تشغيل الوضع الليلي

أم البنين (عليها السلام) الوجيهة عند الله تعالى بالحسين (عليه السلام) في الدنيا والاخرة

منذ 7 سنوات عدد المشاهدات : 20083

تعني الوجاهة بشكل عام: الحرمة والرفعة والقوة والمُكنة لمالكها عند الخلق.
ويمكن أن نصنف الناس في سعيهم لبلوغ الوجاهة إلى صنفين:
الصنف الأول: صاحب النظرة المحدودة الذي يسعى لبلوغ الوجاهة عند أهل الدنيا وفي الدنيا فقط، فتراه يبحث ويتقرب من كل الأسباب المادية الدنيوية المتمثلة بجمع المال والثروة والدرجات العلمية العالية، والكون من الطبقات الاجتماعية الرفيعة ليبلغ الوجاهة والرفعة في اعين الناس.
الصنف الثاني: صاحب النظرة غير المحدودة الواسعة، حيث يتصل بمصدر القوة والعزة سبحانه وتعالى، وبأوليائه فيبلغ الوجاهة في الدارين، ويبلغ الرفعة المادية والمعنوية.
ومن هنا نعرف: أن الأمر متوقف على الإنسان نفسه، الله تعالى وفق حكمته وعدله لا يُعطي شيئًا مادياً أو معنوياً من دون استعداد وقابلية في من سيُعطى، وهذا يُوصلنا بالنتيجة إلى معرفة عظمة وكمالات صاحب تلك الوجاهة، وزكاة تلك النفس (أي الصنف الثاني).
وهنا سنتطرق إلى ملكة واحدة توصل الإنسان لبلوغ الوجاهة عند الله تعالى وكيف تجلت في مولاتنا أم البنين (عليها السلام) وبمقدار ما وفقنا تعالى، وهي "التقوى" حيث قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ... إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } (الحجرات: 13).
ويمكن تعريف الكرامة بأنها مقدار القرب من الله تعالى، وبلوغها -كما بينت الآية- بالتقوى، فهي استشعار حضور الله تعالى ورقابته لنا، ورعايته وعنايته، وهي في اللغة مشتقة من الوقاية فعن الإمام علي (عليه السلام) يقول: "اعلموا عباد الله أنّ التقوى دار حصن عزيز..." (١).
وهي تصقل هذا القلب وتصفيته وتطهره وتجعله مؤهلاً ليكون محل لتقبل الفيوض الإلهية ورحمته وكرامته كما قال تعالى: {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ} (الحجرات:3) "فروح التقوى لا تُعطى إلا بعد إن يُمحص العبد ويختبر باختبارات الصبر والرضا والتسليم ثم إذا نجح يعطى ملكة التقوى" كما يعبر أحد علمائنا.
وهي أساس كل نية صادقة وإيمان خالص وطاعة وعمل مقبول عند الله كما في قوله: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ}(التوبة:108).
ففي حديث قدسي يبين ثمرة بلوغ التقوى: "يا ابن آدم أنا أقول للشيء كن فيكون، أطعني فيما أمرتك أجعلك تقول للشيء كن فيكون"
بالنتيجة نصل لنفس المطلب وهو الوجاهة، أي بلوغ القدرة على التصرف خارج الأسباب الطبيعية، وامتلاك قدرات غيبية.
ومن هنا يمكن أن نقول: إن أعظم مصاديق الطاعة والعمل لله تعالى قد بُينَ لنا في حديث قدسي آخر حيث ورد في "دعوات الراوندي" (اختصاراً أخذنا الشاهد منه فقط) أنه روي أن الله تعالى قال لموسى (عليه السلام): ".... فأي عمل عملت لي؟ قال موسى عليه السلام: دلني على العمل الذي هو لك، قال: "يا موسى هل واليت لي وليًا، وهل عاديت لي عدوا قط؟ فعلم موسى أن أفضل الأعمال الحب في الله، والبغض في الله"(3)
أي أن على رأس موارد الطاعة والعمل الخالص لله هو ولاية أولياء الله، والكون مع حجج السماء كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التوبة:119)، وأعلى مصاديق الصادقين هم النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) من الأئمة الاطهار.
وبعد هذه المقدمات نصل إلى مطلبنا وهو بلوغ مولاتنا أم البنين (عليها السلام) أعلى درجات التقوى المتجلية بولاية أمام زمانها سواء في زمن الإمام علي (عليه السلام) وولديه الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) كما هو بَيّن في مختصر سيرتها المشهور والواصلة إلينا.
وكلامنا هنا عن ولايتها للإمام الحسين (عليه السلام) بشكل خاص، وهذا إن دل فإنه يَدل على عِظم مقام هذه السيدة، وسعة وجودها الإلهي بما تملكه من استعدادات وقابليات أهّلتها لتكون بهذه الوجاهة والكرامة عند الله سبحانه وتعالى.
كما ورد في وصفها من قبل أحد علمائنا أنه قال في حقها: "كانت من النساء الفاضلات العارفات بحق أهل البيت (عليهم السلام) ... ذات تقى وزهد وعبادة" (٤).
من مصاديق الوجاهة للسيدة أم البنين (عليها السلام) في الدنيا:
- المودة في قلوب الخواص والعوام.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} (مريم: 96).
وعن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال: "التقوى سنخ الإيمان" (٥).
فتحقق الايمان يعني تحقق التقوى، والسيدة الجليلة كانت ذات شأن عند الأئمة حيث كانوا يكنّون لها حباً ووداً واحتراماً خاصاً. حيث مما ورد في وصف شأنها "كانت أم البنين (عليها السلام) من النساء الفاضلات، مخلصة في ولائهم، ممحضة في مودّتهم، ولها عندهم الجاه الوجيه، والمحلّ الرفيع، وقد زارتها زينب الكبرى بعد وصولها المدينة تعزّيها بأولادها الأربعة، كما كانت تعزّيها أيام العيد.." (٦).

وهذا أوجب لها مودة ليس فقط في قلوب خواص المؤمنين بل في قلوب عامة المؤمنين، وهذا واضح من خلال ما لها من عظمة في النفوس، وما لها من ذكر مستمر، وإحياءٍ لأمرها دائم.
- درجة العلم والمعرفة التي جعلتها صاحبة رفعة
قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ...}البقرة (282).
ظاهراً كانت السيدة شخصية عادية من حيث عدم انتمائها لبيوت الأنبياء والأوصياء قبل ارتباطها بالإمام علي (عليه السلام)، إلا إن الله تعالى وهبها درجة علم ومعرفة بحججه عجيبة! وهذا يُشير إلى سمو روح هذه السيدة الإلهية وطهارة نفسها ونقاوتها وتقواها التي أوصلتها إلى هذه المرتبة من الذوبان بسيد الشهداء (عليه السلام) حتى إنها تخلت عن اسمها رعاية لمشاعر ذرية بيت النبوة والإمامة، وفدته بذراريها، وهل هناك أحب للأم من أبنائها؟!
إلا أنها صَنعت منهم درعاً وحصناً حول قلبها ووهبتهم لربها قرباناً ليبقى وجود حب إمامها حياً بقلبها ومحيّاً لوجودها بعد رحيلها، حيث ورد أنه لما رجعت القافلة للمدينة بعد واقعة كربلاء أنها قالت: "قَطَعت نياط قلبي أولادي الأربعة، ومن تحت الخضراء فداء لسيدي أبي عبد الله الحسين (عليه السلام).
من مصاديق وجاهة السيدة في الآخرة
تعالى عزّ وجل يصف نبيه عيسى (عليه السلام) بأنه وجيهاً بقوله: {... إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} (آل عمران: 45)، ثم في آية أخرى يُعطي شيئًا من مصاديق تلك الوجاهة في قوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ....وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي...} (المائدة: 110).
في حدود فهمي، هذه الوجاهة هي أعلى مراتب الكرامة وتعرف بـ "معاجز الانبياء"، وهي قدرات خاصة وقوى غيبية -كما قلنا سابقاً- تُعطى لخواص الخلق يخترق بها السنن الطبيعية بإذن الله سبحانه.
هي تعطى لهم لإثبات حجيتهم وصدق رسالاتهم، لكون تلك الأقوام تميل إلى البراهين الحسية الملموسة التي يرونها بالعين، ولكنها تكسبهم أيضاً ذات المطلب وهو إظهار قربهم وكرامتهم عند الله تعالى للناس أجمعين.
ومولاتنا أم البنين (عليها السلام) حازت على مقام القرب الإلهي في الأخرة من خلال ظهور كراماتها في الدنيا عند التوسل بها، وذلك بجعلها وسيلة لقضاء الحوائج الصعبة، والمشكلات المعقدة في حياة أي إنسان لديه عقيدة وإيمان بعظم شأنها، والأمر خاضع للتجربة والمحاولة والكرامات لا تُعد ولا تُحصى، فهي باب من أبواب الله سبحانه وتعالى الذي لا يُغلق بوجه سائل أو محتاج يطرق أبوابه.
لذا نستطيع أن نقول:
إن مولاتنا أم البنين (عليها السلام) بمقدار ما هي [وسيلة] لنبلغ مطالبنا ومقاصدنا، هي [مطلب] و[مقصد] أيضاً من خلال التأسي بها والسير على سيرتها ببلوغ درجة التقوى (القرب) من خلال الطاعة القصوى لإمام زماننا (عجل الله فرجه) والأئمة الأطهار (عليهم السلام) لنبلغ الوجاهة بهم عند الله في الدنيا والآخرة كما هي بلغت ذلك وذلك بمقدار استطاعتنا.
__________________________
(١) نهج البلاغة، الخطبة ١٥٧.
(٢) بحار الأنوار ج٩٠، ص٣٧٦.
(٣) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج ٦٦، ص ٢٥٣.
(٤) زينب الكبرى للنقدي، ص٣٣.
(٥) تحف العقول، ص١٥٤.
(٦) العباس للمقرم: ص ٧٢-٧٣، نقلاً عن مجموعة الشهيد الأول.
فاطمة الركابي

اخترنا لكم

العصمةُ جوهرُ الإمامةِ

بقلم: رضا الله غايتي العِصْمَةُ: لغةً: الإمساكُ والمنعُ(1)، واصطلاحًا: هي التنزّه عن الذنوب والمعاصي، صغائرها وكبائرها، وعن الخطأ والنسيان، وإن لم يمتنعْ عقلاً صدور ذلك عن المعصوم. وقد اختلفت المدرستان (الإمامية والعامية) في شرطيّة العصمة في الإمام، تبعًا لاختلافهما في تفسيرها (الإمامة)، فذهبت مدرسة الخلفاء إلى أنَّ الإمامة لا تعدو أنْ تكون منصبًا دنيويًا يتصدى من يتسنمه للحكم، بقطع النظر عن كيفية الوصول إليه، ومقامه العلمي، ومدى مطابقة سلوكه للأحكام الدينية؛ ولذا فهي لا تشترط العصمة. على حين عَرّفت المدرسةُ الإماميةُ الإمامةَ بأنَّها منصبٌ إلهي يخلُفُ فيه الإمامُ النبيَّ (صلى الله عليه وآله) في القيام بجميع وظائفه سوى تلقّي الوحي الرساليّ، أيّ إنَّها امتدادٌ للنبوة؛ ولذا ذهبت إلى أنَّ العصمةَ عنصرٌ ذاتيٌّ من ذاتيات الإمامة، مُستندةً في ذلك إلى الأدلة العقلية والنقلية، فأما عقلًا، فلأنَّ الإمامَ واسطةٌ بين الله (تعالى) وخلقه، يبلِّغهم بأحكامه، ويكونُ لهم أسوةً ليهتدوا به، ولله (تعالى) عليهم حجة. وكلُّ هذه المقامات: مقام التبليغ، ومقام الأسوة، ومقام الحُجيّة لا تتحقق إلا إذا كان الإمامُ معصومًا؛ إذ لو كذب مثلًا، فلا يُمكِنُ الوثوقُ بتبليغِهِ الأحكامَ حينئذٍ، كما لا يكونُ أهلًا للاهتداءِ به، فضلًا عن قُبح الاحتجاج به واللهُ (سبحانه) منزَّهٌ عن كلِّ قبيح، فيلزمُ من كلِّ ذلك أنْ يكونَ معصومًا علمًا وعملًا، أي لا يُخطِئُ في استقبال المعلومةِ ولا في تحليلها ولا في تبليغها، مثلما أنَّه لا ينحرفُ، ولا يسهو، ولا ينسى. وأما نقلًا فهناك الكثيرُ من الأدلةِ، منها قولُهُ (تعالى): "وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ"(2)، والمقصود من الظلم في كلمة (الظالمين) ما يقابل العدل، وبما أنَّ العدل: وضعُ الشيءِ في محلِّهِ، إذن فالظلم يشملُ كلَّ ما هو عكس ذلك من مصاديق، فالشركُ ظلمٌ عظيمٌ؛ لأنّه يضع العبادةَ في غير محلها، وعليه لا يقتصر معنى الظلم هنا على ظلم الآخرين فقط، بل يشمل مطلق الظلم، بما فيه ظلم النفس. والناسُ بحسب القسمة العقلية بالنسبةِ إلى الظلم على أربعةِ أقسامٍ لا خامس لها: من كان ظالمًا طوال حياته، ومن هو ظالمٌ في أول حياته فقط، و من هو ظالمٌ في آخرها فقط، ومن لم يظلم طوال حياته. ولا يستحقُّ الإمامةَ أيٌّ من الأقسام الثلاثة الأولى؛ لأنّ الله (جل جلاله) قد استثنى كلَّ من ارتكب ظلمًا ولو بمقدار ذرّة، فيتعيّن أنْ لا أحد يستحقُها سوى القسم الرابع؛ لأنّه لم يرتكبْ ظلمًا قط وهذا هو المراد من المعصوم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)معجم مقاييس اللغة ج4ص331 (2) البقرة 124

اخرى
منذ 5 سنوات
1640

وبرًا بوالدتي

بقلم: دعاء احمد في صباحٍ حزينٍ ومؤلم، والغيومُ السوداءُ تملأ السماء وتحجُبُ أشعةَ الشمس، واللونُ الأسودُ يُغطّي جُدرانَ المدينة في كُلِّ ناحية، وللرياح دويٌّ كصياحِ النوائح، وصوتُ خطواتِ المُعزّين، ورائحةُ الجمرِ المُنبعثة من المواكبِ الخدمية التي تستعدُّ لاستقبالِ الزائرين، وصوتٌ يُعبِّئُ شوارعَ المدينةِ، تلمسُ منه العشقَ الصادق والولاء: "أهلا بزوار أبي عبد الله".. ما هي إلا لحظاتٌ حتى ابتلّتِ الأرضُ بدموعِ السماء حزنًا على سيّدِ الساجدين وزين العابدين (عليه السلام)، كان ذلك في الخامسِ والعشرين من مُحرّم الحرام، والكونُ ينعى فقيدَه وأيّ فقيدٍ؟ إمامٌ معصومٌ من سُلالةٍ طاهرةٍ مُطهَّرةٍ، اهتزّتْ لمصابه السماءُ والأرض، وانثلمت ثلمةٌ في الإسلام، قضى نحبه بأبي وأمّي مسمومًا على أيدي الطغاة والظلمة.. خطبٌ به قد هـُدَّ ركنُ الرشادْ ... حين قضى بالسمِّ زينُ العبادْ خرجَ سجّاد من منزله مُرتديًا السواد حزنًا على مصائب آلِ مُحمّدٍ بعدَ أنْ أودعَ قُبلةً على جبينِ والدته وانحنى يُقبِّلُ يدها.. أسألُكِ الدُعاء يا أُمّاه.. فأجابت: بيّضَ اللهُ وجهَك عندَ السيّدةِ الزهراء (عليها السلام) يومَ القيامة، يا بُني توكّلْ على اللهِ وتوسّلْ بصاحبِ الزمانِ، واتجه نحوَ قبرِ الحُسين (عليه السلام) لتعزيته على مُصابِ ولدِه زين العابدين، ثم اتجه إلى موكبِ شبابِ علي الأكبر لخدمةِ الزائرين.. قام بكُلِّ ما أوصته به... ما هي إلا ساعاتٌ حتى ارتفعَ أذانُ الظهرِ فشرعوا بالوضوء والصلاة، وبعد ذلك اتجه الموكبُ شبابًا وشيبةً لضريحِ أبي عبد الله (عليه السلام)... هتفَ الحاجُّ علي: ولدي سجّاد انطلقْ بموكبِ العزاء، واحملْ لافتةَ الردّة، وبدأتِ الأصواتُ تعلو والصدورُ تُضرَبُ ودموعُ المُعزّين تهطل.. وبعدَ تلك المسيرةِ من قبرِ أبي الفضل العباس إلى قبرِ أبي عبدِ الله الحُسين (عليهما السلام)، وبعدَ أنِ انتهتْ مراسمُ العزاء توجّهَ سجّاد إلى مذبحِ الإمامِ الحُسين وتوسّلَ بالسيّدةِ الزهراء روحي فداها، وسالتْ دموعُه لتحقيقِ أُمنيته التي بقيتْ في صدره ولم يستطِعِ البوحَ بها؛ لأنّ سجّاد كان المُعيلَ الوحيدَ لوالدته المُعاقة التي أقعدها المرضُ على كُرسي مُتحركٍ، ولكنّه لم يعجزْ يومًا عن خدمتِها فكانَ نِعمَ الولدُ البار التقي. وعندما خرج من الضريحِ متوجهًا إلى بابِ الخروج رَبَتَ على كتفِه صديقُه تقي: هيا بنا لنذهبَ قليلًا ونتجولَ في شوارعِ المدينة، فاعتذر سجّادُ عن تلبيةِ دعوتِه ... قال تقي: ولكن لماذا؟ قال سجّاد: اليومُ هو يومُ مُصيبةٍ وليس من اللائق أنْ نتجوّلَ من أجلِ أنْ نُريحَ أنفسَنا، وثانيًا والدتي بانتظاري فعليَّ أنْ أذهبَ إليها لا أُريدُ تركَها بمُفردها.. قال تقي: أوَما زلتَ تهرعُ كالطفلِ في أحضانِ والدتِك أم تخشى التوبيخ يا صديق، وضحكَ باستهزاء.. ثم أكملَ يقول: قبل أنْ أخرجَ إلى العزاء ملأتُ البيتَ بصوتي عندما قالتْ لي أمّي: لا تتأخرْ، أخشى عليك.. هل رأتني طفلًا صغيرًا لتقول لي هذا؟! آهٍ كُلُّ يومٍ صراخٌ وخناقٌ بسبب تدخلها.. قال سجاد: وهل من الأدبِ يا صديقي أنْ ترفعَ صوتَك أمامَ أمِّك؟! أهذا ما تعلّمْتَه؟! تخرجُ إلى عزاءِ الحُسين (عليه السلام)، وأنت ترفعُ صوتَك عليها! أين تأثيره عليك إذن؟ ثم أكمل: اسمعْ يا صديقي، إذا أردتَ أنْ ينظرَ إليك اللهُ (تعالى) ثم إمامك (عجّل الله فرجه) فعليك ببِرِّ والدتِك... وعندما ترفعُ صوتك عليها فهذا من العقوق.. قال تقي: أووه بدأنا بالمحاضرة.. قال سجّاد: ليست محاضرةً يا صديقي، ورَبَتَ على كتفِ صديقِه تقي، وأكملا مسيرهما ثم تابعَ سجّاد: أتعلمُ أيَّ إمامٍ كُنتَ في عزائه اليوم؟ وكيفَ كان خُلُقُه مع أُمّه؟! سأتلو على مسامعك يا صديقي هذه الرواية فاستمع جيدًا: عَهِدَ الإمامُ الحُسينُ بعد موتِ والدةِ الإمامِ زين العابدين -وهو لا يزالُ صغيرًا- إلى سيّدةٍ من أمّهاتِ أولاده بالقيامِ بحضانةِ ولده زين العابدين ورضاعته ورعايته، وقد ذكر الرواةُ أنّه امتنعَ أنْ يؤاكلها فلامَهُ الناسُ، وأخذوا يسألونه بإلحاحٍ قائلين: أنتَ أبرُّ الناس، وأوصلُهم رحمًا، فلماذا لا تؤاكلُ أمّك؟ فأجابهم: أخشى أنْ تسبقَ يدي إلى ما سبقتْ عينُها إليها فأكونَ قد عققتُها، وهذا ما ذكرَه الشيخُ الصدوقُ (رحمه الله) في كتابِ الخصال ص 518، فإذا كان هذا أدبُ الإمامِ مع مُربيته، فمن نحنُ حتى نرفعَ أصواتنا يا تقي؟ سكتَ تقي برهةً ثم قال: نعم أيُّها المُهذبُ البارّ، سأذهبُ الآن وألتقيكَ فيما بعد. قال سجّاد: حسنًا، ولكن سأدعوك اليومَ عندي إلى العشاء ثوابًا للإمام زين العابدين (عليه السلام) في البيت فأرجو أنْ تقبلَ دعوتي يا تقي. قال: مؤكد سآتي حُبًّا وكرامةً للإمام زين العابدين (عليه السلام). قال سجّاد: حسنًا يا تقي، جعلَ اللهُ لك نصيبًا من اسمِك، وجعلك من الأتقياء الصالحين، ثم قال بابتسامة: سأصنعُ لك طعامًا بيدي ما رأيك؟ ابتسم تقي وقال: أعانني الله تعالى.. وما إنْ وصلا ضريح أبي الفضل العباس حتى استأذنَ تقي صديقَه ورحلَ، ووقفَ سجّاد أمامَ ضريحِ أبي الفضل العباس مُسلِّمًا عليه: "السلامُ عليك يا أبا الفضل العباس وعلى أختك الحوراء زينب، بنفسي أنت يا مولاي من صابرٍ مُحتسب" ثم أكمل: "يا كاشفَ الكربِ عن وجهِ أخيك الحسين، اكشف الكرب عن وجه أخي تقي، يا أبا الفضل.. تقي شابٌ شهمٌ وشجاعٌ ونقيُ القلب.. أسألُك بحقِّ أخيك الحسين أنْ تكفلَ قلبَه وتجعلَه من الصالحين"، ثم انحنى وسلَّمَ على الإمامِ مرةً أخرى وأكمل مسيره باتجاه البيت. سجاد وتقي جاران وصديقان منذُ الطفولة، فقدا والديهما منذُ الصغر، وافترقا في مرحلة الإعدادية إلا أنَّ تقي أخذه بُهرجُ الدنيا الخدّاع وتغيّرَ كثيرًا وساءتْ أوضاعه وخصوصًا أخلاقه في البيت مع والدته وأخواته إلا مع صديقه سجّاد فقد كان يكنُّ له كُلَّ الاحترام والتقدير، ودائمًا كان يقول له: ستبقى نِعمَ الصديق، وخير قدوةٍ يا سجّاد. أما سجّاد فمنذُ طفولته تحمّلَ المسؤوليةَ وخصوصًا أنّ والدتَه لا تستطيعُ التحرُّكَ بسبب المرض، ولكن رغم ذلك كانتْ تحرصُ على تعليمِه وتهذيبه بأخلاقِ أهلِ البيت (عليهم السلام) وكانتْ بين الحينِ والآخر تشرحُ له رسالةَ الحقوق لزين العابدين (عليه السلام)، وكانتْ تقولُ له: إنّه دستورُ الحياة وما إن أنهى دراستَه الأكاديمية حتى سعى إلى أنْ يكون حافظًا للقرآن وحقق ما تمناه. عادَ سجّادُ إلى البيت وسلَّمَ على والدتِه بكُلِّ حُبٍ واحترامٍ وقال: بعد إذنكِ أيّتُها الحبيبةُ فقد دعوتُ صديقي إلى العشاء هذا المساء.. فقالت له: البيتُ بيتُك يا بُني.. ثم أكملت بابتسامةٍ: فدتْكَ روحي أراكَ مهمومًا... قال: بدأتُ أخافُ على تقي.. ادعي له يا أُمّي أنْ يُصلِحَ اللهُ أمره.. قالت: اللهم اصلحْ شأنَه كُلَّه إنّك سميعٌ بصيرٌ بحقِّ محمدٍ والِ محمد. ثم ذهب سجّاد إلى المطبخ وبدأ بتحضير الطعام، وما إنْ أتمَّ حتى دخلَ إلى غرفته وأحضر بعضَ الكتبِ إلى غرفةِ الضيوف.. طرقَ تقيُّ البابَ فتحَ له سجّاد الباب وقال مازحًا: أتيتَ قبلَ الموعدِ! ضحك تقيُّ وقال: مُتشوِّقًا إلى طعامك أيُّها المُهذب.. ارتفعَ أذانُ المغرب ثم توجها إلى الصلاةِ، وبعدَ الصلاةِ توجها إلى المائدة وبعد ذلك جلسا في غرفةِ الضيوف ثم بدأ سجاد يقول: اليومُ هو يومُ استشهادِ الإمامِ سيّد الساجدين، ما رأيك أن نقفَ على رحابِه قليلًا؟ قال تقي: يسرُّني ذلك... سحب سجّادُ كتابَ رسالةِ الحقوق للإمامِ زينِ العابدين ثم بدأ يقول: لا يخفى علينا يا صديقي أنّ الإمامَ هو ابنُ من، وولادته وسيرته ولو على النحو القليل، لكن سنقفُ على محطاتٍ من فترةِ إمامته الشريفة. يستمعُ تقي بكُلِّ شوقٍ؛ لأنّه كان يُحِبُّ كلامَ سجاد كثيرًا، أكملَ سجّادُ: بعدَ أنْ مرَّتْ أيام الطفِّ وعادَ إمامُنا إلى مدينةِ جدِّه ناعيًا أبيه، وأخذَ على عاتقِه إكمال رسالةِ الطف استخدمَ البُكاءَ سلاحًا يهزُّ به عروشَ الظالمين؛ ليُبيّنَ للناسِ ظلامةَ أبيه وأهلِ بيتِه، بل استخدمَ الإمامُ نشاطًا فكريًا من نوعٍ آخر وهو أسلوبُ الدعاء، ما يُخلِّصُ الناسَ من عبوديةِ المخلوق وذُلِّ السُلطانِ والشهواتِ إلى عبوديةِ الخالق وتحريرِ النفسِ وتزكيتِها، وفي فترةِ إمامتِه الشريفة يا تقي شهدتِ الأمّة ازدهارًا فكريًا واسعًا لم يشملْ فقط المدينة بل المُدنَ الإسلامية جمعاء. وكانت لهذه الحركة نتائجُ علميةٌ وفكريةٌ تخرّج منها العديد من المُفكرين والفقهاء، وكان من نتائج هذه الحركة الفكرية هي رسالة الحقوق التي هي دستورُ الحياةِ الشاملِ والمنهجِ القويم. وبإمكانِك مُتابعةَ الكتبِ التي تنقلُ حياةَ الإمامِ والتعرُّف على فترةِ إمامتِه الشريفة، أمّا هذا الكتابُ وأشار إلى رسالةِ الحقوق فكان أحد نتائجِ ثورةِ الإمامِ الفكرية وهي رسالةٌ يفيضُ بها الوجدانُ روعةً وجلالًا، ويمتلأ بها القلبُ طمأنينةً وإيمانًا وهي مُقوِّمةٌ للأخلاق ومُقدِّرةٌ القيم.. فهي رسالةٌ تهدي للتي هي أقوم يُشيرُ فيها الإمامُ إلى الحقوقِ المُرتبطةِ بالإنسان وأولها حقُّ الله تعالى ثم يُفرِّعُ عليها حقوقَ الإنسانِ المفروضة من الله اتجاه الإنسان وتستطيعُ مُراجعةَ كتابِ شرحِ رسالةِ الحقوق للسيّدِ حسن القبانجي.. أما ما يُهمُني توضيحَه إليك يا صديقي هو حقُّ أمِّك.. فابتسم تقي مُطأطئًا رأسه وقال: كأنّي أعلمُ ما ترنو إليه.. قال سجّاد: نعم.. ثم تابع: فحقُّ أمك فان تعلم أنها حملتك حيث لا يحمل أحد أحدا وأطعمتك من ثمرة قلبها ما لا يطعم أحدا أحدا . وأنها وقتك بسمعها وبصرها ويدها ورجلها وشعرها وبشرها وجميع جوارحها مستبشرة بذلك ، فرحة ، موابلة محتملة لما فيه مكروهها وألمها وثقلها وغمها حتى دفعتها عنك يد القدرة وأخرجتك إلى الأرض، فرضيت أن تشبع وتجوع هي وتكسوك وتعرى وترويك وتظمأ وتظلك وتضحى وتنعمك ببؤسها وتلذذك بالنوم بأرقها وكان بطنها لك وعاء ، وحجرها لك حواء وثديها لك سقاء ونفسها لك وقاء ، تباشر حر الدنيا وبردها لك ودونك ، فتشكرها على قدر ذلك، ولا تقدر عليه إلا بعون الله وتوفيقه. فاعلم يا صديقي أنّ مقامَ الأمِّ مُقدّسٌ وقد أشارَ القرآن الكريم إلى هذا وصرّحتْ به الأحاديثُ الشريفةُ وظفرتْ بعنايةٍ خاصة بتأكيدِ حقِّها وإفرادِها بالذكر.. فحقُّ الأُمِّ بلسانِ الإمامِ السجّاد (عليه السلام) يختصرُ عظمة الأُم وشموخ مقامها ويصوِّرُ عطاءها بأدقِّ تصويرٍ وتفصيلٍ.. والآن هل علمتَ حقوقَ المرأةِ العظيمةِ عليك التي كانتْ لك أبًا وأمًّا؟ قال تقي: نعم، أسألُ الله (تعالى) أنْ يُعينني على برِّها، سأعتذرُ إليها حالَ ما أعودُ.. شكرًا لك... ستبقى نِعمَ الصديق وخير قدوة يا سجّاد. ومرّتِ الأيام وكثُرتْ لقاءاتُ تقي بسجّادٍ وصلُحَ حالُ تقي كثيرًا، وحانتْ أيامُ زيارةِ الأربعين المُباركة فاتفقا على الذهاب إلى النجفِ الأشرف وأن يأتيا كربلاء سيرًا على الأقدام وأصرّت والدةُ سجّاد على الذهاب مع ولدِها قائلةً: أعلمُ أنّي أشقُّ عليك، ولكن هذه أُمنيتي.. فقال سجاد: بل على العكس، سأحملُكِ على ظهري إن أردتِ.. واتجهوا في صباحِ اليومِ التالي إلى النجف الأشرف، وذهبوا إلى زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) وأقاموا ليلةً في النجف ثم التحقوا بالمسيرةِ الحُسينيةِ المُباركة وأثناءَ المسيرِ ابتسمتْ والدةُ سجّاد: ما رأيُّك يا ولدي أنْ تُرتلَ لنا سورة مريم؛ فقد اشتقتُ إلى القرآن بصوتك.. قال تقي: يبدو أنّي لن أوفَّقَ لذلك سأعود إلى الموكب الذي أقمنا فيه يبدو أنّي نسيتُ هاتفي هناك.. قال سجّاد: حسنًا سنسبقُك في المسير، وبدأ سجّادُ يقرأ كهيعص.. حتى وصل إلى آية: "وبرًا بوالدتي ولم يجعلني جبارًا شقيًا" فدوّى انفجارٌ رهيبٌ وما هي إلا لحظاتٌ حتى عانقتْ روحُه السماءَ وتحقّقَ ما تمنّى عندَ قبرِ الحُسين (عليه السلام) والتحقَ بركبِ الشهداء مع والدتِه.. سمعَ تقيُّ الانفجارَ وهرعَ يركضُ وما إنْ وصل حتى رأى صديقَه مُضرّجًا بدمه والابتسامةُ تعلو مُحيّاه، عانقه وقال: السلامُ عليك يومَ ولِدْتَ ويومَ استُشهِدتَ ويومَ تُبعثُ حيًا.. ليتني كُنتُ معكم فأفوزَ فوزًا عظيمًا.

اخرى
منذ 5 سنوات
2631

خاطرة

للمشاعرِ ضجيجٌ لا يليقُ معه الصمت، ولا سيما إذا كان الكونُ برمته يقف منصتًا لسمفونية انتظار، تعزفها الطبيعة، تداعب مخيلة النسيم وهو يهب على خفقات موج البحر.. وحتى الهديل الذي ما فتأ يحلق آملا في كوة ضوء من جبينك يا مهدي، تأسره اللوعة فيرمق للسماء راجيًا.. يتيمةٌ هذه الصحراء وهي ترقب مناهلك الروية، وليُتمها حكايا أبوية، ما ملّ الرمل من انتظارها.. ها هي الأيام تلولبنا وتدول بنا، كطحين في رحى، تفتننا كذهب في بوتقة، ونحن نطوف بك يا باب الله الذي منه يؤتى.. مساكين نعصر لهفتنا لنظرة من عطفك ونصبو لآنية عطاياك في جمعة الآلاء يا حاتم الكرم.. جمعة يتيمة

اخرى
منذ 6 سنوات
1254

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
86059

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
72139

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
58099

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 7 سنوات
49766

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
47567

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
38624