رشا عبد الجبار ناصر

مجتمع يقاوم الظلم! وحديث مفترى

نقرأ في وسائل التواصل احاديث وروايات تترجم أو تعبر عما يعانيه المجتمع، تنطلق كأسلوب رفض أو ثورة ضد مشكلة معينة أو واقع مرير يعيشه المجتمع، ومن هذه الأقوال ما ينسب لسيد البلغاء علي بن أبي طالب عليه السلام "اذا رأيت الظالم مستمرا في ظلمه فأعرف أن نهايته محتومة، وإذا رأيت المظلوم مستمرا في مقاومته فاعرف أن انتصاره محتوم"، وللوقوف على صحة هذا القول ارتأينا تسليط الضوء على هذه الرواية من حيث المعنى والسند يتناول هذا القول مفردة الظلم على الفرد والمجتمع.. الظلم لغة: وضع الشيء في غير موضعه ، فالشرك ظلم عظيم لجعله موضع التوحيد عند المشركين ، وقد يراد به ما هو ضد العدالة ، وهو التعدي عن الوسط في اي شيء كان ، وهو جامع للرذائل بأسرها _ كما اشير اليه_ وهذا هو الظلم بالمعنى الاعم، وقد يطلق عليه الجور أيضا، وقد يراد به ما يرادف الاضرار والايذاء بالغير ، وهو يتناول قتل الغير وضربه وشتمه وقذفه وغيبته وأخذ ماله قهرا ونهبا وغصبا وسرقة وغير ذلك من الأقوال والأفعال المؤذية (١) قال تعالى :( انما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبتغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب اليم)(٢). وروي: "أنه تعالى أوحى إلى داود : قل للظالمين لا تذكروني، فأن حقا عليّ أن أذكر من ذكرني ، وإن ذكري اياهم أن العنهم".(٣). وهو من الذنوب التي توجب غضب الله تعالى ويوجب عذابه وسخطه، ويوجد العداوة والكراهية بين أبناء البشر إضافة إلى آثاره الوخيمة على الظالم في الدنيا قبل الآخرة لان النفس البشرية جبلت على الإحسان والمحبة للآخرين وما الظلم الا حالة نفسية تصاب بها النفوس غير السوية فترتكب الظلم دون معرفة عواقبه وآثامه. وقد عانت البشرية من الظلم على اختلاف الأزمنة ، وهي صفة تودي بصاحبها إلى التهلكة أمثال فرعون حاكم مصر الذي اعتلى عرش مصر وتفنن في ظلمه لقومه فأخذه الله اخذ عزيز مقتدر نتيجة لظلمه وجبروته ، وقارون الذي آتاه الله من الكنوز ما تنوء بثقله العصبة اولوا القوة وبغى على قومه، فلم تغن عنه كنوزه من الله شيئا ،( فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين) (٤). وأبرهة صاحب الفيل ملك اليمن الذي بنى معبداً للحيلولة دون حج الناس إلى الكعبة فما كانت نتيجة تكبره وتجبره وظلمه الا إن ارسل الله طير الابابيل فهلك هو وجيشه عن بكرة أبيهم، فالله تعالى مهلك الجبارين و المنتقم من الطغاة ، قال تعالى :"( و أنه أهلك عادا الأولى ¤ وثمودا فما ابقى ¤ وقوم نوح من قبل انهم كانوا هم أظلم و أطغى)" (٥). ولا يقتصر الظلم على ظلم الناس فحسب بل يتعدى إلى ظلم الإنسان نفسه باتّباع طريق الضلال والباطل، أجارنا الله وأياكم منها صفةً مقيتةً تحيل الحياة جحيما وتوجب غضب الله تعالى. وبالمقابل فإن المظلوم وإن رزح تحت وطأة الظلم والظالمين احقابا إلا إن نصره محتّم والله تعالى سينصره ولو بعد حين والقرآن الكريم ذكر السيدة اسيا مثالاً للذين صبروا على الظلم، ظلم الطاغية فرعون حيث تحملت من الأذى ما تحملت في جنب الله وقاومته ولم تخش منه وصبرت ( وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين)(6). وعلى هذا، فإن هذا القول المتقدم صحيح المعنى، الا أنه لا يمكن نسبته للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام لأنه لا يمثل قطرة من بحر بلاغته وعلومه، ولا نغالي اذا قلنا " كلام علي دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق " (٦). ناهيك عن عدم وجود هكذا رواية أو حديث في الكتب الحديثية. وفي هذا الصدد ينبغي توعية المجتمع حتى لا تتكرر نسبة الروايات إلى أئمة أهل البيت سلام الله عليهم وإن كانت تحاكي الواقع وتضفي نوعا من الشرعية ردا على الظلم الذي يقع على الفرد بصورة خاصة وعلى المجتمع بصورة عامة. ١.كتاب جامع السعادات ، النراقي ج ٢، ص٢٣. ٢. سورة الشورى، اية ٤٢. ٣. جامع السعادات، النراقي ج٢ ،ص ٢٤. ٤.سورة القصص ، آية٨١. ٥. سورة النجم ،٥٠، ٥٢ ٦. سورة التحريم، ايه ١١. ٧. ، نهج البلاغة، ج١ ، ص ١٨. رشا عبدالجبار

اخرى
منذ سنة
713

أمير البلغاء علي بن أبي طالب (عليه السلام)

نُقل هذا الكلام في بعض وسائل التواصل الاجتماعي ونُسب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، ونصه هو التالي: (قال علي: انا خالق السماوات والارض بأمر ربي انا مسيرها انا مرسيها انا مدمر النشأة الاولى انا الريح الصفراء انا مدمر قوم عاد وثمود انا معذبهم انا ممن كلم موسى انا الايام ودهر الدهور). بداية نقول: إن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لا يحتاج إلى مدح أو إطراء من عند أنفسنا أو من جراب النورة، فهو ولي الله تعالى ووصي رسوله الكريم، ولا يحتاج أن يغالي فيه أحدهم فضلا عن الجميع ، وإذا كانت هناك كلمات تدل على عظمته ومكانته فهو باب علم مدينة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد اعتنى به النبي الأكرم (صلى الله عليه واله) عناية خاصة ، وكان كثير الأسئلة للنبي (صلى الله عليه وآله)، فكان إذا سأل أجابه، وإذا سكت ابتدأه، حيث علمّه ألف باب من العلم وأرتبط بالقرآن الكريم ارتباطاً وثيقاً ابتداءً من النداء الأول (اقرأ باسم ربك الذي خلق ) (1)، إذ رافق نزول القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله) في كل المراحل، وقد شهد له النبي (صلى الله عليه وآله) بأعلميته بالقرآن وعلاقته مع القرآن كما جاء في قوله: "علي أعلم الناس بالكتاب والسّنة"2. وقوله (صلى الله عليه واله): "علي مع القرآن والقرآن مع علي"3. وقال عبد الله بن عباس: "والله ، لقد اعطي علي بن أبي طالب( عليه السلام ) تسعة اعشار العلم ، وأيم الله لقد شارككم في العشر العاشر"4. ونحن الشيعة الامامية لا نعتقد في أئمتنا (عليهم أفضل الصلاة والسلام) ما يعتقده الغلاة والحلوليون ﴿كَبُرتْ كَلِمةً تَخرُجُ مِنْ أفواهِهِمْ﴾ بل عقيدتنا الخاصّة: أنَّهم بشر مثلنا، لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، وإنما هم عباد مكرمون، اختصّهم الله تعالى بكرامته، وحباهم بولايته؛ إذ كانوا في أعلى درجات الكمال اللائقة في البشر من العلم، والتقوى، والشجاعة، والكرم، والعفّة، وجميع الاَخلاق الفاضلة والصفات الحميدة، لا يدانيهم أحد من البشر فيما اختصوا به. وبهذا استحقّوا أن يكونوا أئمة وهداة، ومرجعاً بعد النبي في كلّ ما يعود للناس من أحكام وحكم، وما يرجع للدين من بيان وتشريع، وما يختص بالقرآن من تفسير وتأويل. استنادا الى قول مولانا العسكري عن آبائه الطاهرين عن جدّه أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) أنه قال: ”لا تتجاوزوا بنا العبودية، ثم قولوا ما شئتم ولن تبلغوا“4. فهذا هو حدّ الغلو، وهو أن يتجاوز الإنسان بأهل البيت (عليهم السلام) مقام العبودية، ولا حدّ سواه، أما أن يثبت لهم العبودية ويثبت في الوقت نفسه لهم مقاماتهم ومراتبهم الشريفة وقدراتهم التشريعية والتكوينية ومعاجزهم وما أشبه ذلك؛ فليس من الغلو في شيء. في حين نجد أن النص المذكور في بداية كلامنا هنا ينص على أنّ الخلق بأمر أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثم أنه لابد من التأويل حتى نسلم من الشرك المنسوب لنا، فمراد الامام بخلقه السماوات والارض وتسيير امرها أي تصرفه فيها لما له من ولاية تكوينية في الكون وما فيه. ومراده من سائر الخطبة هو انه قسيم الجنة والنار فليس من البعيد أن يقع بين يديه عقاب عاد وثمود اعداء النبي عليه السلام. "وخلاصة ما يعتقده الشيعة الإمامية في الولاية التكوينية للأئمة عليهم السلام هو أنه ليس معناها أنّ أحداً من أولياء الله عز وجل بما فيهم الأنبياء والأئمة المعصومين (عليهم السلام) مفوضين باستقلال عن الله عز وجل في إدارة شؤون هذا العالم ، ولا غيره من العوالم . وليس معناها أنّ لهم سيطرة تامة على الكون بحيث يكون جميع ما في الوجود إنما يسير بإرادتهم . وإنما المقصود أنه نتيجة لقربهم من الله عز وجل وعلو شأنهم عنده تبارك وتعالى ، فإنّ الله تعالى جعل الكائنات تستجيب لهم ، فأي شيء يريدوه فإنه يتحقق لهم بإذن الله تبارك تعالى . ولذا يمكنهم إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله عز وجل ، ومخاطبة الملائكة متى ما أرادوا ، ويمكنهم أنْ يطلعوا على بعض المغيبات بإذن الله عز وجل . ويمكنهم أنْ يأمروا الكائنات فتستجيب لهم بإذن الله تعالى . ويمكن أنْ تُطوى لهم الأرض . ويمكن أنْ تكون لهم جميع ما كان للأنبياء (عليهم السلام) كما حصل للنبي سليمان (عليه السلام ) من تسخير الرياح وغيره . وأنه يمكنهم ما أمكن لآصف بن برخيا (عليه السلام ) حيث كان بإمكانه أنْ يأتي للنبي سليمان (عليه السلام ) بعرش بلقيس قبل أنْ يرتد إليه طرفه كما هو صريح القرآن الكريم . وعقيدتنا في الائمة (عليهم السلام) انهم عباد الله بحقيقة العبودية، هم مخلوقون وليسوا أرباباً ولا آلهة، فقد ورد عنهم في احاديث كثيرة ما معناه: ((نزلونا -أو نزهونا- عن الربوبية وقولوا فينا ما شئتم ولن تبلغوا)).. فكل ما نتصوره من منزلة ومقام عظيم لعبد من عباد الله فهو لهم وهم أولى به، بل إن الله تعالى قد أعطاهم ما لم يعط أحداً من العالمين لا نبي مرسل ولا ملك مقرب، كما يدل عليه ما ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة. إذ كل شيء في الكون يدين الله تعالى بطاعتهم؛ لأنهم العلة لغائية لخلق الاشياء، ونورهم هو أول صادر من المشيئة الالهية، وحقيقتهم هي أول كائن دخل عرصة الوجود، وبهم ولأجلهم خلق الله تعالى كل شيء، كما هو مضمون عدد من الاحاديث ومنها حديث الكساء الشريف. وأما الخلق والرزق بإذن الله تعالى فإذا كان معقولاً من مثل جبرائيل وميكائيل كما هو صريح عدد آخر من الأخبار، فلماذا لا يعقل ممن هو خير منهما وأفضل؟! مع أنا لا نقول بأنهم يخلقون ويرزقون وانما ننسب إليهم الولاية التكوينية التي تقتضي الخلق والرزق لكن بإذن الله سبحانه وتعالى اي بالتسبيب5. _________________ 1. سورة العلق. 2. حلية الاولياء ١/٦٨. 3. المعيار والموازنة،١٠٢. 4.تفسير الامام العسكري عليه السلام ص٥٠. 5. مركز الابحاث العقائدية. بقلم: علوية الحسيني ورشا عبد الجبار ناصر

اخرى
منذ 11 شهر
1432

حقيقة لا بد منها

ترى هل مكنون قلوبنا طاهر ولائق لكي يخاطب حجة الله؟ وهل سريرتي كما علانيتي كي أوفّق لمحادثته؟ هل يعتريني ما يعتريه كي أحسب نفسي من محبيه؟! وهل ضقت ذرعاً بذنوبي وندمت على فعلها كي أضمن أنني على هدى على الأقل؟! إلى متى التسويف والعمر ينقضي رويداً رويداً ! والدنيا في كل لحظة تنبؤنا أنها إلى زوال. واضمحلالها بادٍ على وجوه أصحابها، فهم كل يوم في شأن. عجيب أمري! كلما قلت تغيرت ازددت ضياعاً، لا، بل ازددت ضلالاً وكأنني ارتشفت من كأس الخلود. أ أحسب أن الحياة كبحر ليس له قرار؟ والحقيقة أنها أشبه بقطرة ماء صغيرة على ورقة صغيرة في يوم خريفي! وكأنني أظنها غدير ماء عذب وهي في الأصل سراب ووهم. كل ما فيها سيزول وينتهي، مثل رحّالة مع مواشيهم يقضون أياماً معدودة في صحراء مترامية طمعاً في الماء والعشب ثم يرحلون فلا تجد لهم أثراً سوى بقايا نار خامدة ونحن صرعى برغم ذلك، ما نفتأ نتغنى بحسنها ودلالها ماضين في غفلتنا وسباتنا حتى نصحو ونستيقظ. عندها يكون قد فاتنا الكثير وضاع منا الكثير. سيكون علينا أن ننتظر الجزاء يوم يكون الكتاب فيه صادر من الحق المتعالي، إذ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا احصاها، وتكون حياتك التي عشتها كالسجلّ المفتوح، ولا رجعة عندئذ، لأن الفرصة قد ضاعت منك، فاغتنم لحظات عمرك في التفكر والتدبر وكن على حذر من الدنيا الخداعة فهي دار غرور، وكن فيها على وجل فكل شيء مفارق لك أو أنت مفارق له، لا حزن دائماً فيها ولا فرح، ولله در أمير الكلام علي بن أبي طالب عليه السلام في التحذير منها : ( واحذّركم الدنيا فإنها منزل قُلعة، وليست بدار نُجعة، قد تزينت بغرورها، وغَرت بزينتها...)(١). _______________________ (١) نهج البلاغة: في ذم الدنيا رشا عبدالجبار ناصر

اخرى
منذ 11 شهر
295

《وانك لعلى خلق عظيم》القلم (٤)

ذو شخصية عظيمة اجتباه الله تعالى بالنبوة والفضل والخلق الرفيع فكان اسوة حسنة، شعَّ نوره بهاءً واعتلى المكرمات، فكان بصفاته الحميدة مضرب الأمثال، صادقاً أميناً هكذا عُرف بين أبناء قومه قبل بعثته الشريفة. محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وهذا الاسم له لحن عجيب على مسامع البشر فهو خاتم الرسل والأنبياء، وذكر صفاته التي لا تسعها بطون الكتب خير دليل على تربية إلهية وتأديب رباني إذ يقول (صلى الله عليه واله): "أدبني ربي فأحسن تأديبي". فمن يكون الله تعالى له مربياً ومؤدباً فمن المؤكد أن الكمال رفيق له ومحيط به. ونذكر نُتفاً من أخلاقه (صلى الله عليه وآله): ١- المداراة والرحمة: تشمل دعوة ذلك المجتمع الجاهلي على ما هو عليه من عادات جاهلية ومعتقدات خاطئة وتصرفات بالية فكان دوره عظيما لاستيعاب ذلك الكم الهائل من التخلف والعدوانية فذللت تلك الصعوبات، فكان نقاشه معهم واضحا صريحا الهدف منه إصلاح المجتمع وهداية الناس إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة . { ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضلَّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } (١). ٢- القول الحسن : الرسول الاكرم محمد (صلى الله عليه واله) كانت رسالته مشفوعة بالقول الحسن والدعوة إلى الدين الإسلامي بالقول الحسن والمعاملة الطيبة لجميع الناس فلا خدش كرامة احد قط ولا صدرت منه أذية لأحد وهذا التعامل والخلق الرفيع زاد الإسلام انتشارا وقبولا لدى الناس إضافة الى المزايا الكثيرة التي اتصف بها هذا الدين الحنيف، وقد ورد هذا النهج في القرآن الكريم بقوله تعالى: { وقلْ لعبادي يقولوا التي هي أحسنُ} (٢). ٣-الدفع بالتي هي أحسن: عُرف النبي محمد (صلى الله عليه واله ) فضلا عن خلقه ودماثة خلقه ، بإحسانه الى الذين كانوا يعاملونه بقسوة ويؤذونه بالفعل والقول وكان يسامح ويحسن إلى الجميع عملا بقول الله تعالى :{ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} (٣). ولنا في قصته مع الرجل الذي كان يرمي القاذورات على باب داره مثالا رائعا للإحسان الذي عهده منه الجميع، لكن عندما مرض ذلك الرجل علِم النبي (صلى الله عليه واله) بمرضه وذهب لزيارته وعيادته ونتيجة لذلك اسلم ذلك الرجل ، وهذا الإحسان هو جزء يسير من صفاته الكريمة التي أثمرت واينعت خلقا محمدياً سامياً. ٤- الصبر: قابل النبي (صلى الله عليه واله) كل معاملة ضده سواء بالقول والفعل، قابلها بصبر عظيم استطاع معها أن يذلل كل الصعوبات التي واجهته في تبليغ هذه الرسالة السماوية إيمانا منه بدعوته وحرصا على تبليغها على اكمل وجه بثبات وصبر عظيم ، إذ أمره ألله تعالى به حيث قال: {فأصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم} (٤). ٥- اللين والتسامح : لقد سعى واعتمد النبي محمد (صلى الله عليه واله) اللين والتسامح والابتعاد عن الشدة والغلظة وكل ما يدعو الناس للابتعاد عن الإسلام، وقد ارشده العلي الاعلى إلى هذا الخلق السامي بقوله: { ولو كنت فظاً غليظ القلب لأنفضوا من حولك}°5. جاء في الحديث عن الحسين بن علي (عليهما السلام) إنه قال: سألت أبي أمير المؤمنين عن رسول الله (صلى الله عليه واله) كيف كان سيرته في جلسائه؟ فقال: كان دائم البِشر، سهل الخلق ، لين الجانب، ليس بِفظ، ولا غليظ ولا صخّاب، ولا فحاش، ولا عياب، ولا مداح ، يتغافل عما لا يشتهي، فلا يؤيس منه ، ولا يخيب فيه مؤمليه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث كان لا يذم احدا ولا يعيره، ولا يطلب عثراته ولا عورته ولا يتكلم الا في ما رجا ثوابه ، اذا تكلم اطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير ، فإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده الحديث (6). _____________________ ١ – سورة النحل : ١٢٥ ٢. سورة الإسراء : ٣٥ ٣. سورة فصلت ٣٤ ٤. سورة الأحقاف: ٣٥ ٥. سورة آل عمران: ١٥٩ ٦. معاني الأخبار ، ص 83 رشا عبدالجبار ناصر

اخرى
منذ 10 أشهر
551

الإنسان والضمير

بقلم: رشا عبد الجبار وعلوية الحسيني قال تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيما} (١). وجاء في تفسر الآية: "إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18)"(٢). وفي رواية " الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) يَقُولُ: إِذَا تَابَ الْعَبْدُ تَوْبَةً نَصُوحاً أَحَبَّهُ الله فَسَتَرَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. فَقُلْتُ: وَكَيْفَ يَسْتُرُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: يُنْسِي مَلَكَيْهِ مَا كَتَبَا عَلَيْهِ مِنَ إِلَى جَوَارِحِهِ اكْتُمِي عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ وَيُوحِي إِلَى بِقَاعِ الأرْضِ اكْتُمِي مَا كَانَ يَعْمَلُ عَلَيْكِ مِنَ الذُّنُوبِ فَيَلْقَى الله حِينَ يَلْقَاهُ وَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الذُّنُوب" (٣). لكن على التائب بداية أن يرد فكره إلى أول يوم تكليفه، ويفتش عما مضى في عمره وينظر في الطاعات ليرى ما قصر فيه منها، وإلى المعاصي وما اقترفه منها. ثم ينظر ما كان بينه وبين الله (عز وجل) من حيث لا يتعلق بمظلمة العباد، والتوبة منها تكون في الندم والتحسر عليها، ويحسب مقدارها ثم يطلب لكل معصية منها حسنة تناسبها، فيأتي بالحسنات بمقدار تلك السيئات {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات}. إن عد جميع المعاصي غير ممكن، وإنما المقصود سلوك طريق المضادة والمخالفة، فكل ظلمة وجدت في القلب بسبب معصية لا يمحوها إلاّ نور حسنة تضاد تلك المعصية. ثم ينظر إلى مظالم العباد، وفيها معصية وجناية على حق الله تعالى لأن الله تعالى قد نهى عن ظلم العباد ويتدارك ذلك بالندم الصادق. أما مظالم الناس فهي تكون إما في النفوس، أو الأموال، أو في إيذاء محض. أما النفوس -كالقتل الخطأ- فتوبته بتسليم الدية إلى المستحق ولا يجوز له الإخفاء. إذا كانت المظلمة مالاً أو غيره، يجب أن يفتش عن صاحبه ويرده له، وإن كان ظالمًا ومطالبًا بظلمه في يوم القيامة. ويكتب أسماء أصحاب المظالم واحدًا واحدًا وليبحث عنهم ويستحل منهم ليؤدي لهم حقوقهم بحسب ما يقدر عليه. فإن عجز عن ذلك، لم يبق له إلاّ الإكثار من الحسنات حتى تفيض عنه، فحينما يؤخذ من حسناته وتوضع في ميزان من ظلَمهم، وهذا قد يوجب استغراق العمر في عمل. وبما أن التوبة تتحقق بالاستغفار، فلابد من معرفة كيفية الاستغفار ثم الشروع بخطوات التوبة، وروي عن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال لقائل بحضرته (أَسْتَغْفِرُ اللهَ): ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، أَتَدْرِي مَا الاسْتِغْفَارُ؟ الاسْتِغْفَارَ دَرَجَةُ الْعِلِّيِّينَ، وَهُوَ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعَانٍ: أَوَّلُهَا: النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى. وَالثَّانِي: الْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ إِلَيْهِ أَبَداً. وَالثَّالِثُ: أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ حُقُوقَهُمْ حَتَّى تَلْقَى اللهَ أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْكَ تَبِعَةٌ. وَالرَّابِعُ: أَنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيْكَ ضَيَّعْتَهَا فَتُؤَدِّيَ حَقَّهَا. وَالْخَامِسُ: أَنْ تَعْمِدَ إِلَى اللَّحْمِ الَّذِي نَبَتَ عَلَى السُّحْت" (٤). فالضمير دائمًا ما يؤنب الإنسان لأجل الرجوع إلى جادة الحق، وتكسير القيود المانعة من التوبة والرجوع إلى الواحد الأحد. ولو أردنا اجراء مشهد تخيلي كحوارٍ بين الإنسان وضميره الذي يذكره بالتوبة دائمًا، نقرأ الحوار التالي: _الضمير : من تكون ايها القابع في ذلك السكون؟ _ الإنسان: أنا انسان _ الضمير: مرحى أيها الإنسان _ الإنسان: ماذا تقصد؟ _الضمير : قصدي أنه ينبغي عليك أن تطمئن، ألست أكرم مخلوقات الله (عز وجل)، كرمك الله العلي بالعقل الرشيد وفضَّلك على سائر مخلوقاته. _الإنسان: تالله تلك مكرمة عظيمة، لا أخال أني أهلٌ لها. _ الضمير: وهل تستطيع التحديد إن كنت تستحق أو لا؟ وهل حزنك كافٍ للتعويض عما فاتك؟! _الإنسان: أنا حزين لأنني لم أقدر نِعم الله التي منحني إياها، أسيرًا للذنوب، تائهًا في لجج هذه الدنيا الفانية. -الضمير: عذرًا، تعلم أنها فانية ومع ذلك تعصي الله تعالى، ما عذرك؟! -الإنسان: تخبطي وضلالتي جعلا مني ألعوبة بيد الشيطان. -الضمير: إذن يكفيك تيهًا، وعد إلى سيرتك الأولى، ها انت ذا تعاني الامرّين من خيفة الله، إذن تطهر من ذنوبك بالتوبة. قال تعالى :{ والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها واَمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} (٥). وقال تعالى: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (102) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)} (٦) لا شيء يستحق أن تُغضِب الرحمن لأجله، فهو غني عن حسناتنا فكيف بذنوبنا. _ الإنسان: {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)} (٧). اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي وتب عليّ انك على كل شيء قدير . _________________ (١) النساء: ١٧. (٢) تفسير الأمثل: للشيخ ناصر مكارم الشيرازي، سورة النساء. (٣) الكافي: للشيخ الكليني، ج٢، باب التوبة، ح١. (٤) نهج البلاغة: ٤١٧ (٥)سورة الأعراف: ١٥٣. (٦)سورة التوبة: ١٠٢ ، ١٠٤. (٧)سورة الأنبياء: ٨٧.

اخرى
منذ 3 أشهر
124