُ وأعلمُ أنّك من خطّطتَ لي الدروبَ ومهّدْتَ لي مسالكَها، وجدتُ أمامي باقةَ وردٍ فانحنيتُ أشمُّ عبيرَها، تبّسمتْ لي وقطعتْ من غصنِها أجملَ ما فيه وأهدته لي قائلةً: - اعطِهِ لمن تتوقُ عيناكِ لإدراكه... أخذتُها ورفعتُ رأسي للسماءِ شاكرةً، ركضتُ، وركضتُ مُسرعةً.. صادفتني الفراشاتُ تنثرُ ألوانَها وكأنّها لم تكنْ بالأمسِ لها، ألوان سرمدية ممزوجة بلونِ لؤلؤةٍ زرقاء.. تناولتُ قارورةً من على ظهرِ الشمسِ وملأتُها ألوانًا من طيفِها فقالت: اُنثُره في باحةِ دارِ الحبيب... هممتُ بالمسيرِ وكأنّ لي وقتًا مُحدّدًا، والأملُ يسيرُ أمامي وعيناهُ تقدحُ شوقًا، توقفنا عند شاطئ الحياة! - كيف أعبر؟ جلستُ أُفكِّرُ، وسألتُ الأملَ: - كيفَ لي الوصول؟ جلس إلى جانبي يندُبُ حظَّه! انقشعَ غبارُ تفكيرِنا عن بعضِ النوارسِ الجميلةِ لكن بلونٍ ذهبي! إنّها تختلفُ عن كُلِّ أقرانِها، اقتربتْ منّا وفرشتْ لي أجنحتَها وحملتني مع رفيقي إلى الضِفّةِ الأخرى وأهدتني ريشةً ذهبيةً... شكرتُها كثيرًا، فقالتْ لي: - قدّميها نيابةً عنّي للأمير... حملتُها وواصلتُ طريقي بكُلِّ هِمّةٍ، أنضحُ عشقًا.. وصلتُ وإذا ببستانٍ يحرسُه شيخٌ كبيرٌ مع قطيعِ أغنامِه سمعتُ صوتًا من بعيدٍ، اختفتِ السيّدةُ قالَ الشيخ: - ستظهرُ بعدَ حينٍ حاملةً الشمس بيمينها! لم أسألْه وواصلتُ مسيري نحوَ مُنيتي ورجائي.. التقيتُ بامرأةٍ طاعنةٍ بالسّنِّ بشوشةِ الوجه باسمةٍ تحملُ بينَ يديها شموعًا مُتقدةً سألتني بلهفةٍ: - أتقصدين من ولدتْه الكعبةُ؟ - نعم سيّدتي.. غمرتْها المسرةُ وناولتني شموعًا غيرَ التي بيديها وقالت: - أوقديها في ضريحِه نيابةً عنّي.. أخذتُ منها الشموعَ، وبكيتُ وقلتُ في نفسي: - وأخيرًا بانَ عن مقصدي الغمام، وانكشفَ للناسِ سرّي وانجلتِ الأوهام.. سرتُ هذه المرةَ والأملُ مُلاصقٌ لي وكفُّه بكفّي.. وصلنا المدينةَ فسمعتُ مُناديًا يُنادي أن اخلعْ عنك كُلَّ حزنٍ؛ إنّك في ضريحِ النور الطاهرِ المُطهّر علي بن أبي طالب، بعلِ البتول، وابنِ عمِّ المصطفى الرسول، ووالدِ السبطين (عليهم أفضل الصلاة وأتمّ التسليم).. وجدتُ قلوبَ المُحبّين وقد قصدوه من كُلِّ حدبٍ وصوبٍ، أوقدتُ الشموعَ ونثرتُ الألوانَ والعطورَ، وعلّقت في بابِه ريشةً من جناحِ نورسٍ عاشقٍ ملهوف.. مولاي كانَ كُلُّ همّي أنْ أصحوَ من حُلُمي وقد فُتِّتَ قلبي خبزًا لترفعه أيدي مُحبيك من الأرض، يرمونه في صحنِكَ الطاهر.. احفظْ قلبي عندَك يا مولاي..

اخرى
منذ 6 أشهر
204

قيودٌ مُتحيّرة

بقلم: نورا كاصد العبودي بعدَ تبادُلِ الاتهامِ الذي حصلَ بينَ الجُدرانِ والظلام في طامورة السجّان، جاءَ دورُ القيودِ عندَما سقطتْ مغشيًا عليها في حضرةِ الإمام (عليه السلام)، وأخيرًا تمالكتْ نفسَها وعادتْ لقواها، نهضتْ بكُلِّ هزائمها! جاءتْ تسحبُ خلفَها سلاسلَ خيبتِها بعدَما أراقتْ دموعَ مُقلتيها كشمعةٍ أحرقتْ أوصالَها لتضيءَ حلكةَ الظلام، ارتقتْ منبرَ الصمتِ وأخذتْ قلمًا وبدأتْ تكتبُ على ورقِ عمرها.. بعد التحية.. أما اسمي فهو قيدٌ يخنقُ ويُميتُ، فما بالك لو اجتمعتْ قيود! وجهي أسودُ وقبيحٌ كقباحةِ فعلي، قلبي قاسٍ جدًا لا يلينُ ولا ينطوي! عمري طويلٌ، ولا أملكُ الأمر بانتهاءِ صلاحيتي، قويةٌ كالحرب، كنتُ أمارِسُ كُلَّ نشاطي بكُلِّ حُريةٍ وتمرُّد، أسيطرُ على أيدي أعدائي وأخنقها بكُلِّ جرأةٍ، أحفرُ فيها شروخًا، وأُحدِثُ ندبًا وأبتسم! أعبرُ من خلالِها بحورًا تارةً أقعُ فيها وأُخرى أنهضُ، أخطُّ نهرين وأحفرُ وديانًا.. كُنتُ أتصيّدُ الفُرَصَ، فكُلّما أمرني أحدُهم أن أُضيّقَ خناقي أتمرّدُ أكثر وأبغي، أُصبِحُ عنيدةً وأتفرّدُ بقسوتي لا يؤودني حملُ شيء.. كُنتُ أتميّزُ عن غيري دائمًا؛ فأنا الأكثرُ شُهرةً في تعذيبِ السُجناء! فلا يسلمُ سجينٌ من قبضتي.. وصلتُ صُدفةً ليدٍ لا أعرفُ صاحبَها بعدُ، لكن ما إنْ أطبقتُ بكلتا يديَّ على يديه ورجليه حتى شعرتُ بشعورٍ غريبٍ، ارتجفَ جسمي وخارتْ قواي واصفرّت قدماي.. وبدأ قلبي بالتفتُتِ كادَ أنْ يندثر، بل كاد أن يستحيل دُخانًا... هل كُنتُ أفرِّقُ بينه وبين ماءِ الوضوء، أم طويتُ يدي مولاي وأوجعتُها؟ سؤالٌ طالما دقَّ ناقوسُه رأسي بعدَما عرفتُ أنّي بيدي إمامٍ من أهلِ بيتِ من أُسري به إلى السماء، ومن وصفَهم الخالقُ بمرجَ البحرينِ يلتقيان، من ولدِ فاطمةَ الزهراء وعلي المرتضى (عليهما السلام).. وقتلني الندمُ لذلك، بكُلِّ صرخةٍ تصدرُ منّي يصدأُ جزءٌ من أجزائي! لم يكنْ (سلام الله عليه)، يصرخُ بل لم يئنْ يومًا، كان ساجدًا، راكعًا صبورًا وشاكرًا، لم يُسمَعْ له صوتٌ في قعرِ السجونِ غير صوتِ الصلاةِ وقراءةِ القرآن.. ثمّةَ أسفٌ يسكنُ روحي التي ما تزالُ قابعةً في طُرُقاتِ التشتُتِ وعدمِ المعرفة؛ فقد كانتْ لي عينٌ أغرتْها صلابةُ كونِها حديدًا لا تُخدَشُ ولا تُكسرُ.. وبعدَما ظننتُ أنّي تهتُ بخارطةِ الأوهامِ تملّكتْني رحمةُ الخالقِ الديّان بالمغفرةِ والرضوان.. سادَ صمتٌ رهيبٌ من الظلامِ والجُدران، فتابعتْ القيودُ: إذ غفرَ لي الإمامُ الكاظمُ (عليه السلام)، فهجرَ قلبي حُبَّ القسوةِ وذاقَ طعمَ الرحمةِ في جِواره، وتخلّيتُ عن كوني صلبةً بعدَما كُنتُ في غفلةٍ محضة، عاجزةً إلا عن أذيةِ كُلِّ من وقعَ في أسري، ولطالما اعتقدتُ أنّ القوّةَ هي المُنتصرةُ لكنّي كُنتُ أنا المُخطئة.. انعقدَ حُبُّ مولاي بقلبي في الدهاليزِ المُظلمة، وأخذَ بيدي إلى بَرِّ الأمانِ وعبرتُ معه شواطئ الرحمةِ والتسامُحِ والنسيان، وتعلّمتُ منه كيفَ للإنسانِ أنْ يكونَ إنسانًا، وكيفَ للحديدِ أنْ يملكَ اسمًا آخر وعنوانًا.. والآنَ يا جُدران ويا ظلام كُلُّ ما لدي من أحلام أنْ أولدَ من جديدٍ وأكونَ سيفًا بيدِ حفيده، أُقاتِلُ براثنَ الشرِّ وبواطنَ الطُغيان.. والسلامُ على المُعذَّبِ في قعرِ السجونِ، ويتبعُه سلامٌ على حفيدهِ المُنتظر الهمام وطلبٌ منه بأخذِ الثأرِ من كُلِّ الظالمين.

اخرى
منذ 6 أشهر
333

# ترانيمُ الانتظار

بقلم: نورا كاصد العبودي أكتبُ عن غيابِك كثيرًا.. أملأُ الصفحاتِ البيضاءَ، بعضُها يُمزِّقُها الدمعُ القاسي والبعضُ الآخر يشكو غلظةَ المُفرداتِ فوقَ كتفه.. فأنا ووريقاتي نُعاني! الجميعُ أفلتَ يدي.. لا تفلتْ أيدينا يا مولاي فيأكلنا غبارُ النسيانِ ونُركنُ فوقَ رفوفِ الأيامِ التعيسة.. # ترانيمُ الانتظار

اخرى
منذ 5 أشهر
343

فلسفةُ الصيام

بقلم: نورا كاصد العبودي أولًا: العبادة يتقمّصُ البعضُ أدوارًا كثيرةً، مُلتجئًا إلى التمثيل، ناسيًا ما يكتسبُه من الآثامِ في اتخاذه شخصياتٍ عديدةً؛ فالكذبُ خطيئةٌ، وتقاضي الرشوة ذنبٌ، وغيرُهما ممّا يمرُّ عليه بحياته. يغوصُ في هذه الدنيا دونَ أنْ يجدَ الشاطئ الذي ترسو عليه أحلامُه، فيحملُ من ذنوبِها كُلَّ ما يقعُ أمام ناظره، ويغفلُ عن العبادةِ وأصولها وأهمّها (الصيام)، الذي يغسلُ كُلَّ معاصيه ويُربّيه على مدارِ شهرٍ كاملٍ على الإنصاتِ للصدق والتمسُّكِ باللقمةِ الحلال.. حاشاك أنْ تُفلِتَ يدًا تمسّكتْ بك يا ذا الجلالِ والإكرام.. ربّنا أمطِرْ علينا وابلَ رحمتِك إنّك أنتَ أرحمُ الراحمين.. العبادةُ لُغةً واصطلاحًا: أصلُ العبادةِ لُغةً: الخضوعُ والتذلُّلُ، والعبدُ: المملوكُ ضدّ الحُر، والجمعُ: عبيدٌ ... طريق مُعبّد: أيّ مُذلّل بالوطءِ قد أثَّر الناسُ فيه ...(١) والتعبيدُ: الاستعبادُ: وهو اتخاذُ الشخصِ عبدًا... (٢) ، و(عَبَدَ بفتح الباء: بمعنى ذلّ وأطاع، وعَبِدَ من الشيء بكسر الباء: أنِفَ، وعَبِدَ: غَضِبَ)(٣). كُتِبتِ العبادةُ على الناسِ تمييزًا لهم، ولكي يُعلنوا استقالتَهم عن الذنوبِ والآثام، وسندًا لهم لمواجهةِ النفسِ الأمّارةِ بالسوء، وتدريبِها على معرفةِ الخالقِ (تعالى)، وعلى قيادتِها في طريقِ الإيمانِ به، وعلى العملِ بتعليماته والابتعادِ عن كُلِّ ما نهى عنه (سبحانه)؛ للارتقاءِ والرفعةِ والوصولِ على المُرادِ: الجنةِ ونعيمِها الدائم، فنجدُ أنّ كُلَّ ما فرضَه اللهُ (سبحانه وتعالى)، هو ليُدرِكَ الإنسانُ ما له وما عليه. أمّا في الاصطلاح: فتُعرّفُ العبادةُ الشرعيةُ بأنّها الانقيادُ والخضوعُ لله (تعالى)، مع التقرُّبِ إليه وما شرّعَ من محبته. إنها تنظيم علاقة العبد مع ربه وخلقه. وقد جاءَ هذا التنظيمُ لكُلِّ جوانبِ الحياة، بتشريعٍ وافٍ، نظرَ الله (تبارك وتعالى) فيه إلى فطرةِ الإنسان، وإلى استعداداتِه وطاقاتِه، وعلمه بمآله ومصيره، وما يسعده في حياته وبعد مماتـه، فشّرع له نظاما ومنهجا كاملا لكل جوانب حياته(٤). ومن أهمِّ هذه الأنظمةِ، نظامُ العباداتِ في الإسلام، ذلك أنَّ للعباداتِ دورًا كبيرًا في الإسلام، وأحكامُها تُمثِّلُ جُزءًا مُهمًا من الأحكام الشرعية، والسلوكُ العبادي يُشكِّلُ ظاهرةً ملحوظةً في الحياةِ اليوميةِ للإنسان المُتديّن، ونظامُ العباداتِ في الشريعةِ الإسلاميةِ يُمثِّلُ أحدَ أوجهِها الثابتة، التي لا تتأثّرُ بطريقةِ الحياةِ العامةِ وظروفِ التطوّرِ المدني في حياةِ الإنسان، إلا بقدرٍ يسيرٍ، خلافًا لجوانبَ تشريعيةٍ أخرى مرنةً ومتحركةً، يتأثُّرُ أسلوبُ تحقيقِها وتطبيقِها بظروفِ التطوّرِ المدني في حياةِ الإنسان، كنظامِ المُعاملاتِ والعقود(٥). وانطلاقًا من هذه الأهميةِ فقد شرّعَ الإسلامُ أنواعًا مُتعدّدةً من العبادات، من أجلِ تزكيةِ النفسِ البشريةِ، وربطِها بخالقِها في كُلِّ أحوالِها، وهي على نوعين(٦): ١- عباداتٌ قلبيةٌ: ومُستقرُّها القلبُ، كالإيمانِ باللهِ وتوحيدِه، وحُبِّ اللهِ ورسولِه، والتوكُّلِ على الله، ورجاءِ رحمتِه، وخشيةِ عذابِه، والتفكُّرِ في قُدرةِ اللهِ وعظيمِ صفاتِه...إلى غير ذلك من المعاني والأحوالِ القلبيةِ التي أمرَ اللهُ (تعالى) المؤمنَ أنْ يسعى إلى تحصيلِها. ٢- عباداتٌ عمليةٌ: وتشملُ أركانَ الإسلام، كالشهادةِ وإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ وصومِ رمضانَ وحجِّ البيت والجهاد، وسائرِ النوافلِ والتطوّعاتِ التي هي من جنسِ العباداتِ التي فرضَها الإسلام. كما تشملُ العباداتُ أيضًا: ذكرَ اللهِ باللسان، كالتكبيرِ والتسبيحِ والتهليلِ والحمدِ وقراءةِ القرآنِ والأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ، وسائرِ ما يقومُ به المُسلمُ من أقوالٍ وأفعالٍ، طاعةً للهِ ورسولِه، فكُلُّها يجمعُها معنى العباداتِ العملية.. (٧). والعبادةُ تشملُ كُلَّ ما جاءَ به الإسلامُ ونصَّ عليه القرآنُ الكريمُ والحديثُ النبويّ الشريف، وأركان الإسلام، ويدخلَ فيها معنى الصيام، فقد جعلَ الإسلامُ الصيامَ ركنًا من أركانِه ليتساوى فيه الغني والفقير، ويشعرُ الغنيُّ بجوعِ الفقراء المحرومين، وغرسًا للفضيلةِ والتواضُعِ والإيمانِ بأنّ الدنيا ما هي إلا أيامٌ زائلةٌ والأخرةُ هي الدارُ الباقية... والصومُ ما هو إلا ترويضٌ للنفسِ على تركِ المعاصي والتنزُّهِ عن كُلِّ ما يقودُها للهلاك وطريقِ الجحيم من الأرجاس والآثام، وكذلك فالصيامُ هو إعطاءُ حافزٍ قوي لصُنعِ الإرادةِ وتقويةِ الثقةِ ورفضِ كُلِّ أنواعِ الخضوع للشهوات. فمع إيمان المسلم بالصيام والتزامه يجدُ نفسه قد أدّتْ جزءًا من أمانةِ العبادةِ التي أوكلها اللهُ (سبحانه وتعالى)، له... والصيامُ هو التوقُّفُ والإمساكُ عن المُفطراتِ، من طلوعِ الفجرِ الثاني، إلى غروبِ الشمسِ، مع عقدِ النيّةِ والعزم؛ لتتميّز العادة عن العبادة، بشروطٍ مخصوصةٍ، وزمنٍ مخصوصٍ، وكيفيّةٍ مخصوصة. ولا نختصرُ بهذا التعريفِ الصيامَ؛ فالصيامُ ليس التوقُّفَ عن الأكلِ والشربِ فقط، بل هو إمساكُ النفسِ عن الزللِ والخطأ، بل يجبُ على الصائمِ أنْ يصونَ لسانَه ويغضَّ بصرَه ويمسكَ يدَه عن كُلِّ ما يوقِعُه في الحرام، وفي كُلِّ هذا تربيةٌ للنفس.. ونستندُ بذلك بما روي عن الإمامِ جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) أنّهُ قَالَ: "إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ، وبَصَرُكَ، وشَعْرُكَ، وَجِلْدُكَ، ـوَعَدَّدَ أَشْيَاءَ غَيْرَ هَذَا وَ قَالَ:ـ لَا يَكُونُ يَوْمُ صَوْمِكَ كَيَوْمِ فِطْرِكَ"(٨) بعدَ أنْ يغرقَ الكثيرُ في الملذّاتِ، ويغفلون طوال عامٍ كاملٍ عن الصيامِ الذي يُزكّي النفسَ عن المعاصي، لكنهم عندما يهلُّ هلالُ شهرِ رمضان يستعيدُ معظمُ الناسِ نشاطَهم بهذا الفرضِ، والأغلبُ منهم يلتزمُ حقًّا في هذا الشهرِ وما يليه ليكونَ شهرُ الصيامِ جرسَ تنبيهٍ للصحوِّ مما هم فيه من سُباتٍ وسطَ كمٍّ هائلٍ من المعاصي والآثام... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) ديوانه: 11. (2) ينظر: الصحاح (عبد)، المفردات: 543، الزهر: 1/ 204، اللسان (عبد) (3) المثلث: 2/ 300. (4) ينظر: النظم الإسلامية: 5- 6. (5) ينظر: نظرة عامة في العبادات: 9. (6) ينظر: النظم الإسلامية: 57- 58. (7) ينظر: فقه الأخلاق: 1/ 24- 25. (8) المصدر : الكافي : 4 / 64 ، للشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكُليني

اخرى
منذ 4 أشهر
251

فلسفةُ الصيام

بقلم: نورا كاصد العبودي الحلقة الثانية: التكافُلُ الاجتماعي عندَما يتلاطمُ بي موجُ البحرِ أرسِلُ برسالةٍ فارغةٍ إلى بريدِ السماء تحملُ معنى الاستغاثةِ بين طيّاتِها.. قد ملأ الوجعُ صدري، وتقطّعَتْ أوصالُ الحروفِ في حُنجرتي حتى بلغَ حُزني مُنتهاه.. أيامٌ أشدُّ من سوادِ الفحمِ، وليالٍ يغيبُ فيها القمرُ وجنودُه، حتى غزى غمامُ الخيباتِ قلبي وانتهى أمري.. بعضُ الأحزانِ في بلدي تبدأُ من الفقرِ واليُتمِ وكيف يحيا الاثنان. أمورٌ عِدّةٌ رتّبَها الإسلامُ لهما لكن من ذا الذي يعملُ ويُطبِّقُ هذه القوانين؟! قد أصبحَ كُلٌّ منّا ينظرُ لنفسِه ولعائلتِه، يكتفي بتوفيرِ ما يحتاجُه مُتناسيًا ما له وما عليه في المُجتمع، مُتجاهلًا ما وردَ في القرآنِ الكريم وأحاديثِ الرسولِ والأئمةِ (صلوات الله عليهم أجمعين). تعريفُ التكافُل في اللُغة: لمادة (كَفَلَ) في اللغةِ اشتقاقاتٌ عديدةٌ ومعانٍ كثيرةٌ منها(١): 1- الكِفْلُ: بالكسر، الضِعْفُ والنَّصيب، ومنه قول الله (تعالى): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَءَامِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(٢). 2- الكافل: بمعنى العائل والضامن، ومنه قوله (تعالى): (إذ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُون)(٣)؛ أيّ أيّهم يُعيلُها ويضمنُ معيشتَها. الجمعُ كفلٌ وكُفلاء. أما تعريفُه اصطلاحًا: التكافُلُ الاجتماعي: هو أنْ يتكفّلَ المُجتمعُ بشؤونِ كُلِّ فردٍ فيه من كُلِّ ناحيةٍ من النواحي الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ والثقافيةِ والصحية. وقد دعتْ جميعُ الشرائعِ السماويةِ الإنسانَ إلى التضامُنِ مع أخيه وترسيخِ مبدأ التكافُلِ في المُجْتمع الإنساني، وجاءَ بعد ذلك الدينُ الإسلامي، فشرّعَ القوانين للتكافُلِ الاجتماعي وجعلَ لهل أهميةً لا يُستهانُ بها لحمايةِ الفقراءِ وضمانِ حقوقِهم في أوطانِهم، ولا يخفى على أحدٍ الحكمة التي فُرِضَتْ من أجلِها الزكاةُ والخمس.. وكان الرسول (صلى الله عليه وآله) والأئمةُ يحثّون ميسوري الحال على الإنفاقِ في سبيلِ اللهِ (عزّ وجل)، ورفدِ المُحتاجين والفقراء بما يقدرون على توفيرِه لهم ومُساعدتِهم في قضاءِ حوائجِهم.. وقد وردتْ رواياتٌ وأحاديثُ كثيرةٌ تذمُّ من يتهاونُ عن تكافُلِ أخيه ويُقصِّرُ في تعاونِه معه ويتخلّفُ عن القيامِ في قضاءِ حاجاتِه، ومن تلك الأحاديث ما وردَ عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: "من بخِلَ بمعونةِ أخيه والقيامِ له في حاجتِه إلا ابتليُ بمعونةِ من يأثمُ عليه ولا يؤجر"(٤). فهذه توصيةٌ صريحةٌ من الإمامِ (عليه السلام)، على التكافُلِ والنظرِ في أمورِ المُحتاجين من خلالِ مدِّ يدِ العونِ لهم ومُساعدتِهم. فالتكافُلُ ما هو إلا حلقةُ وصلٍ بينَ أفرادِ المُجتمعِ، ولو أنَّ كُلَّ شخصٍ عملَ بما جاءَ من قوانين في الدينِ الإسلامي لأصبحَ الناسُ أسرةً واحدةً لا يجوعُ فيها أحدٌ ولا يعرى. وهذا التعاونُ سوف يُسهِمُ بتسديدِ أمورِ مُجتمعٍ كاملٍ نحو التقدُّمِ والازدهار والقضاءِ على الفقرِ ونبذِ الخلافاتِ بإسقاطِ الفوارقِ المُجتمعية المقيتة التي تُدمِّرُ المُجتمعاتِ الإنسانيةَ وتقتلُ المحبةَ بين أبنائها.. وأصلُ التكافلِ يجبُ أنْ يكونَ نابعًا من ذاتِ الأُسرةِ حيثُ قال الله (تعالى): (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله) [سورة الأنفال (٧٥).] وهذا ينبعُ من صلةِ الأرحامِ والتفاني بينَ الأسرةِ الواحدةِ ومٌساعدةِ أحدِهم الآخر، وتقديم المعونةِ فيما بينهم لتنعمَ الاسرةُ بحياةٍ كريمةٍ.. وهذا الإنفاقُ له مردودٌ ذو أهميةٍ، فهو يشدُّ من إزرِ الأسرةِ، فمن غير المُمكن أنْ تتعرّضَ مثل هكذا أسرةٍ لمؤثراتِ المُجتمعٍ؛ لأنّها جعلتْ من التعاونِ أساسًا لبنائها.. هل سألَ أحدُنا الآخرَ: كيفَ يعيشُ من لا يملكُ قوتَ يومِه؟ وماذا يقول؟ ربما يقول: عشتُ أيامًا ألوكُ كسرةَ الخُبزِ، وأُخرى أرجو أنْ أحظى بها، وقضيتُ ليالي أشدُّ على بطني خيطَ الأملِ وأُسلّي نفسي بطلوع الفجر.. لا أملكُ سوى دمعاتٍ تقفُ حائرةً على شرفاتِ أجفاني، هل تسقي أرضًا بورًا أم أنّها لا تنفعُ أيضًا؟ باتَ أمري مُرهقًا جدًا، وكُلُّ ما أستطيعُ عملَه حملُ مُخلّفاتِ الأغنياء.. أنا روحُ الجائع.. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١- أصول المجتمع الإسلامي، د. جمال الدين محمد محمود، الطبعة الأولى 1992م- دار الكتاب المصري – القاهرة. ٢- التكافل الاجتماعي في الإسلام، د. مصطفى السباعي، الطبعة الأولى 1998م، دار الورَّاق – بيروت. ٣- التكافل الاجتماعي في الإسلام، الأستاذ. عبد الله علوان ، دار السلام، القاهرة. ٤- الكافي: ج2 ص365 ح1.

اخرى
منذ 4 أشهر
197

ورقةُ القدر

بقلم: نورا كاصد العبودي بعدَ أنْ حلَّ موسمُ الخريفِ، هبّتْ علينا رياحٌ صفراءُ أطاحتْ بكُلِّ الأشجار حولنا، وها هي تقتربُ منّا، إنّها تهزُّ الشجرةَ من كُلِّ جانبٍ؛ فتساقطتْ جميعُ الأوراقِ إلا أنا، كُنتُ قد تشبّثتُ بالغُصنِ جيدًا بعدَما أغمضتُ عينيَّ، وخبّأتُ رأسي المُتعرِّج بينَ غصنين... هدأتِ الريحُ، رفعتُ نظري وتنهَّدتُ فرأيتُ منظرًا مُروّعًا؛ إذ كُلُّ الأوراقِ قد سقطتْ أرضًا وفارقتِ الحياة، وبعضُ الأغصانِ مُتناثرةٌ، حتى الورود بجانبي أصبحتْ باهتةَ اللونِ وذابلةً. بكيتُ كثيرًا وصرختُ من وجعِ الفراقِ وألمِ الوحدةِ القادمةِ، عضضتُ بأنيابِ قلبي على أقلامِ روحي، وقُلتُ بصوتٍ يعلوه الندمُ: لِمَ اختبأتُ؟ لِمَ لم أسقطْ كما سقطنَ؟ كانَ عليَّ أنْ أواجهَ الموتَ مثلهن بشجاعةٍ؛ فالرياحُ تقتلُنا كُلَّ عامٍ لا محالة، ولو قُتِلتُ معهن كانَ أهونَ عليَّ من بقائي وحدي، كيف سأحيا بعدهن؟ هُنّ الصديقاتُ والأخواتُ ذواتُ الفصيلةِ الواحدة ... ناداني الغصنُ: - لا تحزني؛ فكُلُّ شيءٍ مُقدّر! كفكفتُ ما تبقّى من دموعي وشددت عزمي ونطقت: - مُقدّرٌ! كيف؟ - أحقًّا لا تعلمين؟ - وكيف لي أنْ أعلم؟ - حسنًا، اسمعي هذا عن القدر: هو أمرٌ يُكتبُ في ليلةٍ من إحدى ليالي شهرِ رمضان وهي أعظمُ الليالي قدرًا، فيها ينزّل اللهُ (سبحانه وتعالى) كُلَّ أمرٍ محتوم، حيث وردَ في القرآنِ الكريم أنّها ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾(القدر ٣)، وأنّها اللّيلةُ المُباركةُ التي أُنزِلَ فيها القرآنُ الكريم، أُخفيَتْ بين ثلاث ليالٍ، وتُقدَّرُ فيها أقدارُ العباد، وقد وردتْ رواياتٌ كثيرةٌ في فضلِها، وفي العباداتِ التي يُستحبُّ القيامُ بها... القدرُ في اللغة: مصدر: قدر يقدر قدرًا، عبارةٌ عمّا قضاهُ اللهُ (تعالى) وحكمَ به من الأمور. وقيل: هو كونُ الشيء مُساويًا لغيرِه من غيرِ زيادةٍ ولا نقصان، وقدّرَ اللهُ (تعالى) هذا الأمرَ بقدره قدرًا: إذ جعله على مقدارِ ما تدعو إليه الحكمة. وسمّيتْ ليلةُ القدر؛ لأنّها الليلةُ التي يحكمُ اللهُ فيها ويقضي، بما يكونُ بأمورِ السنةِ أجمعِها إلى مثلِها من السنةِ القادمة، من حياةٍ وموتٍ، وخيرٍ وشرٍ، وسعادةٍ وشقاءٍ، ورزقٍ وولادةٍ، وزواجٍ ونجاحٍ وفشلٍ و.... قال (تعالى): ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4)﴾. فيا عزيزتي الورقة الجميلة، إنَّ الحياةَ بانتظارِكِ بحلوِها ومُرِّها، وما شاءَ اللهُ (تعالى) كانَ؛ حيثُ قدّرَ لك عمرًا جديدًا وعامًا جديدًا، وكُلُّ ما عليكِ فعله أنْ تُزهري هذا الغصنَ البائسَ الحزينَ المحزونَ بفقدِ جميعِ أوراقِه، وأنْ تُعيدي روعةَ الحياةِ لأركانِه؛ فأنتِ السرُّ الوحيدُ المُتبقي له كي يُزهِرَ بكِ، وأنْ تُعيدي البهجةَ لهذه الشجرةِ فهي لا تتحمّلُ أنْ يُقالَ عنها: قد فقدتْ أوراقَها، وماتتْ، وسيؤولُ مصيرُها لأنْ تكون حطبًا. هذه الشجرةُ أمُّكِ، ولها فضلٌ عليك، وكُلُّ ما عليكِ فعلُه أنْ تُدخلي السرورَ إلى قلبِها، فلا تستسلمي أبدًا، واللهُ (سبحانه وتعالى) يُقدِّرُ أمرَكِ ... أزهري بكُلِّ الظروف.. وأزهري حيثُ كُنتِ..

اخرى
منذ 4 أشهر
218

فلسفةُ الصيام

بقلم: نورا كاصد العبودي الحلقة الثالثة: التسبيح في فضاءِ المُستحيلاتِ، حينَما تعيا الأجرامُ وتصابُ بالسكونِ جرّاءَ الإفراطِ بالمآسي، تحُيطُها هالةٌ من الحزنِ الشفيف، وتُصابُ الجدرانُ المُحاطةُ بها بالخُذلان، فتهرمُ وتشيخُ وتنأى بجانبها، تهوى للسقوطِ حيثُ لا رفاقَ تتكئُ عليهم، ولا نسيانَ يُسعِفُها لينقذَ ما تبقّى منها.. يُسيطرُ عليها الهلعُ، فكيفَ لو حطّتْ رحالَها عن غيرِ درايةٍ في حقلِ النهاية؟! ثم تبدأُ الكائناتُ فيها بالتسبيحِ فيتحلحلُ الجزءُ الأعظمُ من الأمورِ وتسيرُ قافلةُ الحياةِ بسلامٍ مؤجَّلٍ إلى وقتٍ غيرِ معلوم.. تعريفُ التسبيح: مصدرُ سبّحَ يُسبِّحُ إذا قال: (سبحان اللّه‏)[١] والتسبيحُ: التنزيهُ والتقديسُ والتبرئةُ من النقائص[٢]. ثمّ استُعمِلَ في مواضعَ تقربُ منه اتّساعًا[٣] وقد يُطلقُ ويُرادُ به الذكر، فيُقال: فلانٌ يسبّحُ اللّه‏، أيّ يذكرُه بأسمائه نحو: سُبحان اللّه[٤] وقد يُطلقُ ويُرادُ به الصلاة، فيُقالُ: يُسبّحُ أيّ يُصلّي، ومنه قولُه (سبحانه وتعالى): ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾، الصافات (١٤٣)، أي المصلّين.[٥] التسبيحُ جُزءٌ من العباداتِ التي يقومُ بها المخلوقُ على اختلافِ ألوانِه وأشكاله تنزيهًا للهِ (عزّ وجل)، الخالقِ القهارِ، ترفيعًا له عن كُلِّ نقصٍ، فيُسبِّحونه بذكرِ كلمةِ (سبحان الله)، حيث استُعمِلَ لفظُ التسبيحِ في القرآنِ الكريم اثنين وتسعين مرة في ثمانٍ وثمانين آية. ويردُ التسبيحُ بصورٍ أخرى مثل تسبيحِ فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وهو من الأذكارِ المُهمّةِ، والتسبيحُ الذي وردَ في صلاةِ جعفرٍ الطيّار (عليه السلام). ولا يخفى على المؤمنين المُتقين أجرَ التسبيحِ في الأيامِ المعدوداتِ، أيامَ شهرِ رمضانَ المُبارك، حيثُ تكونُ أبوابُ السماءِ مفتوحةً لاستقبالِ التائبين والمُستغفرين، الحامدين والشاكرين لنعم الله (جل وعلا). والتسبيحُ من نِعَمِ اللهِ (سبحانه)، على خلقِه حيثُ جعلَه لهم ليغفرَ خطاياهم ولا يؤاخذهم بأعمالهم وهو السميعُ المجيب. يُبيّنُ القرآنُ الكريمُ حقيقةَ أنّ كُلَّ ما في الكونِ من موجوداتٍ عاقلةٍ أو غيرِ عاقلةٍ، صغيرةٍ أو كبيرةٍ، حيةٍ أو فاقدةٍ للحياة، يُسبِّحُ للهِ (تعالى)، وقد جاءَ ذلك بتعبيراتٍ مخُتلفة[٧] منها قوله (تعالى): ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ الإسراء: ٤٤. كُلُّ شيءٍ مُختلفٌ في نوعِ هذه العبادةِ وفي كميةِ الفائدةِ المُتحصّلة منها!؛ فالموجوداتُ كُلُّها تعدُّ التسبيحَ العمودَ الفقري الذي تستندُ عليه. فإذا شعرتَ بالضعفِ أو التعب تُحرّكُ أصابعَك وتُسبِّحُ استغفارًا، حمدًا وشكرًا للهِ (سبحانه وتعالى)، حتى يزولَ عنك جبلٌ من الهمومِ والأحزانِ وكأنّك قد أفرغتَ شيئًا ما كانَ يخنقُك وطرحته أرضًا لتقُومَ مُجدّدًا وأنتَ تشعرُ بالنشاطِ وتتناغمُ مع تفاصيلِ الحياةِ حلوِها ومُرِّها. قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾،الحجر (٩٧- ٩٨)، وقال (تعالى): ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ الله وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. النصر (١-٢-٣) كُلُّها آياتٌ بيّناتٌ واضحاتُ الدلائلِ في فضلِ التسبيح؛ ولذا نجدُ أنّ اللهَ (سبحانه وتعالى)، أمرَ نبيَّه الكريمَ (صلوات الله عليه وآله) بالتسبيحِ له.. ومن هُنا تتضحُ عظمةُ التسبيحِ عندَما يتجلّى بلسانِ الصادقِ الأمين (صلى الله عليه وآله)، ليس لشيءٍ وإنّما لغرضِ عبادةِ اللهِ (تعالى)؛ لأنّه أهلٌ للعبادة. كذلك أمرَ اللهُ (سبحانه وتعالى) جميعَ المؤمنين بالتسبيحِ له حيثُ قالَ في محكم كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا الله ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ الاحزاب (٤٢-٤٣) فهل جرّبتَ أنْ تقفَ حائرًا بين التقدُّمِ للأمامِ وبينَ الرجوع، فتلتزمُ الصمتَ طويلًا رغمَ مقدرتِك على الكلام، وكأنَّ شيئًا ما احتلَّ ملامحَك، ساقاك مُتجمِّدانِ ويداك ترتعدان؟! هوِّنْ عليكَ شعورَ التشتُتِ والضياعِ، والجأ إلى سجادةِ الصلاة، واستقبلِ القبلةَ وردِّدْ كثيرًا: أستغفرُ الله.. ففي كُلِّ وقتٍ يسمعُ ويتوبُ ويغفرُ.. علينا أنْ لا ننسى جميعًا أنَّ حكاياتِ الألمِ تبدأُ وكأنّها وحشٌ يُحاوِلُ مرارًا وتكرارًا القضاءَ على قلبٍ مسكينٍ والانقضاضَ على ما تبقّى به من عزيمةٍ، فيرى أنَّ هذه الدُنيا تُسلِّطُ عليه أنواعَ العذابِ وأشكالَ الأحزان.. لكن كُلُّ هذه تنتهي بتسبيحةٍ في جوفِ الليلِ من عبدٍ لحوحٍ يطلبُ العفوَ والغفران. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١- تاج العروس، ج ٢، ص ١٥٦. ٢-الفيومي، المصباح المنير، ص ٢٦٢. ٣-ابن الأثير، النهاية، ج ٢، ص ٣٣١. ٤-الفيومي، المصباح المنير، ص ٢٦٢. ٥-الفراهيدي، العين، ج ٣، ص ١٥٢. ٧-الشيرازي، الأمثل، ج ٧، ص ٣٠٤.

اخرى
منذ 4 أشهر
211

ليالٍ يتيمةٌ

بقلم: نورا گاصد العبودي من بعيدٍ جدًا أُلاحِظُ شيئًا من تغيّرِ شكلِ الليالي القادمةِ خلفي، حبّاتُ الغبارِ تسكنُهن حتى صِرنَ وكأنّهن قابعاتٌ في الدهورِ الغابرة.. أ هو المرضُ يُسيطرُ عليهنّ أم أنّ ضربةً ما أصابتْ إحداهن بسوء؟ وجدتُ ركنًا في أعلى رفوفِ هذا الكونِ فارتقيتُه كي أُشاهِدَ عن كثبِ كيفَ ستنقضي الليالي الواحدةَ تلوَ الأخرى! وما سببُ حيرتهن؟ تقدّمتِ الليلةُ التاسعةَ عشرةَ وهي تجرُّ أذيالَ الخيبةِ! تبدو عاجزةً عن الحركةِ، الأوجاعُ تملأُها، والدماءُ تسيلُ من مُقلتيها، إنّها ليستْ بحالٍ أفضل من حالي! يزدادُ البُكاءُ في قلبي ولا أعرفُ السببَ، صوتُ الأنينِ يرتفعُ داخلي مُختلطًا بتكبيراتٍ؛ إنّه صوتُ الأذان: اللهُ أكبر .. اللهُ أكبر.. أصواتٌ أخرى تختلطُ مع صوتِ الأذان، السماءُ تَغيّرَ لونُها فأصبحتْ حمراء وغاضبةً، غاضبةً جدًا! بعد هُنيهة صمتَ الجميعُ وأخذتِ الليلةُ تبحثُ عن شيءٍ ما في هذا الظلام... إنّها تبحثُ عنّي... وجدتني أخيرًا، جلستْ بجانبي ولم تنطقْ بكلمةٍ، إلا أن دموعِها جرت لتحكي مآسي وأحزانًا وآهاتٍ.. لم أبادِرُ بسؤالِها عن شيءٍ، فيكفيها ما تشعرُ به الآن.. سيحلُّ النهارُ قريبًا وتنتهي مُعاناةُ الكثير.. انقطعَ الكلامُ، وارتفعَ صوتُ بُكاءِ الأطفالِ، صوتٌ يُحاكي الفقد.. برزتِ الليلةُ العشرون تحملُ إناءً بيديها، وعيناها شاخصتانِ تبحثانِ عن مُجرّدِ ظلٍّ لأمل! ثيابُها رثّةٌ، وصُراخُها المدوّي يُصِمُّ الأذان، كانتْ تُطلِقُ زفراتٍ مُرعبةً وقد خدشتْ وجهَها بالكاملِ وامتلأ بالدماء.. ناديتُها فجاءتْ واتكأتْ هي الأخرى على جدارِ الصمتِ، وفي قلبِها أنينٌ مسموعٌ في السماء.. جاءَ نهارٌ آخرُ حالكُ العُتمةِ، وعندما سألتُه عن السبب؟ قال: إنَّ الشمسَ ترفضُ أنْ تُشرِقَ! لم يكنْ على ما يُرام هو الآخرُ، وكأنّه يتملّصُ من عملِه، لم يبقَ سوى سويعاتٍ... وغادرَنا هو الآخر.. رأيتُ الليلةَ الواحدةَ والعشرين تمشي وحيدةً، وبيدِها كسرةُ خبزٍ، كانتْ تطرقُ أبوابَ بيوتِ الناس، لكن دون جدوى! فلا أحدَ يفتحُ بابًا في ذلك المساء.. تقتلُها الحيرةُ، تسقطُ وتنهضُ وكأنّ الفراقَ القادمَ بعدَ ساعاتٍ استلَّ منها عقلَها! تنسابُ منها الدموعُ مدرارًا، منظرُها بهذا الحال الذي تقشعرُ منه الأبدان أدخلَ الهلعَ في قلوبِنا... هل آنَ أوانُ موتِ الكون؟! رأتنا أخيرًا، فأسرعتْ مُهروِلةً، جلستِ القُرفصاءَ بجانبِنا تئنُّ بصوتٍ شجيّ يُفطِّرُ القلوب! صمتْنا جميعًا.. فاقتربَ منّا كائنٌ غريبُ الأطوارِ، أخذَ يقتربُ أكثر فأكثر، يضحكُ بصوتٍ عالٍ وكأنّه باحتفالٍ عظيم يشمتُ بنا، تناولَ أطرافَ الحديثِ معنا وانتصرَ علينا، فلم نجارِهِ، لأنّه كانَ يملكُ أدلةً وبراهين بأنّنا أصبحنا تحتَ وصايتِه ونحنُ الآنَ مُسيّراتٌ بينَ يديه وهو الآمرُ الناهي، وصاحبُ الكلمةِ الفصل! بكينا كثيرًا عندَما علِمْنا أنّ الليلةَ الأخيرةَ تسبّبتْ بكُلِّ هذا، إذ فقدنا أبانا عليًا! رزيةٌ ما أعظمَها علينا.. هوى حيدرُ في محرابِه مُخضّبًا بدماءِ الشهادة.. تهدّمتْ واللهِ أركانُ الهُدى.

اخرى
منذ 4 أشهر
243