فاطمة الركابي

الإمام الجواد (عليه السلام) شبيه الانبياء (عليهم السلام)

بقلم: فاطمة الركابي قال أبو عبد الله (عليه السلام): "من لم يعرف أمرنا من القرآن لم يتنكب الفتن ".(١) يقال: إن المقصود بالتنكب هو" تجنب الوقوع بالفتن"، لذا فإن معرفة مقامات الأئمة (عليهم السلام) مطلوب وهو جزء مهم في عقيدة كل مؤمن يقر بولايتهم، ويسعى أن يكون عارفاً بحقهم. إن القرآن الكريم لم يصرح بأسمائهم، ولعل من الاسباب الظاهرة لنا هو ان ذلك جزء من اختبارنا بهم، ولعل من الاسباب هو "أن المُعرَّف لا يحتاج الى تعريف" كما يقال. وعندما عندما يقول النبي(صل الله عليه واله) أنه هو وهم من نور واحد -كما ورد عن جابر بن يزيد، قال: قال لي أبو جعفر(عليه السلام):" يا جابر إن الله أول ما خلق، خلق محمداً وعترته الهداة المهتدين، فكانوا أشباح نور بين يدي الله..."(٢)، فهذا يعني أن ما للنبي من مقامات هي لهم، وهي منطبقة عليهم مع علو مقام النبي(صل الله عليه واله) بلا شك فهو سيد الخلق. ولكن بالنتيجة فإن مقاماتهم مقارنة مع من هم أقل درجة من النبي الخاتم (صل الله عليه واله) هي أعلى وارفع، فلهم ما للأنبياء والاولياء وما يزيد على ذلك. لذا فقول الامام الرضا (عليه السلام) في مولد امامنا الجواد (عليه السلام): "قد وُلِد لي شبيه موسى بن عمران فالق البحار، وشبيه عيسى بن مريم،..."(٣) إشاره وتثبيت لهذه الحقيقة أي وجود مقامات الائمة وعظم شأنهم. بعض مصاديق أوجه الشبه بين الامام الجواد(عليه السلام) والنبيين موسى وعيسى(عليهما السلام): - كون ولادته فيها قرة للعيون. في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ﴾ إذ عبرت السيدة آسيا عن نبي الله موسى(عليه السلام) بأنه قرت عين لهم، وفي قول اخر قال كتاب الله : ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا...﴾، بالنتيجة وصفه كتاب الله بأنه قرة للعيون. كذلك امامنا الجواد (عليه السلام) كما ورد في حديث طويل أنه قال جابر: "أشهد بالله أني لما دخلت على أمك فاطمة (عليه السلام) في حياة رسول الله(صل الله عليه واله) أهنيها بولادة الحسين (عليه السلام) فرأيت في يدها لوحا أخضر ...الى ان وصل لما فيه ذكر لإمامنا الجواد انه عز وجل قال في شأنه:" حق القول مني لأقرن عينه (أي امامنا الرضا) بمحمد ابنه وخليفته من بعده، فهو وارث علمي،..."(٤) - المولود المبارك ويصف كتاب الله عيسى (عليه السلام) بالمبارك، قال تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ... ﴾ (مريم:31)، والامام الجواد (عليه السلام) كذلك، فعن أبي يحيى الصنعاني قال:" كنت عند أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فجيء بابنه أبي جعفر(عليه السلام) وهو صغير، فقال: هذا المولود الذي لم يولد مولود أعظم بركة على شيعتنا منه" (٥). - مقام الاصطفاء والاجتباء قال تعالى:{قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاس} (الأعراف: 144)، وقوله تعالى:{شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا...وَمُوسَى وَعِيسَى...اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء...}(الشورى: 13)، والامام الجواد (عليه السلام) بلغ هذين المقامين كما بين امامنا الهادي(عليه السلام)في الزيارة الجامعة الكبيرة بوصف الائمة: "اصْطَفاكُمْ بِعِلْمِهِ"، و "وَاجْتَباكُمْ بِقُدْرَتِهِ".(٦) - كلمة الحق والفيصل بين أهل الباطل والحق قال تعالى:﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾(مريم: 34)، والامام الرضا (عليه السلام) شبّه وليده المبارك بموسى فالق البحر (عليهما وعلى نبي الله السلام)، فكما قال تعالى في محكم كتابه :﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ(○)وَأَنْجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ(○)ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ (آل عمران:٦٣-٦٥). ويبدوا أن الغاية من معجزة نبي الله موسى (عليه السلام)لما فلق البحر، كانت أنها برهان لأحقيته ورسالته، فنجّى بها من ثبت على إيمانه بصدق حجية نبي الله موسى (عليه السلام)، وإغراق من جحد واستكبر على رسل رب السماء. وكذلك مولد امامنا الجواد(عليه السلام) كان بمثابة الفيصل الذي بولادته نجى واستقام من كانوا يؤمنون بإمامة ابيه الرضا، وكانت مهلكة لأهل الانحراف والتشكيك فغرقوا في ظلمات شكهم وضلالهم. فقد ورد عن ابن قياما الواسطي قال:" دخلت على علي بن موسى عليهما السلام ...الى ان قال - ولم يكن ولد له أبو جعفر(عليه السلام) بعد - فقال لي: والله ليجعلن الله مني ما يثبت به الحق وأهله، ويمحق به الباطل وأهله، فولد له بعد سنة أبو جعفر(ع)...".(٧) - الوجاهة قال تعالى: ﴿...عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ (آل عمران :45)، وقوله تعالى:﴿... وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ (الأحزاب: 69)، والامام الجواد(عليه السلام) من القابه أنه" باب للمراد"(٨)، وكما بين امامنا الهادي (عليه السلام)في الزيارة الجامعة الكبيرة بوصف إياهم : "وَمَنْ قَصَدَهُ (اي سبحانه وتعالى) تَوَجَّهَ بِكُمْ". (٦) - ظهور المعجزات قال تعالى: ﴿...يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً... وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي...﴾(المائدة: 110)، ولعل -كما يبدو- أن وجه الشبه في هذا الامر مع نبي الله موسى (عليه السلام) في مسألة فلق البحر -كما خص الامام الرضا (عليه السلام) بذكرها في الرواية انفاً- أنها كانت معجزة وشيئًا خارج القوانين الطبيعية، قد أتى بها نبي الله موسى(عليه السلام) ايضاً، وبالمقابل فإن الامام الرضا (عليه السلام) صرّح بأن مقام الإتيان بالمعجزات هو حاصل للإمام الجواد بنص رواية نأخذ الشاهد منها: عن السيدة حكيمه انها قالت لما ولد امامنا الجواد (عليه السلام) قال لها امامنا الرضا (عليه السلام): " يا حكيمة الزمي مهده، قالت: فلمّا كان في اليوم الثالث رفع بصره إلى السماء ثم نظر يمينه ويساره ثم قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. فقمت ذعرة فزعة! فأتيت أبا الحسن عليه السلام، فقلت: سمعت من هذا الصبي عجباً. فقال: وما ذاك؟، فأخبرته الخبر. فقال: يا حكيمة ما ترون من عجائبه أكثر(٩). واوجه الشبه كثيرة للمتأمل والمتدبر، فهو صلوات الله عليه ترجمان كتاب الله تعالى، فله في كل آية نصيب، بل وهو منها المقصد الاعلى والاعظم. -------- (١) تفسير العياشي :ج ١ ص ١٣، نقلاً عن: بحار الأنوار ، ج ٨٩، ص ١١٥. (٢) بحار الأنوار: ج ٥٤، ص ١٩٧. (٣) الامام الجواد من المهد الى اللحد: ص٣٨. (٤) غاية المرام: ج ٢، ص ١٦٦. (٥) الكافي:ج1،ص321. (٦) مفاتيح الجنان: ص ٦٣٣-٣٣٨. (٧) الكافي: ج١، ص ٣٢٢. (٨) دلائل الإمامة :ص ٢٠٩. (٩) بحار الأنوار: ج ٥٠، ص ١٠.

اخرى
منذ سنة
4343

زينة أبيها...

بقلم: فاطمة الركابي إن من المعاني التي شُرح بها اسمها الشريف، والذي يُشير الى عمق وجمالية العلاقة بينها وبين الإمام علي (عليه السلام) كأب هو إن اسمها الشريف مشتق من: (زَين) و( أب) (١). وهو ما يعرف كلقب لها وهو "زينة أبيها". ولو بحثنا عن بعض مصاديق الزينة كثقافة قرآنية لوجدنا أن من مصاديقها: (البنون) كما في قوله تعالى:{...وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} (الكهف:46)، وهي الزينة الظاهرية التي يَحصل عليها الإنسان. فقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله): "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: ...، إلى أن قال: أو ولد صالح يدعو له" (٢). بالنتيجة فإن البنين إن كانوا من أهل الصلاح والبِر، فهم زينة ظاهرية لكن باقية لا تزول بزوال الدنيا التي نُسبوا إليها كما في الآية. وعليه، فإن السيدة زينب (عليها السلام) وفق هذا المصداق هي ليست بقية صالحة وحسب، بل من أعلى مصاديق الباقيات الصالحات التي تركها أمير المؤمنين (عليه السلام)، لما لها من الشأن والعظمة عند الله سبحانه. وهناك مصداق قرآني آخر وهو: (الإيمان) كما في قوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}(الحجرات:7)، حيث تُبين هذه الآية أن هناك زينة حقيقية للإنسان، فالإيمان الذي يَحمله قلب العبد، هو الصبغة الإلهية التي تلون وجوده وتُنير قلبه، والنبي الأكرم (صل الله عليه وآله) وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) في يوم الخندق بأنه الأيمان كله، حيث قال عنه: "برز الإيمان كله إلى الكفر كله" (٣). وفي هذا إشارة عظيمة لو حاولنا أن نربط بين ما يحمله الإمام من زينة وهي الإيمان الكامل، وبَين وصف السيدة (عليها السلام) بأنها "زينة أبيها"، فأي درجة من الإيمان تحمل السيدة؟ تعالى وحده يعلم! إن الإيمان - كما يقولون - "كالعشق تماماً، ينجذب الإنسان أمامه ثم يستوعب كل وجوده" نعم! هذه العبارة قد تلخص لنا حقيقة الإيمان ومراتب كماله، ولكن تخفي في طياتها تفاصيل كثيرة، وإنما لها أهلها، وهم النبي (صلى الله عليه وآله) وآل بيته (عليهم السلام)، فأهل البيت (عليهم السلام) بكلماتهم قد بينوا لنا أكمل درجات الإيمان وتجلى ذلك في سلوكهم وعملهم، فكما في الحديث "إن الايمان عمل كله" (٤) والسيدة زينب (عليها السلام) كسيدة علوية هاشمية مخدرة، عُرفت وتجلت أمامنا حقيقة كمال إيمانها من خلال مواقفها في مسيرها مع الإمام الحسين (عليه السلام) في واقعة الطف. فعن إمامنا الصادق (عليه السلام) أنه قال: "من أحب في الله، وأبغض في الله، وأعطى في الله فقد كمل إيمانه" (٥). حيث إن أعظم مصاديق الحب في الله تعالى هو حب أولياء الله تعالى ومعاداة أعدائه، والسيدة بكل مواقفها وخطواتها وخطاباتها كانت مُظهرةً لحبها لولي أمرها وإمام زمانها سواء كان الإمام الحسين (عليه السلام)، أو الامام السجاد (عليه السلام) بعد استشهاد أبيه سيد الشهداء. أما في خصوص العطاء في الله سبحانه المذكور في الحديث، فهي (عليها السلام) أعطت أبناءها في كربلاء حتى قِيل إنه لم يذكر التاريخ أنها كانت تسأل عنهم أو تتفقدهم، بل سخرت كل وجودها في سبيل الله سبحانه. وورد أيضًا عنهم (صلوات الله عليهم): "ثلاثة من كُن فيه استكمل إيمانه: لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يرائي بشيء من عمله، وإذا عرض عليه أمران أحدهما للدنيا والآخر للأخرة آثر أمر الآخرة على أمر الدنيا" (٦). وهي (سلام الله عليها) قد كانت مصداقًا حقيقيًا لمن لا يخاف في الله تعالى لومة لائم، ومِمَن يقول الحق وإن عز، وإن كان به قد تُفقد النفس، فقد صرحت بالحق حتى زلزلة عروش الظالمين حتى قيام يوم الدين، وللمتأمل في خطبها يجد أن العبارات كلها تشير إلى هذه الحقيقة. وبخصوص الصفة الثانية بهذا الحديث فهو متحقق بها أيضًا، فهي كانت في كنف زوجها عبد الله تعيش حياة كريمة مرفهة، فهو -كما ينقل التاريخ- كان ثريا جدًا، لكنها أعرضت عن زينة الدنيا ولازمت الإمام الحسين (عليه السلام)، ملبية دعوته كما قال: "من لحق بي منكم استشهد معي، ومن تخلّف لم يبلغ الفتح، والسلام" (٧)، فهي وإن لم تستشهد إلا أنها بلغت الفتح. وفي حديث آخر: "إن الله (عز وجل) وضع الإيمان على سبعة أسهم، على البر والصدق واليقين والرضا والوفاء والعلم والحلم، ثم قسم ذلك بين الناس، فمن جعل فيه هذه السبعة الاسهم فهو الكامل" (٨). والسيدة (عليها السلام) قد جمعت هذه الأسهم السبع: السهم الأول: البِر. ومن مصادقه هو الانفاق المادي كالمال لأهل الاستحقاق، حيث كانت من ألقاب السيدة أنها تلقب "المرأة الكريمة" (٩)، وأم العواجز (١٠) حيث كانت تأوي وترعى وتنفق على العجزة وكبار السن والفقراء والمعوزين - وكما يُنقل- كانت تبني لهم دورًا بقرب دارها ليسهل عليها تفقدهم ورعايتهم. ومن مصاديقه هو الإنفاق المعنوي كالاهتمام بتعليم النسوة وحل مشكلاتهن الدينية والدنيوية. السهم الثاني: الصدق. فقد كانت (عليها السلام) من أهل الصدق، بل هي الصديقة الكبرى على كل النساء بعد أمها الزهراء (عليها السلام) فهي بالقياس بأمها فقط "صديقة صغرى"(١٠). السهم الثالث: اليقين. فالسيدة (عليها السلام) لما فقدت صاحب النهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، وحامل اللواء وكفيلها العباس (عليه السلام)، ولما تعرضت لسبي مع كونها فخر المخدرات، سارت في طرقات الكوفة والشام، ودخلت قصر أهل الجور والظلم، بقيت هي... هي زينب بنت علي (عليما السلام) لأنها لم تفقد رب السماء الذي بعين قلبها كانت تراه، فهي كانت ترى جميل صنعه، لا قبيح صنع خلقه فثبتت وواصلت. السهم الرابع: الرضا. هي (عليها السلام) لم تَكن من أهل الصبر فقط، بل من أهل الرضا بمكروه القضاء، فبلغت مرتبة الصبر الجميل حيث لما قيل لها "كَيْفَ رَأَيْتِ صُنْعَ اللَّهِ بِأَخِيكِ وَ أَهْلِ بَيْتِكِ ؟ فَقَالَتْ : مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلًا،..."(١١)، وقولها: "اللهم تقبل منا هذا القربان"(١٢)، وكأنها تقول لنا: إنها ترتجي من كل ما أصابها بلوغ وتحقق القرب من مولاها، فكيف لا تكن راضية به؟! السهم الخامس: الوفاء. فمن القابها "أمينة الله" (١٢)، فهي الوفية بعهدها والأمينة على رسالتها ودورها الذي كلفت به من قبل إمام زمانها سيد الشهداء، فهي لم تنكسر بفقده بل واصلت المسير، وأدت رسالتها، فكانت لسفينة النجاة الشراع الذي أوصل نهضته إلى بر الأمان. فمن يرتبط بالله تعالى ويَكن تابعاً لدعاة الحق المرسلين من قبل الله تعالى، فإنه لا يتوقف بفقدهم عن مسعاه، بل تبقى رسالته حية في داخله، لأن رب الرسالة حي لا يموت. السهم الخامس والسادس: العلم والحلم. حيث قالوا في كلماتهم الطاهرة: "وعلما في حلم" (١٣)، فقد قرن الحلم بالعلم، فمن ثمار تحقق وجود العلم الإلهي في القلب هو وجود الحلم في حامله، والسيدة كانت من أهل الحلم لأنها من أهل العلم، كما وصفها إمامنا زين العابدين (عليه السلام) بأنها "عالمة غير معلمة" (١٤). فهذه محاولة واشارات عابرة حول تحقق كمال الإيمان في السيدة زينب (عليها السلام) التي كانت زينة لأبيها علي (عليه السلام). _____________________________ (١) زينب الكبرى من المهد الى اللحد: ص٢٦، نقلا عن كتاب القاموس. (٢) بحار الأنوار: ج٢، ص٢٣. (٣) بحار الأنوار: ج ٣٩، ص ١. (٤) الكافي للكليني: ج٢، ص٣٣. (٥) أصول الكافي: ج٢، ص٥١٠، ح١. (٦) تنبيه الخواطر: ج١، ص٥٦٢. (٧) كامل الزيارات، ابن قولويه: ص ١٥٧. (٨) اصول الكافي: ج٢، ص٤٥٢، ح١. (٩) زينب الكبرى من المهد الى اللحد: ص٢٧، نقلا عن كتاب لسان العرب. (١٠) المناقب لابن شهرآشوب: ج٤، ص١١٥. (١١) زينب الكبرى من المهد الى اللحد: ص٢٢٣. (١٢) مقتل المقرم: ص307. (١٣)بحار الأنوار: ج ٧٥، ص ٣٠. (١٤)بحار الأنوار:ج٤٥، ص١٦٢.

اخرى
منذ سنة
1736

رسالة غديرية (تجنبِ الطاغوتَ الذي في داخلِك لتنجو)

بقلم: فاطمة الركابي قال (تعالى): {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[البقرة:256]. إنَّ أساس تعامل النظام الديني مع الإنسان هو وفقَ مبدأ أن لا يُجبر على أيِّ اختيار، ويبقى مسؤولًا وحرًا في اتخاذِ أيِّ قرار، فإنْ كان من أهلِ الرشد باتباع ما تُمليه عليه فطرته فهو سيسلمُ وينجو، أما إن اختار الغيّ فسيهلك. وحبلُ الثبات للبقاء في منطقةِ الأمان والاستقامة بالكفر والبراءة من الطاغوت، والإيمان والدخول في ولاية الله (تعالى) هو "التمسك بالعروة الوثقى" التي لا يُمكنُ أنْ تنقسمَ أو تزول؛ لأنّها مُرتبطةٌ بربِّ السماء، ونور رسالته، كما ورد عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "... معاشر الناس! من أحبَّ أنْ يتمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصامَ لها فليتمسكْ بولاية علي بن أبي طالب، فولايتُه ولايتي، وطاعتُه طاعتي. معاشرَ الناس! من أحبَّ أنْ يعرفَ الحُجةَ بعدي فليعرفْ عليَّ بن أبي طالب. معاشر الناس! من سرَّه ليقتديَ بي، فعليه أنْ يتوالى ولاية علي بن أبي طالب والأئمة من ذريتي، فإنّهم خُزّانُ علمي"(1). وبعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله) للرفيق الأعلى، كان يستوجبُ وجود من يخلُفه في الأرض، إذ فُطِرَتِ البشريةُ منذ أول خلقتها على أنَّها تحتاجُ لقائد، والله (تعالى) لم يُخلها يومًا من القيادةِ الحقّة، المعصومة، التي يمثلها الإنسانَ الكامل؛ لتهديها وتأخذ بأيدي من ينقاد إليها لصراطه المستقيم. وفي قوله (تعالى): {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى الله لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فَبَشِّرْ عِبَادِ}[الزمر:١٧]، إشارةً لفعلين بهما يبلغُ العبدُ الخيارَ الصحيح هما (التجنب) و(الإنابة). إذ يُمكنُ أنْ نفهمَ من (التجنب) هو الابتعاد عن الشيء، وركنُه جانبًا، وقوله (أَن يَعْبُدُوهَا) - كما يبدو- أنَّ مفهوم (العبادة) هُنا عامٌ، أي يشملُ خدمةَ الطواغيتِ، دعمهم، تأييدهم، العمل معهم، الإصغاء والسكوت على فسادهم (كما ورد من أصغى إلى ناطقٍ فقد عبده)، فهذا اقترابٌ وليس ابتعادًا (اجتناب)، فهو سيكون ممن يحملُ روحيةَ الطغاة، وجزءًا من مشروعهم الظلامي المفسد، وتحقيقُ الاجتناب يكونُ عبر الفعل الثاني. إذ التجنب -كما تُبيّن الآية- يتطلبُ (الإنابة)، أي الرجوع لله (تعالى) في كُلِّ قولٍ وسلوكٍ، فالدخولُ بولايةِ الله (تعالى) والتقرُّبُ من أهلِ الحقِّ، وخدمةُ المشروع الإلهي، وفضحُ حقيقةِ منهجِ الطاغوت، وتبيين مساوئه، كُلُّها تُحقِّقُ مفهومَ التجنبِ في النفس، وتُحقِّقُ العبودية لله (تعالى)، وتقتلُ بذورَ الطغيان فيها. لذا في الآيةِ التي تليها نقرأ قوله (تعالى): {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ الله وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ}[الزمر:18]، فأهلُ التعقلِ المهديون لن تنطلي عليهم أفكارَ وأساليبَ الطواغيت، بل هم من أهل الوعي وحُسنِ الاستماعِ والتمييز. فالخطورةُ بدءًا ليست في القياداتِ الظالمة، والطغاة، بل في أفرادِ المجتمعات المُلتفّة حولَ هؤلاءِ الطغاة، فهم قد خرجوا من قانونِ العبودية لله (تعالى)، وممن فقدوا رشدهم، وآثَروا مصالحهم الشخصية الدنيوية وزينة الحياة الدنيا ففرحوا بأضوائها، وعَموا عن رؤيةِ حقيقةِ خلوِّها من الأنوار التي لا يُمكِنُ تحصيلُها إلا باتباع أهلِ النور الإلهي، والمنهج للشريعة الإلهية التي أرسلت إليهم. فمن لم يُصغِ، أو أصغى لتبليغ النبي (صلى الله عليه وآله) ولم يَستقِمْ على عهده في تولّي من ولَاهم عليه من بعدِه على امتدادِ تلك الأزمنة إلى خاتمِ الأئمة (عجل الله (تعالى) فرجه)، هو ممن لم يجتنبْ ذلك الطاغوت الذي في داخلِه، فطغى واستكبر عن طاعة أمرِ ربِّه ورسوله، فصعبٌ عليه الانقياد لولاةِ أمره، وقد اشترك في صناعةِ طاغوتِ زمانه، ولأنه ممن لم يتمسكْ بالعروةِ الوثقى سيكونُ بذلك مصيرُه الهلاكَ في الحياة الأخرى. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (١) غاية المرام: ٢٤٤.

اخرى
منذ شهرين
112

نجمةُ سماءِ النبالة

بقلم: فاطمة الركابي من الألقابِ التي أطلِقت على السيدةِ زينب الحوراء (عليها السلام) أنّها (نجمةُ سماءِ النبالة)(١). ومن أوجهِ الشبه التي يُمكِنُ أنْ نفهمَها بين هذه السيدةِ الجليلة وهذا اللقب، أنَّ النجمةَ إنْ ظهرتْ في السماءِ زيّنتْها، وجعلتْها أكثرَ جمالًا ونورًا، وإنْ لم تظهرْ زينتِ السماءَ بزينةٍ خفيةٍ وإنْ بقيت صافية. وهكذا السيدةُ (عليها السلام) صاحبةُ العباءةِ النورانيةِ السماوية، كانت نورًا بظهورها، وخروجها من بيتها والتحاقها بقافلةِ سيدِ الشهداء؛ لتؤدّي دورها التوعوي في بثِّ أهدافِ نهضتِه بعد استشهاده (عليه السلام)، ولتُكمِلَ من بعدِه مسيرةَ إصلاحِ نفوسِ مجتمعٍ كانت أخطرَ أحواله كما وصفهم الإمامُ (عليه السلام) بقوله: "إِنَّ النَّاسَ عَبِيدُ الدُّنْيَا، وَالدِّينُ لَعْقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ‏ يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ..."(٢). فألقت عليهم الحجة، وحفظتِ الإمامةَ من بعده، وأنارتِ الطريق للأجيالِ القادمة، فعرفتْنا بالحقِّ، وحُفِظَ بدورها هذا ليصلَ إلينا بوجهه المُحمدي الأصيل. وهي (عليها السلام) ببقائها في دارِها مُخدَّرةً كانت أيضًا نورًا ومصدرًا للتوعية، على مستوى تعليمِ النسوة وإنارةِ عقولهن بمعارفِ القرآنِ الكريم، وتفقيهِ النسوةِ بدين الله (تعالى)، فبثَّت من نورِها المكنون في خدرِها المصون إلى بيوتاتِ المسلمين علمًا، وكُلَّ خُلُقٍ كريم؛ ففخرُ المُخدرات هي هي بخروجها للمجتمع وببقائها في دارها، بظهورها وبخفائها، بقيتْ نورًا يقتبِسُ منه الجميع. وكما إنَّ جمالَ النجمةِ يبقى خفيًا، ولا يُمكِنُ أنْ تصلَ إليه وإلى حقيقته جارحةُ العين؛ لبعدِها عنها تارةً، ولبديعِ صنعِها وجلالِها تارةً أخرى، فنحنُ نُحِبُّ جمالَها بالمقدارِ الذي تصِلُ إليه أبصارنا، وتستوعبه أفئدتنا من مقدارِ طهرها، فهكذا السيدة (عليها السلام) كانت جمالياتُ شخصيتِها الظاهرية بمقدارٍ ما معروفةٌ؛ فهي لبوةُ حيدرة الكرار وبنت البتول (عليهما السلام)، ولكنَّ شخصَها كانَ مكنونًا؛ فهي دُرَّةُ بيتِ النبوةِ والإمامة. ولو تأمّلنا بالنجمة أكثر لوجدنا أنَّ جمالَها وقيمتَها بالنورِ المعنوي الذي ينعكسُ لنا عندما نراها في السماءِ لا تُقاسُ بجمالها الظاهري/ الصوري، وهكذا سيدتُنا النجمة (عليها السلام) توصِلُ لنا هذا المعنى بأنّ قيمةَ النساءِ بجمالِهن المعنوي، فمن سعت لتُنمّي وتُجمِّلَ باطنها بالارتباطِ بمصدرِ النور الحقيقي، فإنّها ستكونُ جميلةَ الباطنِ والظاهر. وإنْ كان جمالُها الظاهري بسيطًا، فلابُدَّ أنْ ينعكسَ من باطنِها عليه، فجمالُ النجمةِ الظاهري إنّما هو انعكاسٌ لنورِها الذي وهبَه لها خالقها. وهكذا كانتِ السيّدةُ (عليها السلام) عاليةً بعلوِّ النجمةِ في السماء؛ لأنّها كانتْ مرتبطةً بربِّ السماء وبأهلِ السماء ونهجهم. وهذا درسٌ زينبيٌ لكُلِّ من شُغفَ قلبها بما يُسمّى بـ(النجومية والتميّز وحُبِّ الظهور)، فمفهومُ النجمةِ في عالمِ اليومِ يُطلَقُ على تلكَ المرأة (النجمة)، لكن بخصائصَ وسماتٍ أرضيةٍ لا بخصائصَ سماوية نبيلة، فحريٌ بكُلِّ النساءِ أنْ يخترنَ الاقتداءَ بسيّدةِ النساءِ بعدَ أمِّها الزهراء (عليهما السلام). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (١) الأمالي للمفيد: 321/8. (٢) بحار الأنوار: 44 / 382.

اخرى
منذ شهر
138

من علاماتِ قبولِ التائبين في دعاءٍ لإمامِنا زين العابدين (عليه السلام)

بقلم: فاطمة الركابي هل رأيتَ مُحِبًا أغضبَ محبوبَه فعاشَ بعدها هانئًا سعيدًا؟ أم هل رأيتَ صاحبًا أخطأ في حقِّ صاحبه فتمكّن من مواصلةِ طريقه (بذات البهجة!)؟ أم هل رأيتَ طالبًا عصا مُرشدَه، فبقيَ بروحٍ مستقيمة؟ أم هل رأيتَ مريضًا خالفَ طبيبَه فحافظَ على بدنِه سليمًا؟ بلا شك، كلا! ولنا أنْ نتخيلَ كم أنّ حياة ذلك الشخص ستطيبُ، والبسمة على مُحيّاه ستتجدّدُ، والحيوية في روحِه ستتولّدُ إذا ما عفا عنه المحبوبُ، وسامحَه الصاحبُ، ورضيَ عنه المرشدُ، وقوّمَه الطبيبُ. وهكذا -بلا مُقايسة- فإنّ الإنسانَ الذي يتجاوزُ حدودَ ربِّه، ويقعُ في مواطنِ غضبِه وعصيانِه ومخالفتِه، هو بفطرتِه يسعى للعودةِ، وبذاتِ الوقتِ يبقى هناك في داخلِه هاجسٌ يريدُ أنْ يعرفَ هل أنَّ الربَّ الجليلَ قبلَ توبته أم لا؟ وعن سؤال هذا الشخص وأمثاله يُجيبُ إمامُنا زينُ العابدين (عليه السلام) في (دعائه إذا استقال من الذنوب)(١)، مُبينًا أنّ لقبولِ التوبةِ علاماتٍ ودلالاتٍ تحصلُ في النفس، وبشاراتٍ ذات أثرٍ تكشفُ عن صدقِ قرارِ التائبِ في رجوعه لربِّه وتوبته النصوحة والتي منها ما ورد في قوله (عليه السلام): "وَأَذِقْنِي حَلاَوَةَ الْمَغْفِـرَةِ"، فهُنا يجدُ التائبُ حلاوةً معنويةً يتذوّقُ بها طعمَ محبةِ الله (تعالى)، وجمالَ حقيقةِ سترِ اللهِ (تعالى) عليه. وفي قوله (عليه السلام): "وَاجْعَلْنِي طَلِيقَ عَفْـوِكَ"، هنا علامةٌ أخرى وهي حصولُ حالةٍ من التحرُّرِ من ذلك الذنب كمن لم يُذنب من قَبل، فيُنسِيهِ إيّاه، ويُنسي الملائكةَ ما ارتكبَه، فلا يعيشُ شعورَ الخجلِ والأسفِ المُثبِّط الذي يُعيقُه عن مواصلةِ في السيرِ إلى الله (تعالى). وقوله (عليه السلام): "وَعَتِيقَ رَحْمَتِكَ"، فالعتقُ هُنا -كما يبدو- عدمُ الميولِ مرّةً أخرى للرجوعِ لذلك الجُرم، وذلك بالعيشِ في طريقِ رحمةِ الرحمان بعيدًا عن أجواءِ وخطواتِ الشيطان. وقوله (عليه السلام): "وَبَشِّرْنِي بِذلِكَ فِي الْعَاجِلِ دُونَ الآجِلِ بُشْرى أَعْرِفُهَا، وَعَرِّفْنِي فِيهِ عَلاَمَةً أَتَبَيَّنُهَا إنَّ ذلِكَ لاَ يَضيقُ عَلَيْكَ فِي وُسْعِكَ"، فالتائبُ الحقيقي لابُدّ أنْ يرى البشاراتِ، يرى أثرَها في واقعِه الحياتي الآن، قبل الجزاء الأخروي، وتتبيّنُ له العلاماتُ، كأن يحصل على التحصين، ويبلغ التوفيقَ بعدَ حصولِ الخُذلان، ويلهم سُبلَ التصحيحِ والتيسيرِ بعدَ التعثُرِ في نفس المسار. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الصحيفة السجادية: ص ٧٠.

اخرى
منذ شهر
126