تشغيل الوضع الليلي

لكم فاروقكم ولِيَ فاروق

منذ سنتين عدد المشاهدات : 1847

بقلم: علوية الحسيني
الفاروق لغةً: مَنْ يَفْرُق الحقَّ من الباطِل" (١).
ويوصف الرجل بالفاروق متى ما فرّق بين الحقّ والباطل، علمًا وعملاً، قولاً وفعلًا.
الفاروق صفةٌ ادّعى البعض اتصاف فلان وفلان بها، وادّعى الآخرون انحصار وصف فلان بها، وكلاهما باطل؛ لأنّ المتتبع سيرة الشخص الذي يوصف بهذه الصفة لم يجده قد فرّق حقًا بين الحق والباطل، بل التبس عليه وخلط.
والشواهد من الكتب كثيرة وتشهد معي بذلك، وعلى القارئ تحكيم عقله وتجرّده حينما يجيب على الأسئلة التالية:
هل يسمى الشخص فاروقًا إذا لم يكن يعلم تفسير آية من آيات الله (جلّ جلاله): {وفاكهة وأبا} (٢)؟
هل يسمى الشخص فاروقًا إذا لم يفرّق بين التوحيد والتجسيم؟
"روي عن عمر أنه إذا جلس الرّب على الكرسي سمع له أطيط [صوت للكرسي] كأطيط الرجل الحديد" (٣).
ففي عقيدته أنّ الرّب جسمٌ محمولٌ له ثقل كالرجل الحديدي، جالس على كرسي له أطيط من ذلك الثقل!
حقيقةً أنا لا أعلم كيف يكون الشخص فاروقًا وهو يجعل من الله تعالى رجلاً حديديًا!
والله وبالله وتالله لا أجد عقيدته هذه إلاّ مُقْرفة، وليست مُفَرِّقة بين الحق والباطل.
ولبيان بـطلان هذه العقيدة نقول:
أ/ لو كان جسماً لكان محتاجاً إلى أجزائه، والاحتياج صفة المخلوقات، والله سبحانه هو الغني المطلق، وهذا ينافي قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد}.
ب/ لو كان جسماً لجرت عليه أحكام وقوانين الزمكان، فيلزم أن يكون موجوداً في المكان، وعدم وجوده في الأمكنة الاخرى، وهذا ينافي قوله تعالى:{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير}، فلو حواه مكان للزمت الإشارة إليه بالحواس-بالنظر أو باليد-، والمشار إليه محدود.
فاذا كانت عقيدة فاروقكم في أشرف اصول الدّين هكذا، فكيف بها في سائر الاصول؟! بل وما حالها مع الفروع؟!. فانتفى بذلك أن يكون فلان فاروقا.
إنّ المتتبع في السير يجد أنّ صفة الفاروق انفرد بها –بعد النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) أمير المؤمنين علي (عليه السلام)-؛ حيث فرّق بين أصول الدّين واللوابس الهاجمة عليها، ففرّق بين التوحيد والتجسيم، وبين عصمة النبي (صلى الله عليه وآله) وعدم عصمته، وبين ضرورة وجود خلفاء منصوص عليهم بعد النبي (عليهم السلام جميعا) وبين أن تُترك الأمة سدى تأخذ أحكام شريعتها من استحساناتٍ خاطئة، ومصالح مرسلة، وسد ذرائعٍ هاوية.
كما فرّق بين الجنة والنار؛ حيث هو قسيمهما، وشهدت كتب القوم بذلك، روى ابن حجر الهيثمي: " .... وأخرج الدارقطني : أن عليا، قال للستة الذين جعل عمر الأمر شورى بينهم كلاما طويلا من جملته أنشدكم بالله (، هل فيكم أحد، قال له رسول الله: يا علي أنت قسيم الجنة والنار يوم القيامة غيري، قالوا: اللهم لا، ومعناه ما رواه غيره، عن علي الرضا، أنه قال له: أنت قسيم الجنة والنار، فيوم القيامة تقول النار هذا لي وهذا لك، وروى ابن السماك: أن أبا بكر قال له: سمعت رسول الله، يقول لا يجوز أحد الصراط إلا من كتب له علي الجواز" (٤).
بل وصرّحت كتب القوم بأنّ عليًا هو الفاروق بين الحق والباطل؛ بدليل ما رواه الهيثمي في مجمع زوائده قائلًا: " وعن أبي ذر وسلمان، قالًا: أخذ النبي (ص [صلى الله عليه وآله وسلم]) بيد علي، فقال: أن هذا أول من آمن بي وهذا أول من يصافحني يوم القيامة وهذا الصدّيق الأكبر وهذا فاروق هذه الأمة يفرق بين الحق والباطل، وهذا يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الظالمين، رواه الطبراني والبزار، عن أبي ذر وحده" (٥).
ومن هنا يجب اتباع الفاروق دون سواه؛ لتجنب الهلكة والزيغ، وإلاّ فمن يفارق عليًا فقد فارق رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله)...
" ... عن معاوية بن ثعلبة، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله (ص[صلى الله عليه وآله وسلم]): يا علي، إنه من فارقني فقد فارق الله، ومن فارقكً فقد فارقني" (٦).
فسلامٌ على الفاروق ما بقي الدهر، ليس سلاميَ على مَن لقـبتموه بهذا اللقب، عُــذرًا أيها القوم، ففاروقكم قال بلسانه "لولا عليّ لهلكتُ" (٧). فأيُّ فَرقٍ فرَّق إذاً؟!
لكم فاروقكم ولي فاروق.
ومن أصدق تجليات تفريق الفاروق علي بن أبي طالب (عليه السلام) في أشرف اصول الدّين وأهمها وهو التوحيد، فله خطب صدحت بتوحيد الله (سبحانه وتعالى) وتنزيهه.
منها ما روي "عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاء حبر إلى أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك حين عبدته؟ قال: فقال:
ويلك ما كنت أعبد ربا لم أره، قال: وكيف رأيته؟ قال: ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الابصار ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان" (٨).
فلو أمكن رؤيته تعالى لهيمنت عليه أبصارنا وأحاطت به، فيكون الرائي (نحن المخلوقات) أقوى وأكمل من المرئي (الله سبحانه) وهذا باطل عقلاً؛ إذ جميعنا يشهد على نفسه بالافتقار إليه تعالى فكيف تنقلب الموازين هنا بجعل الله تعالى فقيرًا عن التجرد تحده أبصار مخلوقاته!
وباختصار: أن الله تعالى موجود مجرد عن المادة تمامًا، فلا يمكن أن يُرى بالعين المجردة لأنها تقتضي المادية والكون في جهة ووو. أي إنّ الله سبحانه أخبرنا أنّه لامثيل له حتى نجري قانون الرؤية عليه -وسائر ما ينطبق على المخلوقات-، فالعين لا تدرك الاّ الأجسام أو صور الأجسام، والله تعالى ليس بجسمٍ ولا صورة جسمٍ حتى تحيط أعيننا به.
و وجه امتناع رؤيته تعالى نقلاً فهو:
وذلك قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير}.
كما ويقول سبحانه: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير}
فالنفي الوارد في الآية واضح؛ معللاً سبحانه عدم رؤيته تعالى بأنّه هو الذي يدرك الأبصار ويحيط بهم حيث هو خبير بشؤون أصحاب الأبصار، وليس العكس.
وللإمام الفاروق علي (عليه السلام) خطبة عظيمة في التوحيد، نأخذ شعاعًا من وهجها، يقول فيها: "مَا وَحَّدَهُ مَنْ كَيَّفَهُ، وَلاَ حَقِيقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ، وَلاَ إِيَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَه..." (٩).
يريد الإمام (عليه السلام) إبطال عقيدة مَن يجعل لله كيفًا بصورةٍ أو خيال، ومِثلًا يعكس حقيقة الإله، وشبيهًا يشابهه الصورة والهيأة.
فالله تعالى لا كيف له، ولا مِثل، ولا شبيه، ومَن يثبت ذلك فليس بموحدٍ، ولا مدرك لعظمة الله تعالى، و ليس إيّاه يعبد، بل يعبد رجلاً حديديًا جالسًا على كرسيّه! صنعه من نسج خياله.
وأخيرًا أقول: على القارئ المقارنة بين عقيدتي: (تنزيه الله سبحانه) و (تجسيم الإله)، وسيتضح له مَن هو الفاروق.
_________________
(١) معجم المعاني، مادة فرق.
(٢) ظ: الدر المنثور في التفسير بالمأثور: للسيوطي، ج٨، ص٤٢١-٤٢٢.
(٣) كتاب العرش: لمحمد الذهبي، ج٢، ص١٢٠-١٢١.
(٤) ظ: فضائل الصحابة: لأحمد بن حنبل ومن فضائل علي (ر[عليه السلام]) من حديث أبي بكر بن مالك عن شيوخه غير عبد الله، ج٢، ص٦٧٤.
(٤)الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة: ابن حجر، الفصل الثاني في فضائله (ر) وكرم الله وجهه، ج٢، ص٣٦٩.
(٥) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: للهيثمي، كتاب المناقب، باب مناقب علي بن أبي طالب (ر) - باب اسلامه (ر)، ج٩، ص١٠٢.
و تاريخ دمشق: لابن عساكر، ج٤٢، ص٤١-٤٣.
(٦) فضائل الصحابة: لأحمد بن حنبل، فضائل علي، ج٣، ص٥٧٠.
(٧)ظ: فضائل الصحابة: لأحمد بن حنبل، ومن فضائل علي (ر[عليه السلام]) من حديث أبي بكر بن مالك عن شيوخه غير عبد الله، ج٢،
ص٦٤٧.
(٨) الكافي: للكليني، ج١، باب ابطال الرؤية، ح٦.
(٩) نهج البلاغة: خطبة له في التوحيد.

والحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على محمدٍ المصطفى، ووصيه الفاروق المبين، علي بن أبي طالب سيّد الموحدين، وعلى آلهما الأتقياء النجباء.

اخترنا لكم

خاطرة

ما يمضي من العمر لن يعود والسعيد هو مَن يجعل ما مضى ذكرى جميلة وخطوة الى الأمام ونور يضيء الحاضر لكي يكون بداية ناجحة للقادم من الإيام

اخرى
منذ سنة
454

خاطرة

#مسلك_أعرج بالأمس موسيقى صاخبة، وغناء. واليوم ختومات، وأذكار، ودعاء. فينبغي حياءً من الله تعالى أن يكون دعاؤنا: "اللهم إن عاملتنا بِلُطْفِكَ نجونا، وإن عاملتنا بِعَدْلِكَ هلكنا".

اخرى
منذ سنة
477

القيَمُ والمُثُلُ الرساليةُ في نهجِ الإمامِ مُحمّدٍ الجواد (عليه السلام)

بقلم: وسن فوزي منصور إنَّ تاريخَ البشريةِ لا يخفى على كُلِّ باحثٍ في تاريخِ ما قبل الإسلام وبعده؛ كيفَ كانَ، وكيفَ أصبح على يدِ منقذِ البشرية وخاتمِ الأنبياء محمدٍ (صلى اللهُ عليه وآله)، وكيفَ أنّه جعل حدًّا فاصلًا يفصلُ بينَ عصرِ الجاهليةِ وعصرِ صدورِ الإسلام، وهذا ليسَ بالشيءِ الهيّن؛ فقد ناضلَ (صلوات الله عليه وآله) وجاهدَ كي ترتقيَ هذه الأُمّةُ بالقيَمِ والمُثُلِ الإسلامية. عرّفَ أهلُ اللغة القيمَ (بأنّها جمعُ قيمةٍ، وتعني شيئًا ذا ثمنٍ كبير، قال (تعالى): "دينًا قيمًا" ويقصد به الدينَ المستقيمَ الذي لا اعوجاجَ فيه. أما اصطلاحًا فالقيم الدينية هي مجموعةٌ من المعاييرِ والأحكامِ الدينيةِ من حيث التطوّر الإسلامي والتشريع الإلهي. وعلى ذلك يتضحُ لنا أنّ القيمَ التي أسّسها نبيُّنا الأكرم (صلى الله عليه وآله) تسيرُ بالإنسانِ نحوَ المعرفةِ والإدراكِ، وتُخرِجُه من براثنِ الجاهليةِ إلى الهدايةِ والإصلاح.. وامتدادًا للرسالةِ الإلهيةِ للرسول (صلى الله عليه وآله) كانَ للائمةِ الاثني عشر (عليهم السلام) دورٌ في إكمالِ مسيرةِ جدِّهم المُصطفى (صلوات الله عليه وآله)، وقد صرّحَ بذلك في أكثرِ من حديثٍ وردَ عنه حيثُ قال: "أنا سيّدُ النبيين، وعليٌ بن أبي طالب سيّدُ الوصيين، وإنّ أوصيائي بعدي اثنا عشر، أولهم عليٌ بن أبي طالب وآخرهم القائم"1 وكانَ من بينِ هؤلاءِ الائمةِ الاثني عشر إمامُنا التاسعُ مُحمّدٌ بن علي الجواد (عليه السلام) الذي نحنُ بصددِ الكتابة عنه، فهو (سلام الله عليه) مع قِصَرِ عُمرِه وصِغَرِ سِنّهِ تركَ الأثرَ الكبيرَ في زمانِ عصرِه وإلى يومِنا هذا، إذ ننتهلُ من عظيمِ ما أناطته السماءُ له من دورٍ في مجالِ الدينِ والدُنيا من مُناظراتٍ ومواعظَ وأفكارَ وفلسفةٍ سلّطتِ الضوءَ على شخصيتِه الربّانية، فكانَ وليدَ المعجزةِ وإمامَ البركة... قال يحيى الصنعاني: "دخلتُ على أبي الحسنِ الرضا (عليه السلام) وهو بمكة، وهو يُقشِّرُ موزًا ويُطعِمُ أبا جعفر (عليه السلام) فقلت: جُعِلتُ فداك هو المولودُ المبارك؟ قال: نعم يا يحيى، هذا المولودُ المباركُ الذي لم يولدْ في الإسلامِ مثلُه مولودًا أعظم بركةً على شيعتِنا منه"2 وقد أثارَ الذين لا يُميّزون بينَ غسقِ الليل وأَلَقِ النهار حولَه الكثيرَ من التساؤلاتِ؛ كيفَ لمثلِ هذا الصغير أنْ يمتلكَ هذا العقلَ الكبيرَ الراجح؟، نُقِلَ عن صفوان بن يحيى قال: قُلتُ للرضا: قد كُنّا نسألُك قبلَ أنْ يهبَ اللهُ لك أبا جعفر من القائم بعدَك فتقولُ: يهبُ اللهُ لي غُلامًا، وقد وهبَكَ اللهُ وأقرَّ عيونَنا به فإنْ كانَ كونٌ ولا أرانا اللهُ لكَ يومًا فإلى من؟ (فأشارَ بيده إلى أبي جعفر وهو قائمٌ بين يديه، وعمرُه إذ ذاك ثلاث سنين: فقلتُ: هو ابنُ ثلاث، قال: وما يضرُّه من ذلك، فقد قامَ عيسى بالحُجّةِ وهو ابنُ أقلِّ من ثلاثِ سنين"3 وهذا ممّا لا شكَّ فيه، فهم مثلما قال أبوهم أميرُ المؤمنين (عليه السلام): "نحنُ أهلُ البيتِ لا يُقاسُ بنا أحدٌ، فينا نزلَ القرآنُ وفينا معدنُ الرسالة"4 صدقَ أميرُ المؤمنين وإمامُ الموّحدين؛ فهم (سلام الله عليهم) أهلُ بيتِ النبوّةِ ومعدنِ الرسالة، ومُختلفِ الملائكة، ومهبطِ الوحي والتنزيل... وعلى هذا المبدأ كرّسَ إمامُنا مُحمّدٌ الجوادُ (عليه السلام) الجهدَ الكبيرَ لترسيخِ القيمِ وتقويمِ الاعوجاجِ والوقوفِ في وجهِ المُنحرفين وهدايةِ التائهين، قال المسعودي: اجتمعَ من فقهاءِ بغدادَ والأمصارِ وعلمائهم ثمانون رجلًا وقصدوا الحجَّ والمدينةَ ليُشاهدوا أبا جعفر (عليه السلام)، فلمّا وافوا أتوا دارَ أبي عبدِ اللهِ جعفر بن محمد فدخلوها وجلسوا على بساطٍ كبيرٍ أحمر وخرجَ إليهم عبدُ الله بن موسی فجلسَ في صدرِ المجلس وقامَ مُنادٍ فنادى هذا ابنُ رسولِ اللهِ فمن أرادَ السؤالَ فليسألْه فقامَ إليه رجلٌ من القومِ فقال له: ما تقولُ في رجلٍ قالَ لامرأته: أنتِ طالق عددَ نجومِ السماء؟ قال: طُلِّقتْ بثلاث بصدرِ الجوزاء والنسر الواقع، فوردَ على الشيعةِ ما حيّرهم وغمَّهم. ثم قامَ إليه رجلٌ آخر فقال: ما تقولُ في رجلٍ أتى بهيمة؟ فقال: تُقطَعُ يدُه ويُجلّدُ مائة ويُنفى. فضجَّ القومُ بالبكاء.. وقد اجتمَعَ فقهاءُ الأمصارِ من أقطارِ الأرضِ بالمشرق والمغرب والحجاز ومكة والعراقين واضطربوا للقيامِ والانصرافِ حتى فُتِحَ عليهم بابٌ من صدرِ المجلس. وخرجَ موفقُ الخادمُ بين يدي أبي جعفر وهو خلفه وعليه قميصانِ وأزارٍ عدني وعمامة بذؤابتين، إحداهما من قُدّام وأُخرى من خلفه، وفي رجليه نعلٌ بقبالين فسلَّمَ وجلسَ وأمسكَ الناسُ كُلُّهم، فقامَ صاحبُ المسألةِ الأولى فقالَ له: يا ابنَ رسولِ الله ما تقولُ في رجلٍ قالَ لامرأته: أنتِ طالق عددَ نجومِ السماء؟ قال (عليه السلام): اقرأ كتابَ اللهِ (تعالى): «الطلاقُ مرّتانِ فإمساكٌ بمعروفٍ أو تسریحٌ بإحسان» ، قال له: فإنّ عمَّك قد أفتانا أنها قد طُلِّقَتْ ، فقال له: يا عمّ اتقِ اللهَ ولا تُفتِ، وفي الإمامةِ من هو أعلمُ منك، فقامَ إليه صاحبُ المسألةِ الثانية فقال: يا ابنَ رسولِ اللهِ ما تقولُ في رجلٍ أتى بهيمة؟ فقال لي: يُعزَّرُ ويحمى ظهر البهيمة وتُخرَجُ من البلدِ لئلا يبقى على الرجلِ عارُها، فقال له: إنَّ عمَّك أفتى بكيت وكيت. فقال: لا إله إلا الله، يا عمّ إنّه لعظيمُ عندَ اللهِ أنْ تقفَ غدا بينَ يديه فيقول لك: لِمَ أفتيتَ عبادي بما لم تعلمْ وفي الإمامةِ من هو أعلمُ منك، فقالَ له عبدُ الله بن موسی: رأيتُ أخي الرضا وقد أجابَ في مثلِ هذه المسألة بهذا الجواب. فقال له أبو جعفر: إنّما سُئلَ الرضا عن نبّاشٍ نبشَ قبرَ امرأةٍ وفجرَ بها وأخذَ أكفانَها فأمرَ بقطعه للسرقة ونفيه لتمثيله بالميت"5 هكذا كانَ (عليه السلام) يُعطي حلولًا لما يُعرضُ عليه من مسائلَ في شتّى مُناسباتِ جلساتِه حتى اشتُهِرَ وذاعَ صيتُه وخطفَ أنظارَ حُكّامَه المهووسين بالحكمِ والسلطة في عهدي السفيانية والعباسية، ممّا جعلهم يُضيّقون عليه الطُرُقُ، ولكنّه خرجَ عليهم من أضيقِ الطُرُقِ إلى ما تحيّرتْ فيه العقولُ في وقتٍ كثُرَتْ فيه النزاعاتُ المذهبيةُ والعقائديةُ وتفرّقَ الناسُ إلى شيعٍ وطوائفَ وتنازعَ المعتزلة والمحدثون نزاعًا حولَ خلقِ القرآن وقدمه وحولَ أصولِ الدينِ وفروعِه، فلم يتردّدْ إمامُنا (عليه السلام) في توضيحِ معالمِ التوحيدِ فهم تراجمةُ الوحي والقرآنُ الناطقُ بالحقِّ. فمن أقوالِه (عليه السلام) في التوحيد ما رويَ عن أبي هاشم الجعفري قال: سألتُ أبا جعفر مُحمّدًا بن علي (عليهما السلام): ما معنى الواحد؟ قال: المجتمع عليه بجميعِ الألسُنِ بالوحدانيةِ" وفي جوابٍ آخر قال (عليه السلام): الذي اجتماعُ الألسنِ عليه بالتوحيد كما قال اللهُ (عزّ وجل): " وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ" ووردَ أيضًا عنه في توحيدِ اللهِ (عزّ وجلّ) عن عبدِ الرحمن بن أبي نجران قال: سألتُ أبا جعفرٍ (عليه السلام) عن التوحيد فقلتُ: أتوهم شيئًا؟ فقال: نعم، غير معقولٍ ولا محدودٍ، فما وقعَ وهمُك عليه في شيءٍ فهو خلافُه، لا يشبههُ شيءٌ ولا تُدركه الأوهام، كيف تُدركه الأوهامُ وهو خلافُ ما يُعقَل، وخلافُ ما يُتصوّرُ في الأوهام؟ إنّما يتوهّمُ شيءٌ غيرُ معقولٍ ولا محدود"7 وأما بالنسبةِ لقولِ المُجسَّمة، قال (عليه السلام): "من قال بالجسمِ فلا تُعطوه من الزكاةِ ولا تُصلّوا وراءَه سبحانَ من لا يُحدُّ، ولا يوصفُ ليسَ كمثلِه شيءٌ وهو السميع البصير"8 وعنه أيضًا (عليه السلام) قال: "فربُّنا (تبارك وتعالى) لا شبهَ له ولا ضدَّ ولا ندَّ ولا كيفَ ولا نهايةَ، ولا تبصار بصر، ومحرمٌ على القلوبِ أنْ تمثله، وعلى الأوهامِ أنْ تحدَّه، وعلى الضمائرِ أنْ تُكوِّنَه. (جلَّ وعزَّ) عن أداةِ خلقه وسماتِ بريته، وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا"9 إنّ إمامَنا محمدًا الجواد (عليه السلام) جاءَ مُعدًّا لأن يكونَ مع تكليفِه المبكّر لحملِ أعباءِ الإمامةِ والقيادةِ بما يُقاربُ سبعَ عشرة سنةً، وقفَ فيها بثباتٍ أمامَ تياراتِ الضلالِ والانحرافِ؛ فكانَ سيّدَ بني هاشم بلا مُنازعٍ يُطأطئُ العُلماءُ والفقهاءُ رؤوسَهم لقوّةِ بيانِه وفصاحةِ لسانه، يحتجُّ ويُناقشُ ويُخالِفُ ويُفلسِفُ ببرهانٍ قاطعٍ وحجةٍ دامغةٍ حتى تربّعَ على عرشِ بيان الدين، فبيّن ما سنّه الإسلامُ وبيّنَ حدودَ اللهِ كما جاءَ في كتابِه القرآنِ الكريم وسُنّةِ رسولِه (صلى اللهُ عليه وآله)، فكانَ من جُملةِ ما رويَ عنه (عليه السلام) في الصومِ والصلاة، ما رواه علي بن مهزيار قال: كتبَ أبو الحسن بن الحصين إلى أبي جعفرٍ الثاني (عليه السلام) معي: جُعِلتُ فداك قد اختلفتْ موالوك في صلاةِ الفجر؛ فمنهم من يُصلّي إذا طلعَ الفجرُ الأولُ المُستطيلُ في السماء، ومنهم من يُصلّي إذا اعترضَ في أسفلِ الأُفُقِ واستبانَ، ولستُ أعرفُ أفضلَ الوقتينِ فأُصلي فيه. فإنْ رأيت تُعلِّمُني أفضلَ الوقتينِ وتحدّه لي، وكيفَ أصنعُ مع القمرِ والفجرُ لا يتبيّنُ معه حتى يحمرُ ويصبح، وكيفَ أصنعُ مع الغيمِ وما حدُّ ذلك في السفر والحضر؟ فعلتَ إنْ شاءَ اللهُ فكتبَ (عليه السلام) بخطِّه وقرأته: الفجرُ -يرحمك الله- هو الخيطُ الأبيضُ المُعترضُ ليس هو الأبيضَ صعداء، فلا تُصلِّ في سفرٍ حتى تتبيّنه، فإنّ اللهَ (تبارك وتعالى) لم يجعلْ خلقَه في شُبهةٍ من هذا فقال: "كُلوا واشربوا حتى يتبيّنَ لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ من الفجر"، فالخيطُ الأبيضُ هو المُعترضُ الذي يحرمُ به الأكلُ والشربُ في الصوم وكذلك هو الذي توجبُ به الصلاة"10 ومن دِقّةِ بيانِ جوابِه (عليه السلام)، في سارقٍ أقرَّ على نفسِه بالسرقة، وسألَ الخليفةَ تطهيرَه بإقامةِ الحدِّ عليه وكانَ جمعٌ من الفقهاءِ في مجلسِه، وكان روحُ النبوّةِ والوصية إمامُنا محمدٌ الجواد (عليه السلام) موجوداً في المجلس، حيثُ أزالَ الزيفَ والافتراءَ بما قال به الفقهاءُ في تحديدِ موضعِ القطعِ، ما بين قائلٍ بالقطعِ من الكرسوع، وآخرون بالقطعِ من المرفق، حيثُ قال (سلام الله عليه): إنّ القطعَ يجبُ أنْ يكونَ من مفصلِ أصولِ الأصابع فيترك الكف" محتجًّا على ذلك بقولِ رسولِ الله: "السجودُ على سبعةِ أعضاءٍ: الوجه، واليدين، والركبتين، والرجلين، فإذا قُطِعَتْ يدُه من الكرسوع أو المرفق لم يبقَ له يدٌ يسجدُ عليها، وقال اللهُ (تبارك وتعالى): "وإنَّ المساجدَ لله" يعني هذه الأعضاءَ السبعةَ التي يسجدُ عليها "فلا تدعوا مع اللهِ أحدًا" وما كانَ للهِ لا يُقطع"11 أُعجِبَ المُعتصم بذلك، وأمر بقطع يدِ السارقِ من مفصلِ الأصابعِ دونَ الكفّ.. وعنه أيضًا في الحجّ، قال عدةٌ من أصحابِنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: قلتُ لأبي جعفر الثاني (عليه السلام): جُعِلتُ فداكَ إنّ رجلًا من أصحابِنا رمى الجمرةَ يومَ النحرِ وحلقَ قبلَ أنْ يذبح، فقالَ: إنّ رسولَ الله (صلى عليه وآله) لمّا كانَ يومُ النحرِ أتاه طوائفُ من المسلمين فقالوا: يا رسولَ اللهِ ذبحنا من قبل أنْ نرميَ وحلقنا من قبلِ أنْ نذبح، ولم يبقَ شيءٌ مما ينبغي لهم أنْ يّقدِّموه إلا أخّروه ولا شيء ممّا ينبغي أنْ يؤخِّروه إلا قدّموه فقالَ رسولُ الله (صلى الله عليه وآله): لا حرجَ لا حرجَ"12 وعنه في النكاح، عن علي بن مهزيار قال: سأل عيسى بن جعفر بن عيسى أبا جعفر الثاني (عليه السلام) أنّ امرأةً أرضعتْ لي صبيًا فهل يحلُّ لي أنْ أتزوّج ابنةَ زوجِها؟ فقال: لي ما أجودَ ما سألتَ، من ههنا يؤتى أنْ يقولَ الناسُ حُرِّمتْ عليه امرأته من قبلِ لبنِ الفحل، هذا هو لبنُ الفحلِ لا غيره فقلت له: إنَّ الجاريةَ ليستْ ابنةَ المرأةِ التي أرضعتْ لي، هي ابنةُ غيرِها فقال: لو كُنّ عشرًا مُتفرِّقاتٍ ما حلَّ لكَ منهن شيءٌ وكُنّ في موضعِ بناتك"13 وعن زيادٍ بسنده الى عليٍ بن أسباط أنّه كتبَ إلى أبي جعفر الجواد (عليه السلام) في أمرِ بناتِه وأنّه لا يجدُ أحدًا مثله، فكتبَ إليه أبو جعفر: فهمتُ ما ذكرتَ في أمرِ بناتِك، وأنّك لا تجدُ أحدًا مثلك، فلا تنظرْ في ذلك رحمَك اللهُ فإنّ رسولَ الله (صلى الله عليه وآله) قال: إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوِّجوه إلّا تفعلوا تكُنْ فتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ كبير"14 أمّا عن مناظراته بين قاضي القضاة يحيى بن أكثم فليستْ بعيدةً عن الزيفِ والافتراءِ لتكشفَ نوايا الخليفةِ وقاضيه أمامَ جمعٍ من خاصتِه وحواشيه وتُبيّنَ بلاغةَ إمامِنا مُحمّدٍ الجواد (عليه السلام) في أدقِّ المسائلِ، أذكرُ منها إجمالًا: ما رواه يحيى بن أكثم أنّه قد روي: "إنّ مثلَ أبي بكر وعمر في الأرض كمثلِ جبرئيل وميكائيل في السماء" فقال (عليه السلام): "وهذا أيضًا يجبُ أنْ يُنظرَ فيه؛ لأنّ جبرئيل وميكائيل ملكانِ للهِ مُقرّبانِ لم يعصيا اللهَ قط، ولم يُفارقا طاعتَه لحظةً واحدة، وهما قد أشركا بالله (عزّ وجلّ)، وإنْ أسلما بعدَ الشرك، وكانَ أكثرُ أيامهما في الشرك بالله، فمُحالٌ أنْ يشبههما بهما". فقال له يحيى بن أكثم: قد روي أيضًا أنّهما سيّدا كهولِ أهلِ الجنة، فما تقولُ في ذلك يا أبا جعفر؟ فقال (عليه السلام): وهذا الخبرُ لا صحةَ له أيضًا؛ لأنَ أهلَ الجنةِ ليسَ فيها كهلٌ وشيخٌ، وقد وضعَ هذا الخبرَ بنو أُميّة في مُقابلِ ما جاءَ عن النبي (صلى الله عليه وآله) في الحسنِ والحسينِ وأنّهما سيّدا أهلِ الجنة. فقال يحيى: قد رويَ أنّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله) قال: "لو لم أُبعثْ لبُعِثَ عمر بن الخطاب، فقال (عليه السلام): كتابُ اللهِ أصدقُ من هذا الحديث، فقد قالَ اللهُ في كتابِه: "وإذ أخذنا من النبين ميثاقهم ومنك ومن نوح" فقد أخذَ اللهُ ميثاقَ النبيين فكيفَ يُمكِنُ أنْ يُبدِّلَ ميثاقَه؟! وكُلُّ الأنبياءِ لم يُشركوا باللهِ طرفةَ عين، فكيفَ يبعثُ اللهُ من أشركَ وكانتْ أكثرُ أيامه على الشرك بالله؟!"15 هُنا بُهِتَ الذي كفرَ، وبانَ زيفُ الحقائقِ، وبدتْ شرارةُ الاغتيالِ تؤرِّقُ عينَ الخليفةِ، فلا بُدّ من أنْ يتخلّصَ من هذا النور الذي ما زال يزدادُ وضوحًا وجلاءً يومًا بعدَ يوم.. ولم تكُ تنطلي على إمامِنا خُبثُ سرائرِهم الدفينة، فقد وردَ عنه (صلوات الله وسلامه عليه): "إيّاكَ ومُصاحبة الشرير؛ فإنّه كالسيفِ المسلولِ يحسنُ منظرُه ويقبحُ أثرُه"16 وما أقبحَ ما فعلوه؛ فالمخطِّطُ هو المأمونُ خليفةُ أبيه في استعمالِ السم، والساعي هو المعتصمُ والمُنفِّذُ هي الزوجة، ويخطرُ في بالي الآن قولُه عن الظلم (عليه السلام) حيث قال: "العاملُ بالظُلمِ والمُعينُ له والراضي به شركاء" 17 ومن قوله في الظلمِ أنتقلُ إلى ما ذكره المسعودي عن وفاته (عليه السلام): (فيقول: لم يزلِ المُعتصمُ وجعفرُ بن المأمون يُدبّرون، ويعملون الحيلةَ في قتلِه، فقال جعفر لأُخته أُمّ الفضل... لأنّه وقفَ على انحرافِها عنه وغيرتِها عليه لتفضيله (عليه السلام) أُمّ أبي الحسن ابنه عليها (أي على أُمّ الفضل).. فجعلتِ السمَّ في عنب، وناولته للإمامِ (عليه السلام). ثم استطرد المسعودي قائلًا: (لقد ندمتْ أُمُّ الفضلِ بعدَ هذا العمل ندمًا عظيمًا، وبكتْ بكاءً شديدًا، ولما أكله بكت، فقال: لِمَ تبكين ليضربنّكِ اللهُ بفقرٍ لا يُجبر وبلاءٍ لا يُستر، فبُليت بعلةٍ أنفقتْ عليها جميعُ ما تملكه)18 -قال محمد بن الفرج (كتبَ إليّ أبو جعفر (عليه السلام): احملوا إليّ الخمسَ فإنّي لستُ آخذَه منكم سوى عامي هذا)19 فقُبِضَ (عليه السلام) في تلك السنة، ففي رواية المفيد كانت وفاته في ذي القعدة من سنة ٢٢٥، وانطوتْ بقتلِه خمسُ وعشرون سنةً من عمره الشريف تركَ فيها من القيمِ والمبادئ صفحاتٍ خلّدَها التأريخُ بأحرُفٍ من نور.. فقد كان (عليه السلام) سفيرًا للهِ (تعالى) في أرضه وأنهى وظيفتَه الإلهيةَ لولايةِ أمرِ الدين وإرشادِ المسلمين لينضمّ إلى قافلةِ أجدادِه وآبائه الشهداء (عليهم أفضل الصلاة والسلام). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1- احقاق الحق ج 4 ص 103 2- بحار الانوار ج 50 ص 35 3- الفصول المهمة /265 4- اخبار الرضا ج 2 ص65 5- بحار الانوار ج 50 ص 88- 89 6- توحيد الصدوق ص 82 -83 7-الكافي : 1/ 82 8- امالي الصدوق : 167 9-توحيد الصدوق ص 193 10 - الكافي : 3 /282 11- سورة الجن ايه 18 / تفسير العياشي ج /1 ص 319 - 320 12- الكافي 4/4 - الاستبصار 2/ 284 13-الكافي 5 /441 14 - التهذيب : 7 /396 15 - الاحتجاج 254_ 294 16 -الابحار 74 / 198 17 - اقواله الشريفه كلها في كشف الغمة ج 3 من ص 136 / الى ص 158 18 - اثبات الوصية ص 129 19 - بحار الانوار ج 50 ص /63

اخرى
منذ شهرين
241

التعليقات

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
101536

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
97967

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ سنتين
55500

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
52912

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 3 سنوات
51940

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
50768