تشغيل الوضع الليلي
لحن الخلود
منذ 8 سنوات عدد المشاهدات : 2658
لحن الخلود
مكانكَ ليسَ الحجاز،
وخطكَ ليسَ الرجوع،
رهنوا ضياعهُمْ بانتسابكَ،
وافترشوا الترابَ
تسوقهُمْ إلى كربلاءَ نبوءة
وصوتٌ يهمسُ
في أذنِ الفيافي أما منْ ناصر؟
تُقَلِّبُ عينيكَ
في رابعةِ النهار، تفتحُ قلبكَ للعاشقينَ
وتمزجُ روحَكَ
بأبهة البسطاء،
ترمي جمرةَ الوجدِ إلى غدِ،
تُدثرُ في الظلامِ
خشوعُكَ آيةً من بياضِ السماء،
يخونُكَ الكونُ
فتُبدي التسامحَ،
إنها قبعةُ الليلِ فاتخذوها جملا
ينحتونَ في كلِّ مفترقٍ
هزائمَ منْ خيالٍ
فتكتبُ بالدمِ النبوي
وهجَ انتصارِكَ
مازلتَ في الطريقِ إلى مضجعٍ
حيثُ الوسادةُ منْ ترابٍ
والملثّمونَ يعودونَ شيئاً فشيئاً
لترقى وحدكَ تسطع ُ
تحتَ سقفِ الظهيرةِ
تُرتلُ ما تشاء
وتعزفُ لحناً
يُمزقُ جرحَ الكبرياء
لهذا نطوفُ حولَ قبركَ حولَ نزفكَ
نقرأ آيةَ الوفاء
لنخلد ذكراك أبد الآبدين
اخترنا لكم
امرأةٌ من الماءِ
بقلم: حيدر عاشور صوتُ أمِّها أجملُ أرثٍ بقي لها يُحيط بها كالهواء. بقيت وحدها تصارع الحياة، بلا جرأة ولا خبرة، بعد أنْ غادرت أمُّها إلى مليكها المقتدر. البطولةُ الجميلةُ التي قدّمتها، قد تكون ساذجةً، لكنّها تشعر أنّها حققت رسالةً ستفتخر بها عند من لا يضيع عنده عمل عامل. فكيف إذا كانت خدمتها لمن كانت الجنة تحت أقدامها..؟! ببساطةٍ إنّه استسلامٌ لواقع حالها، بعد أنْ ضاق عليها البيت الذي كان يومًا يشبه النهر، أصبح صامتًا فارغًا من الحياة. الليلُ يهبط، وغرفُ البيت أبوابُها مغلقة. الصورُ على الحائط آخر بقايا الوجوه التي ملأت حياتها، أمست معتمةً يُضيئها ضوءٌ منعكسٌ من النوافذ يمنحها نوعًا من الاطمئنان والهدوء. الأمرُ قد تجاوز الحزن فالأمُّ الراحلة أخذت حنان أخواتِها الأربع، وما عاد جرس الباب يُدَقُّ كالسابق، إنّه هادئٌ كهدوئها ووحدتها. توقف عن الدقِّ كما توقفوا عن السؤال عنها، فالأخوات نسينَ وعودهن وتنكّرنَ لوصيةِ الأمِّ؛ لأن المال كان دائمًا ثمينًا، والنفوس يغلبها الطمع. لم يبقَ قربانًا أبيض تُقدمه كتضحيةٍ لحياتهن ونضوجهن. وهي من قبلت أنْ تكون مع الجنة رغمَ فُرصِها الذهبية في الزواج، فجمالُها كان يفوقُ جمال أخواتها، ويُثير الانتباه والحسد والرغبة لكلِّ من يراها، كانت ملامحُها بيضاء كالثلج، دقيقةَ الأوصاف، الجبهةُ ناصعةٌ وعريضة، والوجنتان متوردتان، والعينان اللامعتان، والأنف المميز بحجمه الصغير والمُثير باستقامته، ودمُها الخفيف، وابتسامتُها الودود، تجعلُ كلّ من ينظر إليها من الجيران وأهل المنطقة يُطلق عليها اسم (الملاك)، ويمازحنها العجائز بقولهن: "إنّكِ القديسة يوسفية". كانت حياتُها بعد أنْ تركت المدرسة بوقتٍ مبكر قد أضفت إلى شخصيتها الكثير، وهي تقود أسرتها بهذه المثالية العالية والتضحية التي قلَّ نظيرها في زمنِ خلط الأوراق والوصول بطبائع البشر إلى القمم في الكذب والنفاق والإلحاد والإيمان والمعرفة والعلم، كلُّها قممٌ، والكلُّ يرى نفسه أفضل من الآخر، لكن لم يفهمْ أحدٌ ما يختلجُ في صدرها سوى أمها، والآن قد رحلت. بدت "يوسفية" في حالةٍ صعبة جدًا، وشديدة الارتباك والإحباط، لا تعرفُ بماذا تُجيب على عروض وطمع أخواتها..؟. أحسّت أنَّ بلعومها يزداد جفافًا، وتنفسها يضيق، فكلُّ تضحياتها ذهبت أدراج الرياح، وأحلامها تلاشت. والبيت بكلِّ أركانه وذكرياته يبدو موحشًا، يسوده صمتٌ لا يقطعه إلا صوت طيور الحب الملونة التي تزقزق وكأنّها تكلمها، تلومها، توبخها. اتسعت عينا "يوسفية"، وبصوتٍ خجول منخفض تكرر متسائلة: - أنتِ أيتها الطيور تحدثيني، أتكون تلك التضحية خاطئة؟! هي حقيقة إنسانية، بماذا تأمرين الآن؟ ياااه، إنّ تضحياتي لم تحققْ نجاحًا إنسانيًا ولو بقدرٍ بسيط من رابطة الدم. أيتها الطيور الجميلة إنَّ تضحيتي، إنّما هي من العظمة بحيث لا يُمكنني التعبير عنها، فهي خالصة لله أولًا، وبرٌ بوالدتي ثانيةً. سحبت نفسًا عميقًا، وعيناها تلمعان شاخصةً صوب الطيور، ورجعت إلى صمتها المطبق كما لو كانت تشحذُ ذاكرتها. ثم انتفضت كمن مسّها شيءٌ خفي لحظتها، فرفعت رأسها ووضعته بين كفيها، وأخذت بالبكاء الممتلئ بالجزع، ونشيجه يعلو ويهتز له كلُّ جسدها الرطب والمحروم، قرارُها كان فيه نوع من التنازل، قرارٌ تجمعت فيه كلُّ مشاعر الخجل والغضب والرغبة في ردِّ اعتبارها أو الانتقام من أخواتها لما فعلن بها من التهجير الروحي والنفسي والمكاني، قرارُ الانتقام هو نتيجةٌ كتمتها في قلبها الطيب. قد انصهرت فجأةً على صوت زقزقة عصافير الحب، وانفجرت لتملأ البيت بالصراخ والدموع التي لم تتوقف إلا بدقِّ جرس الباب. فتحت الباب، كانت خائفةً فهي أمام الأمر الواقع، فنظرته الماكرة والمستذئبة كانت بمثابة ضياع خمسة وثلاثين عامًا من عمرها، فمالت لائذةً وراء الباب منتظرةً صاعقة الطرد من البيت، حالمة من هذا المالك الجديد لذكرياتها وأنفاس والديها، أنْ يمنحها وقتًا يسيرًا حتى تدبر أمرها. جرجر طلبها نفسه بتمنٍ هادئ، تاركًا خلفه خيط أملٍ رطب.. فجأةً ومن دون وعي، ظهرت أمامه وتدفقت كلماتها وأفكارها في موقفٍ لا يرحم، أحيانًا تأتي المفردات من تلقاء نفسها، تحمي الإنسان من مهالك القدر، رفعت رأسها لترى وجهه، نسيت نفسها لوهلةٍ وهي تنظر إلى عمقِ عينيه، وانتشرت على وجهها ابتسامة رقيقة خجولة، حنت رأسها وأخذت جانبًا وهي تُردد باستيحاء: ــ تفضل إلى بيتك، لديَّ ما أقوله لك، هداك الله على مسكينةٍ ويتيمة مثلي. فأجابها بلهجةٍ فيها اشمئزاز متعالٍ في قبول دعوتها للدخول إلى بيته، كان رجلًا بشرته شديدة البياض، وله عينان واسعتان ومدورتان، سوادهما ملفتٌ للنظر مثل شعره، وجبينه متميز بعلامةِ تعفيرٍ واضحة، وهي إحدى علامات الإيمان والتقوى. لم تكن "يوسفية" تعرف الشوارع التي يعتاش منها الناس، إلا ما عرفته من بيت والديها ومن أخواتها وأزواجهن الذين يأتون إليهم ويخرجون. وكان حبُّ أمها مقدسًا يحجب عنها رغباتها، كالقمر والشمس يحجبان عن أشياءٍ كما يحجبان عن الوجوه. فهي فتاةٌ خام في أطباعها وقعت فريسة خيانة أخواتها، فمن يدخل وجر الصبر والانتظار والتضحية لا يملك انْ يخرج حافيًا من الحياة. صوتُ زقزقة طيور الحب يقطع صمتها أمامه، ويبعث بصيصًا من النور يخترق البيت الهادئ، تنظر إلى سورة الكرسي تقرأها بقلبها: يا الله سنواتي العجاف مثقلةٌ بالذنوب، وأنت أعلم بها فكلُّ ذنوبي وهي كانت تصبُّ في رضا أمي وسعادة خواتي. ما الذي يريدونه مني، يلاحقونني حتى في وحدتي، وبما ضيعته في تيهِ فتاةٍ اختارت سعادة الآخرين، ولم تعي بما اختارت ليصبح عليها فجر الوحدة المصبوب بالكوارث. قطع توسلاتها الصامتة: ــ إلى ماذا تنظرين أيّتها السيدة؟ وماذا تريدين مني؟ كوني شجاعة وصارحيني برغباتك..؟ وضعت (يوسفية) يدها في حضنها متشابكة ورفعت بصرها، كان وجهها بين الهدوء والقلق والحذر، ثم أجابت : ــ لا أعلم، فذلك يعتمدُ على مدى قناعتك بما سأقوله لك بكلِّ صدقٍ وأمانة. فوجئ (المالك) بقولها بعض الشيء، وراقبها بالنظرات بضع لحظات، ثم قال بنوعٍ من التهكم: ــ حسنًا، أسمعكِ. غام وجه (يوسفية) وأجابت مغتاظة قليلًا: ــ أنت تريد البيت وهو الآن أصبح ملكًا لك رسميًا، لكن سأقصُّ عليك قصتي، ولكَ الأمر في تحديد مهلةٍ ليّ حتى أجد مأوى يحميني بعد خروجي من بيت أمي وأبي بهذه الطريقة البشعة التي خطط لها أعز الناس لروحي. قد يكون ذلك غير مقبول، ولكن لابد من أنْ تسمعني .. شرعت (يوسفية) تروي ما قدّمته من تضحيةٍ لأمها وأبيها وأخواتها البنات، وتوقفت عند منح أمها البيت لها؛ لأنها البنت الكبيرة المطيعة والخادمة لكلِّ عائلتها بقناعةٍ مطلقة وخاصة محبوبتها أمها. وكيف اعترضت وقتها لكون البيت حقَّ الجميع؟! وحينئذٍ تدبّرت أمها وسيلةً لحمايتها، فقد كتبت وصيةً أن لا يباع البيت حتى تتزوج (يوسفية) أو تموت، احتقن وجهها بالدماء وكان غامقًا من الخجل، وهي تضعُ أمامه ورقة الوصية، فأردفت أمامه قائلة: - عرسانٌ كُثُر عرضوا عليّ الزواج في حياة أمي، وإغراءات كبيرة كنت أتعرض لها من قبل نسوة المنطقة وغيرهن من النساء. لكن لم أفكر سوى بأمي المريضة التي تحتاجني بقربها وأخواتي الضعيفات يجب أنْ أؤمن لهن حياتهن بزيجاتٍ محترمة وقد نجحت.. والآن أقابلُ نجاحي بمصيرٍ لا أعلم كيف سيكون في المستقبل؟ الحقيقة يا سيدي، حين يقدم الإنسان حياته للآخرين لا يشعر حتى بنفسه أو بالإغواء، لو كنت قبلت بالإغواء لتزوجت بسرعة الرصاصة، ولكن لا يُغريني سوى ما يُمليه عليَّ ضميري اتجاه أمي المقدسة. كنت آمل أنْ لا يُقبل عليّ أحدٌ للزواج طالما أمي على قيد الحياة، هنا صكّت بأسنانها على شفتها السفلى، وأخفت وجهها على نحوٍ غريب تحت عباءتها. تبع ذلك ثمة فترة صمتٍ طويلة بين المالك و(يوسفية)، وكان منظرها يوحي بالثقة والقناعة، والتحفظ الذي يتباين منها، يشبه القديسات أو الملائكة في سلوكهن الاستثنائي، ذلك الألق المتوهج لشعلةٍ جوهرية نادرة، يُدركها كلُّ من ينظر إليها ولو لمرة واحدة.. عندها تصلّب وجهُ المالك، وتساءل بصوتٍ حزين وودود: ماذا تريدين مني؟ فكلُّ الذي ستطلبينه سيكون قيد التنفيذ وبلا تردد. بدت على وجهها نظرة انبهار وحيرة ممتلئة بالتعبيرات والتوسلات، وقالت: ــ شهران أو ثلاثة وأسلمك البيت، إذ لم أغالِ في تحديد المدة.. رمقها المالك بنظرةٍ كادت أنْ تكون مفتاح الفرج لـ(يوسفية)، وقال: ــ (تمامًا) مثلما ترغبين، أما رغبتي هي أنْ تبقي في البيت لستة أشهر، هل هذا يكفيك حتى تجدي مخرجًا لحياتك؟ غلّفتها شحنةٌ من الفرح، وهي تُعيد كلمات الشكر له، والتضرع لله تعالى أنْ يفتح له أبواب مقادير الرزق على مصاريعها، كانت تبدو أمامه وكأنّها طفلةٌ كبيرة مُنحت جائزةُ البقاء على الحياة، مندهشة حائرة قليلًا، كما لو لم تصدق ما قاله. مع ذلك كانت تؤمن بحدسها بما هو آت، وشعور عن شيءٍ ما قادم لم يجئ وقته بعد، أحسّت أنّها ارتفعت عن الأرض وبدأت تمشي في الهواء دون أي استقرار. ظلَّ سحرُ انتصارها المؤقت قائمًا في روحها بعد أنْ غادرها قلق التشرد في الشوارع. وشعرت أنّها تحررت من التوتر والضيق الناجمين عن لقاء المالك. لقد حسم أمرها بكلمةٍ وختم وبصم بعهدٍ أنْ لا يصلها إلا بعد ستة أشهر، بهذه البساطة كأنّه وضع بذرةً في قلبها فتكونت منها نوبة حادة التفكير والمراجعة لكلِّ نظرةٍ وكلمة، وبنشوةٍ كان قلبها يكشف لها اكتشافًا لا يُصدّق، لا يعرفه أحد سوى نفسها والنبض الذي يرتفع مع كلِّ خيال. بدأت تتحدث إلى نفسها: إنّ نظراته الماكرة والمستذئبة تنمُّ عن تجربةٍ حياتية غنية بالمعرفة، وقد لوّحته الشمس مما تزيد من جماله رغم هيأته الدالّة على الجمود والجد، والأخطر مزاجه المتخفي الذي لا يُعرف له قرار، أو يقهر أمزجة الآخرين. طوله يُشير إلى فحولةٍ مكبوتة، أنيقٌ له مظهر الأثرياء. لأول مرةٍ يغزوها مثل هذا الشعور! قد يكون الرجل الوحيد الذي رأته بهذه الطريقة فأثار فيها نشوةً غريبة وإحساسًا حقيقيًا، فهتفت مع نفسها: يا الله! ما هذا الشعور؟! وظلّت مستغرقةً في مُخيلتها، لا تعي ولا تصدق ما كان يجري حولها وقد انتهى بهذه السهولة. والغريب أنَّها شعرت بالشوق لرؤيته مرة ثانية، فثمة شيء من ضوء الحب قد تسلل إلى قلبها بعد كلِّ ذلك الخيال المُفرح، ولكنّها تضايقت؛ لأنَّ نفسها اللوامة غزتها على حين غرة، لتؤكد لها أنَّ كلَّ خيالها ومُخيلتها خطأ، وأنَّها تخدع نفسها بنفسها، وعليها أنْ تُفرغ دماغها وقلبها من هذا الهوس، وأنْ تجعل نفسها منيعة عن وسوسة الشيطان. لقد سعت طيلة حياتها أنْ تجعل روحها مقدسة وجسدها منيعاً لا يمكن مهاجمته خارج الخطوط الشرعية والأحكام النبوية والسنن الإلهية، رغم أنَّ روحها كانت معذبة، ولكن لم يكن في مقدور أحدٍ أنْ يذلها أو يسخر منها. والحقيقة أنَّ كلُّ من يعاديها كان أدنى منها في الإنسانية والصبر والإيمان، كما كانت تعلم أنَّ من يحاول أذيتها ويهرب منها ويسعى للانفصال عنها نهائيًا إنّما يفعل ذلك ليجردها من نقائها واحترامها لنفسها وإيمانها المطلق بالله تعالى. ولم يسعَ إلى ذلك سوى أخواتها! فهُنَّ اللواتي عرّضنها للتجريح والاستهزاء والكيد، وحاولن تركها وحيدة في الحياة، ومع كلِّ هذه الأحقاد كانت تمتلك القدرة على الاحتفاظ بهن، كما حاولت مرارًا وتكرارًا أنْ تنبههن إلى أنّها أختهن الكبرى، لكن بلا جدوى وصرختها مُجمجمة، لا تُسمع، ولا يرقُّ عليها قلبٌ، وهي تموت وتحيا بين شوقها وخوفها الدائم من ابتعاد أخواتها عنها إلى الأبد. وصلت إلى شعورٍ خارقٍ باليأس، وأعلنت في نفسها عن عجزها، والانزعاج ارتفعت مقاديره النفسية حدَّ اللعنة، إنَّها تفشل في الاحتفاظ بأخواتها رغم كلَّ ذلك الحب وتلك التضحية، عمرها قد تقدّم، ووجهها بدأ يشيخ، وشعرها الذي كانت تمشطه أمُّها لم يعد ينساب كالسنابل الصفراء الذي تتحسس نعومته مما يزيدها ألقًا وجمالًا. والآن هي وحدها تساوم على البقاء في ذكرياتها، بينما أخواتها قد أخذن حصصهن من الإرث، ويتنعمن بها مع أزواجهن، أما هي فلم يعد نصيبها من الإرث يعنيها، فهو في تناقصٍ مستمر حتى بات غير كافٍ لسكن جديد، رغم أنّها اختصرت الكثير من وجبات الغذاء، وأنهكت نفسها بالصيام، لا تأكل سوى وجبةٍ واحدة تُسكت بها صراخ بطنها من الجوع. وانقضت أيامها بسرعة البرق واشتغل قلقها نحو المالك وموعد تسليم البيت من جديد، ولعنةُ فكرة طردها من البيت من قبل ذلك الكائن الذي سكن روحها وبنفس الوقت هو من سيُمزِّق كلَّ أملٍ في البقاء، لم تعد تعي شيئًا مما حولها، تشاؤمها يرسمُ في عقلها شرورَ هذا العالم، وأنَّ الرحمة والإنسانية والأخوة صارت حلمًا في لهب الضياع، عيناها لم تذوقا طعم النوم، وعذابُ نفسها طنينٌ في الأذن يطحنُ روحها ويشلُّ صبرها، يُعطلُ حواسها بمرارةِ قسوة الوحدة، طنينٌ أشبه بالرنين يسحقها ويخذلها يخنقها، يميتها في آنٍ واحد، حتى بدأت تنهار، وهي تدمدم وتتنهد مع نفسها: - العمر سينطفئ بعد شروق الشمس، والعذاب والتشرد سيكونان عالمين جديدين من الضياع، سأنهي ذلك الأمر المعادي والظالم بطعنةِ سكينٍ حادة وأرتاح من هذه القسوة، وليقولوا إنّها انتحرت نتيجةَ خيانةِ العهد بين أمها وأخواتها... لا، أخواتي مسكينات لا يعرفن حقوق الله تعالى، أخاف أنْ يصيبهن مكروهٌ بسببي. وبين فكرة إنهاء حياتها وخوفها من الله تعالى أنْ يصبَّ عذابه على الناكثات للعهد، رنَّ جرس الباب، وانطفأت كلَّ الآمال ومات الخيال، وأصبحت كجثةٍ تتحركُ بصمتِ الموتى، تسعى بنفسها نحو المجهول، قلقةٌ، بانتظارِ رحمة الله تعالى تنقذها من الهيام في الطرقات لا سقف يحميها ولا أقرباء قريبين تلجأ إليهم، حتى أخواتها لا يرغبن بها بسبب أزواجهن، هكذا هي عندما تتراكم عليها الشدائد ويظهر الألم المروّع في قلبها وروحها، يجعلها مشلولةَ الإرادة والتفكير، لا أحد يعرف معنى ترك بيت لم تخطُ عتبته ثلاثين سنة، ولم تضرب الشمس وجهها، لقد ألحقوا بها الذل والأذى وهن يرفضن بوقاحة وصلافة إيواءها بحججٍ واهية، ويتعاملن معها كطيرة جميلةٍ أزف وقت ذبحها، تقتربُ إلى الباب وترسل إليها نظراتٍ مبهمة، كأنها تتوسل بها، وقعت عينيها على حرزٍ وضعته أمّها لوقتِ الشدائد، بدأت تقرأه على أصوات رنين الجرس المستمر: "يا مالك الرقاب وهازم الأحزاب، يا مُفتح الأبواب، يا مُسبب الأسباب، سبب لنا سببًا لا نستطيع له طلبا..."، سرت في أوصالها راحةٌ بمنتهى الدهشة، غير مصدقةٍ نفسها بالفكرة التي راودتها هي أنْ تسأله مدةً أخرى ريثما تجدُ بيتًا للإيجار، أو يأخذ مال إرثها بدلًا عن بقائها في البيت، أو مساعدتها في إيجاد بيتٍ في المنطقة نفسها. فتحت الباب، وقفت أمامه بلا خوفٍ أو تردد، وهي تسأله المساعدة قدر إمكاناته، كأنّها تتمرد وترسل باستمرار نداءات توسلية تتكسر على فمها وروحها، الفشل والانكسار واضحان على مُحيّاها من شدة البكاء الذي جعل وجنتيها ملتهبتين ومُبتلتين بالدموع، قطع كلامها بصوتٍ رقيق وهادئ وقد تجسّمت على وجهه معاني الإنسانية والرحمة: - لا عليكِ، اهدئي، الدنيا ما تزال بخير، وقد عرفتُ قصتك من زوجتي وهي رفيقة أمّكِ، ونُقدِّر لك مرارة فقدانها كأمٍّ عزيزة. شعرت (يوسفية) فجأةً بحزنٍ جارف وكآبةٍ عميقة؛ لتذكرها موت أمها الذي أصبح ذكرى، وأحسّت على حينِ غرةٍ برغبةٍ جامحة في أنْ يتقبلها على علتها ويحقق حلمها الذي عاشت على أطلاله ستة اشهر. التزمت الصمت ولم تعد تنطقُ بحرفٍ، وكان هو كذلك، يلتزمُ الصمت، محاولًا أنْ يحبس دموعه كي لا تراها. استمر الصمت بعض الوقت وهما لا يزالان عند الباب، وكأنَّ خيطًا من الحياة أخذ يظهر على وجهيهما، وتوهجًا خابيًا راح يتقدُّ في عينيهما. تقلصت شفتا المالك الجديد وابتلع ريقه بصعوبةٍ بالغة، فنطق: - يا يوسفية، ناقشت أمر البيت مع زوجتي، ولأنَّ عشرتنا كانت لسنواتٍ خاليةً من الأطفال.. قررت أنْ أعقد معك اتفاقاً، وهذا الاتفاق على محورين، كليهما في صالحكِ ولخدمتكِ، إنْ قبلتِ فالدار ملكٌ لكِ! وإنْ لم تقبلي أيضًا الدار ملكٌ لكِ، وهذا سندُ البيت قد سجّلته في عقارات الدولة باسمكِ، وهذه رغبتي ورغبة زوجتي والله تعالى المستعان، علمًا يا يوسفية أنا لم أساعدك؛ لأنك وحيدة ويتيمة، بل لأنكِ قد أوقدتِ في قلبي حب الإخلاص لله تعالى وللوالدين وبهذا الإخلاص قد كويتِ قلبي بحبٍ فيَّ لله تعالى من النظرة الأولى، والله تعالى وحده يعلم ماذا جرى بي نحوك! كان شيئًا لم أستطع إعطاء تفسير له، لكنَّ زوجتي وضعت الحروف على النقاط فوجدتُ السعادة تنسابُ إلى قلبي بقرارها. أراد أنْ يُعبر عن عشقه بكلماتٍ مختلفة، ولكنَّ الكلماتِ خانته، فاكتفى ينتظرُ الإجابة وهو مُطرقُ الرأس خوفًا عليها من الإحراج، كما لو أنَّه يحاول الحصول على شيءٍ فقده من زمنٍ بعيد. أما هي فحاولت أنْ تُخفي ارتباكها، فقد أبصرت صورةً طبق الأصل عمّا رسمته في مخيلتها، وقلبها يرتعشُ بالسعادة، ووجهها قد احمرَّ خجلًا، وكشفت له عن رضاها بإحساسها وقلبها، وهي تشعرُ بروحٍ خلّاقة جديدة تدبُّ فيها. هو الله تعالى القادر وحده أنْ يُسبب الأسباب، ويُحوِّل الأحوال، ولو انثنت ملايين الثنيات... تمّــت. 28 / 3 / 2020 الساعة الثانية عشرة وعشر دقائق ليلًا
اخرى
لآلئ من نهج البلاغة الحكمة الثالثة/ الفصل الرابع
بقلم: يا مهدي أدركني رويَ عن أمير المؤمنين (صلواتُ الله وسلامه عليه): ".....وَالْمُقِلُّ غَريبٌ فِي بَلْدَتِهِ". المُقِل: اسم فاعل من أقَلَّ، ويُقال: رجلٌ مُقِلٌّ أيّ قليل المال. والغريب: هو من كان بعيدًا عن أهله ووطنه، وهذا هو المعنى اللغوي لها. أما المعنى الوجداني فالغربةُ: هي مجموعةٌ هائلة من الأحاسيس التي تختلجُ الصدور وتعتصرُ القلوب حتى تُمزّقها بأشواكها، لا يُمكن للغريب أنْ ينتزعها فهي لا تُلمس باليد ولكنّها تُقيِّد اليدين بسلاسل العوز، ولا يُمكن أنْ يتذوقَها المرء بلسانه، ولكنَّها تتركُ مرارةً لاذعةً في الفم، ولا يُمكنه أنْ يراها ولكنّها تتساقط دموعًا لتكتب أحزانًا وآهات. هي أمرٌ وجداني ينفرُ منه العاقل ويهربُ منه اللبيب، هي شعورٌ بالوحدة، هي في الحقيقة نتيجة لصراعاتٍ ومواقفَ وأفعال يمرُّ بها الإنسان. فما هي أسبابها وكيف لنا أن نتجنب الوقوع فيها؟ أسبابُ الغربة: إنَّ الإنسان يتعرضُ في حياته لظروفٍ معينة ربما تكون أقوى من أنْ يتخذَ قراره بنفسه، أو قد يكون هو صاحب القرار ولكنّه قد اضطُرَّ إليه وأُجبِرَ عليه وقايةً لنفسه من الوقوع في أمرٍ أصعب، فربما يترك الوطن والأحباب مثلًا ليحافظ على حياته أو دينه أو عرضه وما إلى ذلك من أسباب أخرى، ونتيجة لذلك سيكون في بلدٍ غريبٍ عنه لا يعرف فيه أحدًا، وغالبًا ما يواجه صعوباتٍ عديدة، من قبيل اختلاف اللغة والعادات التي تُصعِّب عليه التعايش مع أهله؛ فيُعاني ويُقاسي بسبب ذلك علاوةً على ابتعاده عن محبيه وأهله. فالإنسانُ بالفطرة مجبولٌ على الاختلاط والتعايش مع أبناء جلدته ليتكامل ويسدّ ثغراته ويرتقي لبناء مجتمع متطور متماسك يهنأ فيه بالعيش الرغيد، فقد قال عزَّ من قائل: "يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ"[الحجرات: 13] فنخلصُ إلى أنَّ أسباب الغربة تكمنُ في تلك الصعوبات التي تواجه الفرد ولا يُمكنه مواجهتها لوحده من دون مساعدة الآخرين في تذليلها، وعليه فإنَّه كُلّما فقد الإنسان الأصدقاء والأقارب شعرَ بالغربة حتى لو كان في وطنه! وهذا يعني أنَّ هناك أسبابًا أخرى قد يكون مؤداها هو العوز الحقيقي لمنْ يُسندك، فتنالك لسعات نار الغربة. ومن أهم تلك الأسباب هو العوز والفقر، فإنَّ المعيار في المجتمعات هو الغنى، فتجد الغني كأنه طبق من عسل يجتمعُ حوله الذباب ليدبق فيه، فما إنْ ينفدَ حتى تجده يرحلَ عنه، فلا يجدُ حتى من يحملُه ويُنظِّفه من تلك المُخلفات! وهذا النوعُ من التعامل هو السائد في العديد من المجتمعات بل وحتى على مستوى علاقة الأقارب، وهو رغم قُبحه الأخلاقي ورفض الدين له، إلا أنَّه قائم ومتكاثر ليتحول إلى مرضٍ متفشٍ في المجتمعات يُعاني منه الآباء والأمهات والأخوة والأخوات، هذا فضلًا عن العلاقات الأخرى، لأنَّ المعيار في هذه العلاقات هي المنفعة المادية فقط لا غير. فهل العلاقات الحقيقية انتهت وحلّت محلّها علاقات المصالح؟ لا يُمكن التعميم والقول: إنَّ العلاقات الحقيقية المُبتنية على الحب والاحترام قد انقرضت؛ وذلك لأنَّه لا زال هناك أناسٌ يحملون في قلوبِهم من الطيبة التي تكفي لتُغطي بحنانِها العالم بأسره، ولكنْ يجبُ على الإنسان أنْ يكون حذرًا في علاقاته وتعامله مع الآخرين، ويكون فطنًا ملتفتًا للمواقفِ العابرة تلك، التي قد تكشفُ له عن حقيقة معدن من يُخالطهم كي لا يقع في الندامة. وهنا بعض النصائح التي قد تنفع في علاج هذه الظاهرة: *عاملْ الناس كما تُحب أنْ يعاملوك، وليكُن هذا شعارك، فإن استطعت أنْ تعكسَ هذا التعامل ولو على فردٍ واحدٍ فإنك بلا شك ستكون سببًا في تكوين سلسلة التغيير. *صلةُ الرحم، وهذا ما أكدت عليه الشريعة الإسلامية وجعلت لمن يعمل به أجرًا في الدنيا وفي الآخرة لما فيه من آثارٍ عظيمةٍ تُقوِّي الأواصر وتُثبِّت جذور المحبة في القلوب. *دوام الابتسامة والتفاؤل، فكلما كانت ابتسامتك مرسومةً على وجهك وقلبك ينبض بالتفاؤل ستجد الناس تتوق للقياك. *طهارةُ القلب والإيمان، ففي القلب النقيّ الطاهر يحلُّ نور الله (تعالى)، وقد جعل الله (تعالى) جاذبيةً في تلك القلوب لتستقطبَ الناس كما يدور الفَراش حول المصباح. *الدعاء، وهو ما دعا به النبي إبراهيم الخليل (على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام) فقال كما حكاه القرآن الكريم: "فأجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم". إشارة وفيها مسك الختام: روي عن رسول اللَّه (صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم): "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء فقيل: ومن الغرباء يا رسول اللَّه؟ قال: الَّذين يُصلِحون ما أفسده الناس من سنّتي...".(1) في هذا الحديث إشارة منه (صلى الله عليه وآله) بأنَّ هناك فترةً عصيبةً سيمرُّ بها المؤمنون، وعندها سيشربون من كأس الغربة ويتذوقون مرارتها ويكتوون بنارها، وهم في أوطانِهم ومع أبناء جلدتهم ولكنّهم سيكونون غرباء! فالغربةُ قد تكون باختلاف الأفكار وعدم تلاقُحِها، وفي الابتعاد عن الدين وعن تطبيق الأحكام، فتجد من يسير على خُطى أهل البيت (صلواتُ الله وسلامه عليهم) يُعاني من الغربة الشديدة لقلة سالكي ذلك الطريق. فكيف بغريب الغرباء إمام زماننا (صلوات الله وسلامه عليه) وهو يرى ما يُفعل بدين جده (صلوات الله وسلامه عليه) ويرى كيف يتعرض شيعته للأذى، فيتصبر بمرارة الانتظار ويدعو لشيعته وفي القلب غُصَّة مما يجري عليهم... أين نحن من ذلك؟ فلنرفعْ راية الحق ونصدح بآياتِ الولاء ونتطهر بقطراتِ السماء ونُسدِلُ علينا ثوبَ العفة والحياء، لنُرسلَها حروفًا خُطّت في صحائف أعمالنا لتُخففَ عنه الغربة وتُدخل على قلبه السرور. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)المحجة البيضاء في تهذيب الأحياء، ج ١، الفيض الكاشاني، ص ١٣٤
اخرى
تزوجت مَن لا أحب
بقلم: نجلاء المياحي من أسئلتكم... السؤال: قبل سنوات مضت تقدم لخطبتي شاب وسيم جدًا ولكن والدي رفض زواجي منه، وتزوجت آخر وأنجبت منه أولادًا لكني لم أحبه حتى بعد مرور سنوات على هذا الزواج، والحق يقال: إنه كان رجلاً طيباً معي وأحبني لكن قلبي مع سواه، احيانا أتألم جدًا كلما تذكرت الرجل الذي وقعت في حبه، الآن أفكّر بالطلاق... ارشدوني للطريق الصحيح فأنا اشعر بالضياع؟ الجواب: من الرائع أن نولي أهمية لما نشعر به ونتكلم لنجد حلاً لمشاكلنا وآلامنا، فالإنسان إن لم يتكلم فلا أحد سيسمع صراخ الألم والعذاب الذي يشعر به في أعماق روحه. قبل أن أُرشدك للطريق الصواب وكيف تتصرفين، دعينا نتحدث قليلاً: إن الحلول أحياناً ليست سوى معرفة المشكلة. جذور متاعبك هي طريقة تفكيرك عزيزتي، لا تستغربي إن اخبرتك: أن عقل الإنسان هو المتحكم الأساس في شعوره وإحساسه وحياته، نصف متاعبنا في الحياة هي نتاج تفكيرنا فقط... العقل البشري رغم كل إمكانياته يكون في الأساس فارغًا مع أدوات تمكنه من التعلم واكتساب المعرفة حتى يصل إلى الدرجات العليا (وَاَللَّه أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُون أُمَّهَاتكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْع وَالْأَبْصَار وَالْأَفْئِدَة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(1) فالإنسان يسمع ويبصر ثم يكتسب العلم والتعلم ليتمكن من العيش بسلام، وإحدى أهم الغايات التي خلق الله تعالى من أجلها الإنسان هي وصوله للسعادة، لكن كيف يصل للسعادة؟ عبر هذا المخلوق الذي حباه الله به وهو (عقله). لكن الإنسان يحشو عقله بالمفاهيم الخاطئة والمغلوطة لسنوات ثم يأتي طالبًا الخلاص مما ألـمّ به من اكتئاب وقلق وتعب! هذا محال. لتكون سعيدًا؛ صحّح مفاهيمك ورتب أفكارك وزن أمورك بميزان مستقيم. من خلال سؤالكِ عزيزتي فهمت أن نظرتك للحب هي ما يتم تلقينه للناس عبر المسلسلات الفارغة وهذه مشكلة كبيرة. إنّ ربط الحب والمشاعر الإنسانية بالأمور الشكلية أحدث عند الناس -ليس فقط أنتِ- خللًا واضحًا في سير حياتهم، وطريقة تعاملهم مع مشاعرهم المختلفة، بحيث صاروا لا يفرقون بين الحب والانجذاب. الحُب (مجموعة مشاعر متنوعة ذات تأثير قوي على الإنسان تنتج عن حسن معاملة المقابل أو أخلاقه أو تفكيره ويتنوع إلى حُب العائلة وحُب الصديق، وحُب المبادئ والأمور التي يؤمن بها المرء ويكون لاحقًا لتعارف مسبق طويل نسبيًا) وظيفة الحُب أو غايته هي: (الحفاظ على النوع البشري من خلال التعاون معاً ضدَّ الصعاب والمخاطر والمحافظة على استمراره، بحسب منطق فلاسفة الإغريق القدامى عمومًا). عالم النفس روبرت ستيرنبرغ يُعبر عن الحب بأنه (يرتكز على الارتباط والعلاقة الحميميَّة، الالتزام، الانجذاب العاطفي) (2). لكن مؤخرًا ومع بدايات السينما ظهر ما يسمى بالحب من نظرة ومن موقف! فجُعلت الرغبة بالطرف الآخر الناتج عن الغريزة الطبيعية بالانجذاب بين الذكور والاناث حُبًا وعشقًا وهذا مفهوم مغلوط وهدفه دنئ جدًا. مؤلفوا الأفلام والمسلسلات أنزلوا الحب من معناه السامي إلى كل رغبة وعلاقة عابرة بين الجنسين. قاموا بزرع هذه المفاهيم الخاطئة فينا منذ الصغر بأفلام الرسوم المتحركة مرورًا بالأفلام والمسلسلات، فصار المرتكز في عقولنا أن الانجذاب الحاصل من نظرة واحدة لمدى تناسق ملابس الرجل ومدى جاذبية تسريحة شعره ومدى عمق نظرته وسحر ابتسامته... حبًا وعشقًا لن نعيش دونه! ونبقى نردد في أعماقنا شعورنا بالحُب حتى ندخل في دائرة الاكتئاب والحزن لعدم حصولنا على هذا الحب الخاطف! وبالطبع، فإن الحزين المكتئب لن يكون إنسانًا ناجحًا في الحياة، وهذا هو الهدف الدنيء الذي يسعى خلفه هؤلاء الضالون المأجورون، من تحطيم حياة الإنسان وابعاده عن السعادة والطمأنينة ليحققوا مكاسبهم المشؤومة بالسيطرة على العالم. لنعد للشاب الذي تقدم لخطبتكِ، كان على ما يبدو من كلامكِ أول شاب ترينه، وأنت في بداية سن الشباب والفتوة، لذلك انجذبتِ له، ولربما كان تأثرك عميقًا بما تشاهدينه على التلفاز من قصص الخيال، وربما لم تلتجئي للمفاهيم الصحيحة لتعرفي ما سر انجذابكِ لهذا الشاب، أوهمتِ نفسك أنك تُحبينه وأنه حُب حياتك وأنك لن تعيشي دونه و... وفي الواقع كان انجذابكِ له غريزيًا بحتًا بسبب الهرمونات الجنسية التي تبرز في سن المراهقة. الآن دعينا نرتب أفكارك بشكل صحيح، لتري نهاية المطاف، إنكِ حبست نفسك في غرفة من الخيال وواقعكِ هي السعادة التي تستحق أن تعيشيها بكل ما فيها من نعم إلهية. امسكي ورقة وقلمًا واكتبي اسئلتي وأجوبتي وطابقي ما قلت بما كان معك، ستجدين النتيجة واحدة... أعدك. كم المدة التي رأيت فيها هذا الشاب الوسيم؟ ساعتين أو ثلاث؟ كم تكلمتِ مع هذا الشاب؟ لم أكلمه لكن صوته يدق مسامعي لم أستطع نسيانه أبدًا. من الطبيعي أن نتذكر أصوات الآخرين، فهل تذكّر الصوت يدل على الحب والتعلق، لا زلت أذكر صوت المراقب والمعاون في المدرسة! هل هذا دال على الحب والعشق؟ صحيح أن الإنسان يختزن أصوات الآخرين في ذهنه خاصة إذا فكر فيهم. ما الشيء الذي جذبك لهذا الشاب؟ هل تعرضت لسرقة فأنقذك منها؟ هل كنت على وشك الموت ففداك بنفسه؟ هل عشتما معًا مدة كافية جعلتكِ تتعقلين بما يحمل من طيب خلق ونفس ورهف أحساس؟ _اطلاقًا لم أره إلّا مرة حتى أنني لم أكلمه وجها لوجه. إذن كيف أحببتيه وتعلقت به وأنتِ لم تريه إلّا مرة، ما الذي عرفت عنه في هذه المرة التي لم تدم سوى لحظات؟ ألا تشعرين أنك صنعت من نفسك بطل مسلسل من انتاجكِ وحدك ولا تريدين له أن ينتهي؟ ارحمي نفسك، فلها عليكِ حقًا. الآن أعيدي كل يوم هذه الأسئلة والأجوبة على نفسك لتبدلي الأوهام التي لقنتيها لعقلك سنوات بالواقع وتكسري جدران الوهم والخيال التي أسرتكِ. والآن اكتبي الواقع الذي تعيشينه... الحياة الوردية التي لا تريدين أن تريها... الحُب الحقيقي الذي في حياتك ... العائلة الجميلة التي تمتلكينها والكثير حُرم منها. لديكِ زوج حنون طيب القلب... تلقينك كله برغبتك بذاك الشاب أيام الصبا -التي أوهمت نفسك أنها حُبّ- لم يستطع إخفاء الأمر، لأنه –زوجك الفعلي- كان فعلًا إنسانًا جيدًا ترك بصمة في قلبك المحاط بالأوهام... انطلقي من هذه البصمة الرائعة، اكتبي كل ما مر عليكِ من لحظات جميلة معه وتعايشي معها، وحاولي تذكر كل التفاصيل الجميلة هذه، هكذا ستعودين من عالم الوهم إلى الحياة الواقعية شيئاً فشيئاً. أكتبي كل اللحظات الرقيقة التي كانت بينكما، كل كلمة طيبة نظرة حنونة منه لا تتركي شيئاً. وأكتبي كل ما فعلتِ لأجله، كل كلمة طيبة قلتيها له، كل هدية اشتريتها له، كل حزن كان عنده فخففتِ عليه، حتى لو كانت تفاصيل صغيرة، اكتبيها، الإنسان لا يقدم شيئاً إلّا لمحبة في قلبه ولو كانت قليلة. هذه الكتابة ستحرك مشاعرك وعقلك وحواسك كلها، وهو المطلوب لتعودي للواقع شيئاً فشيئاً وتنسي أوهامك. ثم انهضي للوضوء والصلاة والدعاء، من ذا الذي يستحق الهيام في حبه وعشقه سواه تعالى... تضرعي له فهو القادر على تخليصك من الأوهام والعذاب الذي تشعرين به، تذكري أن الله تعالى قريب ينتظر قدومك إليه (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (3). ليكن لسان حالك مع ربكِ فليتك تحلو والحياة مريرة ٌ *** وليتك ترضى والأنام غضابُ وليت الذي بيني وبينك عامرٌ *** وبيني وبين العالمين خرابُ إذا صح منك الودُّ فالكل هيِّنٌ *** وكل الذي فوق التراب ترابُ ومساءً، حين يعود زوجك، حاولي أن تنظري في عينيه، وتذكري أن هذا الرجل خليلكِ لسنوات وأنتِ أحببتيه في فترات كثيرة منها، وانجذبت له فيها، وحاولتِ إسعاده لسبب لم تكوني تعترفين به، وهو حبك له الناتج من عشرة سنوات، وحسن قلبه ومعاملته لكِ. ثم التفتي قليلًا إلى أنكما انجبتما أولاداً وكوّنتما أسرة... حقيقة الأمر لا ادري كيف أمكنكِ حتى التفكير بالطلاق مع وجود الأبناء! الأمانة عُرضت على الجبال فأبين أن يحملنها وحملها الانسان! الأولاد أمانة في أعناقنا، نحن من أنجبهم وأخرجهم للعالم بمحض إرادتنا، لا أحد أجبرنا على حَمل هذه الأمانة كيف نتملص منها بهذا الشكل، لا لشيء إلا لأجل أوهام وخيالات تعلمناها من الغاوين الذين يقولون ما لا يفعلون وفي كل واد يهيمون! إن طلبتِ الطلاق، هل فكرت في مدى تأثر الأبناء به؟ وكيف يمكن أن تربي الأولاد وحدك، أتظنين أن تربية الأبناء تربية صالحة لوحدك أمر ممكن؟ حاولي أن تقيسي الأمر على نفسك، هل تكونين سعيدة لو عشتِ في قصر دون أبيك؟ الأب بالنسبة لأي إنسان هو أمنه وأمانهُ، لا تحرمي أولادك من الشعور بالأمن، إنه لعقاب عظيم لهم دون ذنب أبدًا. __________________ (1) سورة النحل آية 78. (2) الموسوعة الحرة .wikipedia موضوع (اهمية الحب). (3) سورة البقرة آية 186.
اخرىالتعليقات
حنان الزيرجاوي
منذ 7 سنوات
احسن الله لكم ووفقكم لمرضاته
يتصدر الان
لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع
يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي
اخرىبين طيبة القلب وحماقة السلوك...
خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي
اخرىلا تقاس العقول بالأعمار!
(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي
اخرىالمرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)
بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.
اخرىالطلاق ليس نهاية المطاف
رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي
اخرىهَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ
عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي
اخرى
نجاة رزاق شمخي جبر الكناني
منذ 7 سنوات
موفقين احسنتم