مرتضى علي الحلّي

من أهمّ وسائل الوقاية والدفاع لمواجهة ظاهرة البيوتكنولوجيا في إطارها الإيديولوجي السلبي المعاصر:

بقلم: مرتضى علي الحلّي لقد بيّنا في مقال سابق مفهوم ظاهرة البيوتكنولوجيا -وهي استعمال التطبيقات الرقميّة الحديثة- وآثارها الخطيرة على الفرد والمجتمع والدولة ومؤسساتها وآليّات حراكها في التوظيف الفكري والثقافي سلبًا وتطبيقًا، وهنا نضع بعض ما هو الأهم في جانب الوقاية والدفاع وتجنّب الأضرار المُحتَمَلة من ذلك. 1- العمل على تجذير الانتماء الاعتقادي ومعياريّته الربانيّة وأهميّته في وعي وتلقي شبابنا وفق وجوب الإيمان بوجود الله تبارك وتعالى وتوحيده وعبادته وطاعته في دينه الحقّ. لأنّ تجذير مفهوم الانتماء العقائدي والاجتماعي والأخلاقي والثقافي والفكري في نفوس الأفراد بصورة فعليّة هو الأساس الأقوى والآمن في حفظ النفس وعدم تأثّرها بما يستهدفها قيميّاً وثقافيّاً وعقائديّاً وسلوكيّا، وهذا عين ما أسسَ له الإسلام العزيز فكريّاً وثقافيّاً، قال الله تعالى مُفصِحًا عن هذا المفهوم: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوىٰ عَلَىٰ الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (يونس 3) (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات 13) (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ) (الروم 22). فلنلحظ وندرك أهميّة جَعلِ الله تعالى الشعور الاعتقادي بأصالة الخالق وجوداً، وضرورة الانتماء إلى الحاضنة الاجتماعيّة والأخلاقيّة السليمة سلوكاً، والقائم على أساس التقوى طريقاً وتعارفاً وأغراضا، وفق حقيقة التنوع الانساني والاجتماعي ، وأنّ لكلّ أمّةٍ قيمها وأعرافها وأصولها وإن تشاركت مع الأمم الأخرى في بعضها، ولكن يبقى من الضروري تعزيز مفهوم الانتماء فرداً وأمةً ومنهجًا وسلوكًا. هذ هي المنطلقات الواقعيّة حياتيًّا، والتي يجب أن يكون معيارها التقوى في التفاضل والتعامل المُتبادل والتواصل الثقافي المُقارن انثروبولوجيًّا وأثنولوجيّا مع غيرنا . فينبغي غرس هذا المفهوم الانتمائي التربوي القيّمي في نفوس الأفراد حتى نتمكّن من أن نبني جيلاً واعيًا وحضاريًّا ناضجًا في فكره وسلوكياته وخياراته وقادرًا على حفظ نفسه ومعتقده وثقافته وعرفه المقبول والمعقول، في قبال ما تستهدفه الإيديولوجيات المعاصرة بواسطة تقنيّة البيوتكنولوجيا وأدواتها في الغزو الثقافي وضرب المنظومات الاعتقادية والأخلاقيّة وهدمها بمعول التواصل السلبي والتلقي غير المعياري والانفعالي والارتدادي وتذويب الانتماء المستقيم تحت مظلة العولمة ومبانيها المضادة للإسلام الحكيم وقيمه القويمة. 2- اعتماد مبدأ التَنميَّة الذاتيّة للإنسان نفسًا وسلوكًا وتدبيرًا وموقفًا وارشادًا، والتركيز على إشعاره بالتقدير الشأني والتكريم الشخصي، وهذا المبدأ من أبرز ما تحددَ به منهاج القرآن الكريم في تربية الأفراد على أساس أهميّة بناء الذات الإنسانيّة وعدم توهينها اتّباعًا. وتقوية هذا الشعور النفسي عندهم بأنّ لشخصيّاتهم حقيقة وجوديّة وفكريّة وأخلاقيّة واجتماعيّة مستقلة يجب أن تُحترَم كما يجب احترام الآخرين، وبمراعاة هذا المبدأ الوقائي يمكن مواجهة ظاهرة الاختطاف الفكري والثقافي والسلوكي التي تتبناها غرف عمليات تقنيّة البيوتكنولوجيا في العصر الراهن وفي إطار الحرب الناعمة والباردة . 3- ضرورة توعية الأفراد توعيةً كيفيةً وكميَّةً، وإنَّ من جملة ما أكّدَ عليه منهاجُ القرآن الكريم هو ضرورة تعاطي الأفراد في حياتهم مع الآخرين ثقافةً وتلقيًا وتفاعلًا تعاطيًا عقلانيًّا وشرعيًّا معتدلًا والابتعاد عن السلوكيات الانفعاليّة في الأخذ والقبول أو التنميط والتأثّر. وهذا الوعي إنّما يتأتى من إشعارهم بأنّ العقلانيّة والشرعيّة والاعتدال هي السُبل الوحيدة لحل الاشكاليات أيّاً كانت، وإلى ذلك أشار القرآن الكريم في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ } (الزمر 18) ويتحقق ذلك الوعي الكيفي والكمي بتربية الأفراد على ممارسة التفكير السليم والحكيم نظريًّا وعمليًّا برصد المقدمات و النتائج والعواقب، لذا روي عن الرسول الأكرم مُحمّد (صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم) أنّه قال: (إذا هممتَ بأمرٍ فتدبر عاقبته) (١) وعن الإمام جعفر الصادق ، عليه السلام ، أنّه قال ( تفكر ساعة خير من عبادة سنة - وقرأ بعد هذا الحديث قوله تعالى (إنما يتذكر أولوا الألباب)) (٢). وتتجلى ممارسة التفكير هذه في صورة مراجعة الفرد نفسه بشكل دائم واخضاع سلوكياته للتقييم المعياري السليم وفق قيم التقوى والفضيلة والدين الحقّ والعقل القويم . وهذه المراجعة التقييميّة والتقويميّة تتطلّب في حراكها الهادف والناجح والصالح تنظيم الوقت وتوزيعه بحسب نظام الواجبات والضروريّات والأولويّات والأهميّات وعدم هدره في الخوض الفوضوي وغير الضروري، وأيضًا في إطار ذلك ينبغي تصنيف استعمال هذه التقنيات الرقميّة الحديثة وفق ملاك الأهم عقلًا وشرعًا وحاجةً ومنهجًا. 4- هناك ما يُسمّى عقلاً بضرورة التبيّن والفحص قبل التلقي والقبول لكلّ ما يُلقى علينا من نشر أو فكر أو ثقافة أن مبادئ أو شُبهات وإشكالات -ينبغي إعمالها ثقافةً وسلوكًا في نمطيّة التعاطي مع وسائل التكنولوجيا الحديثة واخضاع كلّ وافد ثقافي أو فكري أو سلوكي لمناط الوثوق والصدق والحقانيّة والشرعيّة والأخلاقيّة- لا أن يكون المُتلقي وعاءً فارغًا تتمكن من حشوه أي وسيلة إعلاميّة معاصرة وتقوده حيث تشاء وتهدف. ____________________ ١- بحار الأنوار، المجلسي، ج71 ، ص339. ٢- مستدرك الوسائل، الميرزا النوري، ج11، ص183.

اخرى
منذ شهر
120

ظاهرة البيوتكنولوجيا وآثارها الخطيرة على الفرد والمُجتمع

بقلم: مرتضى علي الحلي - إنَّ ظاهرة البيوتكنولوجيّا -ونعني بها استعمال التطبيقات الرقميّة الحديثة وتوظيفها في الإطار الإيديولوجي السلبي- هي الظاهرة الأقوى فتكًا وخرقاً للمنظومات الاعتقاديّة والفكريّة والثقافيّة والسلوكيّة والقيميّة والتربويّة والأخلاقيّة والأمنيّة في المُجتمع، أفرادًا وأسرًا ومجموعاتٍ ومؤسساتٍ. ومن خلالها تُدار الحرب الناعمة والكلاميّة والباردة التي تستهدف الشباب والعقول وعمليات اختطاف الوعي من المُتلقّين، وسوقهم وفق إيديولوجيا رقميّة خطيرة جدًّا تشتمل على كل ما يخالف المُرتكزات الفطرية والاجتماعية القويمة والدينيّة المستقيمة أفرادًا وجماعاتٍ. ولقد تمكّنت هذه الظاهرة الجديدة مؤخّرًا من نشر أفكارها وإعادة إنتاج المقولات القديمة في جدلها وأغراضها كمقولة الإلحاد والعلمانيّة والوجوديّة والإباحيّة والفوضى الخلاّقة ومحوريّة الإنسان في الوجود أصالةً وقبل كلّ شيء واتّخاذه منطلقاً لكلّ فكرة. والاعتقاد بأنّ الإِنسان أقدم شيء في الوجود وما قبله كان عدمًا. واعتبار أنّ الأديان والنظريات الفلسفيّة التي سادت خلال القرون الوسطى والحديثة لم تحل مُشكلة الإِنسان، ممّا يتطّلب ذلك إلغاء الدين وتهميشه في واقع الحياة. وعليه تعمل هذه المنظومة الفكريّة من خلال أدواتها البيوتكنولوجيّة على إعادة الاعتبار الكلي للإنسان ومُراعاة تفكيره الشخصي وحريته وغرائزه ومشاعره دون أي اهتمام بمعايير الدين والأخلاق والعرف المقبول. - وهي تسعى لترسيخ حرية الإِنسان المُطلقة والمُنفلتة، وأن له أن يثبت وجوده كما يشاء، وبأي وجه يريد دون أن يُقيّده شيء. - وتوجّه هذه الظاهرة المُنظّمَة الإِنسانَ بأن يطرح الماضي وينكر كلّ القيود، دينيّةً كانت أم اجتماعيّةً أم فلسفيّة أم منطقيّةً. - فلا إيمان بوجود قيم ثابتة توجه سلوك الناس وتضبطه، وإنّما كلّ إنسانٍ يفعل ما يريد - وليس لأحد أن يفرض قيماً أو أخلاقاً مُعيّنة على الآخرين. - وهنا بيت القصيد - فإذن بمَ يتقيّد الإنسان؟ - وقد رُصدت آثار هذه الظاهرة في وجهها السلبي بأرقام كبيرة ومُخيفة في واقع المجتمع العراقي من حيث انتشار تلقي مقولة الإلحاد وفق دوافع نفسيّة ارتداديّة غير صحيحة وغير مقبولة عقلًا وشرعًا. وتزايد حالات التسقيط الاعتباري والاجتماعي والمعنوي للشخصيات والجهات والأفكار والاعتقادات وجملة من القيم والاعتبارات الدينية والعرفية. وكذلك تفشي أسرار مؤسسات الدولة الأمنيّة والإداريّة والاقتصاديّة والعسكريّة وغيرها. فضلًا عن إسهامها في تغيير طبيعة الشخصيّة الفردية سلوكًا وقرارًا وأخلاقًا -ممّا أنتج تصاعداً بنسبة كبيرة جدًا في حالات الطلاق وتفكك الأسر وتشرّد الأطفال وعقوق الآباء والأمهات- وتأنّث بعض الشباب. وتضييع الاوقات وهدر الطاقات وبروز التلهي بالألعاب لحد الإدمان، بحيث انخفض مستوى نسب النجاح والتعليم في العراق وبكافة المراحل الدراسيّة، وأصبحت منظومة الأخلاق والسلوك في معرض الخطر الوشيك والتصدّع الكبير.

اخرى
منذ شهر
196

تربيةُ الأُمّ الرساليّة للأولادِ/ واقعيّة التأثير والأسلوب

بقلم: مرتضى علي الحلّي تربيةُ الأُمّ الرساليّة للأولادِ تبدأ من مرحلة الحَمل والبطن والرضاعة في نظر القرآن الكريم. إذ إنّ القرآن الكريم قد عرض صورًا تربويّةً وقيميّةً واقعيّةً تحكي عن عظيم دور الأُمّ في صناعة الأولاد ذكورًا وإناثًا في ما يخصّ مرحلة التكوّن الجنيني والحَمل والوضع والرضاعة، والتي هي مراحل البناء الأولى في مختلف لُبناتها الاعتقاديّة والسلوكيّة والأسريّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة. قال الله تبارك وتعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلىٰ وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) [لقمان 14] (إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [آل عمران 35] (وَأَوْحَيْنا إِلىٰ أُمِّ مُوسىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) [القصص 7] وللتوضيح نقول: 1/من المعلوم واقعًا وتجربةً أنّ هذه العملية التربويّة والمسؤوليّة الشرعيّة والأخلاقيّة التي تتبناها الأمُّ لها ارتباطها الوثيق بشخصيّة الأم نفسها من حيث التزامها بالعقائد الواجبة عقلاً كالإيمان بوجود الله سبحانه وطاعته وعبادته ومعرفة دينه الحقّ وامتثالها تكاليفها الواجبة شرعًا، فبقدر ما تكون عليه من صلاح وتقوى ومعرفة واستقامة في هذه الأمور الضرورية ينعكس بقدر ذلك عطاء تربيتها للأولاد 2/في هذه الآيات الشريفة دلالات قيميّة تربويّة عظيمة جدًّا تعطي للأمّ دورًا أساسيًّا في صياغة شخصيّة المولود وشاكلته إن راعت معايير التربية وطرقها بصدقٍ وإخلاص وتطبيق وتُبيّن هذه الآيات الكريمة أنّ التربية تبدأ من المعاناة الأولى لتكوّن الجنين وحمله لمدة معيّنة، تُغذيه فيه الأمّ مما تتغذّى منه مطلقًا طعامًا وشرابًا وعاطفةً وحنانًا حتى تلده وترضعه وتشبعه. 3/وهنا أيضًا في هذه الآيات ثمة إشارة إلى أنّ على الأمّ الواعية والعارفة والصالحة أن تضع لها رؤى سديدة وتصوّرات مُستقبليّة في كيفيّة تربية الأولاد تربيةً عباديّة حقّة ومُستقيمةً يقوم على أسسها بُنيان الوليد قياما صالحاً وقويما كما في قصة امرأت عمران وتحرير ما في بطنها لله تعالى خالصًا وظهور ذلك الالتفات منها في شخصيّة الصدّيقة السيّدة مريم (عليها السلام) وأمرها التربوي والرسالي معروف. 4/ الأمر المهم المُلفت للنظر في هذه الآيات الشريفة أنّ على الأمّ الاهتمام برضاعة وليدها بنفسها أوّلاً، وهذا ما يُشير إلى مدى ترسيخ الزخم الروحي والعاطفي والنفسي والفسلجي في بُنية الرضيع من أوّل رضعة يتلقاها من أمّه، لذا ورد في الأثر ضرورة الاهتمام بطهارة اللبن والمُرضعة ودينها وأخلاقها لما لذلك من أثر كبير في صياغة شخصيّة الطفل إيجابًا وسلبًا. 5/ إنّ هذه الآيات الكريمة تقدّم للمُتلقي أسسًا تربويّةً مكينةً ترتبط بالأمّ ودورها في ذلك ارتباطًا خطيرًا، ومن الجدير بمن يهتم بالأمر التربوي من أوّل الامر الاهتمام بتوعية المرأة في تمثلاتها الأسريّة والاجتماعيّة ووظائفها في كلّ تمثّل يتجلّى فيها، فالأم التي تمكنت من تربية الأنبياء والرسل والنساء الصالحات لهي أقدر على تربية الجيل المُستقيم والفاضل. 6/لقد قدّمت هذه الآيات انطباعًا عاليًا وصادقًا وموثوقًا عن قدرة الأم على تربية الأولاد ذكوراً وإناثاً وفي مختلف الأحوال والظروف ولو بالاعتماد على نفسها والصمود أمام التحديات والصعاب التي قد تواجهها من المجتمع ومن السلطة اعتقادًا وفكرًا وطريقًا. 7/إنّ تركيز القرآن الكريم على أهميّة دور الأم في تربية الأولاد لا يعفي دور الأب في الأهميّة والأثر، ولكنه يُريد أن يُعزّز الثقةَ والإيمان بهذا الدور المهم الذي أنُيط بالأم من أوّل الأمر حملاً وبطنًا ورضاعةً. فالأم ليست وعاءً جسمانيًّا يحملُ ما فيه لمدّة ما وحسب، لا، بل هو وعاء رحمة وعطف وحنان وشفقة ينتهل منه وليدها ويشبّ عليه ويبقى لذلك أثره فيه أكثر من غيره.

اخرى
منذ 3 أسابيع
140

واقعة الطف وحداثويّة الرؤى

بقلم: مرتضى علي الحلّي - إنَّ مقتضيات حياتنا المُعاصرة ومُشكلاتها عامةً تتطلّب منّا -في أسلوب التعاطي مع واقعة الطّف الخالدة ومشروعها الإحيائي المَكين الرائد والقائد- تقديم فَهمٍ أصيل ومنهج قويم يرفدُ حياتنا تقويمًا وإصلاحًا، حاضرًا ومُستقبلًا. - وما مِن شكّ في أنَّ الإمام الحُسَين (عليه السلام) هو أكبر وأعمق -مَفهومًا وقيمةً ودلالةً وهدفًا- من الشعائر الجزئيّة، والتي تُمثِّل في تطبيقها تعبيرًا مشروعًا عن سِمة الولاءِ الصادق والاعتقاد الحقّ في أيامٍ معدودات، ينفكُّ عنها مَن يُمارسها تطبيقًا بمجرد انتهاء أمدها الوقتي. - ولكن مَن يدرك تلك المفاهيم والقيم والدلالات والأهداف -التي كان الإمام الحُسَين (عليه السلام) يسعى من أجل تحقيقها اعتقادًا ومنهجًا وسلوكًا، وآمنَ بها- لا ينبغي به أن ينفكَّ عنها أخذًا في حَرَاكه الحياتي فردًا ومُجتمعًا. - وذلك باعتبار أنَّ الإمام الحُسَين (عليه السلام) قد أضاف إلى الحياة عامةً إضافاتٍ معنويّةً وقيميَّةً وأخلاقيّةً وحتى سياسية، يمكن لكلّ مَن يقبلها طوعاً أن يتفاعل معها في مُجمل مناحي الحياة المُعاصرة. - وهذا الإمكان إنّما يتأتى من الاستجابة الإرادية الواعية لكلّ ما نبّه عليه في وقائع نهضته الشريفة. - وينبغي أن تكون الاستجابة الإرادية هذه بعد انتهاء ممارسة الشعائر تُمثِّل انطلاقة إلى الحياة إصلاحًا وتغييرا، وهي تلبيّة إيمانية يجب أن تأخذ طريقا سَلكًا إلى آخر الصراط. - والقرآن الكريم قد ندبنا -إرشاداً منه إلى قيمة وأثر الاستجابة الطوعيّة في الواقع- لدعوة الله تعالى ولدعوة المعصوم نبيًّا كان أو إمامًا. قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا استَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)) (الأنفال: 24). والحياة هنا أعم من كل ما نحسّه ونعيشه عياناً وذهناً، إذ إنّها تتجلى عند المعصوم بصورة قد لا تشبه في ملامحها ما ندركه نحن خاصة. لذا قال الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) قولته الشهيرة: (الموتُ في حياتكم مقهورين والحياةُ في موتكم قاهرين) [نهج البلاغة، ت، د، صبحي الصالح: خطبة51] - إنّ الحياة الحقيقيّة التي أرادها اللهُ تعالى لنا والمعصوم من بعده هي حياة تقوم على أساس العزّة والتكريم وجهاد النفس الأكبر، جهاد النفس الأمّارة بالسوء إلى مواجهة العدو، والذي قد يتمثّل اليوم بسلوك أو فكر أو ثقافة أو طاغوت وفاسد منحرف.

اخرى
منذ أسبوع
140