تشغيل الوضع الليلي

مجاب الدعوة يقهر الظالمين

منذ 6 سنوات عدد المشاهدات : 3785

بقلم: حنان الزيرجاوي وإشراق الخاقاني
السيد إبراهيم المجاب (عليه السلام).
ليلٌ أرخى سدوله، عواصف رعدية تنبئ بهطول مطر جديد، القمر اكتمل ليُحلِق على صدر السماء، والأنجم حوله كأنهن نثار! أرى من بعيد نجمًا متألقًا، من جهة الشمال الغربي للقمر، يعيدني لشخصٍ رأيته مرات ومرات... جذبني علو مكانته، وأثار فضولي ارتفاع شأنه على غرار أقرانه... ترى من يكون؟!
الروح تتوق لمعرفة الحقيقة، لتجوز عبر الزمان والمكان، لا تعرف العتمة من وضح النهار.
كم هو وافر الحظ الذي شملته رحمة الله لتجعله يرقد في جوار المعصوم، فالبعض يخلد بإشارة من سيد الشهداء وتكون تلك الإشارة وسامًا حسينيًا خالدًا .
كيف بالذي تضمه تربة واحدة مع سيد الشهداء؟
فهو محل للبركات وسبيل للنجاة، فالشمس إذا طلعت أفلت النجوم، ترتقي لتزين الأرض بمصابيح الأنجم الزاهرة في صفحة الثريا حائمة حول القمر الدري لتملئ القلوب نورًا.
هكذا هم اعلام البيت العلوي والفاطمي.
مظلومٌ، كآبائه! فلم تنقل الأخبار لنا إلاّ النزر القليل عنه (رضوان الله عليه)، في حين تغص الكتب بأخبار الفاسقين في عصره!
بدأنا نتداول أطراف الحديث؛ نبحث لاستقصاء الحقيقة؛ لمَ كل هذه العظمة؟ هناك سر علينا معرفته!
ما أن ينتهي الزائرون من التشرف بزيارة المرقد الشريف للإمام الحسين (عليه السلام) وولده علي الأكبر والشهداء والأصحاب يتجهون نحو الرواق الغربي حيث مرقد السيد إبراهيم المجاب (عليه السلام).
نسبه:
هو السيد إبراهيم المجاب بن محمد العابد بن موسى بن جعفر (عليهما السلام).
والده:
كان أبوه من خيرة الخلق ومن أفاضل أولاد الإمام الكاظم (عليه السلام) بعد أخيه الإمام علي بن موسى الرضا (عليهما السلام)، كان يلقب بالعابد لكثرة عبادته، وصومه وصلاته وورعه. ولكن حاله حال آبائه وأجداده نُكّل به وشرد وشتّت عائلته بسبب الظلم والجور ودفن في شيراز.
والدته:
أم ولد (١).
زواجه:
يقال: إنه تزوج من قبيلة بني أسد الساكنين محاذاة الفرات، وارتباطه بهذا الزواج يجعل منه محميًا للتنقل معهم في حلهم وترحالهم.
ذكر المؤرخون بأنه سيد ضرير، كان يقطن في الكوفة يطلق عليه: (الضرير الكوفي)
قلت كما قالوا: الله يجعل سره في أضعف خلقه.
لم نجد له أثرًا في الكوفة!
لم تخُر القوى لنواصل البحث...
قال آخر: إنه في سنة من سني عمره رحل لكربلاء بعد انتهاء حكم المتوكل سنه ٢٤٧ھ، وآثر الاستيطان فيها، سكن في الحائر الحسيني مع عائلته... أول علوي يستوطن كربلاء بعد واقعة الطف! سكن إلى جوار جده الحسين (صلوات الله عليه)، عمَّر حرم الإمام الحسين (عليه أفضل الصلاة والسلام)، كانت مقاليد الحرم تحت يديه...
قيل: إنه (رضوان الله تعالى عليه) سلم على أبيه الحسين (عليه السلام) فرُدَّ عليه السلام فلُقّب (بالمجاب) فأي منقبة تلك!
دفن في جوار جده الحسين (عليه السلام) وأي فضل هذا ومما زاد على الفضل بروز قبره على سائر القبور الأشراف والوزراء التي دفنت هناك...
نعم، إنه سيد إبراهيم بن محمد العابد بن الامام الكاظم (عليهم السلام) المعروف (بإبراهيم المُجاب) المدفون في الرواق الشمالي الغربي لضريح أبي عبدالله الحسين (عليه السلام).
ألقابه:
-المجاب:
حظي بجواب المعصوم -وهذه كرامة عظيمة- لخصوصية أراد الله أن يحبوه بها، فعندما دخل مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) وألقى السلام فقال: السلام عليك يا أبي، جاءه الرد: وعليك السلام يا ولدي. (٢)
ويقال: إن سبب تسميته بالمجاب لشدة ورعه وتقواه، وقد يكون بسبب أن الدعاء عند قبره مستجاب سواء بدعائه أو عن طريق أجداده المعصومين (سلام الله عليهم).
-صاحب الصندوق:
لُقب به وذلك لعدة أسباب منها:
إنه لا يوجد قبر عليه صندوق من غير أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) إلا هو، رغم وجود آلاف القبور في المرقد الشريف، إذ إن قبره الوحيد من بين قبور السادة والعلماء والأفاضل من غير أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) كان عليه صندوق بارز ومن ثم شباك ظاهر. (٣) ففاز ببروز قبره فوق نسبه الشريف.
كما قد يكون قد وضع على قبره صندوق ليميزه عن قبر عمه إبراهيم بن موسى بن جعفر (عليه السلام) المدفون خلف ظهر الإمام الحسين (عليه السلام) بستة أذرع وليس على قبره صندوق، أو قد يكون المقصود هو وضع صندوق لوقفيات المرقد الشريف.
-الضرير:
لأنه فاقد للبصر
- الكوفي:
لأنه يسكن الكوفة قبل مجيئه إلى كربلاء.
جانبٌ من أحداث حياته:
-انتقل إلى كربلاء في سنة ٢٤٧هـ بعد هلاك المتوكل الذي هدم قبر الإمام الحسين (عليه السلام)، وكان برفقته نفر من بني هاشم وبرفقة الاشناني الذي شهد هدم القبر الشريف.
-قام بخطوة استشهادية عندما استغل فرصة تراخي السلطة في تلك الفترة بعد موت المتوكل وسكن كربلاء. إذ إنه لم يستطع أحد قبله بالاستيطان في منطقة الحائر، بسبب تتبعهم من قبل السلطات الظالمة وأنزال أقصى العقوبات، فكان له الشرف بعمارة القبر الشريف.
- يعتبر شرف تنصير كربلاء وجعلها مدينة استيطانية كان من نصيب السيد إبراهيم المجاب (عليه السلام) عندما سكن هو وأولاده وذريته بها...
أثبت السيد إبراهيم المجاب أن منهج أئمتنا (عليهم السلام) في حث شيعتهم على الاندماج داخل محيطهم ومجتمعاتهم وفي توطيد علاقاتهم الاجتماعية هو المنهج الصحيح، وأن لا يكونوا أفرادًا منفرين للمذهب وإنما يكونوا زينًا للمذهب وليس شيناً، وأن المعطى الثقافي هو الأولى في حركة التشيع، فهو الذي يجعل من التمدد دون إثارة الطرف الآخر ودون استدراجهم لردود الفعل، وأن كان ثمة ظلم قد يقع فليقع لأننا نمتلك الحجة عليهم وهي ليست بيد خصمنا من خلال عدم تمكينهم من رقابنا. لذلك ذهب إلى كربلاء واندمج في المجتمع وأصبح شعاعًا يجذب الناس للاستيطان في تلك البقعة المطهرة لترتقي وتشمخ المنارات الذهبية لكل من هب ودب رغم أنوف أعداء أهل البيت (عليهم السلام).
____________________
١- كتاب الارشاد للمفيد
٢-كتاب غاية الاختصار
٣-كتاب الاعيان

اخترنا لكم

من اسئلتكم:

السؤال: لماذا أخرج الإمام الحسين (عليه السلام) النساء معه إذا كان يعلم بأنهن سيقعن في السبي؟ الجواب: قال الإمام الحسين (عليه السلام) لعبد الله بن العباس ، لمّا طلب منه أن يبقي النساء في المدينة ولا يحملهن معه إلى كربلاء : قد شاء الله أن يراهن سبايا . هناك الكثير من الشبهات التي تطرح على واقعة عاشوراء المفجعة ، وكلها في الحقيقة واهية لا أساس ثابت لها ، لكن من يطبّل لها كثير ، والإعلام المنحرف يحاول إبراز هذه الشبهات الواهية بلباس علمي وديني ! وقد أجاب علماؤنا ولله الحمد عن جميع تلك الشبهات مستندين في ذلك إلى ما ورثوه من علوم وكلمات عن أهل البيت (عليهم السلام) . ومن هذه الشبهات هي أنه لماذا أخرج الحسين (عليه السلام) معه نساءه المخدرات مع علمه بأنه سيقتل وستسبى بعده عياله ، أوَليس هذا مخالفاً لضرورة حجاب المرأة وأنه لا جهاد عليها وأن جهادها حسن البعل ؟! وحتى تتضح الصورة ننقل الأجوبة التالية: الجواب الأول : إن المشيئة الإلهية قد تعلقت بأن تسبى عيال الحسين (عليه السلام) كما قال الإمام الحسين (عليه السلام) ذلك لابن عباس ، ومع تعلق المشيئة الإلهية بأمر فليس للإنسان إلا التطبيق وعدم المناقشة ، والحسين (عليه السلام) أولى بتطبيق ما يريده الله تعالى . فإذا علما أن الله تعالى لا يأمر إلا بما فيه مصلحة للإنسانية ، تيقّنّا أن خروج النسوة مع الحسين (عليه السلام) كان لحكمة إلهية ، حتى لو لم نعلم بتلك الحكمة ، إذ إن المدار ليس على علمنا بالعلة والحكمة لتشريع الأمر الإلهي ، بل المدار على نفس التشريع الإلهي وكفى . فضلاً عن أنه قد تعرفنا على بعض الحكمة من خروج النساء مع الحسين (عليه السلام) مما ستعرفه في بقية الأجوبة . الجواب الثاني : لقد كانت للسلطة الأموية أجهزة إعلامية تعمل ليل نهار على إخفاء الحقائق وتدليسها ، واستطاعت أن تصور معاوية ويزيد بصورة المؤمنين الحافظين لدين الله تعالى ودين رسوله (صلى الله عليه وآله) ! وهل هناك أشهر من نصرة أمير المؤمنين (عليه السلام) وأولاده للإسلام ، ومع ذلك استطاع الإعلام الأموي أن يغير هذه الحقيقة ويصور الإمام علي وأولاده بصورة أعداء الإسلام ، وهذا ما تكشف عنه الكثير من الروايات ، فقد روي عن المبرد وابن عائشة أن شامياً رأى الحسن بن علي (عليهما السلام) راكبا فجعل يلعنه ! و الحسن لا يرد . فلما فرغ أقبل الحسن (عليه السلام) فسلم عليه وضحك فقال : أيها الشيخ أظنك غريبا ، ولعلك شبهت ، فلو استعتبتنا أعتبناك ، ولو سألتنا أعطيناك ، ولو استرشدتنا أرشدناك ، ولو استحملتنا أحملناك ، وإن كنت جائعا أشبعناك ، وإن كنت عريانا كسوناك ، وإن كنت محتاجا أغنيناك ، وإن كنت طريدا آويناك ، وإن كان لك حاجة قضيناها لك ، فلو حركت رحلك إلينا ، وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك ، لأن لنا موضعا رحبا وجاها عريضا ومالا كثيرا . فلما سمع الرجل كلامه ، بكى ثم قال : أشهد أنك خليفة الله في أرضه ، الله أعلم حيث يجعل رسالته وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إلي والآن أنت أحب خلق الله إلي . وحول رحله إليه ، وكان ضيفه إلى أن ارتحل ، وصار معتقدا لمحبتهم . ومعه ، كان لا بد من فضح حقيقة يزيد وتجرئه على حرمات الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) ، إذا ما أقدم على سبي حرائر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ، وإلا فإن قتل الرجال ربما يخفى على الكثير من الناس ، خصوصاً وإن الإعلام الأموي قد صوّر الحسين وأصحابه على أنهم خوارج خرجوا عن طاعة الأمير يزيد ! ولكن سبي النساء كشف عن حقيقة الأمر . إذن ، الحكمة في إخراج النسوة مع الحسين (عليه السلام) هو لأجل تعرية وفضح الخصم ، والكشف عن جرأته على مقدسات الدين وحريم النبي (صلى الله عليه وآله) ، وأن الخصم لا يتقيد بأبجديات المبادئ الدينية ، وكان استخدام هذا النمط من المواجهة والجهاد في ظرف اغلقت فيه أيّ فرصة أخرى لدحض إجرام الخصم وباطله أمام أنظار وأذهان الناس المفتتنة بأكاذيب الخصم الناسية لوصايا القرآن والنبي (صلى الله عليه وآله) في حق العترة المطهرة ، ولولا موقف العقيلة زينب (عليها السلام) لكان الخصم يلتف بدعايته ووسائل إعلامه على الحقيقة ، ويغيب على الناس في ذلك الوقت فضلاً عن الأجيال اللاحقة ، يغيب عنها حقيقة الموقف . الجواب الثالث : لا شك أن الانتصار في المعارك له أشكال متعددة ، فالمعركة قد تخسر في جانب ولكنها تنتصر في جوانب أخرى ، ومعركة عاشوراء ، وإن انتصر فيها جانب الضلال عسكرياً ، ولكن معركة الحسين كانت هي المنتصرة في الجوانب الأخرى ، وكان من أهم أشكال انتصار الحسين (عليه السلام) هو الانتصار الإعلامي الذي ذاع صداه في الأرجاء ، والذي أطاح بهيبة وجبروت السلطة الأموية ، مما جرّأ الناس على القيام بثورات متعددة ضد بني أمية كما هو واضح لمن طالع التاريخ بعد واقعة عاشوراء . وكان الممثل الرسمي للإعلام الحسيني هو الإمام السجاد (عليه السلام) وزينب الكبرى (عليها السلام) . إذن ، كان من أهداف إحضار النساء إلى كربلاء هي مهمة إكمال المعركة الحسينية في جانبها الإعلامي ، وقد انتصرت زينب (عليها السلام) أيما انتصار في هذا الجانب ، وهذا ما تشهد به خطبها المتعددة في الكوفة والشام ، التي أبكت العيون وكشفت الحقائق ، وجعلت الذين لم ينصروا الحسين (عليه السلام) يندمون أي ندم على خذلتهم له . الجواب الرابع : لقد كان يزيد (عليه اللعنة وسوء العذاب) يحاول الضغط على الحسين (عليه السلام) بأي وسيلة من الوسائل ، ولذا بعث عليه ثلاثين رجلاً يقتلونه – إذا لم يبايع - ولو كان معلقاً على أستار الكعبة . فلو ترك الحسين (عليه السلام) نساءه في الحجاز لكان ذلك سبباً لأن يجعلهن يزيد رهينة لتحجيم حركة الحسين (عليه السلام) وورقة ضغط لتراجع الحسين عن مبادئه ، كما ذكر ذلك السيد ابن طاووس في كتاب الملهوف . ولذا حمل الإمام (عليه السلام) أهل بيته ليتسنى له محافظتهم وحراستهم . ولكن عندما انقلبت الموازين ، وتراجع أهل الكوفة عن بيعتهم ، وحوصر الإمام (عليه السلام) ، فكان نتيجة ذلك أن تقع عيال الحسين في الاسر ، فكان ذلك الامر من قضاء الله وقدره ومشيئته التي لابد من الصبر عليها . الجواب الخامس : إن خروج النساء إذا كان موافقاً للضوابط الشرعية فلا مانع منه شرعاً ، فلا مانع من خروج المرأة من أجل طلب أمور دينها ، وهكذا لا مانع من خروجها من أجل الحفاظ على الدين أو إثبات أمر ديني ، وحيث إن الدين أغلى من كل شيء ، فلا مانع من خروج المخدرة لأجل الدفاع عن الدين ، وهذا الأمر قد أكده القرآن الكريم في أكثر من مناسبة . إذ يستعرض لنا القرآن الكريم بأن المجاهدة في سبيل الله ومقارعة المعسكر الآخر كما تكون بالنفس والمال ، كذلك تكون بالمخاطرة بإهانة العرض لا بنحو الابتذال والتدنيس ، كما في قصة مريم (عليها السلام) ، ففي سورة آل عمران ( إذ قالت الملائكة يا مريم ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح ... قالت رب أنّى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ) وفي سورة مريم ( فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً قالت إني أعوذ بالرحمن منك ان كنت تقيا قال انما انا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً قالت أنّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أكّ بغياً ... فأجاءها المخاض الى جذع النخلة قالت يا ليتني متّ قبل هذا وكنت نسياً منسيا فنادها من تحتها ألا تحزني ... فإما ترين من البشر أحداً فقولي اني تذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم انسيا فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا اخت هارون ما كان أبوك إمرئ سوء وما كانت امك بغياً فأشارت اليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً قال اني عبدالله آتاني ... ) وفي سورة المؤمنون ( وجعلنا ابن مريم وامه آية ) . فمريم قد تعرضت لوظيفة حمل النبي عيسى (عليه السلام) من غير أب لتتحقق المعجزة الإلهية لإثبات نبوة عيسى (عليه السلام) وبعثته بشريعة جديدة ناسخة لشريعة موسى (عليه السلام) ، مع أن تحقيق المعجزة هذه كان يخاطر بسمعة مريم وعرضها ، إلى درجة مواجهة بني إسرائيل لها بالقذف والبهتان ، ولكن كل ذلك لا يعنى ابتذال وتدنيس مريم ، بل غاية الأمر إهانة عرضها . فتحمّلت المسؤولية الإلهية وأعباء المعجزة والرسالة الجديدة ، مع أنها أصعب من الجهاد بالنفس والقتل بالسيف للإنسان الغيور وبالنسبة للمرأة العفيفة التي أحصنت فرجها . ولذلك قالت (ياليتني متّ قبل هذا وكنت نسيا منسيا) ولكن جهادها وتحملها أقام الحجة على كفار بني اسرائيل ، فجعلها الله تعالى آية حجة تشارك ابنها النبي عيسى (عليه السلام) في الحجية . وهناك واقعة أخرى يسردها لنا القرآن ، وهي واقعة المباهلة (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندعوا أبناءنا وابناءكم ونساءنا ونسائكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين) . فههنا في واقعة المباهلة احتج الله بالزهراء (عليها السلام) على حقانية الشريعة المحمدية ونبوة سيد الرسل (صلى الله عليه وآله) جنبا إلى جنب الاحتجاج بالأربعة بقية أصحاب الكساء . ففي هذه الواقعة قد تحملت الصديقة الزهراء (عليها السلام) بأمر من الله تعالى انزله في القرآن ، تحملت المشاركة في المباهلة أمام ملأ أهل الكتاب ، وهو نمط من المنازلة والمواجهة . وهكذا خروج زينب وأخواتها (عليهن السلام) مع الحسين (عليه السلام) ، كان من أجل الدفاع عن الدين وعن حرمات الرسالة المحمدية . وهذا ما كشفت عنه مواقف زينب الكبرى (عليها السلام) في الدفاع عن الإمام السجاد (عليه السلام) حيث تعرض (عليه السلام) لأكثر من مرة إلى القتل من قبل ابن زياد ويزيد (عليهما لعنات الله تعالى والملائكة والناس أجمعين)، وهكذا دفاعها عن بنات الحسين (عليهن وعليه السلام) عندما أراد بعض أهل الشام أن يسترقهن ، ومواجهتها لابن زياد ويزيد وكشف حقائقهما المخفية وكفرهم عن أهل الشام . بقلم: الشيخ حسين عبد الرضا الاسدي

اخرى
منذ 7 سنوات
3189

الغزو الثقافي وتداعياته على الفئة الشابة/ الجزء الثالث

بقلم: دعاء الربيعي أشار كتاب الله (تعالى) المبارك إلى ضرورة صيانة الأبناء وتربيتهم تربيةً دينية صحيحة؛ لبناء أساسٍ قويٍ ثابتٍ يستعينون به على مواجهة الصعوبات والتحديات والمنزلقات الخطرة التي تهدف إلى الإطاحة بهم وجرِّهم نحو ما لا يُحمد عقباه. ومع ذلك لا بُدَّ من الاستمرار بتذكيرهم وعدم تركهم؛ لأنَّ الإنسان وإن كان عالمًا بمواطن الخطر إلا أنّه ربما يغفل، وكم من شبابٍ معتدلين أسوياء في غفلةٍ من أنفسهم قد انساقوا للشهوات ووقعوا في وحل الانحراف، أو أغرتهم بعض الفئات المشبوهة بأفكارها التي في ظاهرها الرحمة وفي باطنها العذاب، حتى أوقعتهم في شباكها. علاوةً على ذلك، فإنَّ للصحبة والخلة تأثيراً فاعلاً على الأخلاق والسلوك سلبًا وإيجابًا؛ فالمرء على دين خليله. وأصحاب الشر والفساد حريصون على إفساد غيرهم حتى تقوى شوكتهم ويتسع نفوذهم، فيعملون على استمالة من يرونه سهل الانقياد والإذعان لهم، ويُظهرون له المودة والمحبة حتى يطمئن إليهم، ثم يبدؤون في تعتيم أفكارهم. كما أنَّ للمؤسسات التربوية عمومًا -وأهمها المنزل والمدرسة والمسجد- دورًا كبيرًا في التوجيه والإرشاد وأهمها الأسرة التي تحتضن الشاب مدةً طويلة من حياته. وأيُّ تقصيرٍ في تنشئةِ الفردِ هو مسؤولية من الأبوين معًا، وسيتحملان عواقبه، فكم من الآباء من يشكون عزلة ولدهم عنه وعدم تواصله معهم، وتمضي الشهور بل الأعوام وهو لا يعلم عنهم شيئًا. بودي هنا ذكر نموذجيين لشابين من واقع الزمن المعاصر، الأول انجرف مع التيارات المُضللة مع أنّه من عائلةٍ مؤمنةٍ! وكان قد عاش في أسرةٍ صغيرةٍ مع والده وأمه وإخوانه هو الأخ الأكبر فيها، وكان الأبُ مشغولًا من ساعات الصباح الأولى وحتى المساء بعمله، والأمُّ منشغلةً بأعمال المنزل ومهنة الخياطة التي تُساعد بها زوجها لتوفير حياة هانئة. ولم يُدركوا أنّ أطفالهما بحاجة إلى شيءٍ آخر غير الطعام والشراب، ألا وهو بثّ القيم والأفكار الإيجابية من خلال التربية الإسلامية الصحيحة. ومرت الأيام والسنون وبلغ هذا الولد من العمر ثمانِ عشرة سنة، وفي تلك الفترة كانت وسائل الاتصال في أوجها، وقد وفّر الأبوان له غرفة خاصة به تحتوي على جهاز حاسوب مرتبط بشبكة الإنترنت، وكان هذا الشاب ينام نهارًا ويستيقظ ليلًا ليقضي وقته أمام شاشة جهازه مع الأصدقاء الافتراضيين من كافة أنحاء العالم، وهم يبثون سمومهم وأفكارهم في عقله بعيدًا عن نظر أبويه المشغولين في كسب المعيشة، فغاب الرقيب والحسيب عن ذلك الشاب. وبمرور الأيام تشرَّب هذا المراهق الأفكار والمفاهيم المدسوسة له من قبل أصدقائه الافتراضيين الذين كان كلُّ همِّهم هو السعي لانحراف هذا الشاب عن جادة الصواب، فصار الشاب يعتقد بمعتقداتهم البعيدة كلّ البعد عن القيم الإسلامية. في بادئ الأمر كان يدخل الشاب في حواراتٍ ومناقشاتٍ مع أقربائه عن حقيقة وجود الله (تعالى) والتشكيك بالنبوة والإمامة وإلى غير ذلك، كما أنّ معاملته مع أهلِه أصبحت سيئةً جدًا. وقد لاحظ الجميع هذا التغيير في شخصية هذا الشاب، فحاول أهله وأقرباؤه أنْ ينتشلوه من المستنقع الذي سوف يؤدي به إلى الهاوية، لكن لات حين مناص فلقد اقتنع بالمفاهيم الخاطئة عن الدين، وبات لا يكترث إلى ما يقوله أهله، والأكثر من ذلك أنّه يعتبرهم أناسًا جهالًا يعتقدون بأفكار ليس لها صحة! واستمر الأمر هكذا إلى أنْ كشف الشاب عن فكره الإلحادي بشكلٍ علني، والتخلي عن كلِّ مبادئ الإسلام التي يعتبرها خرافات وغادر بلاده إلى أحدِ البلدان الغربية في فترةٍ فتحت بعض البلدان أبوابها للجوء، فهبَّ إلى ترك الوطن وغادر إلى دول الغرب التي هي في منظوره دول متحررة من سلطةِ العبودية، وتدعو الإنسان إلى نبذِ كلِّ المعتقدات السلبية. وبات الأبوان يقلبون أكفهم حسرةً وندمًا على ما فرّطوا في ولدهم الذي ضاع في مهبِّ الأعاصير. وكلُّ ما ذكرته هو واقعٌ قد وقع فعلًا، وما هي إلاِ واحدةٌ من آلافِ القصص التي يعيشها بلدنا الحبيب؛ والسبب في ذلك يعود إلى الحملة الشعواء التي يشنُّها الغرب لزعزعة عقيدةِ الناس بدينِهم. فحرب أعداء الإسلام الثقافية لم تقتصر على إشاعة الفواحش فحسب، بل انتقلت إلى ما هو أخطر من ذلك وهو التشكيك بوجود الله (تعالى). فالحذر كلّ الحذر -والكلامُ موجهٌ إلى كلِّ عائلةٍ فيها أفراد شباب ومراهقون- من هذه الهجمة الشرسة؛ لنتقيَ الله (تعالى) في أبنائنا وفي أسرنا، ونكون كما أرادنا أنْ نكون. قال (تعالى): "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(6)"[التحريم6] يجب علينا كمربين مراقبة أولادنا والحرص على مصاحبتهم، وعدم السماح لهذه الأجندة بالعبث في عقولهم الفتية, فضعيف الإيمان سرعان ما ينخرط ودون توقفٍ في دواماتِ الشرك، خصوصًا إنْ لم يكن متحصنًا بحصن المعرفة. كما يجب على الباحثين والمفكرين السعي إلى محاربة تلك الآفة من خلال المؤتمرات والحوارات؛ لتقوية معتقدات الشباب، وجذبهم وتعليمهم كيفية حلِّ الإشكالات العقائدية التي تُبَثُّ إليهم من خلال الرجوع إلى أهل العلم حال تعرضهم إلى مسألةٍ عن نكران حقيقة وجود الله (تعالى)، أو عن الأدلة على وجوده (سبحانه)، وحقيقة أصل النبوة و الإمامة؛ فغالبًا ما يواجه الشاب غير المتعلم صعوبةً في الإجابة عنها، فتؤدي به إلى الإبحار في الأفكار المنحرفة دونما توقف. ومن المفيد جدًا وضع مناهجَ دراسيةٍ في المدارس والجامعات، تغني الطالب بتعاليم ومبادئ السماء من خلال تعليم العقائد والأخلاق لكلِّ الاختصاصات؛ ليكونوا قادرين على الرد على الشبهات التي يُثيرها الغرب ضد الإسلام، ومواجهة التطرف. إذ يُعدُّ التطرف تحديًا كبيرًا يواجهه عالمنا العربي والإسلامي خلال المرحلة الحالية من تاريخه، إذ تحاول بعض الجماعات المتطرفة احتكار الحديث باسم الدين الإسلامي، عبر شعاراتٍ زائفة، تقدِّم صورةً مشوّهة عن هذا الدين ومبادئه التي تحثّ على التسامح والتعايش. كما تروّج في الوقت ذاته للصدام والصراع ورفض الآخر، وهو ما أسهم في انتشار الأفكار المتطرفة التي تغذّي العنف وتبرّر اللجوء إلى الإرهاب. فأصبح من الضروري التحرك لمواجهة هذه الهجمةِ الشرسة التي تواجه ديننا الإسلامي الحنيف من جانبِ هذه الجماعات التي تتاجر بالدين، وتنشر الفكر المتطرف وتغذّي العنف في مجتمعاتنا العربية والإسلامية بشكلٍ عام والشباب والمرهقين بشكلٍ خاص . أما النموذج الثاني الذي أودُّ ذكرَه، فهو شخصيةٌ مغايرةٌ للشخصية الأولى تمامًا، هو أيضًا شابٌ مراهقٌ لكنّه اتجه إلى اتجاهٍ آخر، واقتدى بشخصيةٍ إسلاميةٍ فاضلة كان لها الفضل في بقاء الإسلام وقيمه وتعاليمه السمحاء. اسم هذا الشاب (مثنى قاسم الكلابي)، يبلغ من العمر ستة عشر ربيعًا، يسكن في قريةِ النعمانية في محافظة واسط، يدرسُ في المرحلة الإعدادية في إحدى مدارس النعمانية، لكنه كان يُمنّي نفسه دائمًا بالشهادة ويخطُّ هذه الجملة على كتبِه المدرسية (الشهيد البطل مثنى قاسم الكلابي)، خصوصًا بعد سماعة لفتوى المرجعية الرشيدة التي حثّت الشباب على الالتحاق بجبهاتِ القتال للدفاعِ عن الأرض والعرض والمقدسات. تقول أم الشهيد مثنى إنّها حاولتْ منعه كثيرًا لتصدَّه عن هذا القرار، ألا وهو قرار الالتحاق بجبهات القتال لكن دون جدوى، فقد كان مصرًا ولم يكن بيدها سوى الموافقة على أنْ ترسل ولدها إلى سوح العزة والشرف. وفعلًا انطلق وقد ملأتِ الأفراحُ قلبه. التحق في قاطع (بيجي) مُصرًا على نيل الشهادة، حتى نالها، فتشرف به أهله ومدينته، وسُميَّت المدرسةُ التي كان يدرس فيها باسمه. اقتدى مثنى بشبلِ سيد شباب أهل الجنة القاسم بن الحسن (عليهما السلام)، وسطَّر ملاحمَ البطولة والولاء على سواتر الشرف مدافعًا عن أرضه، مُلبيًا لنداء مرجعيته الرشيدة.

اخرى
منذ 5 سنوات
1518

بعثرةٌ حياتيةٌ

بقلم: غدير الحسني فوضى العمل، فوضى الحياة، فوضى المشاعر، فوضى المحيط الخارجي، فوضى التعليم والدراسة، القلق، التفكير، قلّة النوم، عملٌ مُرهق، مشاكلُ شخصيةٌ، عائليةٌ، الابتعادُ عن الله (تعالى) و... . كلُّ تلك الأمور من المُسببات الرئيسية للبعثرةِ والتوتر وعدم التركيز والإخفاق في الكثيرِ من الأعمالِ، في مختلفِ المجالاتِ؛ لذا يتوجبُ علينا إزاحة ذلك الغبار والنهوض والسعي وبذل الجهد والإصرار والمقاومة والصبر والبدء من جديد. الكثيرُ منّا يقول: لقَد فاتني الكثير، لم يتبقَ من الوقت شيءٌ، ضاعَ كلُّ شيءٍ، لا أعرفُ كيف أبدأ؟ ومن أين أبدأ؟ وفي الواقع، نحنُ ممن يُتقن ويُجيد الحزن، البكاء، السلبية، التوبيخ، الملامة، تحطيم الآخر، الجلوس مكتوفي الأيدي بنيةِ أنّ كلَّ شيءٍ قد انتهى، وتوقفت الحياة وانتهى الأمر... جاهلين بفنِّ البدءِ من جديد، فن الصبر، فن المقاومة، فن الثبات رغم قسوة الظروف، فن العطاء الذاتي والروحي بأنْ نُعطي فرصةً أخرى لأنفسنا بغيةَ النهوض والمقاومة والبدء، وأنْ نُعطي فرصةً للآخرين، فرصةَ المسامحة، الحب، التعبير، التغير و... لنلتفت قليلًا إلى النِعمِ الإلهية التي خصّها اللهُ (عز وجل) بنا دون غيرنا، نعمة الصحة في زمنٍ يشكو الجميع من ألمه، نعمة الرزق في زمنٍ يُعاني الجميع من قلّة المال والطعام، نعمة المسكن والملبس والتعليم، نعمة العائلة والأصدقاء والأحبة، والكثير من النعم الإلهية المادية والمعنوية في زمنٍ أغلبُ الناسِ تفتقرُ فيه إلى أبسطِ مقوّماتِ الحياة والعيش الكريم.. ثم ماذا بعد كُل تلك الفوضى؟! ألم يحِنْ وقت الالتفات إلى ذلك الضياع الروحي والفكري، المادي والمعنوي! فإلى الآن، لا زالتِ الأبوابُ مُفتحةً، والسبلُ متاحةً من أجلِ لملمةِ هذا الشتات، كالجلوس مع الذات والتفكير بهدوء، إزاحة ما هو غير مهم من أعمالٍ وأشخاصٍ، وتقريب ما هو مهم وضروري، التقرّب من الله (عز وجل) وطلب العون والتوفيق منه، وضع خطةٍ تتناسبُ مع الطاقة الروحية التي نمتلكها للبدءِ من جديد، الاستعانة بمن نأنسُ بمشورتِهم وكلماتهم، تنظيم الوقت والسيطرة عليه من خلال احتساب ساعات العمل والراحة، النوم بفتراتٍ منتظمة لتحسين آلية عمل الدماغ، الصلة الدائمة بأهل البيت (عليهم السلام) لما لذلك من توفيقٍ وخيرٍ وسدادٍ وعلو..

اخرى
منذ 6 سنوات
1503

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
88117

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
79483

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
60427

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 7 سنوات
51337

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 8 سنوات
48523

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
44221