رضا الرحمن غايتي

حفاظاً على مكتسبات الشهر الفضيل

من المعلوم إن من يريد الدخول في مضمار للسباق لا بد أن يهيأ نفسه بالتمرينات والتدريبات لفترة طويلة وبصورة تدريجية، ليصبح مؤهلاً لخوض ذلك السباق، فإذا خاضه وأتمّه تعالت قدرته وتحسنت مهارته وأصبح أكثر وثوقاً بنفسه على مواجهة التحديات والتغلب على الصعوبات. وبعدئذٍ فمن غير المنطقي أن يهدر كل تلك المكتسبات ويضيع كل تلك المهارات بتقاعسه وعجزه وكسله، بل عليه أن يستمر ولو على القليل من التدريبات والتمرينات بصورة يومية حفاظاً على لياقته البدنية. ولا يختلف الأمر كثيراً في المجال المعنوي عنه في المجال المادي، فالمؤمن الذي دخل دورة روحية في الشهر الكريم، والتزم فيها على عبادات وطاعات عظيمة. حيث تلاوة جزءٍ من القرآن الكريم يومياً، وصيام لمدة شهر كامل، ومراقبة لجوارحه في كل حين... فهذا المؤمن أصبح أكثر قدرة على التحكم في نفسه ومواجهة المغريات والشهوات وتجاوز المحن والبلاءات. وبالتالي فلا يصعب عليه إطلاقاً بأن يستمر على تلاوة القرآن الكريم بعد الشهر المبارك ولو بمقدار عشر آيات يومياً لئلا يُكتَب من الغافلين. فقد روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه و آله): " ومن قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ خمسين كتب من الذاكرين، ومن قرأ مائة كتب من القانتين، ومن قرأ مائتي [آية] كتب من الخاشعين، ومن قرأ ثلاثمائة كتب من الفائزين، ومن قرأ خمسمائة كتب من المجتهدين، ومن قرأ ألف آية كتب له قنطار، والقنطار خمسمائة ألف مثقال ذهباً، المثقال أربعة وعشرون قيراطاً، أصغرهما مثل جبل اُحد»(1) كما لا يصعب على المؤمن بعد صيامه لشهرٍ بأكمله أن يستمر ولو على صيام ثلاثة أيام من كل شهر. فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): من صام ثلاثة أيام من كل شهر كان كمن صام الدهر، لأن الله (عز وجل) يقول: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) "(2). كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): " صوم ثلاثة أيام من كل شهر: أربعاء بين خميسين، وصوم شعبان، يذهب بوسواس الصدر وبلابل القلب " (3). وأما مراقبة النفس والجوارح فهي من أهم المكاسب التي يقبح بالمؤمن التفريط بها بعد كسبها. فلنستمر على عباداتنا ولو بمقدار أيسر حفاظاً على لياقتنا الروحية إن صح التعبير... وفقنا الله وإياكم لذلك بفضل الصلاة على محمد وآل محمد .. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أعلام الدين في صفات المؤمنين ص369 (2) ميزان الحكمة ج5 ص317و318 (3) المصدر السابق ج318

اخرى
منذ سنة
524

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
1172

في وداع شهر رمضان المبارك السلام على شهر الصيام

الزمن في التراث الإسلامي خلق من سائر خلق الله (عز و جل)، فقد ورد في دعاء الصباح والمساء للإمام السجاد (عليه السلام): " وَ هَذَا يَوْمٌ حَادِثٌ جَدِيدٌ، وَ هُوَ عَلَيْنَا شَاهِدٌ عَتِيدٌ، إِنْ أَحْسَنّا وَدّعَنَا بِحَمْدٍ، وَإِنْ أَسَأْنَا فَارَقَنَا بِذَمٍّ. اللّهُمّ صَلّ عَلَى مُحَمّدٍ وَ آلِهِ، وَارْزُقْنَا حُسْنَ مُصَاحَبَتِهِ، وَاعْصِمْنَا مِنْ سُوءِ مُفَارَقَتِهِ بِارْتِكَابِ جَرِيرَةٍ". فهو (عليه السلام) في كلماته الآنفة الذكر لم يُثبت كونه خلقاً وحسب بل وأسند له حمدنا إن احسنا فيه وذمنا إن أسأنا فيه. فهو خلق يراقب أعمالنا ويشهد علينا فيما نقترف فيه من أعمال؛ و لذا يسأل الإمام السجاد (عليه السلام) الله (تعالى) أن يرزقه حسن مصاحبته وأن يعصمه من سوء مفارقته. فإذا كان الإمام السجاد (عليه السلام) يحمل كل هذا الهم لحسن صحبة يوم من سائر الأيام، ويخشى سوء مفارقته، فلا عجب إذن أن يودع شهر رمضان الكريم وداع عزيز يعز عليه مفارقته ويستوحش بالانصراف عنه، كما يقول (عليه السلام) في دعاء وداع شهر رمضان: " فنحن مودعوه وداع من عز فراقه علينا، وغمنا وأوحشنا انصرافه عنا، ولزمنا له الذمام المحفوظ، والحرمة المرعية، والحق المقضي" وهذا ما ينبغي أن يكون عليه حال المؤمنين، لأنه لا شهر يحل عليهم يحمل خيرات وبركات كشهر رمضان المبارك إلى أن يعود عليهم لذا عزت مفارقته عليهم. ولمعرفتهم بعظم قدره وجليل شأنه عند الله (عز وجل ) حيث نسبه إليه، ولما تدره صحبته عليهم من الخير الكثير والعطاء الغزير فيترك صحائف أعمالهم مثقلة بالثواب الوفير ويلخص ذلك (عليه السلام) فيقول: " وَقَدْ أَقَامَ فِينَا هَذَا الشّهْرُ مُقَامَ حَمْدٍ، وَ صَحِبَنَا صُحْبَةَ مَبْرُورٍ، وَأَرْبَحَنَا أَفْضَلَ أَرْبَاحِ الْعَالَمِينَ". تقدم أن الزمن في التراث الاسلامي هو خلق، بل وهو يراقب أعمالنا ويشهد علينا أيضاً لذا صحَ إلقاء التحية عليه. وأما معنى (السلام عليك) فــ(قد اختلف في معنى هذا اللفظ فقيل معناه الدعاء أي سلمت من المكاره وقيل معناه اسم السلام عليكم وقيل معناه اسم الله عليك أي أنت في حفظه كما يقال الله معك" و لم يرد السلام على الشهر الكريم مرة واحدة بل تكرر كثيراً، وعلى الرغم من أن تكرار السلام في نظر العرف أمراً مستهجناً بل وقد يُعد استهزاءً بمن يُلقى عليه في نظر العقلاء. إلا أنه لا يكون كذلك إذا كان المسلّم مادحاً لمن يُلقي عليه التحية، مضمناً تكراره السلام ذكر آلائه وفضائله، وهو ما عليه في دعاء وداع شهر رمضان وفي جميع زيارات النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وعترته الطاهرة (عليهم السلام) والصالحين. كما قد يُكرر السلام رجاء أن يُقبل ولو بعضه، أو يحظى المُلقي للتحية بالشفاعة والغفران ولو في واحد منه. فتكرار السلام لهذه الغايات إذن لا استهجان فيه. و من أبرز الفضائل التي ذكرها الإمام (عليه السلام) للشهر المبارك قوله: "السلام عليك من ناصر أعان على الشيطان " إذ إنه هو الشهر الوحيد الذي يتسم بهذه السمة. وقوله: "السلام عليك ما أكثر عتقاء الله فيك " فقد روي عن محمد بن مروان عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سمعته يقول:" إن لله (عز و جل) في كل ليلة من شهر رمضان عتقاء وطلقاء من النار إلا من أفطر على منكر، فإذا كان آخر ليلة أعتق فيها بمثل ما أعتق في جميعه" كما يبين الإمام السجاد (عليه السلام) بقوله: "السلام عليك ما كان أطولك على المجرمين، وأهيبك في صدور المؤمنين"؛ وذلك لأن شهر رمضان المبارك يفرق بين المؤمنين والمجرمين من خلال الشعور به والاهتمام به، فالمؤمنون يشعرون بهيبته وجماله وعظيم بركاته ووافر نعمائه لذا فهم به يفرحون لأن رضا الله هو غايتهم التي يبتغون، والقرب منه هدفهم الذي اليه يسعون، بخلاف المجرمين الذين هم منه متذمرون لما حُرِموا من متع يجدون سعادتهم فيها، و لما منعوا من شهوة يجدون لذتهم فيها. ثم يبين (عليه السلام) ما يجب أن يكون عليه المؤمنون، حيث السلام على الشهر الكريم غير كارهين لمصاحبته، ولا ذامين ملابسته، ولا مودعيه برماً ولا تاركين صومه مللاً، وإنما على فقده محزونون، وعن رحيله راغبون، فيقول (عليه السلام): " السلام عليك غير كريه المصاحبة، ولا ذميم الملابسة، السلام عليك كما وفدت علينا بالبركات وغسلت عنا دنس الخطيئات، السلام عليك غير مودع برما، ولا متروك صيامه سأما، السلام عليك من مطلوب قبل وقته، ومحزون عليه قبل فوته" وبما إن شهر رمضان الكريم إنما هو زمن يمر على البر والفاجر وعلى المؤمن والكافر لذا فإن ليس كل من ودع الشهر حاز الفلاح، ولذا يضع الإمام (عليه السلام) علامة لمن يفوز فيه ويُسعَد: "وما أسعد من رعى حرمتك بك" فمراعاة حرمة الشهر الكريم وعدم تعدي حدود الله (تعالى) فيه هي علامة وسمة من يحظى بالفوز والسعادة فيه، وأما من جهل حقه واستخف بحرمته وتعدى حدود الله (تبارك و تعالى) فيه فأولئك هم الأشقياء الذين حرموا فضله وخيره وبركاته، يقول (عليه السلام):"جهل الاشقياء وقته، وحرموا لشقائهم فضله" نسأل الله (تعالى) أن يكتبنا وإياكم ممن أُسعِدَ في الشهر الفضيل برعاية حرمته، ونعوذ به أن نكون ممن شقى فيه وحُرِمَ فضله وخيره وبركته إنه سميع مجيب.

اخرى
منذ سنة
814

اللاهدفيـــة

اقتضت حكمة الله (تعالى) أن تكون أفعاله تعالى محكومة لمصلحة وهدف وغاية، ولذا قالوا في علم الكلام: إن أفعال الله تعالى معلّله بالغايات، فكيف بخلقه الإنسان الذي سخر له السموات والأرض! قال (تعالى): "أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً"، ولذا فقد تكرر ذكر هدفية خلق الانسان في القرآن الكريم في مواضع عديدة منها قوله (تعالى): "أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)" لم يقتصر القرآن الكريم على بيان هدفية خلق الإنسان بل بيّن ذلك الهدف أيضاً إذ قال (تعالى): " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)" . فالعبادة والطاعة إذن هما الهدف الأساسي والرئيسي من خلق الإنسان، وكل ما في الوجود وما يدور فيه من أحداث إنما رتبها الله (تعالى) على نسقٍ يحقق ذلك الهدف بما فيها المغريات والفتن والابتلاءات التي تغربل الناس جميعاً فتميز المطيع الحقيقي عمن سواه. ومن هنا وجب على كل إنسان الشعور بهدفية وجوده في الحياة، من خلال وضعه أهدافاً متوسطة وأخرى صغيرة، ومن ثم توظيف ما يتمتع به من إمكانيات وقدرات لأجل تحقيقها والذي يصب في النهاية في دائرة تحقيق هدفه الأسمى المتمثل بعبادة الله (تعالى) وطاعته والفوز برضوانه. إلا أن ما يؤسَف له حقاً أن يعيش البعض اللاهدفية المقيتة، فيعيش حياته بصورة عشوائية وكيفما اتفق دونما تخطيط أو شعور بالمسؤولية وبلا موبالاة بسنيِّ عمره التي يهدرها الواحدة تلو الأخرى دون تقدم ملحوظ في الجانب الروحاني أو الخُلُقي أو العبادي -أي في الجانب التكاملي عموماً-. إن من الناس من يحرق زهرة شبابه، ويهدر سنيَّ عمره، ويفوِّت على نفسه الانتفاع بما يمتلك من جهد وطاقات، مكتفياً بتدخين السكائر والأركيلة، أو مستريحاً لأن يجوب الشوارع والأسواق ذهاباً وإياباً دون ضرورة، أو متمتعاً بالمبالغة في التنزه في المتنزهات ومدن الألعاب. وهذه الأمور بحد ذاتها مضيعةً للوقت وخسارة للعمر الذي إن ذهبت منه لحظة واحدة لا يمكن استرجاعها بملئ الأرض ذهباً، فضلاً عما يكتنف كل ذلك من المحرمات كالنظر المحرم أو الاختلاط المحظور أو الخوض في أعراض الناس وهتك الحرمات، وننسبه على أن هذه الأمور وإن لم تكن محرمة في حدّ نفسها. لكنها على كل حال تُعبّر عن حالة من تضييع العمر بلا فائدة -وقد تدخل فيها الحرمة عرضاً- كما أشرنا إليه. ومنهم من تراه مهووساً في متابعة الأفلام والمسلسلات والبرامج غير الهادفة، فتراه يتنقل بين المحطات الفضائية ولا هم له سوى هذا البرنامج المضحك أو ذاك الفلم الغرامي أو ذلك المسلسل المتخم بالانحرافات الذي يستنزف من عمره مئات الساعات والساعات. ومنهم من يقضي ساعات عمره محدّقاً في شاشات الجوال أو الحاسوب لا لعلم يرتقي به ولا لعمل صالح يدعو إليه، وإنما جُلَ همَ بعضهم الترويج للإشاعات والشبهات من حيث يعلم أو لا يعلم، ومنهم من يعاكس الفتيات على مواقع التواصل الاجتماعي، فلا كبيرة السن تنجو منه ولا ذات البعل تسلم، ومنهم من همه المشاركة في تسقيط الشخصيات اتباعاً للظنون وتعويلاً على التوهم، ومنهم من يروق له أن تلتهم عيناه ما حرم الله (تعالى) النظر إليه إلتهاماً. بل إن البعض لا يكتفي بعبثية حياته وإنما يوظف طاقاته من أجل بثّ اللاهدفية في غيره وإضلال أفراد مجتمعه، ويشتري شقاء وبؤس دنياهم وآخرتهم، يقول الله (تعالى): "ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضلّ عن سبيل الله بغير علم ويتّخذها هزواً اُولئك لهم عذاب مقيم" في الوقت نفسه. نحن لا ننكر فيه أن النفس أحياناً قد تمل فيُستحسن علاجها بالطرائف، وتحسين مزاجها باللطائف، فلا مانع من بعض البرامج الترفيهية المنضبطة والأفلام الهادفة إذا ما روعيَ فيها جانب احترام الوقت بالإضافة إلى انتخاب الجيد والهادف منها، كما لا مانع من تصفح وسائل التواصل الاجتماعي بل قد يكون ضرورياً لصلة رحم أو لرد شبهة أو لدفع غيبة أو تسقيط أو تشويه لمؤمن أو مؤمنة وما إلى ذلك. إذن فلا بد في كل ما تقدم من مراعاة الانضباط في بعدي الكم والكيف؛ لأن عدم مراعاتهما هو المحذور، لأنه يقود الإنسان شيئاً فشيئاً إلى التقصير والجهل والقصور. ولو سألت أحدهم عن سبب العبثية الواضحة في أسلوب حياته، واللامبالاة في تضييع عمره وهدر الكثير دونما جدوى من ساعاته، والركون إلى اللهو وغياب الهدفية من سجل مصطلحاته، لأشار بأصابع الاتهام إلى الظروف الخارجية، مريحاً نفسه من همّ التفكير في تطوير ذاته وتنمية مواهبه وقدراته، أو مؤونة البحث عن مخرج ولو صغير يتنفس من خلاله المعنى الحقيقي للحياة. ولكن الحقيقة هي إن عدم مناسبة الظروف الخارجية لما نرغب وإن كان عائقاً كبيراً أمام طموحاتنا، وهو بلا شك حجر عثرة تتعثر فيه أهدافنا، وقد تحتضر فيه أحلامنا، إلا أن ذلك لا يعني نهاية الحياة، كما لا ينبغي لنا الاستسلام البتة، بل هناك ألف طريق وطريق لمن أراد الحياة، ولعل خير ما قرأت لهذه المشكلة علاجاً قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إن لم يكن ما تريد فأرد ما يكون" . فإن الحياة لا تخلو إما أن تكون كما نريد أو لا، وفي كلا الحالتين فإن الإنسان وحده هو المسؤول عن اختياراته، فعليه أن لا يتخلى عن أهدافه، وينبغي أن يكون طموحاً ومنتجاً بل وسعيداً؛ لأن الإنسان هو الذي يقود ذاته لا الظروف الخارجية. ومن أساليب القيادة السليمة للذات نحو النجاح والسعادة أيضاً هو البحث عن مخرج دائما وأبداً فعند الوصول إلى أبواب موصدة لا ينبغي هدر العمر بالتحديق فيها أو التحسر عليها؛ لأن الطرق الموصدة لا تعني نهاية الطريق، بل تعني سلوك الطريق الخطأ، وهي رسالة واضحة للبحث عن الطريق الصحيح، فيجب البحث دائماً وأبداً عن بدائل وذلك لا يتأتى إلا بالرضا أولاً بواقع الحال -لا بمعنى الخضوع والاستسلام وإنما بمعنى تقبّل الواقع والتوقّف عن التذمُّر منه- ولذا قال أمير المؤمنين (عليه السلام): "إن لم يكن ما تريد فأرد ما يكون" لأن الرضا بالواقع وتقبله يتيح فرصة فهمه والتعرف إلى ما فيه من نقاط إيجابية يمكن استثمارها بخلاف التذمر منه ومخاصمته. قد يثير هذا الكلام استغراب البعض لاسيما ونحن نعيش أجواءً اليوم قد تلبدت بغيوم البطالة، إلا أنه منطقي إلى حد قد لا يكون متوقعاً، فالمتخرج والمتخرجة في كلية الهندسة والتربية والعلوم وسواها اللذان يحلمان بإيجاد الوظيفة المناسبة التي بذلا لأجلها الجهد الجهيد لا تراهما بعد سنة أو أقل من التخرج إلا وهما مكتئبا الحال يعيشان الضياع ويكثران الشكوى؛ لعدم تحقق حلمهما، ولا نستنكر أصل الحزن والألم لأنهما مشروعان في هذه الحالة إذ إن كل من يغرس مجتهداً بغرسه يأمل بقطف الثمار اليانعة، إلا أنه من غير الصحيح تضييع العمر حسرات على حلم لم يتحقق أو هدف لم يُنَل. ولنتفق أن ما من غرس لا ينتج أثراً بصورة مطلقة، فبعض الأشجار قد لا تعطي ثمراً جنياً ولكنها تمنح ظلاً ظليلاً. وعليه فيمكن لهما أن ينظرا بعين الإيجابية رغم الظروف الحالكة ويستثمرا العلوم التي اختزلناها في ذهنهما طيلة أيام الدراسة في تدريس الطلبة الذين يعانون ضعفاً فيها ولكن بمبلغ يسير فيكونان قد أعانا غيرهما على النجاح، وحافظا على معلوماتهما من النسيان، بالإضافة الى النفع المادي وإن كان يسيراً، وقد تكون تلك التجربة بادرة احترافهما القاء دروس التقوية. هذا مثال بسيط جداً ومن يضع النجاح نصب عينيه هدفاً ستنقدح في ذهنه الأفكار التي توصل إليه تباعاً، وسيتمكن من اكتشاف مواهبه وإمكانياته وقدراته وينفض عنها غبار الإهمال وينميها شيئاً فشيئاً حتى تصبح عمله الذي يألفه ومصدر رزقه الذي يغنيه عن لئام النفوس. فعلى الإنسان أن لا يجمد إطلاقاً ولا يتوقف البتة في كل مجال من مجالات حياته وعلى جميع الأصعدة الروحاني منها والعلمي والنفسي والصحي والاجتماعي؛ لأن التوقف في الحياة تراجعٌ ليس إلا. ومن الجدير بالذكر أننا وإن ذكرنا مصاديق لما يشغل فئة الشباب من بعض الملهيات إلا أن ذلك لا يعني اقتصار اللاهدفية في الحياة والعبثية فيها عليهم، بل هناك فئات أخرى من الناس عاشوا هذه الصفة كبعض الذين بلغوا سن التقاعد من الجنسين، ففي الوقت الذي ينبغي أن تكون هذه المرحلة من العمر مرحلة الاهتمام بالذات بشكل أكبر ومن جميع النواحي الروحانية والخلقية والعبادية والصحية والنفسية والاجتماعية، وممارسة الهوايات وتنمية بعض القدرات، والمطالعة في مختلف المجالات، والشروع ببعض المشاريع الخيرية والتطوعية وما شابه؛ لما تتسم به من خفة المسؤولية عادةً حيث الأبناء قد كبروا واعتمدوا على أنفسهم غالباً، إلا أن البعض وللأسف الشديد يفضل أن يهدر وقته ضياعاً، فتجدهم قد ملؤوا مقاعد المقاهي يوقدون سكائرهم بساعات عمرهم، ويحتسون أكواب قهوتهم الواحد تلو الآخر منبهين أجسامهم على ضرورة اتخاذ الكسل عملاً والخمول منهجاً، قد أدى إحساسهم بانتهاء رسالتهم في الحياة وفراغهم من تحقيق أهدافهم إلى شعورهم برتابة ما تبقّى من حياتهم؛ ولذا لا يجد بعضهم عملاً سوى الانشغال بحياة غيره فيتدخل فيما لا يعنيه، ويجهد عقله وتفكيره فيما لا ينبغي عليه، وعندئذٍ لا يجني لنفسه إلا الهم والشقاء، ولا يحصد من الآخرين سوى النفور والجفاء، في حين أن من يستشعر الهدفية في حياته لا يتوقف عن تطوير ذاته مهما كانت ظروفه ومهما تقدم في السن أو تراجع في الصحة. وقد يتصور البعض أن الكلام عن اللاهدفية هو كلام مبالغ فيه إذ إن المعلوم أن الكثير من البشر لهم أهداف وأحلام وأمنيات وطموحات منذ نعومة أظفارهم وحتى يُقبروا، نجيب نعم إن ذلك صحيح إلا أن وجود الهدف عند الإنسان غير كافٍ ما لم يقترن بوضعه حيز التنفيذ، من خلال وضع خطط لأجل ذلك، ومن ثم السعي الجاد إلى تحقيقه على أرض الواقع من خلال البحث عن الوسائل المتاحة والأدوات الممكنة لذلك. فكم من أهدافٍ وأحلامٍ قد عاشت في الخيال وماتت وقُبِرت بموت أصحابها دون أن تتنشق هواء الواقع! وكم نسمع من الكثير أنه يحلم بأن يفعل كذا وكذا، ويبني قصورا فارهة وحياة منعمة في ليله على صفحة خياله ولكن ما إن يصحو حتى يُذهب سلوكه اليومي بكل تلك القصور كما يذهب ضوء الشمس لمعان النجوم. إذن فعلى الإنسان أن لا يكون هادفاً وحسب، بل وعاملاً على تنفيذ هدفه، ساعياً وبكل جد إلى تحقيقه. وإلى جانب هذا الصنف من الناس نجد صنفاً آخر تراه هادفاً في مقتبل عمره باذلاً كل جهده في سبيل تحقيق هدفه، ولكنه ما إن يتحقق حتى يسترخي فيما تبقّى من حياته مقتنعاً بما حققه، في حين أن الإنسان الناجح لا يحقق هدفاً إلا وفي ذهنه هدفٌ آخر يحثّ الخُطى إليه. وللأهداف أهمية كبيرة في حياة الإنسان لأسباب كثيرة أهمها: أولاً: بالرغم من أن عمر الإنسان رأس ماله الذي لا يمكن تعويضه أبداً إلا أن الكثير من الناس يبعثره هنا وهناك دونما جدوى أو فائدة، ولذا فإن الالتزام بأهداف نحققها يجعلنا أكثر وعياً بـقيمة الزمن وأكثر حرصاً عليه، نستثمره لتغيير أوضاعنا نحو الأفضل، لا أن نبحث عمّا به يُقتَل. ثانياً: عدم استهداف هدف معين أو عدم التخطيط لتحقيقه هما السبب الأبرز في خسران الفرص في الحياة؛ لأن الفرص تمر مر السحاب، فما لم تكن واضحاً في أهدافك وطموحاتك، عارفاً بقدراتك وإمكانياتك قد لا تحسن استثمارها بالشكل الأمثل. ثالثاً: وضع الأهداف في الحياة ومن ثم العمل على تحقيقها ينقذان الإنسان من الإحساس بالتعاسة والحزن، ويقوده شيئاً فشيئاً نحو السعادة والنجاح؛ وذلك لأن الإنسان ــ كما يذكر علماء النفس ــ غالباً ما يشعر بالحزن عندما يكون غير مشغول فيسأل نفسه أهو سعيد أم لا؟ وأما في حال انشغاله فإنه قد لا تتاح له الفرصة ليسأل نفسه ذلك السؤال حتى. رابعاً: لابد من التأكيد على التنوع في الأهداف وتعددها قدر الإمكان لأن الحياة كثيرة التغير، دائمة التقلب، فقد يجتهد الإنسان ساعياً إلى هدف ما لكنه قد لا يتحقق لأمر خارج عن إرادته والمثال الأوضح هو هذا الكم الهائل من الخرّيجين الذين لم يحققوا هدفهم بالحصول على الوظيفة. وأخيراً فإن للأهداف سمات لابد أن تتسم بها وهــي: أولاً: المشروعية: أي لابد أن تكون الأهداف مشروعةً في الحياة، أي مباحة لا تشوبها حرمة ولا تكتنفها شبهة؛ لأن الأهداف غير المشروعة وإن كانت سريعة النمو وفيرة المكسب إلا أنها في الوقت ذاته تحيل حياة المرء إلى حياة مضطربة يشكو فيها من الضنك والتعاسة؛ لأن تلك الأهداف تحط من التوازن العام لشخصية الإنسان وتولد فيها صراعات عنيفة، الأمر الذي يُفقِده السلام الداخلي. ثانياً: انسجام الأهداف مع الهدف الأكبر: فلا يكفي أن تكون أهداف الإنسان مشروعة بل لابد أن تنسجم مع الهدف الأكبر ــ وهو عند المسلم تحقيق رضوان الله (تعالى) ــ وأن لا تتنافر معه في نتائجها وآثارها. فمثلاً عندما يكون هدف المرء الربح المادي فقط فهذا أمر مشروع ولا شبهة فيه فضلاً عن عدم الحرمة، ولكنه قد لا يكون منسجماً مع الهدف الأكبر والأسمى وهو رضوان الله (تعالى) فيما لو تعارض تحقيق هذا الهدف مع مدّ يد العون إلى يتيم ما أو معونة مسكين ما أو الانتصار لمظلوم ما، وعليه يُستحسن أن يكون هدف المسلم تحقيق الربح بمفهومه الأعم وعدم تقييده بخصوص الربح المادي فقط؛ ليكون أكثر انسجاماً مع هدفه الأكبر. ومما لاشك فيه أن مدى شعور المرء بأنه يحيا حياة طيبة ويعيش الانسجام والتناغم بين مطالبه الروحية والمادية يتوقف على مدى انسجام أهدافه مع الهدف الأكبر وما يقتضيه من قيم. ثالثاً: الملائمة: فلابد أن تكون أهدافنا ملائمة لما نملك من طاقات وموارد ولما نعيشه من ظروف، ولما نميل له ونتطلع إليه. ولا يُفهم من اشتراط كون الهدف ملائماً لابد أن يُتواضع فيه أو أنه الهدف الخالي من التحدي، بل على العكس هو الهدف الذي يتحدى المرء في سبيل تحقيقه الصعوبات، ويتغلب على المعوِّقات، من خلال تفجيره لما كمُن فيه من طاقات، واستخدامه لما أهمِل من موارد، ولا يعجز عن ذلك طالما كانت ضمن الحدود الممكنة. وأما الطموحات غير المتسمة بهذه السمة فإنها بلاشك إما أن تؤدي بالأفراد لأن يسلكوا طرقاً غير مشروعة لأجل تحقيقها، أو أن تؤدي بهم إلى الشعور بالعجز والانحسار، مسببةً لهم آلاماً نفسية وشعوراً بالتحطم والانهيار. ومن السبل التي يمكن من خلالها الجمع ببن الأهداف الكبيرة وإمكانية تحقيقها هو أن يضع المرء لتحقيقها أهدافاً صغيرة، فالهدف الكبير قد يمكن تحقيقه من خلال سلسلة من الأهداف الصغيرة التي يمكن أن تكون بعضها وسيلة للبعض الآخر، كالطريق الطويل تماماً الذي يمكن قطعه من خلال الخطوات الصغيرة. ولا يتحقق ذلك إلا بالصبر والأمل وتواصل العمل، وكما قيل: قليل دائم خيرٌ من كثير منقطع. رابعاً: المرونة: من الجميل أن نستشعر المتعة والراحة عند تحقيقنا لأهدافنا، إلا أن ذلك لا يكون إلا إذا أسبغنا عليها سمة المرونة، فالأهداف التي تفتقد تلك السمة تتحول إلى التزامات مقيدة لحرية الإنسان، حائلةً دون تحقيق رغباته. ومن سبل إضفاء المرونة على الهدف هو تحديده ضمن حدود دنيا وحدود عليا، فمثلاً من الأهداف الصغيرة التي تصب في هدف تطوير الذات هي المطالعة اليومية فمن المستحسن أن يكون مرناً بأن نحدد له من ساعة إلى ساعتين مثلاً، بدلاً من حصره بساعتين وحسب. خامساً: الوضوح: وهو من السمات المهمة جداً للهدف، إذ يمكن من خلالها معرفة نسبة ما أُُنجِز منه ونسبة ما لم يتم إنجازه بعد، كما يبين بوضوح المعوقات والعراقيل التي تعترض طريق تحقيق ذلك الهدف. بخلاف من لا يملك تلك السمة في أهدافه فتجده مضطرباً ضائعاً لا يعلم ما الذي أنجز؟ ولا يدري إلى أين وصل في تحقيقه لهدفه؟ كما يفتقر إلى تشخيص المعوقات بدقة. سادساً: تحديد توقيت لإنجازه: فالزمان ثروة هي في تناقصٍ دائمٍ أبداً شئنا ذلك أم أبينا، كما أن طاقاتنا قابلة للنفاد؛ لذا فمن الضروري تحديد سقف زمني معين لأهدافنا. ثم إن بعض الأهداف تفقد قيمتها الحقيقية إن لم تتحقق في الوقت المناسب، كالتفاهم بين الشركاء الذي لا يتحقق إلا بعد فشل المؤسسة مثلاً. كما أن بعضها لا ينتظر، فإما أن يُحقق في الوقت المناسب أو لا، فكم من مؤمن كان من أهدافه الزواج بفتاة مؤمنة تشاطره الرؤى والاهتمامات وتوافقه في الآمال والطموحات، إلا أنه لم يتحقق لإسدال ستار التواني عليه واللامبالاة. وختاماً فإننا كمؤمنين بأن لقاء الله (تعالى) أمرٌ لابد منه فحريٌ بكل منا أن لا يقتصر على ما يؤديه من عبادات، بل ويهيأ ما سيقدمه بين يدي خالقه من إنجازات، وفقنا الله وإياكم لذلك إنه سميع مجيب الدعوات.

اخرى
منذ سنة
381

لتكن لكِ أهدافكِ

ميّزَ الله (تعالى) المرأة بعاطفة جياشة وبحنان كبير. ولولا تلك العاطفة لما استطاعت تحويل عُشها الزوجي إلى ملاذ دافئ يسوده الحب والوئام، يتنعم أفراده فيه بالود والاهتمام، ولولا ذلك الحنان الكبير الذي تكفّل بأن يُقلعها من سريرها الدافئ لتقوم على رعاية طفلها الصغير، مؤثرةً ما تتطلبه تلك الرعاية من جهد وفير وصبر كثير على التنعم بنوم هانئ عميق لعجزت عن رعاية أبنائها. وعلى الرغم من أهمية تلك العاطفة وذلك الحنان البالغة في رعاية الأسرة وترابطها إلا إن على المرأة الواعية أن تردفهما بجرعة من الحكمة وتنكههما بنكهة التعقل ولا تـُفرِط فيهما كثيراً؛ لأن كل شيء إن زاد على حده انقلب ضده، ولذا يجدر بها أن تتحكم بمقدارهما إذ كما إن التفريط بهما يُفقِد الأسرة أهم رافد من روافد الحب والحنان فكذلك الإفراط فيهما له آثاره السلبية أيضاً، ولعل أهمها أن تفقد المرأة حياتها الخاصة واهتمامها بذاتها، فتجدها منذ الصباح وحتى المساء لا همَّ لها سوى ماذا ينبغي عليها أن تقدم لأفراد أسرتها، بدءً بالزوج الحبيب وانتهاءً بأصغر أفراد الأسرة المُدللين، وقد يصل الأمر ببعض النساء -كما نرى وللأسف الشديد- أن تجمع جميع صلوات يومها الواجبة في وقت واحد! وعندما تسألها عن ذلك تُجيب وبكل برود: إن اهتمامي بالأسرة ومتطلباتها قد سلبني الاهتمام بنفسي ورعايتها، وهذا خطأ فادح له عواقب مريرة عليها أولاً وبالذات ومن ثم على باقي أفراد أسرتها. نعم، حُسن التبعل هو الجهاد الذي يتعين على المرأة أن لا تستخف به مطلقاً، وأن تمنحه ما ينبغي من وقتها وجهدها، ورعاية الأبناء كذلك أيضاً، ولكن وفي الوقت نفسه ينبغي على المرأة أن لا تنسى الاهتمام بذاتها ومنحها من الوقت والجهد أيضاً لما يكفي لتطويرها وعلى مختلف النواحي المهمة في الحياة: الروحانية، فتهتم بعبادتها وتعمل ما يمكنها من أجل تقوية صلتها بخالقها، فتخصص لذلك وقتاً خاصاً تنعم فيه بالهدوء بعيداً عن زحمة الحياة وصخبها، وكم هو جميل أن يكون ذلك الوقت فجر كل يوم حيث تكون صلتها بربها أولى أولوياتها، وتحتل المرتبة الأولى في جدول أعمالها، فتبتدئ يومها بمناجاة ربها وتلاوة كتابه، ولا يخفى ما لذلك من أثر إيجابي كبير على سائر مفاصل حياتها، فمن يبدأ يومه بهمِّ القرب إلى الله (تعالى) ونيل رضاه تـُراه كيف ستكون تفاصيل يومه ذاك؟ وكيف سيكون ختامه ومنتهاه؟ ومن النواحي التي لا ينبغي للمرأة إهمالها أيضاً: رعاية صحتها والاهتمام بما يحافظ على حيويتها ونشاطها، من تغذية متزنة، صحية قدر الإمكان بالكم والكيف، إلى ما يتيسر لها من رياضة وأيسرها رياضة المشي؛ لأن جميع أهداف المرأة ومن بينها رعاية الأسرة يصعُب أن تـُؤدى بجسم أنهكه العناء أو غزته الأدواء. كما إن من النواحي المهمة في حياة المرأة والتي لا ينبغي لها أن تهملها في حال من الأحوال هو تغذية عقلها بمطالعة الكتب والمجلات الهادفة، وتنمية ذاتها بتطوير مهاراتها وهواياتها النافعة، لأن حياة المرء لا يمكن أن تتسم بالتوازن إلا إذا تطورت في جميع مجالاتها المختلفة، وإلا غدت حياة معاقة قد طغى نمو بعض أطرافها على سائر الأطراف الأُخرى. ومما لا شك فيه أن اهتمام المرأة بتلك الأبعاد الثلاثة المهمة من حياتها سينعكس إيجاباً وبصورة تلقائية على بعدين آخرين لتحصل بذلك على حياة ناجحة متزنة، وهما: البعد الأسري والبعد الاجتماعي، ومما لا شك فيه أن الشخصية تطمئن عند اتصالها بخالقها، وترتقي بكثرة مطالعتها، وتهدأ عند سلامة صحتها وكل ذلك ينمي فيها الحكمة والتعقل، والمعرفة والتلطف، الأمر الذي يسهل عليها تكوين علاقات طيبة مع أفراد مجتمعها فضلاً عن أفراد أسرتها، كما تكون أكثر خبرة في سبل تطوير علاقتها بهم. بيدَ أن بعض النساء قد يهملن أغلب تلك النواحي المهمة في حياتهن الشخصية، وينجرفن كثيراً مع عواطفهن، بحيث يفقدن الشعور باستقلالية الذات وتقديرها أحياناً! فترى الزوجة أحياناً تعيش من خلال زوجها، فهو شغلها الشاغل، وهمها الأكبر، ولذا فمن الطبيعي أن تركز على كل واردة وشاردة فيه، قد يصل أحياناً ببعض النساء إلى أن تحصي عليه أنفاسه، فتتحول علاقتها به من علاقة يُفترض أن يملأها الحب والانسجام والتفاهم والاهتمام، إلى علاقة المحقق بمن أدمن على الإجرام! بل وقد تكون أسوأ لأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته أما في علاقة هذا النوع من الزوجات بزوجها فهو مُدان حتى قبل ثبوت الإدانة في كثير من الأحيان! ومما لاشك إن لهذا اللون من التعامل آثاره السلبية على المرأة نفسها إذ تعيش القلق الدائم وتقتلها الغيرة المستعرة غير المبررة، كما تـُشعِر الزوج بالتقيُد والانزعاج، وبالتالي ينعكس سوء حالتهما النفسية بلا شك على الأبناء، فيُحاسبون وقد يُعاقبون على أتفه الأمور، وقد تُهمَل متابعتهم على أهمها مما يؤثر سلباً على نفسيتهم وتربيتهم. وليست المغالاة في العاطفة تجاه الزوج هي الخطأ الوحيد بل حتى تجاه الأبناء أيضاً، فقد تكون الأم هي السبب في فشل أبنائها، بسبب الخوف البالغ عليهم تارةً والذي يجردهم من الإحساس بالمسؤولية، أو بسبب الاهتمام البالغ بهم تارةً أخرى والذي يجعلهم يتوقعون ذلك من الجميع، وما أن يشتد عود بدنهم حتى يُصدمون بالكثير الكثير من المواقف التي قد تودي بهم إلى الانهيار أو الاكتئاب لضعف بُنية باطنهم ولقلة خبرتهم وضحالة معرفتهم. بل وقد تتسبب العاطفة المبالغ بها أحياناً بانحراف الأبناء حتى، فكم من فتاة تاهت في طرقات الحياة وأزقة الظلمات، وكم من فتى استسلم للتدخين والمخدرات نتيجة الحب المدمر والعطف المُخرب من قبل بعض الأمهات. فلابد من إضافة مقدار من الحزم إلى الحب، وشيئ من الشدة إلى جانب الليونة لينشأ الأولاد أقوياء ذوي مسؤولية صالحين مصلحين. ومن الآثار الوخيمة التي تترتب على العاطفة المفرطة تجاه الأبناء أيضاً أن تشعر الأم تدريجياً وكأنها تملكهم، ولأنها أهملت ذاتها وضحّت براحتها من أجلهم ترى أن من حقها أن تـُقابل بالمثل من قبلهم، وهذا ما يعسر تحقيقه غالباً لاسيما أن الأبناء في مقتبل أعمارهم وكل منهم بلا شك يروم تأسيس حياته والاستقلالية فيها، ولذا يمكن القول: إن ذلك من أبرز أسباب المشاكل التي تحدث بين الأم وزوجة الابن، بل وقد شاهدنا في بعض الحالات استئثار الأم بالأبناء إلى درجة حرمانهم من الزواج على الرغم من حاجتهم الماسة إليه مستخدمة في ذلك سلاح بر الوالدين، فهي تخير ولدها بين رضاها عنه وبين زواجه! إذن فأن تـُذيب المرأة شخصيتها واستقلاليتها في محيط الاهتمام بأسرتها، وأن تهمل استقلال ذاتها وتترك رعايتها بذريعة أنها تجد ذاتها فيهم إنما هو خطأ كبير لا تقتصر آثاره الوخيمة عليها وحسب بل وتشمل سواها أيضاً، وقد تمتد لتغطي جميع من ضحّت لأجله -كما تقدم- وعليه فلابد للمرأة الواعية أن تعمل على تطوير نفسها وذاتها ضمن الأطر الشرعية ودونما الإخلال بالواجبات الزوجية والأسرية. وقد تسعى بعض النساء إلى ذلك ــ وهو أمر يثلج الفؤاد ــ إلا أنهن قد يُخطئن في تشخيص السبل المؤدية إليه نتيجةً للثقافة المغلوطة التي يستمدنّها من شاشات التلفزة الهابطة ووسائل الإعلام الموجِهة التي تحاول جاهدةً أن تُرسِّخ في ذهن المرأة الظهور بأبهى طلة كما يعبرون، وسحر أعين جميع من إليها ينظرون، وإلفاتها لانتباه جميع من يحضرون، ووو ... إلى آخر تلك التفاهات، كمصاديق مهمة لتطور المرأة وغاية كبرى لتنمية ذاتها وإثبات شخصيتها، فتصور النساء وكأنهن بضاعة ينبغي أن ينافسن بعضهن البعض لاستقطاب أعلى درجة من استحسان من يـُعرَضن عليه، وأماء لابد أن يسحرن كل من يلتقين به، وفي الحقيقة هم لا يرومون من وراء كل ذلك إلا إرواء ظمأ جشعهم في النظر غير الشرعي، وتحسين اقتصادهم من خلال صنع سوقٍ نشيطة تـُصرِّف بضائعهم!!. ولا يُفهم من حديثنا أننا نذم التجمل أو نحارب التأنق، فمن الجميل أن تهتم المرأة بأناقتها وجمالها ولكن يجب أن يقتصر ذلك على من له حق التمتع فيهما فقط، بالإضافة إلى محارمها في حدود حدّدتها الكتب الفقهية، كما يجب أن يكون ذلك الاهتمام في ضمن الحدود المعقولة لا أن ترصد المرأة جـُلَّ وقتها وجهدها ومالها لأجل ذلك، بل يجب أن توازن بين اهتمامها بذلك واهتمامها بسائر عناصر إنسانيتها، كالعقل والتفكر والروح وتزكية النفس لتعيش حياة متوازنة تبعدها قدر الإمكان عن الوقوع في الأزمات أو التعرض للمشكلات، وإلا كانت أشبه ما تكون بالدمية الجوفاء، حسنة الشكل وجميلة المظهر، فارغة المخبر وضحلة الجوهر.

اخرى
منذ سنة
539

لا تكونوا قطاع طرق..

حرّم الله (تعالى) قطع الطريق أمام السابلة وإن كانت وجهتهم لأمور الدنيا الزائلة ولقضياها الفانية، ولذا فقد سنّ لأجل ذلك العقوبات، قال (تعالى):" إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33)"(1). وفي تفسير الآية المباركة فقد ورد عن الإمام الجواد (عليه السلام): "فان كانوا أخافوا السبيل فقط ولم يقتلوا أحدا ولم يأخذوا مالا ، أمر بإيداعهم الحبس فان ذلك معنى نفيهم من الأرض بإخافتهم السبيل ، وإن كانوا أخافوا السبيل وقتلوا النفس أمر بقتلهم، وإن كانوا أخافوا السبيل وقتلوا النفس وأخذوا المال أمر بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وصلبهم بعد ذلك"(2) فإن كان من يُخيف السابلة يستحق النفي لمجرد إخافتهم وإن لم يُلحقهم فعلُه هذا ضرراً آخر، فكيف يُتَصور حجم الجرم الذي يرتكبه البعض في قطع سبيل الناس الى خالقهم ومعبودهم الله (جل في علاه)؟؟ وهو سبيل النجاة في الحياة الدنيا فضلا عن الآخرة؟ ولا يُفهَم السبيل إلى الله (تعالى) على أنه السبيل المادي؛ فهو (تعالى) لا في مكان ولا في اتجاه وإنما أينما تولوا وجوهكم فثم وجه الله, إنما نعني بذلك السبيل المعنوي الذي يربط الإنسان بخالقه ومعبوده، وهو السبيل الذي لا يخلو منه أحدٌ وإن كان ملحداً لأن الله (تعالى) قد أوجده في الفطرة، نعم قد تتراكم عليه الشبهات ويُعفى أثره باتباع الشهوات فتخفى على الإنسان معالمه، إلا إنه ما إن يقع في محنة عظيمة أو نائبة جسيمة يدرك أن لا سبب بمقدوره أن ينقذه منهما حتى تنتفض تلك الفطرة السليمة لتثبت وجودها موجهة إياه الى سبيل النجاة رب الأرباب ومسبب الأسباب. وقطع السبيل إليه (تعالى) قد يكون بالقسر الذي يتبعه الطغاة، والإرهاب الذي ينتهجه البغاة، إلا إن تأثيره بالرغم من ذلك قد يكون محدوداً بل وقد يأتي بنتائج عكسية غالباً، إذ إن المعتقد بعقيدةٍ ما كلما ازداد التضييق عليه للتخلي عمّا يعتقد به كلما كان أكثر حرصاً عليه وتشبثاً به. وقد يكون قطع الطريق إلى الله (تعالى) ــ وهو القطع الأخطر ــ باتباع الأسلوب الفظ في الدعوة إليه (تعالى) والتعامل القاسي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المتبع من قبل البعض للأسف الشديد، والهجوم على ذات العاصي بمعانٍ قاسية قد صُبّت في قوالب لفظية جارحة، أو إشعاره بالإهانة والتحقير، أو بصيغة يُستشم منها رائحة الاستعلاء والتعيير، مما يولِّد في نفس المقابل روح المعاندة، والتصميم على الباطل وإن عرف الحق لأجل المكابرة. وكان الأجدى بالداعي الى الله (سبحانه) أن يستهدف القضاء على الداء لا السقيم، ومعالجة المرض لا تحطيم المريض. ولذا فإن هذا النوع من الأساليب لا يُثمر إلا البعد عن الله (سبحانه)، والنفور من دينه وأحكامه، وبذلك يُقطع الطريق إليه جل جلاله. في حين أن الدعوة إلى الحق ينبغي أن تكون بتحبيب العاصين بجمال الصفات الإلهية، وترغيبهم بعظيم الرحمة الرحمانية، والأسلوب اللطيف في بيان الأحكام الشرعية، وتوضيح آثارها الوخيمة الدنيوية والأخروية. ولذا قال (جل جلاله) :" ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ "(3) والحكمة في الأصل تعني (المنع)، وقد أُطلقت على العلم والمنطق والاستدلال لأنها تمنع الانسان من الفساد والانحراف عند اتباعها. والدعوة الى الله(تعالى) بالحكمة والاستدلال بالمنطق السليم والمنهج القويم والأدلة الواضحة والبراهين الراجحة هي الخطوة الأولى للنفوذ إِلى داخل فكر الناس ومحاولة إِيقاظ عقولهم. وأما الموعظة الحسنة فهي تحرك الضمير والوجدان، وتؤثر على عواطف وأحاسيس الإنسان لتوجيهه نحو الحق، وهي الخطوة الثّانية في الدعوة إِلى اللّه. وما تقييدها بـ(الحسنة) إلا للإشارة إلى اعتماد اللطف والليونة والابتعاد عن الاستعلاء والخشونة فيها للتأثير على الطرف المقابل والفوز بجذبه نحو الحق. وقد يكون العاصي قد عصى الله (تعالى) لما علق في ذهنه من شبهات مضلة أو أفكار مغلوطة، وهنا يأتي دور المجادلة بالتي هي أحسن كخطوة ثّالثة في الدعوة الى الحق لإزالة تلك الشبهات والأفكار وتخلية الذهن منها ليكون مستعداً لتلقي الحق، وكلما كانت المجادلة بالتي هي أحسن كلما كانت نتائجها أفضل. ـــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) المائدة 33 (2) وسائل الشيعة حديث 34838 (3) النحل 25

اخرى
منذ سنة
294

المُحِب الحقيقي

شهباء... فتاة تعيش في بيئة صحراوية بمعنى الكلمة، حيث تلسعها كل يوم رمال الألفاظ القاسية، وتلفحها أشعة الإهانة والتحقير الحامية، وتعصف بها رياح الجفاف في التعامل من أكثر من ناحية، أثّر حالها فيَّ كثيراً ولطالما ذرفت لأجلها الدموع، وتحرّق فؤادي لوضعها السيء حسرةً وألماً، وذات يوم استقبلتُ منها اتصالاً خفق قلبي له فرحاً، لا شوقاً لسماع صوتها فحسب، وإنما ولما اكتنف ذلك الصوت من نبرات فرح وسرور أيضاً... وبعد التحية والسلام والاطمئنان على الحال، بادرتها بالسؤال، عن سرِّ صوتها المفعم بالفرح والجمال، أجابت بنبرة ملؤها الأمل والتفاؤل: وأخيراً يا عزيزتي وجدتُ من بين الركام الذي لطالما سدَ طريقي نحو السعادة مخرجاً، هو مخرجٌ لطالما تمناه فؤادي وذابت نفسي على فقده حسرةً، إنه الحب يا أختاه... فقد أحيا بنسائم كلماته العذبة ما ماتَ في داخلي من مشاعر، وأنا على يقين بأنه سيُحيل صحراء حياتي إلى ربيع دائم. نعم، سيفعل ذلك حتماً... فها أنا ذا منذ الآن ألمس الطراوة التي بدأت تمتد في أغصاني المتيبسة، وها هي الألوان الزاهية التي شرعت تنتشر لأزهار عواطفي المتجمدة، قريباً ستكون حياتي جنة من جنان الله (تعالى) على الأرض، أحمده على ذلك حمداً كثيراً... سألتُها إذن تمَ عقد قرانكِ ولم يتبقَ إلا الزواج قريباً يا عزيزتي؟ أجابت على خجل: لا، لم نفعل ذلك بعد! استغربتُ كثيراً: حبيبتي وكيف تسمحين له بأن يحدثكِ عن مشاعره ولمّا يربطكما رباط شرعي بعد؟ أجابت بصوت منكسر: أعلم يا عزيزتي بحرمة ذلك، ولكن ظروفي القاسية هي التي دفعتني إلى ذلك. آلمتني كلماتها كثيراً، وما زاد ألمي أنها تشرح حال الكثير من الفتيات اليوم. فشرد ذهني عنها قليلاً باحثاً عن السبيل الأيسر في إفهام هذه الفتاة العاشقة أنها على خطرٍ كبيرٍ، وما إن افتقدتْ صوتي الذي بقيَ منتظراً نتائج بحثي، حتى حاولت استنطاقي من جديد. عزيزتي، لا تعرفين كم تُدخِل كلماتُه الرقيقة من بهجةٍ وسرورٍ على قلبي، وكم تحتويني ألفاظه المفعمة بالعشق والغرام، وتحيطني بهالة من الحب والاهتمام، ولعلكِ تعلمين أكثر من سواكِ كم أفتقد لهذه العناصر المهمة في حياتي، بل وتكاد تختفي حتى من قاموس مصطلحاتي.. رفعت كلماتها الشجية من سقف حزني وعطفي عليها، ولكن لا بد للنهي عن المنكر أن يجد موطأ قدمٍ في حديثي إليها، كان مفتاح حديثي معها ما كانت تخشاه منذ زمن ولكنها غفلت عنه على ما يبدو. فسألتها: حقاً عزيزتي، وماذا عن حربكِ التي كانت همكِ الأول؟ هل انتهت سلسلة معاركها لصالحكِ؟ صُدِمت بسؤالي غير المتوقع هذا والذي أعادها فوراً إلى رشدها. فأجابت: يا الله، ماذا دهاني؟ وكيف نسيتها؟ أستغفر الله ربي وأتوب إليه. فاستحسنت إجابتها وشجّعتها على المضي على ذلك... أحسنتِ حبيبتي، كنتِ ولازلتِ ذكية. فأطلقت زفرات صدرها الكسير، التي كادت تحرق مسامعي عبر الأثير، وقاطعتني قائلةً: عن أي ذكاء تتحدثين؟ أجبتها: أنت ذكية ولكن لعلكِ غفلتِ فاستغل الخبيث ذلك، فقلب المؤمن كالقلعة الحصينة الملآى بالذهب والمجوهرات، التي يطمع فيها اللصوص دائماً وأبداً، ولذا لا يغادرها الشيطان اللعين بل يبقى يترقبها عسى أن يجد إليها سبيلاً في كل حين، ولا تقتصر خطورته على شدة مراقبته، بل وقد يجد في نفس المؤمن ميولاً إلى نفس هدفه. السؤال الأهم يا حبيبتي: هل أعانكِ هذا المُحِب في حربكِ؟ قالت: الإجابة أوضح من الشمس في رائعة النهار يا عزيزتي. قطعاً لا. بل أعان عليَّ عدوي، وأفقدني قوتي التي طالما حرصتُ على استجماعها لأقوى على التأقلم مع نمط حياتي، أشكركِ جداً فقد نبهتِني من غفلتي. قلت لها: تمهَلي حبيبتي، معرفة الحق من الباطل ليس هو الفيصل في الجهاد الأكبر، بل لابُدَّ من الإصرار على الحق مهما صَعُبَت الأحوال، والوقوف في وجه الباطل أيّاً كان المآل. وقد يعاود هذا الشيطان اللعين المحاولة لإغوائكِ، وقد يعود المحب إلى معسول كلامه لإغرائكِ، وقد تضعفين فاستعيني بالله (تعالى) وتوسلي بأهل البيت (عليهم السلام)، وتذكري ليست التقوى بما نحمله من شعارات، ولكنها امتحان مُباغِت نُخْتَبَرُ فيه عند الخلوات. واعلمي غاليتي أن قلب من تحبين بين إصبعي من تعصين، فإياكِ لمعصيته تستسلمين، فقد لكلٍ من الدنيا والآخرة تخسرين. عزيزتي تأملي في جزيل الثواب الذي رصده الله (تعالى) لمن كان عفيفاً في عشقه، فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "من عشق فعفَّ ثم مات، مات شهيداً"(1)، وعنه (صلى الله عليه وآله): "من عشقَ فكتمَ وعفَّ فمات فهو شهيدٌ"(2)، وعنه (صلى الله عليه وآله) أيضاً: "من عشق وكتم وعفَّ وصبرَ، غفر الله لهُ وأدخله الجنة "(3)، كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "ما المجاهد الشهيد في سبيل الله بأعظم أجراً ممن قدرَ فعفَّ"(4). وتذكري حبيبتي دائماً أن المُحبَ حقاً هو من يخشى عليكِ العذاب الأليم، ويخاف عليكِ حر نار الجحيم، فيحميكِ من نفسه أولاً، ويُعينكِ على شيطانكِ ثانياً، ويؤثر أن يتحملَ ضرب سيوف العشق، وطعن رماح الشوق، وأن يُسهِّد ليله، ويقضي بالألم نهاره، على أن يُبادر إلى البوح المحرم كلما هاج به الحنين. فالعاشق العفيف يُقوِّي بيقينه جنود رحمانه، ويقوِّض بصبره جنود شيطانه، ليحفظ طهر من يحب وعفافها، ويصون حبه المقدس من أن يُدنَّس، فيخرج من حربه منتصراً، وإلى مسبب الأسباب متقرباً، ومن يدري لعله (تعالى) يكافؤه على عظيم صبره بعظيم الجزاء حيث يجمعهما على حبه في الدنيا وإلا ففي الآخرة. ـــــــــــــــــــــــــــ (1)ــ(4) ميزان الحكمة ج3 ص263

اخرى
منذ سنة
409

الفجــــر الصـــادق

بينما كانت الانتفاضات تنشب هنا و هناك في طول البلاد الاسلامية وعرضها، وبينما كان الطاعون والقحط يضربان مناطق واسعة منها خراسان والعراق، وبينما كان الولاة غرقى في مستنقع الشهوات ، منهمكين بجمع الأموال والثروات ، فيما كان جهازهم الحاكم يبطش دون رحمة و يزهق الأرواح دونما حق ، ويشيع بين الناس حالة من الذل والخنوع ، و أما المنشغلون بالعلوم الإسلامية من فقه وحديث وتفسير فقد كانوا يشغلون أنفسهم عن التعرض للوضع القائم ، ويشغلون الناس عن معاناتهم بإثارة النزاعات الكلامية الفارغة التي لا تمتّ للإسلام بصلة . فكل هذه الظروف الحالكة الظلام ، بالإضافة الى ما روي عن الامام الباقر في حق ولده الامام الصادق (عليهما السلام): " هذا والله ولدي قائم آل بيت محمد صلى الله عليه وآله "(1)، أدى الى أن يظهر الامام الصادق بمظهر الفجر الصادق الذي ينتظره أتباع أهل البيت (عليهم السلام) ليخلصهم من عتمة المصائب و ليل الظلم والنوائب. و لا يقصد الإمام الباقر (عليه السلام) بالقائم هنا قائم آل محمد (عجل الله فرجه) في آخر الزمان، و إنما القائم هنا بمعنى القائم بأمر الله تعالى، أي الذي نصّبه الله تعالى ليقوم بالأمور التكوينية والتشريعية. ولا يعني ذلك أن يكون القيام بالسيف بالضرورة. بل إنه يقوم بالقيام الفكري أو التنظيمي الذي يستهدف مقارعة الظالمين بقطع النظر عن النتيجة.. ولذا كان الإمام الصادق (عليه السلام) في نظر أبيه وفي نظر الشيعة مظهر آمال الإمامة والتشيع؛ لأنه هو من سيجسد مساعي الإمام السجاد والإمام الباقر (عليهما السلام) التي مهّدا لها الظروف والأجواء طيلة مدة إمامتهما. تسلم الإمام الصادق (عليه السلام) مهمة الإمامة، و التي تتفرع الى مهمتين : أولاهما : المهمة الفكرية و التي تتلخص في هدم الانحرافات العقائدية والتشويهات الجاهلة للأحكام الدينية، وبناء الفكر الإسلامي الصحيح الذي جاء في القرآن الكريم و السنة المطهرة. وأما ثانيتهما فالمهمة السياسية والتي تتلخص في التخطيط لإقامة نظام يطبق العدالة الإسلامية، وصيانة هذا النظام في حالة إقامته. وبما إن العملية الفكرية تقضي على الزيف الديني و تُفنِّد المفاهيم المنحرفة التي يبثها وعاظ السلاطين في المجتمع والتي تشكل المستند الذي يستند إليها الجهاز الحاكم في تسلطه و المبرر الذي يشرعن لهم مواصلة ظلمه؛ لذا كانت لها الأولوية.. ولم يدع (سلام الله عليه) المهمة السياسية نهائيا فقد أثبت بعض الباحثين و العلماء أن له (سلام الله عليه) دوراً سياسياً لكن الظروف التي أحاطت به اقتضت التحفظ عليه وسريته. ومن أهم وأبرز معالم مهمته الفكرية (عليه السلام) هي: أولاً : توضيح مسألة الإمامة و الدعوة اليها لأهمية الإمامة في الدين الإسلامي من جهة إذ إنها تمثل أحد أصوله الخمسة، ولما اعتراها من تشكيك في أصلها وفي مفهومها من جهة أخرى فقد شكلت الإمامة أبرز خصائص دعوة الأئمة (عليهم السلام)، منذ السنوات الأولى التي أعقبت رحيل النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وحتى سنوات الغيبة الصغرى لإمامنا (عجل الله فرجه ). وكلمة (الإمامة) تعني في الأصل القيادة بمعناها المطلق، و أما في العرف الإسلامي خلال القرنين الأول والثاني فقد كانت تعني القيادة السياسية: وأما في العرف الخاص بأتباع أهل البيت (عليهم السلام) فتعني بالإضافة إلى القيادة السياسية، القيادة الفكرية والأخلاقية أيضاً. وذلك لأن الامام خليفة النبي (صلى الله عليه و آله) في قيادة الأمة وبما إنه (صلى الله عليه و آله) قد أسندت اليه كل تلك القيادات لذا وجب إسنادها الى خليفته الشرعي المنصوب من قبل الله (تعالى) .. و للإمامة شأن عظيم كما روي عن الامام الرضا (عليه السلام):" هي منزلة الأنبياء، وإرث الأوصياء، إن الإمامة خلافة الله، وخلافة الرسول، ومقام أمير المؤمنين (عليه السلام) وميراث الحسن والحسين (عليه السلام)، إن الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعزّ المؤمنين، إن الإمامة أسّ الإسلام النامي، وفرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة والزّكاة والصيام والحج والجهاد، وتوفير الفيء والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف "(2). و قد تظافرت الروايات الواردة عن الامام الصادق (عليه السلام) في ادعائه الامامة فضلا عن توضيحه لمعناها. فقد روي عنه (عليه السلام):" يا أبا الصباح نحن قوم فرض الله طاعتنا، لنا الأنفال، ولنا صفو المال، ونحن الراسخون في العلم، ونحن المحسودون الذين قال الله في كتابه: أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله "(3) و قد أشار (عليه السلام) في روايته هذه الى نقطة الاختلاف بين المدرسة الامامية وغيرها. ألا وهي الامامة السياسية بل و أكد عليها بقوله:" صفو المال " وهو من غنائم الحرب إلا إنه يتميز عنها بأنه ذو قيمة رفيعة، لذا كان لا يقسم كما تقسم سائر الغنائم بين المجاهدين، كي لا يستأثر به أحد دون آخر. و يبقى لدى الحاكم الإسلامي الشرعي يتصرف به لما يحقق مصلحة عامة المسلمين. وكان غاصبوا الخلافة يستأثرون بهذا المال ويجعلونه مختصاً بهم غصباً. ولذا فإن تصريح الامام (عليه السلام) بأن (صفو المال) يجب أن يكون له، وهكذا الأنفال. إنما هو إعلان نفسه بصراحة حاكماً شرعياً للمسلمين مسؤولاً عن استثمار هذه الأموال وفق ما يراه تحقيقاً لمصلحة الأمة. وهناك الكثير من الروايات التي تثبت دعوته (عليه السلام)الى الامامة و لكننا أعرضنا عنها طلباً للاختصار. ثانياً : بيان الأحكام وتفسير القرآن وفق ما ورثته مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): و لعل أبرز ما يدلنا على ذلك هو تسمية فقه الشيعة باسم (الفقه الجعفري). فقد كان الإمام يدير واحدة من أوسع الحوزات الفقهية في زمانه. ومن أهم ثمار تصديه لتدريس الفكروالفقه الديني بل و حتى سائر العلوم من الطب و الكيمياء،هي: أولا: إثبات عجز من غصب الخلافة عن إدارة الشؤون الفكرية للأمة، وعدم صلاحيته للتصدي لمنصب (الخلافة). ثانياً: تشخيص الإمام (عليه السلام) لموارد التحريف في الفقه والتفسير والفكر المبتنية على أسس مصلحية والقائمة على مداهنة الفقهاء للجهاز الحاكم وتصحيحه لها. ثالثاً: بتصدّيه (سلام الله عليه) لبيان أحكام الفقه الصحيحة والمعارف الإسلامية السليمة، وتفسيره للقرآن بطريقة تختلف عما فسره وعاظ السلاطين فقد شكل عملياً موقفا معارضاً تجاه الجهاز الحاكم. رابعاً: الإمام (عليه السلام) بنشاطه الفكري والفقهي هذا قد ألغى كل الجهاز الديني والفقهي الرسمي الذي يشكل أحد أركان الحكومة الظالمة آنذاك، بل وأفرّغ الجهاز الحاكم من محتواه الديني. و لعل التفات الجهاز الحاكم إلى حساسية هذه المسألة قد دفعهم إلى اتخاذ خطوات للقضاء عليها أهمها: أولاً: إحاطة نشاطات الإمام الصادق (عليه السلام) التعليمية والفقهية بالتهديدات والضغوطات والمضايقات . ثانياً: قيام المنصور بجمع الفقهاء المشهورين في الحجاز والعراق في مقر حكومته كما تدل على ذلك النصوص التاريخية العديدة ليشكل بذلك حلقة فقهية لعلها تضاهي حلقة الامام (عليه السلام) و تجذب المسلمين اليها. ثالثاً: منع المنصور العباسي الإمام الصادق (عليه السلام) زمناً من الجلوس في حلقات التدريس وعن تردّد الناس عليه. كما ورد فيما رواه المفضل بن عمر:" إن المنصور قد كان همّ بقتل أبي عبد الله (عليه السلام) غير مرة، فكان إذا بعث اليه ودعاه ليقتله فإذا نظر إليه هابه ولم يقتله، غير أنه منع الناس عنه ومنعه من القعود للناس، واستقصى عليه أشد الاستقصاء، حتى أنه كان يقع لأحدهم مسألة في دينه في نكاح أو غير ذلك فلا يكون علم ذلك عندهم، ولا يصلون إليه فيعتزل الرجل وأهله، فشّق على شيعته وصعب عليهم.."(4). رابعاً: ولم يكتفِ المنصور بذلك حتى تمادى في طغيانه واغتاله (سلام الله عليه) بعنب مسموم على يد عامله بالمدينة، وذكر بعض أهل السنّة أيضاً موته بالسمّ، كما في «إِسعاف الراغبين» و«نور الأبصار» و«تذكرة الخواص» و«الصواعق المحرقة» وغيرها. نعم ، قد أَفَلَت شمس الإمام الصادق (عليه السلام ) من سماء الدنيا و لمّا يبدّد جور السلاطين، ولمّا تزل المحن عن أتباعه الموالين، إلا إن نور علومه و معارفه قد أطل على هلال المدرسة الامامية و أحاله إلى بدر مكتمل. فإن لم يكن إمامنا فجراً صادقاً يجلو ظلام الجور فهو يقينا فجر صادق أزال ظلام الجهل و نشر في أرجاء مذهبنا النور... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) بحار الانوار ج47 ص13 (2) الكليني و الكافي ج1 ص333 (3) بحار الانوار ج23 ص291 (4) بحار الانوار ج47 ص180

اخرى
منذ سنة
575

من دروس رحلة الحج... الابتلاءُ متاعبٌ محشوةٌ بكراماتٍ

مما لا شك فيه أن رحلة الحج باقةٌٌ من باقات اللطف الإلهي التي يمن الله (تعالى) بها على الحجيج المخلصين، باقة مضمخة بعبير الحب الإلهي الذي دعاهم فلبوا، ملونة بألوان الثواب العظيم الذي به رغبوا، وموصلة إلى قربه ورضاه الذي إليه سعوا وطلبوا، مُفعمة بالعبر والمواعظ والدروس والفوائد التي بها انتفعوا وبسببها في سلم التكامل ارتقوا... كيف لا وهي رحلة اختُصِرت فيها أصول الدين بأسرها، فهي قصدٌ لله الواحد الأحد وبذا يتأصل أصل التوحيد في نفوس الموحدين، ليترسخ بعد ذلك تحت القباب الطاهرة للمسجد النبوي أصل النبوة حيث قبر خاتم الأنبياء والمرسلين (صلى الله عليه وآله) وبلا ريب لا تكتمل هذه الرحلة المباركة إلا بالطواف حول البيت العتيق الذي تشرف بولادة أول الأئمة وسيد الوصيين (عليه السلام)، وبالبياض الذي يكسو الحجيج أجمعهم من سيدهم الى مسودهم يتجلى عدل إله العالمين، وبحشرهم على صعيد واحد تذكير لهم بحشر الناس قاطبة للحساب بين يدي أحكم الحاكمين. ومن بين أهم الدروس والعبر التي يمكن للحجيج الاستفادة منها والاتعاظ بها هي مرحلية الابتلاء وزوال مرارته الحتمي وفي المقابل خلود آثاره الطيبة إن نجح المؤمن في تجاوزه وحلاوته الأبدية، وهو درس عظيم حريٌ بالحاج والحاجة أن يتأملّا به وهما يشهدان تلك الأماكن التي شهدت على نفوس تجرعت الأسى والعذاب الأليم، بقلوب ملؤها الرضا والتسليم، حباً بربهم وخالقهم العظيم، وشوقاً إلى ما وعدهم به من ثوابه الكريم. فها هي ذي مكة المكرمة لم تكن إلا وادياً جافاً لا زرع فيها ولا ماء، ولا إناس فيها بل كانت مجرد أرض وسماء، وبالرغم من كل ذلك فقد سلَم بطل التوحيد نبينا إبراهيم (عليه السلام) لإرادة أحكم الحكماء، وأودع فيها زوجه الطاهرة وفلذة كبده الذي جاءه بعد طول انتظار وعناء، تركهما دونما تردد أو اعتراض وإنما ودعهما بقلب يملؤه الأمل بالله والرجاء، مردداً:"رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40)"(1) وأما هاجر تلك المرأة المؤمنة فلم تكن إلا راضية لأمر الله (تعالى)مسلمة لما نزل بها من قضاء، وقد ودّعت نبي الله (تعالى) حبيب قلبها الذي لا تُطيق أن تُودع أو تُفارَق مثله سائر النساء، ولمَا لم يزل ألم نوى الحبيب الذي أشعل في قلبها النيران، وإذا بفؤادها يتمزق لصوت ولدها العزيز صارخاً: أمّاه أنني ظمآن، فتحيرت تلك السيدة الطاهرة فلا ماء لديها فتُسقيه وقد جفَ لبنها فلا يمكنها أن ترويه إلى أين تذهب؟! ومن أين تأتي له بالماء؟! وحيثما مدت ناظريها لا ترى سوى أرضاً قاحلةً وسماء قد توسطتها شمسٌ حارقة... يا الله، ما أشد هذا البلاء؟؟!! وبينما صرخات طفلها الغالي تغرس في نفسها الألم بيدَ أن قلبها مفعمٌ بالأمل ويعلوه الرجاء، فيصور لها في الجانب المقابل صورة ماء، فتهرول مسرعةً لعلها تجد غايتها وما أن تصبح في مقصدها حتى يصور لها هذه المرة في الجانب الآخر صورة ماء، وبقيت على هذه الحالة حتى تعبت لكثرة السعي بين الصفا والمروة، ولكن الله (تعالى) لم يخيب رجاءها، إذ أنبع ماءً عذباً صافياً من تحت قدميّ ولدها، فيرتوي هو ماءً وترتوي هي سكينةً واطمئناناً بأن معها رباً كريماً لا يخيب رجاء من رجاه ولا يخذل عبداً سعى اليه ودعاه، فيزداد قلبها الطاهر حباً لله، وتزداد قوةً وثباتاً للنجاح في اختبارها الذي إليها اصطفاه.. ولم يمض وقت طويل حتّى تعلم قبيلة (جرهم) البدوية التي كانت قريبة من مكة المكرمة بتوفر الماء فيها، فيرحلوا إليها وشيئاً فشيئاً تأخذ مكّة بالتحضّر. ولم يكن نصيب النبي إبراهيم (عليه السلام) من الابتلاء في مكة المكرمة هو فراق الأهل والأحبة فقط، وإنما كان له فيها اختبار آخر هو أشد ابتلاءاته وأعظمها ابتلاء قال الله (تعالى) في وصفه: "إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106)" (2)، إذ إن الولد البار الذي انتظره لسنوات طوال أضحى غلاماً يستطيع السعي وبذل الجهد مع والده في مختلف اُمور الحياة وهي الثمرة التي ينتظرها كل أبٍ فكيف بالأب الذي طعن في السن؟! أُثلج صدر النبي إبراهيم (عليه السلام) بغلامه الصالح ولكن ذلك لم يدم طويلاً فقد رأى (عليه السلام) ذلك المنام العجيب الخطير، والذي يدلّ على بدء امتحان آخر ولكنه هذه المرة جداً عسير، إذ رأى في المنام أنّ الله (تعالى) يأمره بذبح ابنه الوحيد وقطع رأسه، فنهض من نومه مرعوباً؛ لأنّه يعلم أنّ ما يراه الأنبياء في نومهم هو أمر من الله (تعالى) مرغوباً، هو حقيقة وليس من وساوس الشياطين، ولما تكرّرت رؤيته هذه ليلتين اُخريين أيضاً، علم أن ذلك بمثابة التأكيد على ضرورة تنفيذ الرؤيا. فكّر النبي إبراهيم (عليه السلام) في إعداد ابنه لهذا الأمر، حيث قال: "يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)"(3). ولم يكن رد الولد البار إلا دليلاً على أنه ابن ذلك النبي ذي الشأن العظيم الذي خاض الابتلاءات الواحد تلو الآخر دون تردد أو تلكؤ بل بقلب كله تسليم، لذا كان النبي إسماعيل (عليه السلام) نسخة من أبيه فقد رحّب بالأمر الإلهي مجيباً والده بكل صبر وثبات: "يا أبت إفعل ما تؤمر" بالرغم من عمره الصغير! مشهدٌ حقاً تحار فيه العقول والألباب، فأيهما أصلب موقفاً؟ وأشد قوةً وصبراً؟ وأيهما أعظم كلماتٍ؟ حيث الأب لا يقصد أبداً خداع ولده، ودعاه إلى ساحة الامتحان العسير بكل وضوح كي يشركه في جهاد النفس الكبير، وليستشعر حلاوة لذّة التسليم لأمر الله (تعالى) كما استشعر هو من قبل. وأما ابنه (عليه السلام) فقد رسخ عزم وتصميم والده في تنفيذ الأمر الإلهي مخاطباً إياه بكلمة (يا أبت) ليوضّح أنّ هذه القضيّة لا تقلّل من عاطفة الابن تجاه أبيه ولو بمقدار ذرّة، وأنّ أمر الله (تعالى) هو فوق كلّ شيء، بل وذكر بعض المفسرين أنه ساعد أباه على تنفيذ هذا الأمر الإلهي فطلب من أبيه أن يُحكم من شدّ الحبل كي لا تتحرّك يداه ورجلاه أثناء الذبح، كما طلب منه أن يشحذ السكّين جيّداً، ويمررها بسرعة على رقبته كي يكون تحمّل ألم الذبح سهلاً على كليهما معاً، كما أوصاه بخلع ثوبين من على جسده كي لا يتلوّثا بالدم خشيةَ أن تلحظهما والدته وتفقد عنان صبرها، كما اقترح على أبيه أن يضع جبينه على الأرض عند ذبحه كي لا تلتقي عيناه بعيني ولده العزيز فتهيج عنده عاطفة الأبوة وتمنعه من تنفيذ الأمر الإلهي. اقتربت لحظات التنفيذ، وعندما رأى إبراهيم (عليه السلام) درجة استسلام ولده للأمر الإلهي احتضنه وقبّله، وفي هذه اللحظة بكى الاثنان بكاء عاطفةٍ إنسانيةٍ من جهة، وبكاء شوقٍ لتنفيذ أمر الله (تعالى) من جهةٍ أخرى. عمل النبي إبراهيم (عليه السلام) بكل وصايا ابنه الحبيب ومرّر السكّين بسرعة وقوّة على رقبته، وروحه تعيش حبّ الله (تعالى) الذي غمرها إلاّ أنّ السكّين الحادّة لم تترك أدنى أثر على رقبة إسماعيل اللطيفة، تحيّر النبي إبراهيم (عليه السلام) في أمرها وأعاد الكرة ولكنها كسابقتها لم تؤثر البتة، وأنّى للسكين أن يستجيب لأمر الخليل بالذبح والجليل ينهاها؟! غمرت النبي إبراهيم (عليه السلام) الحيرة التي لم يطل أمدها إذ قطّـّع أوصالها نداء الله (تعالى) إياه:" يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) "(4) فكان جزاء الله (تعالى) لتسليمهما وبكل وجودهما للأمر الإلهي وطاعتهما المطلقة له أن وفقهما للنجاح في الامتحان، وحفظ إسماعيل من أن يُمس بسوء، ورفع درجتيهما، وجعل إبراهيم (عليه السلام) إماماً، وكرَم إسماعيل (عليه السلام) وأمه هاجر فجعل قبريهما بمقربة من بيته الحرام لا يصح طواف الحجيج إلا بإدخالهما ضمنه! وقد ورد في بعض الروايات أنّ جبرئيل كان يهتف (الله أكبر، الله أكبر) اثناء عمليّة الذبح لتعجّبه، فيما هتف إسماعيل (لا إله إلاّ الله، والله أكبر)، ثمّ قال إبراهيم (الله أكبر ولله الحمد)، وهذه العبارات تشبه التكبيرات التي يردّدها الحجيج في يوم عيد الأضحى. وإكمالاً لبرنامج النبي إبراهيم(عليه السلام) وتحقيقاً لأُمنيته في تقديم القربان لله (تعالى)، بعث الله كبشاً كبيراً إلى إبراهيم ليذبحه عوضاً عن إبنه إسماعيل، وأصبحت فيما بعد سنّة وشعيرة من شعائر الله (تعالى) لا يصح الحج من دون النحر في أرض (منى). إنه لدرسٌ عظيمٌ في التسليم لإرادة الله (تعالى)، وفي المضي في مواجهة المصاعب والصبر على النوائب بقلب كله أملٌ به (سبحانه) ورجاء، وهو درسٌ يشجع الصابرين على التمسك بصبرهم عند الضراء ويحث المؤمنين الى عدم الجزع عند حلول البلاء، وينشر في صدورهم الأمل بالله مهما واجهوا من ألم وعناء، لما ختم به من ختام كله فرجٌ وسرورٌ وبهاء، بل وكرامةً ورضاً منه (سبحانه) إله الارض والسماء.. حقاً أن المحن مهما إشتدت، والبلايا مهما قست، تبقى محشوةً بكرامات وهدايا للعبد المبتلى كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام)أنه قال:"أفضل الوصايا و ألزمها أن لا تنسى ربك و أن تذكره دائماً ولا تعصيه وتعبد قاعداً وقائماً ولا تغتر بنعمته واشكره أبداً ولا تخرج من تحت أستار رحمته وعظمته وجلاله فتضل وتقع في ميدان الهلاك وإن مسك البلاء والضراء وأحرقتك نيران المحن واعلم أن بلاياه محشوة بكراماته الأبدية و محنه مورثة رضاه وقربه ولو بعد حين"(5) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إبراهيم 37ــ40 (2)الصافات 106 (3) الصافات 102 (4)الصافات 104و105 (5) مصباح الشريعة ج1 ص70

اخرى
منذ سنة
672

ما الفرق بين وسوسة الشيطان ووسوسة النفس الأمارة؟

لا يمكن التفريق بين أمرين إلا بوضع حدٍ فاصلٍ بينهما، بحيث يميّز وبشكل جلي أحدهما عن الآخر، والحديث عن الفرق بين وسوسة النفس الأمارة بالسوء ووسوسة الشيطان حديث شائك للتشابه الكبير بينهما إلى حد يكاد يصعب معه التفريق بينهما، لاسيما أننا نفتقد إلى الدليل الشرعي الذي يتناول كيفيتهما بالتفصيل، ويرشدنا إلى الاختلاف بينهما على وجه الدقة.. ولكن إجمالاً يمكن القول: بأن وسوسة الشيطان للإنسان تكون إما بتقمصه صفة الناصح والمحبّ ويُعبَّر عنها حينئذٍ بـ(وسوس له) كما في وسوسته لأبينا آدم (عليه السلام) في قوله (تعالى):" فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ"(1) ، وإما أن تكون وسوسته عبارة عن مجرّد النفوذ والتسلّل الخفيّ إِلى قلب الانسان، ويعبر عنها حينئذٍ بــ(وسوس إِليه)(2). وأما النفس الأمارة بالسوء فتكون وسوستها بإظهار الأمر القبيح حسناً، إما بتزيينه أو يكون ذلك بعد أن يذنب الإِنسان، ويتمادى في سلوك طريق الإثم والعصيان، الذي يفقده شيئاً فشيئاً نقاوة فطرته وما أن يواصل ذلك حتى تُطمر ويفقد حينها القدرة على تمييز الصالح من الطالح، فتبدو له سيئاته وكأنّها أمر حسن، يمكن أن تصل إلى درجةٍ تُريه ما كان جرماً واضحاً خياراً راجحاً، كما حدث مع أخوة نبي الله يوسف (عليه السلام) الذين قاموا تجاهه بتلك الجريمة النكراء، حيث ألقوه في قاع الجبّ، وهو ذلك الصغير الوديع المتفرد في جماله وحسنه، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، فأشار أبوهم يعقوب (عليه السلام) الى السبب الذي دعاهم إلى ذلك وهو وسوسة أنفسهم الأمارة بالسوء حيث: "قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ"(3). وقيل(4) في الفرق بينهما: إن النفس الأمارة بالسوء لا توسوس للإنسان ولا تدفعه إلى ارتكاب المعاصي سوى تلك المعاصي التي تلبي رغباتها وتشبع شهواتها، ولذا تلحُّ عليها دونما سواها من المعاصي، على حين أن الشيطان لا يأبه لذلك، وإنما جُلّ همه أن يعصي الانسان وحسب أيّاً ما كانت تلك المعصية؛ ولذا فإن الشيطان يوسوس للإنسان في معاصي شتى، وما أن يجد باب معصيةٍ أغلِقَ في وجهه حتى يأتى الانسان من بابٍ آخر.. ولكن هذا الرأي وإن كان قد يبدو مقبولاً لأول وهلة إلا أنه وبالقليل من التأمل فيه تتضح عدم دقته، بل يكاد أن يزول الفارق بينهما ويضمحل الفاصل الذي يحدهما؛ وذلك لأن الشيطان غالباً ما لا يأتي قلعة النفس البشرية إلا من الأبواب المفتوحة أو التي يجد فيها ضعفاً، ومن النواحي غير المحروسة أو التي يلمس فيها وهناً، فمن كان محافظاً على أداء الصلاة في أوقاتها كل الحفاظ مثلاً لا يأتيه من هذا الباب، بل قد يأتيه من باب الرشوة وأكل المال الحرام، ومن كان من هذه الناحية ورعاً كل الورع قد يأتيه من باب آخر كالاستماع إلى الغناء أو النظر المحرم وهكذا.. وبالتالي فهو غالباً لا يأتي الانسان إلا من السبل التي يجد أن نفسه تميل إليها، ومن الرغبات التي تشتاق إلى تلبيتها، ومن الشهوات التي تجنح إلى إشباعها. وبالإضافة إلى الفارق بين وسوسة النفس الأمارة بالسوء ووسوسة الشيطان في الكيفية أعلاه، يمكن أن نستشف من بعض النصوص الدينية فروقاً أخرى أهمها: أولاً: وسوسة النفس الأمارة بالسوء أقوى تأثيراً وأشد خطورةً على الانسان من وسوسة الشيطان؛ ولذا قدّم أهل البيت (عليهم السلام) ضرورة جهادها على ضرورة جهاد الشيطان في بعض الأدعية كما في دعاء الصباح: "وَإِنْ خَذَلَنِي نَصْرُكَ عِنْدَ مُحارَبَةِ النَّفْسِ وَالشَّيْطانِ، فَقَدْ وَكَلَنِي خِذْلانُكَ إِلى حَيْثُ النَّصَبِ وَالحِرْمانِ"، وكذلك في دعاء يوم الثلاثاء المروي عن الامام السجاد(عليه السلام):"بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الحَمْدُ للهِ وَالحَمْدُ حَقُّهُ كَما يَسْتِحِقُّهُ حَمْداً كَثِيراً، وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ شَرِّ نَفْسِي؛ إِنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي، وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ شَرِّ الشَّيْطانِ الَّذِي يَزِيدُنِي ذَنْباً إِلى ذَنْبِي". وأما الشيطان فهو أقل خطورةً منها بدليل قوله (تعالى):"إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا"(5). ثانياً: قد يكرم الله (تعالى) المؤمنين بأن يغل الشياطين تسهيلاً لهم لأداء الطاعات كما في شهر رمضان المبارك حيث ورد في خطبة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) في شهر رمضان الكريم: "والشياطين مغلولة فاسألوا ربكم أن لا يسلطها عليكم"(6). وأما النفس الأمارة بالسوء فلا تُغل ولا تُصفد إلا إذا جاهدها الانسان بنفسه وعمل على ترويضها وتزكيتها بمعونة الله (تعالى). ثالثاً: تُدفع وسوسة النفس بترويضها وتزكيتها وتهذيبها، أما وسوسة الشيطان فبالإضافة إلى ذلك لابد من الاستعاذة وكثرة الذكر بالقلب واللسان، قال (تعالى):«ان الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون‏»(7). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الأعراف آية (20) (2) أنظر التفسير الأمثل ج4 ص595 (3) يوسف آية (18) (4) كما نقل عن الغزالي (5) النساء آية (76) (6) وسائل الشيعة ج1 ص315 (7) الأعراف آية (201) رضا الله غايتي

اخرى
منذ 10 أشهر
1884

خيرة النساء وظلم التاريخ (2)

الظلامة الثانية: حديث الأزواج بالرغم من أن الدين الإسلامي يُبيح للمرأة الزواج بزوجٍ آخر بعد وفاة زوجها أو طلاقها منه، وهذا أمرٌ واردٌ كثيراً في المجتمع الإسلامي لاسيما في صدر الإسلام، إلا أن تكرر ذلك كثيراً من امرأةٍ ما وبلوغ عدد الأزواج خارج الحد المألوف قد يشكل نوعاً من الانتقاص إليها وإلى عائلتها عرفاً. وهذا ما حصل مع عائشة بنت طلحة بن عبيد الله التي اشتهرت بتعدد الأزواج فلم يكن من بعض الحاسدين للبيت العلوي إلا أن نسبوا ما اشتهرت به عائشة إلى السيدة سكينة (سلام الله عليها) محاولةً منهم في الإساءة إلى البيت العلوي والانتقاص من شأنه والحط من رفعته. وقد وضعوا لتعداد أزواج السيدة سكينة (عليها السلام) عدة قوائم ظلماً وزوراً، ذكر منها السيد محمد علي الحلو أربع قوائم كلها تعود إلى راوٍ واحد وهو الزبير بن بكار عن عمه مصعب الزبيري وهما معروفان بكذبهما وضعفهما وانحرافهما عن العترة الطاهرة (صلوات الله عليهم)، وبالتالي فهي روايات ساقطة عن الاعتبار سنداً. وأما متناً فيتضح التهافت بينها جلياً، واضطراب الرواة وتضاربهم في افتعال هذه الأكذوبة، لكننا نعرض عنها روماً للاختصار محاولين الاقتصار على ذكر أسماء الأزواج فقط ليتسنى لنا مناقشتها تباعاً: 1ـ مصعب بن الزبير ، وقد ورد اسمه في القوائم الأربع (رواية الإصفهاني وابن سعد وابن خلكان وسبط ابن الجوزي). 2ـ عبدالله بن عثمان بن عبدالله بن حكيم بن حزام ، وقد ورد اسمه في القوائم الأربع أيضاً. 3ـ الأصبغ بن عبدالعزيز بن مروان ، كما في رواية ابن سعد ، أما الإصفهاني وابن خلكان وسبط ابن الجوزي فقالوا: لم يدخل بها . 4ـ زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان ، فهو برواية الإصفهاني وابن سعد وابن خلكان ، أما سبط ابن الجوزي فلم يذكره . 5ـ إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف ، لم يذكره غير الإصفهاني وابن سعد ، واتفقا أنه لم يدخل بها ، ولم يذكره ابن خلكان وسبط ابن الجوزي . 6ـ أما عبدالله بن الحسن بن علي ، فهو حسب رواية الإصفهاني فقط . ومن الواضح جداً أن واضع هذه الحادثة ومفتعلها قد اختار وبعناية فائقة الأشخاص الذين ادعى أنهم تزوجوا هذه السيدة الجليلة إذ إنهم جميعاً ممن ينصب العداء لأهل البيت (عليهم السلام)، فهم إما زبيريون أو أمويون أو مروانيون. وهذا الاختيار لم يأتِ اعتباطاً ولم يحدث صدفةً بل جاء لأغراض مقصودة ولأهداف منشودة سعى لتحقيقها وهي: الهدف السياسي: المتمثل بالتقليل من البون الشاسع بين كل من التوجهات السياسية الأموية والزبيرية والمروانية وبين توجه أهل البيت (عليهم السلام). الهدف الأيديولوجي: المتمثل بمحاولة تحسين الأيديولوجية الزبيرية والأموية والمروانية وإضفاء لمسة من الشرعية عليها؛ وذلك لأن الأطراف المختلفة خلافاً فكرياً عميقاً من البعيد إن لم يكن من المحال أن تتصاهر. محاولة التعتيم على الجرائم التي ارتكبها الأمويون والزبيريون والمروانيون بحق أهل البيت (عليهم السلام) بهذه المصاهرة المفتعلة بين الطرفين. وقد شهد التأريخ الاسلامي افتعال حوادث أخرى من قبل بعض المغرضين (عليهم السلام) والتشبث بها محاولةً منهم في تحقيق نفس الأهداف المذكورة آنفاً كافتعال حادثة زواج عمر بن الخطاب من أم كلثوم بنت أمير المؤمنين (عليهما السلام). ثانياً: الأزواج كما تقدم كلهم من أعداء أهل البيت (عليهم السلام)، أ فهل يُعقل أن يزوج الامام السجاد (عليه السلام) أخته الطاهرة بهكذا شخصيات نصبت العداء لأهل البيت (عليهم السلام)؟! أم هل انقرضت الرجال من على وجه الأرض ولم يبقَ إلا هؤلاء؟! ثالثاً: عند مناقشة كل شخصية من هذه الشخصيات، ترتسم علامة استفهام كبيرة إلى جانب علامة تعجب أكبر، لا سيما عند التأمل قليلاً بشخصية مصعب بن الزبير، أ فهل يُعقل ان يرضى الإمام السجاد (عليه السلام) بمصاهرة هذا الذي بلغ من عدائه لأهل البيت وحقده عليهم ان ضم قتلة الإمام الحسين (عليه السلام) إليه بل ونصبهم قادة لجيشه. كما جاء في الطبري (أن مصعب بن الزبير استقطب قتلة الحسين عليه السلام وأهل بيته، وجعلهم قادة جيشه؛ لإحباط محاولات المختار بن أبي عبيد الثقفي ، الذي تصدى لملاحقة قتلة الحسين وأهل بيته عليهم السلام )(2) كما طالت قائمة انتهاكاته بحق أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم، حتى أُغرق نفسه بدماء المطالبين بدم الامام الحسين (عليه السلام)، قال المسعودي: (فكان جملة من أدركه الإحصاء ممن قتله مصعب مع المختار سبعة آلاف رجل، كل هؤلاء طالبون بدم الحسين وقتلة أعدائه، فقتلهم مصعب وسماهم الخشبية، وتتبع مصعب الشيعة بالقتل بالكوفة وغيرها)(3)؟! ثم أولم يعلم (سلام الله عليه) بأن مصاهرته تعني بلا شك توافقاً سياسياً مع نهجه وتأييداً شرعياً له؟! فإن قيل: إن الزواج قد تم قهراً. قلنا: إن عبد الله بن الزبير لم يُحكِم سيطرته على المدينة بعد ليتمكن أخوه مصعب من قهر بني هاشم على الزواج من آمنة، فالهاشميون رفضوا البيعة لعبدالله بن الزبير، ولم يتمكن من إكراههم على ذلك فكيف يمكنه إكراههم على الزواج بعقيلتهم؟! ومن الملاحظ أن اسم مصعب بن الزبير قد تكرر في القوائم الأربعة مما يدل على حرص من افتعل مسألة تعدد أزواج السيدة الجليلة وتأكيده على وقوع هذا الزواج لما له من أثر سياسي كبير يحقق مصلحة الزبيريين. وبالرغم من ذلك التأكيد فإن الغربال يعجز عن أن يحجب ضوء الشمس، إذ لم يثبت زواج السيدة سكينة بنت الحسين (عليهما السلام) من مصعب لضعف الرواية أولاً وللقرائن الدالة على نفي ذلك ثانياً. وأما عبدالله بن عثمان ابن حزام فهو الآخر قد تكرر اسمه في القوائم الأربعة ولا غرابة في ذلك فإن أم عبد الله تكون رملة بنت الزبير بن العوام، مما دفع خؤولته الزبيريون الى التأكيد على وقوع هذا الزواج للمصلحة السياسية كما أسلفنا.. ومما يثير الشك في وقوع هذا الزواج من السيدة بنت الامام الحسين (عليه السلام) ، ما رواه أبو منصور البغدادي، عن المدائني، عن مجالد، عن الشعبي: أن سكينة نشزت على زوجها عبدالله ابن عثمان ابن حزام فشكتها أمه رملة بنت الزبير بن العوام إلى عبدالملك(4). ومن المعلوم أن المرأة عندما تنشز تُشكى الى ولي أمرها، فإذا صحت هذه الرواية فقد يكون المراد من (سكينة) امرأة تحمل هذا الاسم إلا أنها ليست بنت الامام الحسين (عليه السلام). وبالتالي لم يثبت زواجها من عبدالله بن عثمان ابن حزام أيضا لضعف الرواية سنداً ولعدم تمامية دلالتها . وأما الأصبغ بن عبدالعزيز بن مروان، فلا يمكن قبول خبر زواجه بها؛ وذلك لأن الأصبغ بن عبدالعزيز كان والياً لعبد الملك بن مروان في مصر، والسيدة آمنة بنت الحسين بقيت مقيمة في المدينة ولم تغادرها أبداً، فكيف يتسنى لهذا المرواني من زواجها؟ بل وإن قيل بعدم دخوله بها، فكيف ومتى وقع عقد الزواج؟ وأما زيد بن عمرو بن عثمان وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف فقد روي عنهما حدثٌ يشتركان به كلاهما وهو تفريق والي عبد الملك بن مروان بينهما وبين سكينة (5). فقد روي عن ابن سعد أنه قال: "فخلف عليها إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري كانت ولته نفسها، فتزوجها، فأقامت معه ثلاثة أشهر، فكتب هشام ابن عبدالملك إلى واليه بالمدينة أن فرق بينهما ففرق بينهما..."(6). كما روي عن ابن خلكان: "تزوجها زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان، فأمره سليمان بن عبد الملك بطلاقها ففعل..."(7). ومن الواضح للقارئ الكريم أن هذين النصين يفتقران إلى الواقعية من جهاتٍ عديدة: الأول: اشتراك كلا الشخصين في حدث واحد. الثاني: ما السبب الذي دفع كلاً من هشام بن عبدالملك وسليمان بن عبدالملك أن يأمرا إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف وعمرو بن عثمان بطلاق السيدة «آمنة» سكينة بنت الحسين؟ الثالث: من البعيد جداً إن لم يكن من المحال أن تولّي السيدة سكينة (عليها السلام) أمر نفسها إلى إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف ويتزوجها بناءً على هذه الولاية. إذ أين كان أولياء أمورها وهم خير الأولياء الإمام السجاد (عليه السلام)، ومن بعد استشهاده ولده الإمام الباقر(عليه السلام) حتى تولي أمر نفسها من يخالف أهل البيت (عليهم لسلام) في الفكر والرأي والموقف؟! لكل هذه التساؤلات التي يعجز التاريخ عن الإجابة عنها إجابة منطقية وافية، ولوجود قرائن يطول المقام بذكرها قد ذكرتها كتب التأريخ لا يمكن القبول بخبري زواجها (عليها السلام) من كلٍ من إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف وزيد بن عمرو بن عثمان. مما ذكر تُفتضح الأكذوبة التي جهدوا في إلصاقها بهذه السيدة الجليلة، مما يتضح أنها (سلام الله عليها) لم تتزوج إلا من عبدالله بن الحسن السبط الذي استشهد في واقعة الطف، ولم تتزوج بعده حتى ماتت (عليها أزكى التحية والسلام). وهكذا يحبط الله (تعالى) محاولات الظالمين الذين أرادوا تشويه تاريخ أهل البيت عليهم السلام، وتبقى شمس نورهم لا تحجبها سحب حقدهم مهما تزايد وتمدد، لأن الله وعد في كتابه يستحيل أن يأفل ويتبدد، كيف لا وهو القائل(عز من قائل):"يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32)"(8). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) للمزيد من التفصيل نحيل القارئ الكريم إلى كتاب عقيلة قريش آمنة بنت الحسين عليهما السلام الملقبة بسكينة، تأليف السيد محمد علي بن يحيى الحلو ص96 وما بعدها.. (2) الأغاني 161:16 (3) الطبقات الكبرى لابن سعد 475:8 في قسم النساء اللواتي لم يروين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وروين عن أزواجه وغيرهن. (4) وفيات الأعيان 394:2رقم 268(5)تذكرة الخواص سبط ابن الجوزي : 249 (6) أنظر تاريخ الطبري ج6 ص52 (7) مروج الذهب ج3 ص113 (8) التوبة 32 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 10 أشهر
352

شبهة أن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) يُذنب بنص القرآن الكريم

كانت ولازالت الشبهات تلو الشبهات تُثار حول خاتم الرسل والأنبياء (صلى الله عليه وآله) ولأسبابٍ مختلفة ودوافع متعددة، ومن جملة تلك الشبهات دعوى بعض المغرضين: (أن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ــ والعياذ بالله ــ يرتكب الذنوب ويقترف المعاصي بشهادة القرآن الكريم)، تشبثاً منهم بفهمهم الخاطئ لبعض الآيات المباركة، وجموداً منهم على ظاهر ألفاظها دون محاولة فهم مغزاها ومعناها، منها قوله (تعالى):" إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا" (1) وللرد على هذه الشبهة لا بد من توضيح مقدمة هامة مفادها: أن الله (تعالى) عندما يُرسل رسولاً ما إلى الناس، فإن الغرض من ذلك بلا أدنى شك هو إيصال تلك الرسالة إليهم لغرض انقيادهم الى توحيد وطاعة رب الارض والسموات، وامتثالهم لكل ما يرد فيها من أحكام وتشريعات، وذلك ما لا يمكن ان يتحقق مطلقاً فيما لو عُرفَ عن هذا الرسول ولو لمرة واحدة أنه ارتكب معصيةً أو قارف ذنباً أو صدرت منه خطيئة؛ لأن كل ذلك من شأنه أن يتسبب في سقوط محله من قلوب الناس ونفورهم منه وبالتالي عدم الوثوق به أو الاطمئنان إليه أو الانقياد إلى أفعاله أو التصديق بأقواله. وعليه لابد أن يكون الرسول معصوماً من الخطأ والنسيان فضلاً عن الخطيئة والعصيان. إذا اتضحت هذه المقدمة البسيطة، يتضح أيضاً أن لا بد أن يكون للذنب الذي أسنده الله (تعالى) إلى رسوله (عليه وآله أفضل التحايا وأزكى السلام) معنىً آخر سوى معصية الخالق (جل شانه)، ومن هنا يمكن الرد على هذه الشبهة من وجهين: الوجه الأول: للذنب مراتب متباينة تتعدد تبعاً لتعدد أحوال الأشخاص ومقاماتهم، فمنها ما يكون مخالفةً للأحكام الشرعية ويُعدُّ حينئذٍ جُرماً ومعصيةً لله (تعالى) وهو المعنى الأوضح والأجلى، ومنها ما لا يكون كذلك، ولذا لا يمكن أن يعدُّ جرماً ومعصيةً كما في ترك الأولى؛ ولذا قيل: "حسنات الأبرار سيئات المقربين". إذ ربَّ طاعةٍ يُسر الأبرار بالإتيان بها كنوم الصائم في شهر رمضان المبارك مثلاً، فيما قد يعدُّها المقربون ذاتها معصيةً في حق الحبيب (جل جلاله) لتضمنها غفلةً عنه (سبحانه). ولا يقتصر هذا الأمر على علاقة الانسان بربه، بل هو واردٌ كثيراً حتى في العلاقات المتعارفة بين الناس، ولعل من أرقاها علاقة السيدة الرباب (رضوان الله عليها) بالإمام الحسين (عليه السلام)، فقد ورد أنها «[أقامت] المأتم عليه وبكت النساء معها حتى جفت دموعها. ولما أعلمتها بعض جواريها بأن السويق يسيل الدمعة أمرت أن يصنع السويق، وقالت: إنها تريد أن تقوى على البكاء، وقد خطبها بعد الحسين الأشراف، فأبت وقالت: ما كنت لأتخذ حماً ـ أي أقارب الزوج ـ وهكذا بقيت الرباب سنة بعد الحسين لم يظلها سقف بيت حتى بليت وماتت »(2) فعلى الرغم من أن انقطاع الأرملة عن البكاء على زوجها المتوفى مهما كان عزيزاً والزواج بعده والاستظلال تحت سقف البيت ليس من الأمور المحرمة شرعاً ولكن الرباب (رضوان الله عليها) عدّتها ذنوباً لا يحسن الإتيان بها، ومن هنا قيل: أن للعقل أحكاماً وللحب أحكاماً. وعليه يكون الذنب الذي أسنده الله (تعالى) إلى حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وآله) ليس ذنباً بمعنى الجرم والمعصية لا في ساحة الشرع ولا القضاء، وإنما هو بمعنى آخر، وهذا المعنى هو المراد من قوله (عليه وآله الصلاة والسلام):"لَيُرَانُ ـ أو لَيُغَانُ ـ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ الله فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً"(3)، وهذا الرَّين ـ أي الغبرة ـ هو الاشتغال بما هو في نظره (صلى الله عليه وآله) معصيةً بحق المحبوب (تعالى) من قبيل الانشغال الاضطراري بأمور الدنيا ولو كان يسيراً. كما ورد عن الإمام أبي عبد الله (عليه السلام):"أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان لا يقوم من مجلس وإن خف حتى يستغفر الله عز وجل خمسا وعشرين مرة"(4). وبالتالي (لا تتنافى هذه الآية الشريفة مع المقامات المعنوية من العصمة بل تؤكدها؛ لأن من لوازم السلوك الروحاني واجتياز المدارج والوصول إلى أوج الكمال الإنساني، هو غفران الذنوب. لأن كل موجود في هذا العالم نتاج هذه النشأة المُلكية والمادة الجسمية، وله كافة الشؤونات المُلكية الحيوانية والبشرية والإنسانية المتوفرة بعضها بالفعل وبعضها بالقوة. فإذا أراد السفر من هذا العالم إلى عالم آخر، ومنه إلى مقام القرب المطلق، لا بد من اجتياز هذه المدارج، والعبور من المنازل الواقعة في الطريق، وعندما يصل إلى مرتبة، تغفر له ذنوب المرتبة السابقة وهكذا حتى تغفر له جميع الذنوب في ظل التجليات الذاتية الأحدية، ويستتر الذنب الوجودي الذي هو منشأ كافة الذنوب في ظل الكبرياء الأحدي. وهذه هي غاية عروج كمال الموجود. ويحدث في هذا المقام الموت والفناء التام)(5) وبالرغم من أن هذا الوجه من الرد قد يكون مناسباً جداً للرد على شبهة نسبة الذنب اليه (صلى الله عليه وآله) بيدَ أنه قد لا يتفق تماماً للرد على الفهم الخاطئ للآية محل البحث؛ وذلك لعدم تقديمه تفسيراً للعلاقة السببية بين الفتح (أي فتح قلاع وحصون خيبر أو فتح بلد مكة المكرمة أو المصالحة والمهادنة مع قريش على اختلاف التفاسير) وبين ترتب غفران ذنبه (صلى الله عليه وآله) في الآية الكريمة؛ لأن جملة: "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ" جملة شرطية وجزائية، لابد من أن تكون هناك رابطة عقلية أو اعتيادية تربط بينهما بحيث تكون إحداهما علة وسبباً لوقوع الأخرى، ولذا قد يكون الوجه الثاني هو الأسلم والأوفق.. الوجه الثاني: من المعلوم أنه ما من مذهب حق يظهر في عالم الوجود يدعو إلى الحق والعدل وتحكيم المنطق والعقل وهدم أصول الظلم وإماتة الخرافات حتى يتعرض إلى عدة محاولات لطمس دعوته واطفاء نوره من قبل كل من تتعرض مصالحه الشخصية بسببه الى الخطر، منها محاولة إغراء الداعي إليه للعدول عن دعواهم، فإن لم تفلح، عمدوا إلى محاولة تصفيته الجسدية، فإن أخفقوا في ذلك أيضاً شرعوا باغتيال شخصيته الفكرية. وهذا بالضبط ما حدث مع الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) فقد حاولت قريش إغراءه، ولما لم تفلح حاولت قتله في عقر داره، ولم تفلح أيضاً فلم يتبقَ لديها إلا محاولة بث الشائعات ضده (صلى الله عليه وآله) حتى اتهموه بأنه طالبٌ للحرب، محبٌ للقتال، متعطش لسفك الدماء، مثيرٌ لنار الفتنة معتدٌّ بنفسه لا يؤمن بمبدأ الحوار ولا يقبل التفاهم وما إلى ذلك! لا سيما بعد استقراره في يثرب ودخوله في معارك طاحنة مع قريش افقدتها أشجع شجعانها. ولذا اشتد في نظرهم ذنب الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) في حقهم، فبعد إن لم يكونوا ليستسيغوا مجرد دعوته ورسالته ورفعوا شكواهم ضده إلى عمه قائلين: "إنّ ابن أخيك قد سبَّ آلهتنا وعاب ديننا وسفّه أحلامَنا وضلل آباءَنا"(6) فكيف تراهم يرون ذنبه في حقهم بعد أن قتل صناديدهم؟! فمما لا شك فيه أن قريش كانت تراه على ذنب عظيم وجرم جسيم لذا أخذت تصوره للناس بحسب تصورها الخاطئ .. فكان حينئذٍ لا بد من واقعة كبيرة ومهمة تستقطب الأنظار؛ لتبرئ ساحته المقدسة (صلى الله عليه وآله) مما أتهمه به المشركون الأشرار، لتظهر لهم حقيقته الملكوتية الراقية، وأخلاقه الملائكية الرفيعة، فكانت واقعة صلح الحديبية، حيث انكشف زيف كل تلك الاتهامات وكذب كل تلك الإشاعات، وأنّ مذهبه على خلاف ما زعم أعداؤه، إذ (تصالح مع قومه الذين قصدوا الفتك به وقتله في داره وأخرجوه من موطنه ومهاده بعطف ومرونة خاصة حتى أثار الحضّار من أصحابه ومخالفيه. وهذا العطف الذي أبداه النبي (صلى الله عليه وآله) في هذه الواقعة مع كونه من القدرة بمكان، وقريش في حالة الانحلال والضعف، صوّر النبي (صلى الله عليه وآله) عند قومه وأتباعه صورة إنسان مصلح يحب قومه ويطلب صلاحهم ولا تروقه الحب والدمار والجدال فوقفوا على حقيقة الحال وعضّوا الأنامل على ما افتعلوا عليه من النِسَب وندموا على ما فعلوا فصاروا يميلون الى الاسلام زرافات ووحدانا)(7) وقد ورد هذا التفسير عن الإمام الرضا (عليه السلام)، فقد روي عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الجَهْمِ قالَ: حَضَرْتُ مَجْلِسَ المَأَمُونِ وَعِنْدَهُ الرِّضَا عليه السّلام فَقَالَ لَهُ المَأَمُونُ: يَا ابْنَ رَسُولِ الله أَلَيْسَ مِنْ قَوْلِكَ أَنَّ الأَنْبِياءَ مَعْصُومُونَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِ الله: لِيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ الرِّضا عليه السّلام: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ عِنْدَ مُشْرِكِي مَكَّةَ أَعْظَمَ ذَنْباً مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدونَ مِنْ دُونِ الله ثَلاَثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ صَنَماً، فَلَمّا جَاءَهُمْ صلّى الله عليه وآله بِالدَّعْوَةِ إِلَى كَلِمَةِ الإِخْلاَصِ كَبُرَ ذلِكَ عَلَيْهِمْ وَعَظُمَ وَقَالُوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ، وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنْ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ، مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ}(8) فَلَمَّا فَتَحَ الله تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ صلّى الله عليه وآله قَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) عِنْدَ مُشْرِكِي أَهْلِ َمَّكَةَ ِبدَعاِئَكَ إِلَى تَوْحيِدِ الله فِيمَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ؛ لأَنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ أَسْلَمَ بَعْضُهُمْ، وَخَرَجَ بَعْضُهُمْ عَنْ مَكَّةَ؛ وَمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ لَم يَقْدِرْ عَلَى إِنْكَارِ التَّوْحِيدِ عَلَيْهِ إِذَا دَعَا النَّاسَ إِلَيْهِ. فَصَارَ ذَنْبُهُ عِنْدَهُمْ فِي ذلِكَ مَغْفُوراً بِظُهُورِهِ عَلَيْهُمْ. فَقَالَ المَأمُونُ: لِلَّهِ دَرُّكَ يَا أَبَا الحَسَنِ (9). وأما نسبة الله (تعالى) غفران الذنوب اليه فلأنه (جل جلاله) هو الذي جعل هذا الفتح من نصيبه (صلى الله عليه وآله)، ومن هنا أمكن أن يقال أن الله غفر للنبي (صلى الله عليه وآله) ذنوبه جميعاً؛ ولهذا كان ذلك الصلح فتحاً مبيناً. __________ (1) الفتح 1و2 (2) سكينة بنت الحسين للدكتورة بنت الشاطئ ص68 (3) صحيح مسلم، كتاب الذكر، ص41. وفي الحديث 22 من كتاب أربعين الشيخ البهائي " مَاءة مرة ". (4) الكافي ج2 ص691 (5) الأربعون حديثا ص378 (6) السيرة النبوية لإبن هشام ص285 (7) مفاهيم القرآن ج5 ص254و255 (8) ص 5 ـ 7 (9) مسند الإمام الرضا ج3 ص134 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 10 أشهر
657