تشغيل الوضع الليلي

إنسان على هيئة الأولياء

منذ سنة عدد المشاهدات : 2476

بقلم: منتظر الحسيني
العشق وحده لا يكفي، أو ربما هذا العشق غير حقيقي... أو هو حقيقي ولكن أصابَهُ فايروس فجعله لا يعمل، أو يعمل ببطء، مثل الذي يحب الله تعالى ولكنه لا يصلي أو لا يأتي الصلاة في وقتها، ومثل الذين راسلوا الإمام الحسين (عليه السلام) للثورة على يزيد ولكنهم ثاروا على الإمام (عليه السلام) وقتلوه، وبقتله يبكون عليه (قلوبهم معك وسيوفهم عليك) فهذا الحب قد تلوث بالدنيا وملذاتها فصار لا يستجيب لمعشوقه.
في طريق زوار الإمام الحسين (عليه السلام) وفي المنام وكأنها أيام الزيارة الأربعينية وأثناء سيري رأيت زائرًا وعمره تقريبًا ثلاثين سنة، وعلى مسافة مني...
أنا لا أعرفه ولكن روحي تجذبني نحوه، وملامحه ليست غريبة عليَّ، لكنَّ ذاكرتي تصرّ وتقول لم التقط صورة له من قبل، فناديته باسم أخ مصطفى، مصطفى… وأكثر من مرة لكنّه لم يلتفت لي وفي هذه الأثناء شغلني عنه أحد الزائرين بالكلام... ولكن مصطفى صار في مسافةٍ بعيدة فهرولت نحوه وأنا أناديه بهذا الاسم إلى أن وصلت إليه وتقربت نحوه وجهًا لوجه، وقلت له: كيف حالك أخ مصطفى؛ هل عرفتني؟ لكنه صار ينظر إلي بعتب مصحوبًا بحب وحنان ولم يتكلم كلمة واحدة...
فانهارت روحي، فلفت نظره إلى الأرض على كيس فأخذته ووجدت فيه حَبَّة واحدة من الكرزات فمضغتها.. ولكن مصطفى القريب عليَّ صارت رؤيته غواش وغير واضحه فبكيت...
وفي هذه الأثناء ناديته بحرقة: إني أحب الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه)... أبلغه مني السلام، ولا أدري لماذا قلت له: هذا الكلام، فاستيقظتُ من النوم وكانت الشمس قد أشرقت منذ عشر دقائق وفاتتني صلاة الصبح، فبكيت وحزنت مما رأيت في المنام...
لكن (مصطفى) الذي رأيته في المنام صاحب الروح الإيمانية الجاذبة الزاهد عن الدنيا صاحب الوجه الجميل، لا باسمًا ولا عابسًا، وكنت أرى بأنّ حركته وسيره ونظراته والتفاتته كل شيء فيه هو في سبيل الله وعبادة لله...
و لكن نظراته لي في الرؤية وكأنه يقول لي: يا أخي، إن الذي يحب الله ويحب الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) يجب أن لا يتعلق بالدنيا ولا ينشغل بأهوائها، إن الذي يريد أن يكون ممهدًا منتظرًا للإمام (عجل الله تعالى فرجه) يجب أن يعمل، أن يفكر، أن يجتهد، أن يعبد الله آناء الليل، ويعمل ويسعى في سبيل الله نهارًا، ويجب أن يكون حركًا فطنًا... لا أن تبقى مسطحًا على فراشك إلى الحادية عشرة صباحًا، ولا أن تلهوا بالهاتف إلى الواحدة ليلًا، متنقلًا بين موقع وموقع، ومنشغلًا بالألعاب الإلكترونية، أو تنشغل بوسائل أخرى ويضيع وقتك بلا فائدة.
إن الذي يريد أن يكون جنديًا وممهدًا للإمام (عجل الله تعالى فرجه) يجب أن يحرك كل طاقاته وجهوده للعمل في سبيل نهضة الإمام، وتعريف الناس بالإمام، وبدولة الإمام، وأن يثقف الناس ويصلحها قدر استطاعته، ويرفض الظلم ويعين المظلوم ويساعد الناس، وأن يهتم بشؤون الأمة الإسلامية وأوضاعها السياسية والدينية، وأن يحاول يرد كل شبهة على الدين، ويسعى أن يكون مجاهدًا ثقافيًا أمام كل هجمات الحرب الناعمة على الدين، وعلى المجتمع الإسلامي، وعلى علماء الدين، ويدافع عن مراجع الدين وقادة العالم الإسلامي وأن يحضر في كل الجبهات روحيًا وثقافيًا.

اخترنا لكم

نجوم عاشورائية (8)

بقلم: يا مهدي ادركني أما من ناصرٍ ينصرنا؟ أما من معينٍ يعيننا؟ كلمة قالها الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) قبل 1400 سنة، وإلى الآن نجد صداها يرن في قلوب محبيه، تلك الكلمة التي تسيل الدموع بحرقة عند سماعها، وكيف لا وهي تنقلنا إلى ظهيرة ذلك اليوم المشؤوم الذي وقف فيه سبط الرسول (صلى الله عليهما وآلهما) غريبًا عطشانًا مكثورًا لا ناصر له ولا معين. فهل خسرنا الفوز العظيم بتلبية النداء له (صلوات الله وسلامه عليه)؟ وهل النصرة تتحقق بحمل السيف فقط؟ وهل كلمة الإمام (سلام الله عليه) كانت على نحو القضية الحقيقية أو الخارجية؟ وهناك أسئلة كثيرة أخرى ترد حول هذه الكلمة التي خرجت من تلك الحنجرة الطاهرة، وأوقعت الحسرة والندامة في قلوب محبيه. لنأخذ الأسطر بحثًا عن إجابات تلك التساؤلات. الناصر: اسم فاعل مشتق من الفعل (نَصَرَ) وجمعها أنصار، ويقال: نصر مظلومًا أي أعانه وأيده، قال تعالى في كتابه الكريم (وما لهم من ناصرين) (1) يتبين أن من يطلب الناصر هو شخص وقع عليه الظلم ويطلب النصرة ممن يستطيع أن يمد يد العون له، ومن يلبِّ هذا النداء يكن ناصرًا له، فإن كان على حق فإنه يفوز الفوز العظيم حتى وإن قُتل، فإن الفوز هو من عند الله تعالى، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): ما من مؤمن يعين مؤمنا مظلوما إلا كان أفضل من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام، وما من مؤمن ينصر أخاه وهو يقدر على نصرته إلا نصره الله في الدنيا والآخرة، وما من مؤمن يخذل أخاه وهو يقدر على نصرته إلا خذله في الدنيا والآخرة.(2) فكيف إذا كان المظلوم هو سيد شباب أهل الجنة! ومعه فنقول: إن نداء الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) لم يكن بنحو القضية الخارجية وإنما بنحو القضية الحقيقية. وبعبارة أخرى: اعتقد أن خطاب الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) لم يكن خاصًا بمن طرق سمع أذنه تلك الكلمة في تلك الواقعة خارجًا، وإنما المراد منه هو كل من وصله ذلك النداء سواء كان في زمن النداء أم لم يكن، ففي قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أقيموا الصلاة) أمر إلهي بإقامة الصلاة، وهو ليس مختصًا فقط بمن كان في زمن نزول تلك الآية الشريفة، وإنما هو أمر تكليفي لكل من آمن بالله تعالى الى يوم الدين. والإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) عندما نادى بهذا النداء، كان يريد أن ينصره كل من سمع به حتى وإن مرت الدهور عليه، فكل من وقع صدى هذه الكلمة في نفسه، يجب أن تهزه من أعماقه ليفر من بحر الذنوب إلى نبع التوبة ليغتسل ويتطهر بدماء الحسين (عليه السلام). فهناك من يقول ويعترض من شدة لوعته وحبه لإمامه، لماذا لم أُخلق في ذلك الزمن فأنصره ببدني ودمي؟ أيها المحب، إن واحدة من صفات الله تعالى أنه مريد، ومن معاني الإرادة هو (العلم بما فيه الفعل من مصلحة)، ولتوضيح وبيان ذلك نقول: غن الله جل وعلا لديه العلم المطلق والإرادة، وحيث إنه علم أن من المصلحة لك أيها المحب أن لا تكون في ذلك الزمن بل من المصلحة أن تكون في هذه الحقبة الزمنية وفي هذه البقعة المعينة التي منها تستطيع أن تلبي نداء الإمام (صلوات الله وسلامه عليه) فليهدأ قلبك فإن فرصة الفوز لا زالت متاحة، ولكن لا تغفل عنها. إن نصرة الإمام (سلام الله عليه) لها مصاديق عديدة فهي لا تنحصر بالسيف فقط، ولا بزمن دون آخر، ولا بالرجال دون النساء، فإن مولاتنا زينب (صلوات الله وسلامه عليها) نصرت أخاها الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) رغم كونها امرأة (حيث لا جهاد على المرأة) ولكنها نصرته بلسانها ومنطقها ومواقفها، لم تمل عن الحق ولم تترك ثغرة مظلمة حتى أضاءتها وسلطت نور الحقيقة عليها. إن ثورة الإمام الحسين في الحقيقة هي ثورة مستمرة لا تنتهي ولا تنقطع باستشهاده (سلام الله عليه) وذلك لأن لها أهدافًا لم تتحقق بعد، فإن شعار الإمام (عليه السلام) كان هو الإصلاح في أمة جده (صلى الله عليه وآله) وذلك لما انتاب تلك الأمة التعيسة من ذل أصابها نتيجة خذلانها لأئمة الحق والهدى، لذا فإنه (صلوات الله وسلامه عليه) أراد أن يوقظ تلك الأمة من غفلتها، ولكن هذا الإصلاح لم يتحقق بعد، لا لكون الإمام (صلوات الله وسلامه عليه) غير قادر على ذلك، أو ليس أهلًا لذلك، حاشا وكلا، بل إن العجز في المتلقي لا في المقتضي، لذا فإن ثورة الإصلاح هي ثورة حسينية الابتداء مهدوية التحقق. فكل من يتوق إلى تلبية نداء الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) نقول له: إن الوقت لم يفت بعد، فلك أن تلبي النداء لولده المهدي (عجل الله تعالى فرجه)، وذلك من خلال التمهيد لظهوره المبارك، فاسع إلى إزالة الشوك والعقبات عن ذلك الطريق من خلال التزامك بتعاليم الدين وإقامة حدود الله، بفعل الواجب وترك المحرم ونهي النفس عن الهوى. قوِّ ذلك القلب النابض بحبهم (صلوات الله وسلامه عليهم)، ولتكن مستعدًا للظهور، وهيأ البلاط لمن سيأتي بعدك، مسلّمًا له راية الإصلاح. إن للنصرة أوجهًا عديدة، قد تكون بكلمة أو موقف حق تتمسك به، لكي لا يختلط الحق بالباطل، أو باختيار زوجة صالحة لتكون أمًا ممهدة بتربيتها لأنصار يحملون راية الإصلاح تحت راية إمامهم. فالسلام على من لم يكن له ناصرٌ... لَبَّيْكَ دَاعِيَ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَمْ يُجِبْكَ بَدَنِي عِنْدَ اسْتِغَاثَتِكَ وَ لِسَانِي عِنْدَ اسْتِنْصَارِكَ فَقَدْ أَجَابَكَ قَلْبِي وَ سَمْعِي وَ بَصَرِي‏(3). ______________ (1) سورة آل عمران: آية (22). (2) البحار، ج75،20،17. (3) زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) المخصوصة بالنصف من رجب

المناسبات الدينية
منذ سنة
1473

أيُّها السّاقي لماء الحياةِ متى نراكَ؟

بقلم: زينب راضي الزيني/ ليلى زغيب أيُّها الغائبُ العزيز، تُراكَ تقرأُ حروفي أو تسمعُ أنيني.. إنْ كنتَ كذلك فلِمَ لا تجيبني؟ عندما كنتُ أطوفُ في بيتِ الله تعالى تمنيتُ رؤيَتك ومصاحبَتك يا بن رسولِ الله.. أخذتْ تروادني الشكوكَ وتتقاذفني الأفكارُ المتضاربةُ، لماذا لم أحظَ برؤيتهِ الشريفة؟ كنتُ كلما انتهي من طوافٍ اقرأ دعاء الفرج وأقول للنسوةِ معي: عليكُنَّ بالتوسل بصاحب العصر حتى تتمكَّنّ من الطوافِ بيسرٍ وسهولةٍ لأنّ الطوافَ كانَ مزدحمًا جدًا ونحنُ في شهر رجب الأصب، والحرمُ المقدس مزدحمٌ فكان الطوافُ سهلًا ببركة مولانا الحجة (عجل الله فرجه) ولم نحس بالتعبِّ، تمنيتُ وبشوقٍ رؤيةَ محيّاه الكريم والمثولَ بينَ يديِه، والدمعُ ينهمرُ مدرارًا من مآقيِّ لكن مع هذا لم أيأسْ وأقلقْ إذا تأخر عني لطف صاحب الزمان لأني أعلم أنّه ملتفتٌ إليَّ... فهل لليلة الانتظار من غدٍ، فأكحل مقلتي التي يوشك أنْ يُصيبَها من البعد رمد؟ أصبح الأسى سيديّ مخيمًا علينا وليس للعيش من رغد. عليَّ أنْ لا أفقدَ الأملَ بالانتظارِ في خلاصنا من الشدة والبلاء.. كم مرةً كسرنا قلبك وما زلتَ تعفو عنا؟ كم مرةً أبعدتنا الدُّنيا وما زلتَ تأخذ بأيدينا؟ وكم مرةً آلمنا قلبك بأعمالنا وما زلتَ تمسحُ على قلوبِنا؟ وكم غفلنا وأنتَ وحيدٌ بيننا... غريب وما لك دارٌ.. تتفقدنا ومطّلع على ما يبدر منّا.. متى ستأتي ويلتئم جرحنا، وتمسح دموعنا التي بللتْ وسادتنا؟ خذْنِي بفلكِك سيدي فالعالمُ من حولِي سقيم... فأنتَ النجاةُ وأنتَ الطريقُ المستقيم.. يا ساكنًا وسطَ القلوب فأنتَ منارٌ للدروب.. طالَ الانتظارُ سيديّ، امددْ يدكَ إليّ وارحمْ حالِي.. وتفقدْ بقايا روحي قبلَ فوات آجالي.. يا حيرةَ العشاق، متى تزورنا؟ من أيِّ بابٍ... يا مغيّباً عن العيونِ الصبرُ ذاب... والعمر غاب.. وطال الانتظار متى اللقاء؟ يا يوسف الزهراء.. فما رأيتُ أعز من مأواك.. تاقتِ العيونُ بالدمعِ شوقًا لرؤياك.. فكلُّ عينٍ تهفو سيدي للُقاك.. هنا صوت ينادي وهناك.. متى ترانا يا بن فاطمة متى نراك.. وقدْ نشرتَ لواء السلام.. ونشرتَ العدل والوئام.. ليتني اجعلك تبتسمُ سيديّ بأعمالي، فالأرضُ يابسةٌ وأنتَ ماؤها. وسبب دائنا ما جرى من الناس... أعمالنا.. نزواتنا.. حقدنا.. كذبنا على بعضنا فجورنا.. متى نقول: إنّنا يا سيديّ تائبون مذنبون، لعل رحمةً تُدركنا منك. زادَ يا سيديّ واستفحلَ الاشتياق... إنّها أيامُ انتشارِ عطرك بالمكان... فها قدْ قرُبَ النّصفُ من شعبان... فيا ترى هل نحظى بنظرةٍ لنورِ مُحيّاك؟ أخطُ أحاسيسي على جدارِ قلبِي المتّعبِ والمثّقلِ بالذنوب فلعل نفحةً من عطرِك تدخلُ روحي فتمسحُ كلَّ التبعات. بيومِ مولِدك سيديّ أُضيء شمعةً مليئةً بالأملِ، وأرسمُ لك بينَ أضلُعِي صورةً من ذكرياتِ الدار. أبا صالح يا مُنيةَ القلب، يا قِبلةَ الرجاء تَعطفْ عليَّ بنظرةٍ ترّدُ نبض الحياة إليّ. يا مُنيتي أُخاطبُ النسيمَ لعلّهُ مرَّ بكَ وصافحَ تراب قدميكَ.. بيومِ مولِدك أخطُ أُمنيات قلبي بريشةِ الرجاء ممزوجة بدمعِ الشوقِ إليك.. في كلِّ جمعةٍ سيديّ ندبةٌ تترددُ في الأعماق.. أين أنتَ؟ أينَ استقرتْ بك النوى؟ أهيمُ في وديانِ وجداني.. تارةً في كربلاء.. أراك وأخرى في روضةِ الزهراء... وأكملُ الطريقَ بينَ أضرحةِ العراق فأرى آثارَكَ في كلِّ ناحية... هنا أسمعُ أنينَك مع الكرار... هنا وهناك وفي سامراء... وأُكملُ الطريقَ بينَ آهاتٍ وأشجان... فأينَ أراك؟ يا مُنيتي؟ خذْ بيدي إلى ساحةِ عطفِك... خلصْ أشلاءَ روحي من شظايا الموبقات.. فما لي أملٌ سواك؟ روحي تئن وتئن فمتى أراك؟ فمتى أراك؟

اخرى
منذ 6 أشهر
204

الاختيار السديد مفتاح العيش الرغيد (4)

المبحث الثالث أهم المعايير في اختيار الزوج تقدّم أن الهدف من كل شراكة هو الذي يلقي بظلاله على الشركاء ويرسم سمات حياتهم، ويحدد ما هو ضروريٌ منها بحيث لا يمكن أن يتحقق لولاها، وما هو دون ذلك بحيث يمكن لعجلة المشروع من التقدم وحصاد ثماره من دونها. ولهذا السبب نجد أن الشريعة الإسلامية حرصت على تحديد أهم السمات الضرورية في كل من الزوجين، فأجملت في قوله (تعالى):"هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ"(1) ومعلومٌ بأن الانسان لا ينتخب من الألبسة إلا ما يناسبه تماماً، لتمده بالدفء، ولتناسب هويته، وتعبر عن ثقافته، ولا بد أن تناسبه، فضلاً عن أنها توفر له الستر والزينة التي توافق شأنيته.. كما أشارت شريعتنا السمحاء إلى أهم الصفات التي لابد أن يتوفر عليها الزوجان، ولكنها في الوقت ذاته لم توصد الباب أمام من يرغب بسواها من سمات، بناءً على الفروق الفردية في الأهداف والأذواق والاهتمامات، طالما لم تخالف روح الشرع الحنيف وما تضمنه من تشريعات. لذا سنقتصر بإيجاز على أهم السمات التي من المهم توفرها في كلا الزوجين لضمان نجاح العلاقة الزوجية.. المطلب الأول: الدين مما لاشك فيه أن صفة الدين أهم صفة يجب أن يتسم بها كلا الزوجين، حيث يجب أن يكونا ملتزمين بشرائع وحدود الدين الإسلامي في كلِّ أمور حياتهما؛ لأن الذي يهون عليه تضييع حق الخالق جل وعلا فإنه يهون عليه تضييع حقوق المخلوقين من باب أولى. ولما كانت الحياة الزوجية مبتنية على حقوق لكلا الطرفين وواجبات عليهما، كان تحلّي كلٍ منهما بصفة الدين الضمان الأهم لمنح الحقوق وأدائها، وعدم المنع من أداء الواجبات والإغضاء عنها. كما أن الدين يُعد الركن الأهم الذي تُؤسَّس على أساسه شخصية الإنسان ويرسم معالمها الرئيسية، فهو الذي يحدد هويته الفكرية والعقدية ووجهته العبادية ونظام حياته اليومية وما ينبغي أن تكون عليه نظرته المستقبلية؛ ولأن كل ذلك يؤثر تأثيراً عظيماً في مدى تحقق التوافق بين الزوجين، كان الانسجام العقدي والفكري والعبادي من أولى الأولويات لتحقيق الحياة الزوجية المتسمة بالسعادة والود والانسجام فضلاً عن قيامها على التفاهم مفعمةً بالسلام.. وبالإضافة إلى ذلك فإن الاتصاف بالدين أمر ضروري جداً لضمان سلامة التربية الدينية للأبناء، وعليه لابد أن يلتفت إلى هذه النقطة الهامة جداً كلُّ من يحاول أن يقنع نفسه بأن الخلاف العقدي مع الزوج الآخر لا يشكل عائقاً في طريق ارتباطهما طالما أنهما متفاهمان ومتوافقان. لكل ما تقدم كان الدين هو المعيار الأول لاختيار كلا الزوجين، فأما بالنسبة للزوج فقد ورد أن رجلاً جاء إلى الإمام الحسن (عليه السلام) يستشيره في تزويج ابنته؟ فقال: زوّجْها من رجل تقي، فإنه إن أحبها أكرمها وإن أبغضها لم يظلمها"(2) وبهذا يكون ولي أمر الفتاة قد ضمن لكريمته أدنى مستويات العيش الكريم والحياة المطمئنة. كما ورد عن الاِمام الصادق (عليه السلام) من تزويج شارب الخمر فقال : «من زوّج كريمته من شارب خمر فقد قطع رحمها» (3). وأما بالنسبة للزوجة فقد روي عن محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): أتى رجل النبي (صلى الله عليه وآله) يستأمره في النكاح، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): انكح وعليك بذات الدين تربت يداك(4). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) البقرة 187 (2) مكارم الاخلاق، للطبرسي: 204 (3) الكافي ج5 ص347 (4) الكافي ج5 ص472 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
462

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
61922

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
40032

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
37573

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
31347

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
30986

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
30060