تشغيل الوضع الليلي

《وانك لعلى خلق عظيم》القلم (٤)

منذ 7 سنوات عدد المشاهدات : 8430

ذو شخصية عظيمة اجتباه الله تعالى بالنبوة والفضل والخلق الرفيع فكان اسوة حسنة، شعَّ نوره بهاءً واعتلى المكرمات، فكان بصفاته الحميدة مضرب الأمثال، صادقاً أميناً هكذا عُرف بين أبناء قومه قبل بعثته الشريفة.
محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وهذا الاسم له لحن عجيب على مسامع البشر فهو خاتم الرسل والأنبياء، وذكر صفاته التي لا تسعها بطون الكتب خير دليل على تربية إلهية وتأديب رباني إذ يقول (صلى الله عليه واله): "أدبني ربي فأحسن تأديبي".
فمن يكون الله تعالى له مربياً ومؤدباً فمن المؤكد أن الكمال رفيق له ومحيط به.
ونذكر نُتفاً من أخلاقه (صلى الله عليه وآله):
١- المداراة والرحمة:
تشمل دعوة ذلك المجتمع الجاهلي على ما هو عليه من عادات جاهلية ومعتقدات خاطئة وتصرفات بالية فكان دوره عظيما لاستيعاب ذلك الكم الهائل من التخلف والعدوانية فذللت تلك الصعوبات، فكان نقاشه معهم واضحا صريحا الهدف منه إصلاح المجتمع وهداية الناس إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة . { ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضلَّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } (١).
٢- القول الحسن :
الرسول الاكرم محمد (صلى الله عليه واله) كانت رسالته مشفوعة بالقول الحسن والدعوة إلى الدين الإسلامي بالقول الحسن والمعاملة الطيبة لجميع الناس فلا خدش كرامة احد قط ولا صدرت منه أذية لأحد وهذا التعامل والخلق الرفيع زاد الإسلام انتشارا وقبولا لدى الناس إضافة الى المزايا الكثيرة التي اتصف بها هذا الدين الحنيف، وقد ورد هذا النهج في القرآن الكريم بقوله تعالى: { وقلْ لعبادي يقولوا التي هي أحسنُ} (٢).
٣-الدفع بالتي هي أحسن:
عُرف النبي محمد (صلى الله عليه واله ) فضلا عن خلقه ودماثة خلقه ، بإحسانه الى الذين كانوا يعاملونه بقسوة ويؤذونه بالفعل والقول وكان يسامح ويحسن إلى الجميع عملا بقول الله تعالى :{ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} (٣).
ولنا في قصته مع الرجل الذي كان يرمي القاذورات على باب داره مثالا رائعا للإحسان الذي عهده منه الجميع، لكن عندما مرض ذلك الرجل علِم النبي (صلى الله عليه واله) بمرضه وذهب لزيارته وعيادته ونتيجة لذلك اسلم ذلك الرجل ، وهذا الإحسان هو جزء يسير من صفاته الكريمة التي أثمرت واينعت خلقا محمدياً سامياً.
٤- الصبر:
قابل النبي (صلى الله عليه واله) كل معاملة ضده سواء بالقول والفعل، قابلها بصبر عظيم استطاع معها أن يذلل كل الصعوبات التي واجهته في تبليغ هذه الرسالة السماوية إيمانا منه بدعوته وحرصا على تبليغها على اكمل وجه بثبات وصبر عظيم ، إذ أمره ألله تعالى به حيث قال: {فأصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم} (٤).



٥- اللين والتسامح :
لقد سعى واعتمد النبي محمد (صلى الله عليه واله) اللين والتسامح والابتعاد عن الشدة والغلظة وكل ما يدعو الناس للابتعاد عن الإسلام، وقد ارشده العلي الاعلى إلى هذا الخلق السامي بقوله: { ولو كنت فظاً غليظ القلب لأنفضوا من حولك}°5.

جاء في الحديث عن الحسين بن علي (عليهما السلام) إنه قال: سألت أبي أمير المؤمنين عن رسول الله (صلى الله عليه واله) كيف كان سيرته في جلسائه؟
فقال: كان دائم البِشر، سهل الخلق ، لين الجانب، ليس بِفظ، ولا غليظ ولا صخّاب، ولا فحاش، ولا عياب، ولا مداح ، يتغافل عما لا يشتهي، فلا يؤيس منه ، ولا يخيب فيه مؤمليه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث كان لا يذم احدا ولا يعيره، ولا يطلب عثراته ولا عورته ولا يتكلم الا في ما رجا ثوابه ، اذا تكلم اطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير ، فإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده الحديث (6).
_____________________
١ – سورة النحل : ١٢٥
٢. سورة الإسراء : ٣٥
٣. سورة فصلت ٣٤
٤. سورة الأحقاف: ٣٥
٥. سورة آل عمران: ١٥٩
٦. معاني الأخبار ، ص 83

رشا عبدالجبار ناصر

اخترنا لكم

مِـــن أســئلتِـكم

السؤال: السلام عليكم ما هو علاج الوسواس في العبادات وفي العقيدة؟ الجواب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يظهر الوسواس ويكثر غالباً في مناطق اهتمامات الإنسان، والأمور التي يحرص عليها، ولأنّ الإنسان المتدين يهمه الالتزام بالأحكام والقضايا الشرعية، ويحرص على أداء وظائفه وواجباته الدينية، فإنه قد يصاب بهذا الفيروس في هذه المنطقة. ويطلق علماء النفس على مرض الوسواس مصطلح: (العصاب القهري) أو (الاضطراب الوسواسي الجبري). إن النصوص والتعاليم الدينية تولي اهتماماً لمكافحة هذا المرض الخبيث، وتحذّر من الإصابة به، وتضخ المفاهيم والنصائح الوقائية منه. وسبل العلاج منه: 1- برنامج منع الاستجابة هومن أبرز أساليب العلاج المعتمدة حالياً في المراكز الرائدة في العلاج النفسي السلوكي في الولايات المتحدة، لمرض الاضطراب الوسواسي الجبري، والذي يعني منع المريض من ممارسة تصرفاته الوسواسية، لفترة معينة تحت رقابة وإشراف، داخل مستشفى العلاج، أو في بيته بواسطة المرافقين له. مع توفير أجواء مساعدة. وقد لوحظ نجاح هذا البرنامج مع كثير من المرضى الراغبين في العلاج. وإذا ما تأملنا التعاليم الإسلامية حول أحكام المصابين بالوسواس، وكثرة الشك في قضايا الطهارة والعبادات، فإنها تلزم المصاب باعتماد برنامج منع الاستجابة، وأن يباشر ذاتياً مع نفسه هذا البرنامج، فلا يعتني بحالة الشك والوسوسة، ولا يستجيب لها، وذلك هو تكليفه الشرعي، وهو الطريق الوحيد لتخلصه من هذا المرض. حيث روي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال: "لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم بنقض الصلاة فتطمعوه، فإن الشيطان خبيث يعتاد لما عوّد، فليمض أحدكم في الوهم، ولا يكثرّن نقض الصلاة، فإنه إذا فعل ذلك مرات لم يعد إليه الشك. قال زرارة: ثم قال : إنما يريد الخبيث أن يطاع، فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم"(1). 2- العلاج المعرفي: إنّ أهل البيت (عليهم السلام) وهم أكمل الخلق كانوا يؤدون الأعمال بسهولة ويسر ومن دون أي تعقيد أو تهويل. والعلاج المعرفي يعني إعادة بناء تفكير المريض وتصحيحه، لتبديل أفكاره الوسواسية، التي أخذت صفة الاستمرارية بعيدة عن التحكم بزمامها، ورغم أنّ أكثر الوسواسيين يعترفون بلا منطقية أعمالهم وممارساتهم، لكن تضخّم بعض التصورات في نفوسهم، والمبالغة والتطرف في بعض الأفكار، هو ما يشكل أرضية مناسبة لحالتهم المرضية. فعلى المبتلى أن يعرف الدّين ويسره, حيث قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾(2), وقال تعالى أيضاً :﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾(3). ورويَ عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): "إنّ هذا الدّين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تكرّهوا عبادة الله إلى عباد الله، فتكونوا كالراكب المنبّت الذي لا سفراً قطع، ولا ظهراً أبقى"(4) . وليعلم من الناحية الفقهية أنّ الأصل هي الطهارة، والإباحة، ورفع المسؤولية عن الجاهل والناسي، وأنّ كل عمل فرغ منه أو تجاوزه ثم شك فيه فلا قيمة ولا أثر لذلك الشك. 3- العلاج الأذكاري: ويعني به ترديد أذكار معيّنة نصّ عليها أهل البيت (عليهم السلام), ومنها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "ذكرنا أهل البيت شفاء من الوعك والأسقام ووسواس الريب وحبُّنا رضا الرب تبارك وتعالى"(5). وأمّا الوسواس في العقيدة وما يلحق به من الأفكار المـزعجة كالأفكار في ذات الله عز وجل والأفكـار في الدين والعقيدة والخوف من الكفر والردة وغيرها فهي ليست جديدة على المسلمين، بل هي بادئة منذ فجر الإسلام، وقد وقعت في عصر النبي (صلى الله عليه وآله). ومن هنا يجب أن يعلم الإنسان الوسواسي أنّه ليس وحيداً في مشكلته. وأنّ حدوث هذا الأمر ليس دليلاً على ضلال الإنسان وكفره وفسقه وخبثه. بل يجب عليه إذا جاءته هذه الأفكار المزعجة أن يتوقف عنها مباشرة، ثم يلجأ إلى العلاجات التالية: 1- يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويقول : (آمنت بالله ورسله) مرة واحدة على الأقل، فنكتفي بمرة واحدة في الجلسة فمثلا لو كنا في مجلس وبدأت الفكرة الوسواسية فيستعيذ بالله مرة واحدة ويتجاهل الأفكار ولا يكررها مادام أنه في نفس المجلس. 2- أن يهدأ ولا يفسِّق نفسه ولا يكفرها بل يتيقن أنّه مؤمن وهذه الوساوس لا تضره أبدا . ويتذكر أنّ غضبه وحزنه ومدافعته لهذه الأفكار إنّما هو صريح الإيمان، وأنّ هذه الوساوس غير مقصودة بل هي من الشيطان . 3- أن يعلم علما يقينا أنّه غير آثم وغير مؤاخذ بهذه الأفكار؛ لقوله تعالى : ( لا يكلّف الله نفساً إلا وسعها)(6) حيث لم يكلّفه الله تعالى بالتفكر في ذات الله مثلاً أو ببعض الامور العقائدية الدقيقة الاخرى. 4- أن يقول: "أعوذ بالله القويّ من الشيطان الغوي وأعوذ بمحمّد (صلى الله عليه وآله) الرضي، من شرّ ما قُدِّر وقُضي وأعوذ بإله الناس من شرّ الجنّة والناس أجمعين"(7) فهو من احد وصايا الإمام علي (عليه السلام) إلى كميل. 5- روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) : "إذا خطر ببالك في عظمته وجبروته أو بعض صفاته شيء من الأشياء فقل : لا إله إلّا الله محمّد رسول الله عليّ أمير المؤمنين، فإذا قلت ذلك عدت إلى محض الإيمان"(8). 6- الأفضل له أن يقرأ بعض الكتب العقائديّة البسيطة مثل: عقائد الإماميّة، أصول الدين، أصل الشيعة وأصولها، ويحاول طرح أسئلته على المختصين؛ لئلا يبقى قامعاً في دوامة التفكير المشوب بالوسوسة فيرجع إلى انتكاسته. وكلما زاد من أدلته اليقينية على عقيدته، كلما ابتعدت عنه تلك الوساوس الشيطانية. _________________ (1) الكافي: ج3، ص358. (2) البقرة: 185. (3) الحج: 78. (4) بحار الأنوار: ج68، ص212. (5) المصدر السابق: ج26 ، ص227. (6) البقرة: 286. (7) بحار الأنوار: ج74، ص271. (8) فقه الرضا (عليه السلام): 385. علوية الحسيني.

اخرى
منذ 7 سنوات
11331

العيد وقلب الإمام الحجة عليه السلام

العيد وقلب الإمام الحجة عليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم إن من أهم ما يميز العيد هو اجتماع الأهل والأحباب, فإذا كان الأب قد قضى صيامه بعيداً عن عائلته تجد صغاره وزوجته يعدّون الأيام والليالي لينعموا بطلّته مجدداً عليهم, فيجتمعوا على مائدة الإفطار صباحاً بعد أن يؤدوا صلاة العيد وبعض الأدعية التي من أهمها دعاء الندبة الذي ورد استحباب قراءته في صباح يوم العيد, ويتبادلون الهدايا والكلمات اللطيفة من أجل إدخال السرور على قلوب بعضهم البعض. ولكن يا ترى من ينتظر الإمام المهدي سلام الله عليه في هذه الليلة وهذا الصباح؟ هل هو وحيد أم هناك من يسلّي وحشته وغربته؟ ويا ترى، من نال شرف الصلاة خلفه؟! وأي مائدة تبركت بجلوسه عليها؟ أم هو غريب لا رفيق له ولا حبيب؟ وهل سنذكره في وسط ضجيج الأهل وضحكهم؟ فأين صلاتنا عليه كل ليلة طوال هذا الشهر المنصرم؟ ألم نقرأ (اللهم وصل على ولي أمرك القائم المؤمل والعدل المنتظر ...) بعد الإفطار في دعاء الافتتاح ونرغب بدولة كريمة تحت ظل رايته لكي تكتحل أعيننا بنور وجهه؟ أم هي مجرد لقلقة لسان! ومن سيحظى بإدخال السرور على قلبه صلوات الله وسلامه عليه وكيف؟ فلنقف عند هذه المحطة ونتريث قليلاً.... إذا أحببتُ شخصاً، سأسعى لأهديه ما يحبه مهما كان ثمنه، أو على الأقل سأحاول أن أدخل الفرح والسرور على قلبه, فهل أنا أُحب إمامي حقاً؟ وما هي هديتي للإمام المهدي عليه السلام هذه السنة؟ أتكون بخروجي متبرجة وأن أُكثر من الطيب؟! أم تكون بالاختلاط غير المبرر وتعالي الأصوات بالضحك؟! أم بتأخير الصلاة عن وقتها لاشتغالي بالضيوف؟! أم بإعداد أصناف من الطعام التي لا تعد ألوانها وألقي الزائد منها؟! فلننتبه رجاءً... إن هذه الأمور تدخل الحزن على قلب إمامنا سلام الله عليه، وتزيد من همه وغربته. وفي الحقيقة، البعض وربما الكثير يحول العيد من يوم مبارك إلى يوم نحس لكثرة ارتكاب الذنوب والمعاصي فيه! هم يبددون كل ما جمعوه من شذا هذا الشهر الكريم في لحظات بائسة! فأين دموعنا ونحن نتلوا (العفو العفو العفو سيدي سيدي سيدي). فلنكن ممن يسعى أن يقتطف ورود الطاعة ويعطرها بعبق التقوى، لنهديها باقة وفاء وإخلاص لمولانا الإمام صاحب الزمان أرواحنا لتراب مقدمه الفداء. والحمد لله رب العالمين

اخرى
منذ 8 سنوات
5082

الزهراء تزرع الحب في نفوس أبنائها للمجتمع

إن الإسلام يعطي الأولوية في نظامه التربوي للأسرة، لأنها أساس لوحدة للمجتمع، فكما أن الجسم البشري يتكون من خلايا حية، كذلك فإن المجتمع يتكون من خلايا هي مجموع الأسر فيه. وإذا أصيبت هذه الخلايا بالضعف والمرض، فإن مجموع الجسم يتهدم ويفسد، كذلك إذا انهارت الأسرة أو فسدت فإن المجتمع بكامله ينهار ويتحطم. لاسيما المرأة في طيب أصلها وعراقته، لأن المجتمع سوف ينهل من هذه الأسرة أسباب ديمومته أو دماره، لأنها عماد الأسرة، لا تقوم للأسرة قائمة بدونها. لذلك يقول الإمام علي (عليه السلام) (كرم الأخلاق يدل على أصالة الأعراق). إنه يضع المرأة في رأس القائمة لأن الأم إذا لم تكن صالحة بالمفهوم الإسلامي أدى ذلك إلى انحراف الأسرة وشقائها. إن لم تكن المرأة صالحة لن تنتج الصالح. والإسلام عندما يقف هذا الموقف إنما يريد الحفاظ على كيان المرأة، لأنه يريد أن يصون المجتمع برمته من الانحراف والفساد. فهو يضع على عاتق الزوجة مسؤولية كبيرة، بل يعتبرها في بعض شؤون الأسرة أكثر من الرجل، ولاسيما في مجال تربية الأولاد، فالإسلام عندما جعل المرأة مديرة للأسرة لم يهضم حقها أو ينتقص من قيمتها، وإنما رفعها إلى مقام الأنبياء. فمهمة التربية هي مهمة الأنبياء. لذلك على الأم أن تعي مهمتها المقدسة في تربية الأجيال. ولاشك أن السيدة الزهراء (سلام الله عليها) قد أرادت هذا المعنى. وهذا معنى قولنا دائماً: إن الزهراء مدرسة كبرى. لأنها بعمرها القصير مدرسة في العطاء والمعرفة والعلم والأخلاق، فهي لا تغذي أبناءها الغذاء المادي من الأكل والشرب فقط، بل غذّت أبناءها بالغذاء المعنوي والروحي وزرعت في نفوسهم حب الخير للناس جميعاً بلا استثناء. فهي الأم الجليلة والمربية القادرة، لم تكن سيدة النساء امرأة عادية لذا فكان كل ما يصدر عنها يعد نبراساً للخلق السامي ودروساً تتأسى بها الأجيال لتحذو حذوها بالتقى والإيمان. كانت السيدة فاطمة (عليها السلام) خلوقة، خليقة، متخلقة، مؤدِّبة، متأدبة، مؤدَّبة أدبها الله تعالى ورسوله، فأنشأت السيدة فاطمة (عليها السلام) عائلة مليئة بالحب والود والحنان متبعة في تربيتها وإنشائها تعاليم منزل القرآن ومشرع الحكم والتبيان، تسود هذه العائلة الألفة متعلقة بالله ورسوله (صلى الله عليه وآله) تأملوا هذه الرواية عن الامام الحسن (عليه السلام) أنه قال: "رأيتُ أمي فاطمة قائمةً في محرابها ليلة الجمعة، فلم تزل راكعة ساجدةً حتى انفلق عمودُ الصبح.. سمعتُها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتُسمّيهم وتُكثر الدعاءَ لهم، ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت: يا أمّاه، لَمْ تدعي لنفسِكِ كما تدعين لغيرِكِ؟ قالتْ: يا بُنيّ، الجار، قبل الدار....." . وقد كان بيت السيدة الزهراء (عليها السلام) بيت خير وعطاء وعطف على الفقراء والمساكين. وكانت (صلوات الله عليها) تبيت على الطوى مع زوجها وأولادها حتى يبين على وجوهم أثر الجوع، لأنهم كانوا يؤثرون الفقراء والمساكين بطعامهم، وهناك آيات كثيرة نزلت في حق السيدة الزهراء (عليها السلام) وهي تدل على عظم شأنها وكبر شخصيتها وارتفاع مقامها، وإيثارها ومنها ما جاء في سورة (الإنسان) نزلت في أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام). قال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)) سورة الإنسان. إن السيدة الزهراء (سلام الله عليها) مدرسة كبرى، فلماذا لا نتعلم دروسها؟ لقد كانت السيدة الزهراء (سلام الله عليها) وزوجها وأولادها نموذجاً فذاً للأسرة المسلمة للصالحة، ولا غرو في ذلك فنبعهم الذي ينهلون منه هو رسولنا الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله). إن معاملة السيدة الزهراء (عليها السلام) لأبنائها هي حجة على كل الأمهات، فكل أم مسؤولة أمام الله عن تربية أبنائها، كما إن الأب مسؤول فهي مسؤولة، فالإسلام متميز بحرصه على تحقيق التوازن في الفرد، ومتى تحقق هذا في الأسرة تحقق في المجتمع، فيشيع الأمن والأمان والسعادة داخله، وهذا ما لا يتوفر في المجتمعات التي تحللت من الروابط الأسرية، ولذلك فإنها تتخبط في مشاكل فردية واجتماعية لها بداية وليس لها نهاية. إن هذه المناهج التربوية لن تجدها إلا في الإسلام لأن الهدف منها بناء الإنسانية الطيبة الطاهرة . حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
7113

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
88117

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
79483

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
60427

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 7 سنوات
51337

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 8 سنوات
48522

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
44221