تشغيل الوضع الليلي

المُحِب الحقيقي

منذ سنة عدد المشاهدات : 524

شهباء... فتاة تعيش في بيئة صحراوية بمعنى الكلمة، حيث تلسعها كل يوم رمال الألفاظ القاسية، وتلفحها أشعة الإهانة والتحقير الحامية، وتعصف بها رياح الجفاف في التعامل من أكثر من ناحية، أثّر حالها فيَّ كثيراً ولطالما ذرفت لأجلها الدموع، وتحرّق فؤادي لوضعها السيء حسرةً وألماً، وذات يوم استقبلتُ منها اتصالاً خفق قلبي له فرحاً، لا شوقاً لسماع صوتها فحسب، وإنما ولما اكتنف ذلك الصوت من نبرات فرح وسرور أيضاً...
وبعد التحية والسلام والاطمئنان على الحال، بادرتها بالسؤال، عن سرِّ صوتها المفعم بالفرح والجمال، أجابت بنبرة ملؤها الأمل والتفاؤل: وأخيراً يا عزيزتي وجدتُ من بين الركام الذي لطالما سدَ طريقي نحو السعادة مخرجاً، هو مخرجٌ لطالما تمناه فؤادي وذابت نفسي على فقده حسرةً، إنه الحب يا أختاه...
فقد أحيا بنسائم كلماته العذبة ما ماتَ في داخلي من مشاعر، وأنا على يقين بأنه سيُحيل صحراء حياتي إلى ربيع دائم. نعم، سيفعل ذلك حتماً...
فها أنا ذا منذ الآن ألمس الطراوة التي بدأت تمتد في أغصاني المتيبسة، وها هي الألوان الزاهية التي شرعت تنتشر لأزهار عواطفي المتجمدة، قريباً ستكون حياتي جنة من جنان الله (تعالى) على الأرض، أحمده على ذلك حمداً كثيراً...
سألتُها إذن تمَ عقد قرانكِ ولم يتبقَ إلا الزواج قريباً يا عزيزتي؟
أجابت على خجل: لا، لم نفعل ذلك بعد!
استغربتُ كثيراً: حبيبتي وكيف تسمحين له بأن يحدثكِ عن مشاعره ولمّا يربطكما رباط شرعي بعد؟
أجابت بصوت منكسر: أعلم يا عزيزتي بحرمة ذلك، ولكن ظروفي القاسية هي التي دفعتني إلى ذلك.
آلمتني كلماتها كثيراً، وما زاد ألمي أنها تشرح حال الكثير من الفتيات اليوم.
فشرد ذهني عنها قليلاً باحثاً عن السبيل الأيسر في إفهام هذه الفتاة العاشقة أنها على خطرٍ كبيرٍ، وما إن افتقدتْ صوتي الذي بقيَ منتظراً نتائج بحثي، حتى حاولت استنطاقي من جديد.
عزيزتي، لا تعرفين كم تُدخِل كلماتُه الرقيقة من بهجةٍ وسرورٍ على قلبي، وكم تحتويني ألفاظه المفعمة بالعشق والغرام، وتحيطني بهالة من الحب والاهتمام، ولعلكِ تعلمين أكثر من سواكِ كم أفتقد لهذه العناصر المهمة في حياتي، بل وتكاد تختفي حتى من قاموس مصطلحاتي..
رفعت كلماتها الشجية من سقف حزني وعطفي عليها، ولكن لا بد للنهي عن المنكر أن يجد موطأ قدمٍ في حديثي إليها، كان مفتاح حديثي معها ما كانت تخشاه منذ زمن ولكنها غفلت عنه على ما يبدو.
فسألتها: حقاً عزيزتي، وماذا عن حربكِ التي كانت همكِ الأول؟ هل انتهت سلسلة معاركها لصالحكِ؟
صُدِمت بسؤالي غير المتوقع هذا والذي أعادها فوراً إلى رشدها.
فأجابت: يا الله، ماذا دهاني؟ وكيف نسيتها؟ أستغفر الله ربي وأتوب إليه.
فاستحسنت إجابتها وشجّعتها على المضي على ذلك...
أحسنتِ حبيبتي، كنتِ ولازلتِ ذكية.
فأطلقت زفرات صدرها الكسير، التي كادت تحرق مسامعي عبر الأثير، وقاطعتني قائلةً: عن أي ذكاء تتحدثين؟
أجبتها: أنت ذكية ولكن لعلكِ غفلتِ فاستغل الخبيث ذلك، فقلب المؤمن كالقلعة الحصينة الملآى بالذهب والمجوهرات، التي يطمع فيها اللصوص دائماً وأبداً، ولذا لا يغادرها الشيطان اللعين بل يبقى يترقبها عسى أن يجد إليها سبيلاً في كل حين، ولا تقتصر خطورته على شدة مراقبته، بل وقد يجد في نفس المؤمن ميولاً إلى نفس هدفه.
السؤال الأهم يا حبيبتي: هل أعانكِ هذا المُحِب في حربكِ؟
قالت: الإجابة أوضح من الشمس في رائعة النهار يا عزيزتي. قطعاً لا. بل أعان عليَّ عدوي، وأفقدني قوتي التي طالما حرصتُ على استجماعها لأقوى على التأقلم مع نمط حياتي، أشكركِ جداً فقد نبهتِني من غفلتي.
قلت لها: تمهَلي حبيبتي، معرفة الحق من الباطل ليس هو الفيصل في الجهاد الأكبر، بل لابُدَّ من الإصرار على الحق مهما صَعُبَت الأحوال، والوقوف في وجه الباطل أيّاً كان المآل. وقد يعاود هذا الشيطان اللعين المحاولة لإغوائكِ، وقد يعود المحب إلى معسول كلامه لإغرائكِ، وقد تضعفين فاستعيني بالله (تعالى) وتوسلي بأهل البيت (عليهم السلام)، وتذكري ليست التقوى بما نحمله من شعارات، ولكنها امتحان مُباغِت نُخْتَبَرُ فيه عند الخلوات.
واعلمي غاليتي أن قلب من تحبين بين إصبعي من تعصين، فإياكِ لمعصيته تستسلمين، فقد لكلٍ من الدنيا والآخرة تخسرين.
عزيزتي تأملي في جزيل الثواب الذي رصده الله (تعالى) لمن كان عفيفاً في عشقه، فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "من عشق فعفَّ ثم مات، مات شهيداً"(1)،
وعنه (صلى الله عليه وآله): "من عشقَ فكتمَ وعفَّ فمات فهو شهيدٌ"(2)،
وعنه (صلى الله عليه وآله) أيضاً: "من عشق وكتم وعفَّ وصبرَ، غفر الله لهُ وأدخله الجنة "(3)،
كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "ما المجاهد الشهيد في سبيل الله بأعظم أجراً ممن قدرَ فعفَّ"(4).
وتذكري حبيبتي دائماً أن المُحبَ حقاً هو من يخشى عليكِ العذاب الأليم، ويخاف عليكِ حر نار الجحيم، فيحميكِ من نفسه أولاً، ويُعينكِ على شيطانكِ ثانياً، ويؤثر أن يتحملَ ضرب سيوف العشق، وطعن رماح الشوق، وأن يُسهِّد ليله، ويقضي بالألم نهاره، على أن يُبادر إلى البوح المحرم كلما هاج به الحنين.
فالعاشق العفيف يُقوِّي بيقينه جنود رحمانه، ويقوِّض بصبره جنود شيطانه، ليحفظ طهر من يحب وعفافها، ويصون حبه المقدس من أن يُدنَّس، فيخرج من حربه منتصراً، وإلى مسبب الأسباب متقرباً، ومن يدري لعله (تعالى) يكافؤه على عظيم صبره بعظيم الجزاء حيث يجمعهما على حبه في الدنيا وإلا ففي الآخرة.
ـــــــــــــــــــــــــــ
(1)ــ(4) ميزان الحكمة ج3 ص263

اخترنا لكم

فضة... الزيتونة التي عمت بركاتها المشرق والمغرب

الزهراء زيتونة عمت بركاتها المشرق والمغرب، وأنا الآن أسير بسيري هذا أطوي صفحة من صفحات حياتي، لأبدأ صفحة جديدة مشرقة، أكثر إشراقاً من ذي قبل. إحساس وُلد في داخلي منذ استيقظت صباحاً، إحساس جميل دافئ، كان لا أعرف مصدره ولا منشأه لكن الآن أعرف أساسه ومنشأه. فإني في خطواتي هذه يختزل الزمن في ساعاته تحت وطأة شعوري هذا ،وكيف لا وأنا أتوجه لأقضي بقية عمري في أشرف بيت في قريش، بل على وجه الأرض على الاطلاق.. كلما كدت أن اقترب كلما ازدادت نبضات قلبي واقشعر بدني، رباه ما الذي يعتريني؟ ولمَ كل هذا الخشوع؟ احساس دونه سكرة الموت. وردت يدي لأطرق الباب. لا ادري أهو صوت طرقات الباب ام صوت دقات قلبي المختلج داخل احشائي؟! خطواتها تهب الربيع الأبدي لذرات الرمال تقترب من الباب الموصد. ثوان مرت، خلْتُها ساعات مرت بكل ما فيها من حلاوة الأيام وعذاباتها. شمس اشرقت من داخل الدار، جلال نور شع يغشي الابصار. لا أتبين سوى هيكل امرأة قد حاطها ذلك النور البهي. _فضة، تفضلي يا فضة هكذا نادتني بصوت مشوب بحنان عذب، وكأني لأول مرة أُحس بجمال وعذوبة اسمي، تمنيت لو انها تكرره مراراً، فأحس بهذا الاحساس الذي يفيض طافحاً بحلاوة اسمي، إنه صوت ملكوتي آسر وجه ملائكي جميل، لابد أنها حوراء من حور الجنة، جميلة المحيا، يعلو وجهها ابتسامة مضيئة، وما هذه السحنة الطيبة؟ كنت اتخيل عندما أراها سوف تكون بين وصيفاتها جالسة فوق ملحفة ناعمة من افخر أنواع الاقمشة. لكن... تقف مولاتي الآن قبالي وهي ترتدي ثوباً متهرئاً يثير في داخلي الاشفاق، أهذه ابنة أعظم الرجال وسيد الخلق كلهم! تفضلي يا فضة... فاليوم أنت ضيفة عندنا وغداً تبدئين العمل... يا الهي، ما هذا الكرم الذي لا يضاهيه كرم، كنت اسمع بكرمها واخلاقها، ولكن لم اتصور يوماً أن إنسانة ما تصل الى هذه الدرجة من الكمال والنضوج العقلي والإنساني… كانت تمر الأيام خفيفة وجميلة كنسمة هواء رخيمة. في كل يوم كانت اشياء جميلة في داخلها تدفعني وتجذبني اليها بقوة. كنت تمنيت لو قابلتها منذ نعومة اظافري، سيدة لا تضاهيها سيدة بالشرف والخلق. سيدة لا تضاهيها سيدة بالنبل والكرم، تفيض أملاً وخلقاً لدرجة أننا اقتسمنا اعمال المنزل. فيومٌ لها ويوم لي… رأيتها يوماً وقد أسدل الليل ستاره، وتلك العينان التي ينبثق منها نور مضيء، قد تعلق بكبد السماء وهي كالنسمة بيد الرياح تبدو، تناجيه وتقدسه بصوت متهجد ملتاع، كأن شذا الجنان تفوح من كل انحاء المنزل. العتمة في كل مكان سوى محرابها... يشع بنور وجهها، كأنها قمر في ليلة داجية تطوقها هالة من نور شفيف… تنساب الى اذني كلمات شفافة، شفافة روحها الآتية من ملكوت السماء. يحتويني شعور لطيف، ولا ادري... أرصفُ قدمي لأصلي معها وأنفاسها تخرق صمت الليل الأبكم، تفتح أبواب السماء لتنهمر فيوضات روحانية الذ من العسل، منذ زمن لم أتذوق مثلها. ... اذكرها جيدا تلك الليالي... لا أنساها، ثلاثة أيام باتوا يفطرون على الماء القراح دون طعام، عندما كانوا صياماً، صيام نذر، نذر للحسين عندما يشفى من مرضه. انزل الله بحقهم قرآنا… ويدخل عليها أبوها ليرى بين يديها جفنة تفور، يقول لها من أين لك ذلك؟ تجيب جواب الواثقة بربها: هو من عند الله إنه يرزق من يشاء بغير حساب، الحمد لله الذي جعل في امتي مثل مريم بنت عمران. خمسة اقمار في بيت واحد، يزورهم بين فينة واخرى... شمس بزغت للإنسانية جمعاء، أراه يفعل بمولاتي مالا يفعله بأحد غيرها، وكأنه يمتص شذا المسك من شفتاها، ويسأل عن ذلك فيجيب: انها تفاحة من الجنة فكلما اشتقت الى الجنة شممتها، انها روحي التي بين جنبي، إنها أم أبيها، وما هذا إلّا النزر القليل من أقواله في حقها. خرجتُ بتجارب حياتي معها بأشياء كثيرة ... كانت تجلس وتحتضن ابنتها الحوراء لتبث فيها قدسيتها وروحها الفانية في سبيل الإسلام وتعدها أعداداً كاملاً لواقعة الطف، ولتكمل مشوارها الطويل في تثبيت اركان الإسلام بدمها الطاهر وبدم بعلها وبنيها إلى قيام الساعة، فحقاً هي زيتونة عمت بركاتها المشرق والمغرب.... سماهر الخزرجي

اخرى
منذ سنة
460

الـكلماتُ الفاصلات في موضوعِ زواجِ القاصرات

زواج القاصرات بيّن الشريعة والقانون… أثار هذا الموضوع شغباً كثيراً، فما بينَ مُؤيّدٍ ومُستنكِر, هناك فئةٌ متعقّلة -وهم المختصّون شرعاً وقانوناً- هؤلاء يجب اللجوء إليهم والإستفسار منهم قـــبلَ أن نكذّب الشــرع المقدّس، وقــبلَ أن نتهم القانون الوضعيّ بالسذاجة وضياع الحقوق. أقـول: جميعنا نعلم أنّ الشريعة الإسلاميّة هـي أحد المصادر التي يعتمد عليها الدستور ويؤسس على ضوئها قوانينه الوضعيّة، والدستور يتضمن قوانيناً عديدة، منها: (قانون الأحوال الشخصيّة) ذلك القانون المُختص بالأمور الشخصيّة للفرد، مِن زواجٍ، وطلاقٍ، وإثباتِ نسَبٍ، وميراثٍ، ونفقةٍ،...الخ. وفـي موضوع الزواج تحديداً يتناول القانون الأمور التالية: -شروط عقد الزواج -أهليّـة الزوجين -توثيق عقد الزواج -حقوق الزوجين ومـــحلُّ كلامنا هنّا في (أهليّـة الزوجين) والمراد بالأهليّة: هو الإستعداد الكامل للزواج فسيولوجياً، واستعداد الفرد لتحمّل الالتزامات التي عليه، وثبوت الحقوق له. ففــي الشريعة: يشترط في العاقد الـــبلوغ، فلا يصح عقد الصبي المميز لنفسه - وان كان قاصداً للمعنى -(1) والـمراد بالبلوغ في الأنثى: إكمال تسع سنين هلالية (2) ولــــو رجعنا إلى نص القانون القديم قبل التعديل لوجدناه يقول: يُشترط في تمام أهليّة الزواج العقل وإكمال الــثامنة عشر(3) إذاً ما مصير مَن تزوّج ولـــم يكمل الثامنة عشر من العمر؟ بماذا سيـحكم عليه القانون؟ الـجواب: يُعدّ ذلك العقد عقداً غير قانونيٍ، ولاتسمح المحكمة بتسجيله. ومَن لـم يسجّل عقد زواجه في المحكمة يُعاقب بالــحبسِ مدّة لاتقل عن ستة أشهر, أو بغرامـة (4). وهــنا سؤال: مــامصير المرأة التي تزوّجت بعقدِ زواجٍ لـم تسجله المحكمة في سجلاتها؛ لمخالفة شـرط إكمال السن القانوني للزواج؟ من أين تثبت المرأة حقوقها إذاً؟ مــاذا لو طلّقها زوجها، وأنكرَ نسب أبنائه إليه؟ مـــن الذي سيـضمن لها النفقة، والمهر، وإثبات نسب الأبناء؟! هـــنا تعرفون مــدى مُخالفة القانون للشـريعة المقدّسة (فالشريعة تعتبر المرأة بالغة بإكمال 9 سنوات هلاليّة, والقانون يعتبره 18 سنة).. وإن كان هناك نصٌ أجاز للمحكمة تسجيل عقد الزواج وبإذن ولي البنت بعمر (١٥ سنة)فقط، لكن بشرط أن ترى المحكمة في الزوجين الكفاءة والقدرة البدنية للزواج. ولــهذا كانَ تعديلُ القانون في محلّــه, بجعل السن القانوني للزواج هو التاسعة للمرأة, وخيــراً ما فعلَ مَن نادى بالتعديل، لــماذا؟ وكيـف تُجبر المرأة على الزواج وهي صغيرة؟ وما فائدة هكذا قرار؟ الـــجواب: 1- لايصح أيّ عقدٍ بالإجبار سواءٌ أكان زواجاً أو غيره, وهذا ما اتفق عليه القانون مـع الشريعة، كلّ مافي الأمر انّهُ يحق للأب أن يزوّج ابنته وهي في عمر التاسعة -مـتى ما كانت مؤهلة لذلك- بالمعنى المتقدم. 2- لهذا القرار فـائدةٌ كبيرة لاسيما في الأوضاع الراهنة اليوم، حيثُ أصبح الأمان شبهُ منعدمٍ، وكثرة موتُ الفجأة. فـكثير مِن العوائل أصبحت تهدف إلى تزويج بناتها والاطمئنان باستقرارها في بيت الزوجيّة بعد أن تبلغ مباشرةً؛ خوفاً مِن التشريد والترويع والتعذيب لاسيما في المناطق التي يداهمها خطر الزمرة الكافرة، وبـذا تُخفّفُ مِن ثقل المسؤوليّة المُلقاة على عاتقها، لا أن تبـــقى العوائل منتظرة إكمال البنت الثامنة عشر مِن العمر حتى تزوّجها !. وبـهذا تضمن المرأة حقوقها بعد تسجيل عقد زواجها في المحكمة, والقانون يشـهد بكيفيّة ضمان حقوق المرأة وفق المواد المدرجة فيه. _________________________ (1)منهاج الصالحين: السيّد السيستانيّ, ج3,كتاب النكاح, م40. (2) المصدر نفسه, ج2,كتاب الحِجر, م 1069. (3)قانون الأحوال الشخصيّة رقم 188 لسنة 1959: القاضي نبيل حيّاوي, المادة 7, ف1. (4) ظ: المادة 10, ف5, من القانون نفسه. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنة
801

النظرة الدونية للأطفال

أن شخصية الطفل تتشكل بشكل أساسي وفق مايسمعه من كلمات وعبارات الأبوين والأقرباء والناس، ويتأثر بشكل قوي بنظرة الأبوين عنه وبذلك يشكل الطفل تصوراً عن شخصيته وذاته ويتعامل وينظر لنفسه وفق ذلك التصور الذي كوّنه ورسمه عن نفسه، فالصفات التي نطلقها ونوجهها إلى أبنائنا كفيلة بتكوين وتصنيع شخصياتهم بالشكل الذي نريده من حيث نشعر أو لانشعر. فإذا كانت الكلمات إيجابية فإن الطفل سيكون شخصاً قوياً، صاحب إرادة وعزيمة، أما إذا كانت الكلمات سلبية ومقيته وتُشعر الطفل بأنه لاقيمة له فإنه سيكون محبطاً وفاقداً للثقة بنفسه وبالتالي هذا إلى صناعة إنسان فاشل، لا يستطيع أن يعين نفسه وأسرته ومجتمعه. ومن الكلمات السلبية الشائعة التي تستخدم بكثرة في البيوت والمدارس هي: أنت غبي، يافاشل، يا حمار، أحمق، وغيرها من الكلمات والألقاب السيئة التي تدل على عدم احترام الطفل والاستخفاف بذاته، والنتيجة بناء جيل ضعيف غير قوي ولا يستطيع أن ينهض إذا سقط أو فشل في مهمة بسيطة. ومايجب على الأبوين والكبار هو التخلص من البرمجة القديمة التي تمت بواسطة التربية القديمة التي تربّوا عليها واعتادوها والآن يمارسونها ضد الأبناء، فالتخلي عن النظر بدونية اتجاه الأطفال يحتاج إلى إعادة ترتيب الأفكار وصياغتها من جديد والتحلى بأفكار نيرة وجوهرية نستطيع من خلالها أن نبني العائلة بالشكل الصحيح، ومن خلال اعادة تدوير وصياغة أفكارنا نستطيع أن نغير نظرتنا اتجاه أطفالنا وأن نعطيهم دافع معنوياً وقوة نابعة من الشعور بان لهم المكانة الرفيعة والأهمية في قلوبنا، ولايخفى على الجميع أن المجتمعات العربية تنظر نظرة دونية اتجاه الصغار. عكس المجتمعات الأوربية التي تحترم الطفل وتعطيه حرية القرار والتصرف! ونحن لاندعوا إلى إعطاء الطفل مطلق الحرية، وإنما نرجو ونحث على احترام الطفل وتقدير شخصيته، من خلال احترام أفكاره والتعامل معه بإحسان وكما أوصانا نبينا الأكرم (صلى الله عليه واله): (اكرموا أولادكم وأحسنوا اليهم)، حيث تتجسد مظاهر الاحترام والتقدير للأبناء في سيادة مبادئ الاحترام بين افراد المجتمع الواحد ومعرفة كل شخص حدوده. فبناء جيل واع وناضج يكمن في الاهتمام بالطفولة ومتطلباتها المستمرة التي يجب ان تكون من أولويات الأُسر المسلمة، فكلما زاد اهتمام الأسرة بالأطفال أصبحت الأجيال قادرة على مواجهة مختلف التحديات والصعوبات، وكان بإمكان هذا الجيل أن يقدم الأفضل للوطن وللشعب. ونلمس آثار النظرة الدونية والاستخفاف بمشاعر الأطفال من خلال إسكات الطفل عندما يتحدث في محضر الكبار محاولاً إثبات شخصيته والشعور بنفسه كفرد من أفراد المجتمع، حيث يقابل هذا التصرف باستهجان من الكبار مما يؤدي إلى شعور الطفل بالنقص، وانخفاض تقديره لذاته. والتصرف المناسب هو أن نستمع للصغار باهتمام ليشعروا بمكانتهم في المجتمع، فلا يمكن أن نعلمهم بهذا الأسلوب المنفّر، أو عندما يسأل ويستفهم عن شيء مبهم فإنه يقابل بالرد المتداول (أسكت بعدك ماتفتهم) أو (بعدك صغير)؟ أو عندما يذهب للتسوق فإن في إعطائه سلعة ردئية دليل على نظرة الكبار السلبية اتجاه الاطفال، ناهيك عن أمور كثيرة في المجتمع، كالسب والسخرية وغيرها التي تدل على استصغار شأن الأطفال والاستخفاف بهم. نحتاج وقفة جادة في تغيير النظرة الدونية اتجاه الأطفال للنهوض بواقع المجتمع وثقافته نحو الضفة الأخرى التي تمثل بناء الثقة العالية في نفوس الصغار، فالمجتمع المثقف ينظر إلى الصغار على أنهم أمل ومستقبل هذه الأمة وبهم يزدهر البلد، فكلما ازداد اهتمامنا بهم زاد إبداعهم وعطاؤهم لأنفسهم وللمجتمع بشكل عام. أنْ نغير من نظرتنا وتصورنا الذهني السلبي اتجاه الأطفال أمرٌ يحتاج إلى تغيير أفكارنا ومعتقداتنا اتجاههم، وهذا منوط بإرادتنا وعزيمتنا وإيماننا في بناء جيل يبني ولايهدم، جيل صالح ومؤمن مقدراً لمسؤولياته، جيل يقود نفسه ويقود بلده نحو التقدم والرقي والازهار...

اخرى
منذ سنة
2251

التعليقات

يتصدر الان

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29237

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29096

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29091

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
28647

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنة
12934

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
12614