تشغيل الوضع الليلي

بوارق التوحيد الجلي عند الإمام الحسين بن علي (5)

منذ شهر عدد المشاهدات : 184

بقلم: علوية الحسيني
"يا مَنْ لا يَعْلَمُ كَيْفَ هُوَ اِلاّ هُوَ، يا مَنْ لا يَعْلَمُ ما هُوَ اِلاّ هُوَ"
في العبارتين أدواتٌ بلاغية، منها النداء، والحصر، والاستفهام، وحريٌ بالموحِّد التأمل فيها، واكتناه مغزاها.
فأما النداء الذي هو طلب الإقبال بحرفٍ نائبٍ مناب كلمة (أدعو) لفظًا أو تقديرًا، فقد استخدم الإمام (عليه السلام) حرف النداء (يا) الذي يستعمل لمناداة البعيد، وليس ذلك شعورًا منه بابتعاده عمّن أقرب إليه من حبل الوريد، وإنّما إشارةً منه (عليه السلام) إلى علو المكانة الإلهية.
وأردف النداء باسمٍ موصول يدل على العاقل (مَن)، الذي استعمله الله تعالى في كتابه الحكيم بقوله: {مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُون} (1).
وأمّا القصر (الحصر) فتمثل بقصر الإمام الحسين (عليه السلام) ذلك العلم بالله الواحد الأحد الذي أشار إليه بالضمير (هو)، بطريقة استعمال أداة الاستثناء المسبوقة بالنفي لتدل على الحصر، نظير قوله تعالى {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّه} (2).
وأمّا الاستفهام فكان عبارة عن السؤالين التاليين:
1/ كيف هو الله تعالى؟
2/ ما هو الله تعالى؟
وأجاب الإمام (عليه السلام) عن تلك الأسئلة في دعائه العظيم (دعاء عرفة) بأنّ الله تعالى فقط يعلم جواب السؤالين، ودونكم التفصيل.
1/ "يا مَنْ لا يَعْلَمُ كَيْفَ هُوَ اِلاّ هُوَ"
الكيف: "هو أحد الأعراض التي تتصف بها الذات الجوهرية، وله أقسام، فسواءٌ أ كان كيفًا نفسانيًا، أو كميًّا، أو استعداديًا، أو محسوسًا فهو منفيٌ عن الله سبحانه" (3)؛ نأخذ مثالًا بسيطًا قد يفي في المقام في بيان الكيف الثابت للممكنات دون الواجب، يقال مثلاً للإنسان السقيم: كيف أصبحتَ؟ فهو بالأصل كان سليمًا إلاّ أنّ السقم عرض عليه، فسألنا عن صحته بكيف، لأنّه جسمٌ جوهري تطرأ عليه الأعراض.
بينما الله تعالى ليس بجسمٍ جوهري حتى تطرأ عليه الأعراض، بل هو خالقها، فكيف تجري مخلوقاته عليه؟!
يقول سيّد الموحدين علي (عليه السلام): " و بتجهيره‌ الجواهر عرف‌ ‌أن‌ ‌لا‌ جوهر ‌له‌"، فمن لا جوهر له لا عرض يطرأ عليه.
وعليه، ليس معنى الفقرة إثبات الكيف لله تعالى، بل نفيه عنه سبحانه، والإجابة بالعجز عن إدراك كنه ذات الله تعالى حتى يُسأل عنها، فلعل التقدير بعد حذف أداتي النفي والاستثناء هو: (كيف هو الله؟ يجاب: هو الله)، وهذا تحليلٌ يؤيده العقل والنقل.
•فالعقل ينفي أن يكون لله تعالى كيفٌ لأنّ الكيف يثبت للأشياء المرئية المحاطة، فكما يحكم العقل بأنّ الظرف (الكتاب مثلاً) لا يدخل في المظروف (القلم مثلاً)، فكذا الله تعالى (المحيط) لا تحيط به المخلوقات (المحاط).
•والنقل ينفي أيضًا الكيف عن الله تعالى؛ لأنّ إثباته يؤدي إلى هلاك العبد؛ بدليل ما روي "عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْمَيَّاحِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عَلَيْهِ السَّلام) يَقُولُ مَنْ نَظَرَ فِي الله كَيْفَ هُوَ هَلَك" (4)، وسبب نفي الكيف نقلاً هو لأنه مخلوق، ولا تجري على الله الخالق لها قوانين مخلوقاته؛ روي "عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيْهِ السَّلام) قَالَ إِنَّ يَهُودِيّاً يُقَالُ لَهُ سِبَخْتُ جَاءَ إِلَى رَسُولِ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه) فَقَالَ يَا رَسُولَ الله جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ رَبِّكَ فَإِنْ أَنْتَ أَجَبْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ وَإِلا رَجَعْتُ قَالَ سَلْ عَمَّا شِئْتَ... قَالَ وَكَيْفَ هُوَ؟ قَالَ وَكَيْفَ أَصِفُ رَبِّي بِالْكَيْفِ وَالْكَيْفُ مَخْلُوقٌ وَالله لا يُوصَفُ بِخَلْقِه" (5).
2/ "يا مَنْ لا يَعْلَمُ ما هُوَ اِلاّ هُوَ"
حينما نسأل ما هو الشيء الفلاني، فلابد أن تكون له مائية أو ماهية، حتى تدرك ماهيته، والماهية قسمان: ماهية بالمعنى الأعم، وماهية بالمعنى الأخص، فأمّا الثانية فمنتفية عن الله تعالى؛ لأّنّها توجب كونه تعالى محدوداً لأنها حد الوجود، والله تعالى لا محدود،، لذا فهي ثابتة للممكنات فقط، فنقول مثلاً: ما هو الإنسان؟ يجاب: حيوانٌ ناطق.
وأمّا الأولى فهي بمعنى إنية الشيء ووجوده الخاص، فهي ثابتة لله تعالى؛ لأنّه شيء؛ بدليل ما روي "عن الحسين بن سعيد، قال: سئل أبو جعفر الثاني عليه السلام: يجوز أن يقال لله: إنه شيء؟ قال: نعم، يخرجه من الحدين: حد التعطيل وحد التشبيه -حد التعطيل هو عدم اثبات الوجود أو الصفات الكمالية والفعلية والإضافية له، وحد التشبيه الحكم بالاشتراك مع الممكنات في حقيقة الصفات وعوارض الممكنات-" (6).
ولا شيء بدون تلك الماهية؛ بدليل ما روي "عن هشام بن الحكم في حديث الزنديق الذي أتى أبا عبد الله عليه السلام فكان من قول أبي عبد الله عليه السلام له: ...قال السائل: فله إنية ومائية؟ قال: نعم، لا يثبت الشيء إلاّ بإنية ومائية" (7).
والعقل والنقل ينفي الماهية بالمعنى الأخص عنه تعالى.
•فأمّا العقل، فينفي اكتناه الذات المقدسة بنفي الماهية المركبة عن الله سبحانه –المركبة تركيبًا عقليًّا (مِن قبيل النوع والجنس والفصل)، وهذا التركيب محالٌ على الله تعالى، فلو كانَ الله تعالى له ماهيةً مركبة لكانت له اجزاءً عقليّة، والتالي باطلٌ، فالمقدّم مثلهُ في البطلان.
أو مقداريًّا (مِن قبيل الخط والجسم والسطح)، فلو كانت ذات الله مركبة تركيبًا مقداريًا لكانت متحيّزة، والتالي باطل؛ لاحتياج المتحيّز إلى مكان، والاحتياج ينافي الغنى المُطلق، فالمقدّم مثله في البطلان.
أو خارجيًا (مِن قبيل الصورة والمادة)، لأن المادة خارجاً هي الجنس ذهناً، والمادة خارجاً هي الفصل ذهناً، فإذا تم نفي الجنس والفصل فقد انتفت المادة والصورة. لأن كل هذه المعاني خاصة بالممكنات لا الواجب.
وإذا سقطَ فرضُ كون ماهية الله تعالى مركبة –بجميع أقسامها- ثــبَتَ فرضُ كونـها بسيـطة. فلا يكون لله تعالى إلا ماهية بالمعنى الأعم وهي بمعنى الوجود والإنية.
وبالتالي، لا يعلم إنيّة الله تعالى أو بساطة ذاته إلاّ هو سبحانه.
•والنقل أيضًا ينفي أن يكون لله تعالى ماهية تكتنه ذاته المقدسة؛ بدليل ما روي "عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال للزنديق حين سأله: ما هو؟ قال: هو شيء بخلاف الأشياء ارجع بقولي إلى إثبات معنى وأنه شيء بحقيقة الشيئية غير أنه لا جسم ولا صورة ولا يحس ولا يجس ولا يدرك بالحواس الخمس لا تدركه الأوهام ولا تنقصه الدهور ولا تغيره الأزمان... قال له السائل: فما هو؟ قال أبو عبد الله عليه السلام: هو الرب وهو المعبود وهو الله" (8).
فالإمام (عليه السلام) أجاب على سؤال ما هو الله؟ هو الله.
وهذا العجز عن اكتناه ذات الله تعالى يشمل جميع خلق الله تعالى، فلا ملكٌ مقرّب، ولا نبيٌ مرسل، ولا إمامٌ معصوم، ومن دونهم من بابٍ أولى، وهو ما لهج به أهل البيت (عليهم السلام) في أدعيتهم؛ حيث يقول الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام) في مناجاة العارفين: " وَعَجَزَتِ الْعُقُولُ عَنْ اِدْراكِ كُنْهِ جَمالِك" (9).
وبما أنّ أول الدّين معرفته تعالى، وكمال معرفته توحيده، فيكون من يعرف الله سبحانه هو الموحِّد الأكمل.
فإنّهم (عليهم السلام) بأنفسهم يعرفون بالعجز، ليس انتقاصًا منهم، بل تنزيهًا لمعبودهم، وقد برقت بارقة توحيد أحدهم، الحسين (عليه السلام).
________________
(1) القصص: 71.
(2) هود: 88.
(3) ظ: بداية الحكمة: للعلامة الطباطبائي، م6، ف10، ص102.
(4) الكافي: للشيخ الكليني، ج1، ب30، ح4.
(5) المصدر نفسه، ج1، ب30، ح9.
(6) المصدر نفسه، ج1، ب23، ح2.
(7) التوحيد: للشيخ الصدوق، ب36، ح1.
(8) مصدر سابق، ج1، ب24، ح6.
(9) الصحيفة السجادية: للإمام زين العابدين (عليه السلام)، ص211.

سبحان من هو هكذا ولا هكذا غيره.

اخترنا لكم

مراجيح العيد

بقلم: ابنة الأمير كم كنا نستمتع في تلك الساعات التي نقضيها في أيام العيد ونحن نلعب ونمرح ونضحك بلا هموم أو نكد.... كان العيد بالنسبة لنا مصدر سعادة ليس يدانيه مثيل، ولكن بمجرد أن تنتهي أيامه حتى نرجع إلى ما كنا فيه من روتين مقيت مملّ، مدرسة وامتحانات وعذاب وعقوبة (هكذا كنا نظن؛ لصغر عقولنا) كنا ندخل إلى تلك الساحة المفعمة بالضجيج والصياح ولا نعلم لماذا؟ إلا أننا كنا بمجرد أن ندخل مباشرة نلتحم مع تلك الموجة الصاخبة، (فحشرٌ مع الناس عيد) بمعنى الكلمة. الملفت للانتباه: أن كل من يحضر إلى هذه الساحة ينسى ما تربى عليه من حسن الأدب والمشي بهدوء تام وعدم الصياح بالشارع (هكذا علمنا الآباء حينما كانوا يعلّمون!) ولا يبقى من تلك التعاليم المقدسة شيء حتى نرجع إلى بيوتنا، فنلبس مرة ثانية وشاح القداسة... اليوم لم يبق من تلك الأمور السعيدة شيء، بقي شيء واحد ألا وهو (مراجيح العيد) فقط هي من بقيت لنا، ولكنها بُدّلت بثوب جديد، فالحبال قد نسجت بيد إبليس خصيصًا لمراجيح العيد... ومقعد الجلوس الذي يجلس عليه المتأرجح هو مجموعة من التعاليم والقيم الدينية والاجتماعية.... بل حتى العامل على تلك الأرجوحة هو شخص قد عيّن بعقد مؤقت عند الشيطان. والمتأرجحون هم كثير من الناس كتبت في بطاقاتهم الشخصية فقط (مسلم!)، يتأرجحون بين ثنايا وهْم السعادة المبتذلة التي يظنون أنها باقية ولا تفنى... ولكن هيهات ثم هيهات، يتأرجحون من وهْم إلى وهْم، أما الحقيقة فقد جعلت مقعدًا يجلس عليه أصحاب الوهم والنسيان، نسوا أن الحرام دومًا يبقى حرامًا ولا توجد له فسحة من الزمان حتى يكون مباحًا أو حلالًا، والواجب هو الواجب لا يسقط ولا يبدل أبدًا.... الغريب أن هؤلاء جميعهم رغم أنهم (نسوا الله فأنساهم أنفسهم) حين يتقابلون يقول كل واحد منهم للآخر (أسعد الله أيامكم)! وكيف يسعدهم وهم يقابلونه بالمعاصي والذنوب؟! ولعلّهم لم يسمعوا قول أمير المؤمنين (عليه السلام): (كل يوم لا يعصى الله فيه فهو يوم عيد).

اخرى
منذ 8 أشهر
432

علي سلطان القلوب

بقلم: رحاب سالم البهادلي أنا رحال أجوب العالم، وأبحث عن أشياء جميلة، أبحث في التاريخ والتراث وكل ما هو غريب وعجيب، أخذت أجوب الأرض من شرقها وغربها، طالعت الكتب وقرأت الآلاف منها، ذهبت إلى المغرب والمشرق، أبحث عن تاريخ العالم وأسأل عن سادتها وشخصياتها، سلاطين وملوك ورؤساء، أبحث في تاريخهم وأسأل عن أعمالهم، حاولت أن أتوقف عند أحدهم ممن قرأت عنهم وطالعت حياتهم، لم يشدني كل ما مرَ عليَ من شخصيات، وبقيت أبحث؛ وفي يوم قررت أن أعود إلى بلدي لأنني لم أ جد ضالتي، لم أجد ما أبحث عنه، في هذا الوقت كنت في بلد عربي، جمعت أغراضي وقررت الرحيل، ركبت مع سائق التكسي كي يوصلني، فتح سائق التكسي جهاز التسجيل سمعت كلمات جميلة، كأنها تراتيل أشعر بأنني لا أريد الوصول، أريد أن أستمع لهذه الكلمات الجميلة، أنا أعرف اللغة العربية، وأعرف أن القرآن الكريم كتاب المسلمين، وكلامه جميل أيضاً لكن ما أسمعه ليس قرآنًا إذاً ما هذا الدعاء! سألت السائق لمن هذه الكلمات؟ قال: إنهُ دعاء كميل. قُلت: من كميل هذا حتى يقول مثل هذا الكلام الجميل!؟ قال: ليس كميل من قال هذا الكلام، إنما مولاي علي بن أبي طالب عليه السلام، هو من علم كميل وأعطاه هذا الدعاء. قلت: ومن هو علي؟ قال: الا تعرف سيدي عليًا؟ قلت: اين هو؟ أ موجود هنا؟ قال: عجيب! قالوا لي انك رجل رحال، أخذت العالم شرقاً وغرباً، وتعرف التاريخ وتعرف ديننا ونبينا مُحَمَّدًا عليه افضل الصلاة والسلام. قلت: بلى لكني لم اتعرف على علي. قال: كيف لك أن تعرف الإسلام ولا تعرف عليًا؟! قلت: من عرفنيِ إسلامكم لم يعرفني عليًا! من عليٌّ؟ فقد تشوقت لمعرفته!؟ قال: قربنا أن نصل، والحديث عن سيدي علي يطول. قلت: عُد من حيث أتينا، أريد أن أعرف من هو علي وما هذه التراتيل الجميلة أريد أن أعرف عنه كل شيء من يوم ولد؟ ابتسم السائق ابتسامةً كبيرة ... قلت: أأخطأت التعبير؟ أنا أُتقن العربية، وأعرف إني لم أُخطأ التعبير، لم تبتسم؟ قال: إن اليوم ذكرى ولادته. قلت: من؟ قال: مولاي علي بن ابي طالب عليه السلام. قلت: شوقتني أكثر أن أعرف هذه الشخصية، انقضى من عمري الكثير، ولم اتلهف لمعرفة أحد كما أنا متلهف الآن كي أعرف عليًا الذي ولد اليوم... وصلنا إلى الفندق الذي أقلني منه سائق التكسي، أعدت حقائبي إلى غرفتي، ورجعت إلى السائق، قلت: هيا خذني إلى علي. قال: سآخذك إلى مكان ولادة علي لكن بشرط، ما أقوله لك لا تخبر به أحداً الا بعد أن ترحل من هنا، ولا تقل لأحد أنك تبحث بتاريخ علي… قلت: ولمَ كل هذا؟ قال: ستعرف شيئاً فشيئا، هل ستصدق ما أخبرك به؟ قلت: إذا كان هناك دلائل على ما تقول سأصدق طبعاً. قال: إذن فلنبدأ من مكان الولادة، وإذا به يأخذني إلى بيت ﷲ وهو الكعبة عند المسلمين، وقفنا عن بعد وقال: أتعرف أين نحن؟ قلت: بلى هذا بيت اللّٰه، وهنا الكعبة وأنا زرت هذا المكان من قبل فهو مكان تاريخي. قال: وهل رأيت الشق الذي على جدار الكعبة؟ قلت وما دخل الشق و الكعبة بولادة علي؟ قال: هنا ولد سيدي علي، وليد الكعبة، سأختصر أيها الرحالة، فالكلام عن مولاي يطول، عندما أكملت السيدة فاطمة تبنة أسدَ الشهر التاسع من حملها، جاءت قرب البيت العتيق تناجي ربها، جاءها المخاض وإذا بالجدار تفتح، ودخلت مولاتي فاطمة وأُغلق الجدار، أرادوا أن يفسروا ما حصل لكن دون جدوى، كثُر الحديث عما حصل في البيت العتيق، ودخول السيدة فاطمة وبعد ثلاثة أيام خرجت تلك السيدة الجليلة، وهي تحمل وليدها بين يديها، وهي تقول: إن ﷲ تعالى أطعمني من ثمار الجنة خلال هذه الأيام الثلاث، وبعد ولادتي جاءني نداء يقول: سمهِ عليًا، عليٌّ أُشتُقَ منَْ العلي... كان السائق يحكي لي ما حصل وأنا أستمع وأبكي وأتلهف لمعرفته أكثر وأكثر، أخذني إلى شخص آخر روى لي كل ما حدث في حياة علي عليه السلام... قادتني معرفة هذه الشخصية العظيمة إلى حقائق كثيرة، وأنا الذي كنت أتصور أني أعرف الكثير عن التاريخ والحُكام... أدركت أن من لم يعرف علي بن أبي طالب لم يعرف نفسه؛ وهنا عرفت أني وجدت ضالتي التي أبحث عنها، وأيقنت أن علي بن أبي طالب هو السلطان الحاكم على القلوب، وعرفت أني لو أفنيت عمري بالتعرف عليه لم أندم، بل ندمت كوني تعرفت عليه متأخراً.

اخرى
منذ 11 شهر
2474

قَرّّرتُ أن أقتلَ أبي!

بقلم: رحاب سالم البهادلي أنا فتاة في العشرين من عَمُري... كُنت أدرس بجدٍ واجتهاد، فأنا الفتاة الوحيدة للعائلة، ولدتُ بعد معاناة، كان أبي يراني زهرة البيت، يعمل بجد كي يوفر لي ما أحتاج... أتعرفن عندما يعود أبي من العمل، يناديني: يا طفلتي؟ فتأتي أمي وتقول هي أصبحت شابة لمَ تناديها يا طفلتي؟ أجاب أبي بحسرة: هي طفلتي مهما كبُرت، سوف أراها طفلتي الحبيبة، وأناديها كما أحب... أحبني أبي، وأراد بَحُبهِ أن أصلَ إلى أعلى المراتب، كُنت مجدةً بدراستي، وأحاول أن أُكمل تعلُّميِ، حتى أعينُ أبي في المستقبل، هذا أيضاً ما أرادهُ ولكن… عندما دخل أصدقاء السوء إلى حياتي، لا يقع اللوم عليهم فقط، ولكن ألوم نفسي، على أنني خُنت ثقةَ أبي وأمي بي: بدأتُ التخطيط لقتل أبي، بخطوات أتبعتها من خلال صديقاتي، بدأ الأمر بتغير مظهري، كانوا يسموها الموضة، بدأت بالتغيير شيئاً فشيئاً، وبدأ المشوار، طلبتُ من أبي أن يشتري لي هاتفًا جديدًا كما هُنّ صديقاتي، يحتوي على كُل برامج التواصل الاجتماعي؛ لا يستطيع أبي أن يرفض طلبًا لي، خوفاً من أن يكسر خاطر طفلته… أقنعَتهُ بأني أُريد أن أعتمد الهاتف للدارسة من خلال الأنترنت، أدخلتني صديقتي بمجموعة أسموها شباب وبنات؛ رَفَضتُ في البداية، فقالت: صديقتي، وما المانع نحن في الجامعة شباب وبنات؟ ما المشكلة إذا كُنا في مجموعة عبر برامج التواصل الاجتماعي! أقنعتني، دَخَلت، وكان مجرد كلام عابر لهذا وذاك... شيئاً فشيئًا بدأ التفاعل، تكلمت مَعَهُم، بادلتهم الآراء، تفاعلت أكثر وأكثر، دخل شاب من ضمن المجموعة، وتكلم معي، خاص أنا وهو فقط، بحجة أني أختلف عن الآخرين، وآرائي جميلة، فتطور الموضوع شيئاً فشيئًا، بادر بكلام الأعجاب والحب، أحببتكِ كلمة تكررت على لسان هذا الشاب، ومن دون وعي أو تفكير انَجَرَفتُ في هذه العلاقة الخاطئة، انَجَرَفتُ في أمورًا خاطئة، لم أفكر بديني، وعقيدتي، وأهلي، وأبي الذي أعطاني كُلَ شيء... هُنا قَررتُ أن أقتل أبي! خَرَجتُ من ثوبي وتربيتي، استغلني بكلام الحب والانفتاح، طَلبَ مني صورةً خاصةً لي، بحجة أنهُ سيكون زوجي المستقبلي... استسلمت لهذا الموقف، بعثت له بصورةً ظنَنَتهُ صادقاً بقوله لي بأنه سوف يأتي لخطبتي؛ شيئاً فشيئًا اتضحت الأمور، وبدأ بالتهرب مني، وعندما واجهته وقُلت له: إني سوف أُخبر الأصدقاء، ظهر على حقيقته، وبات يُهددني بالصور التي يمتلكها! لم أكن أعرف أنهُ سَيُنفذ تهديده، نشر الصور عبر مواقع التواصل الاجتماعي... هُنا قَتَلت أبي! قَتَلت أبي بأخطائي، قَتَلت الثقة التي أعطاها لي، انَجَرَفتُ دون إن أدري... أروي لَكُنَ حكايتي، ليس دفاعًا عن نفسي، ولكن أُريدُكُنَ أن تَكُنّ حَذِرات، ولا تَسَتَهينّ بحُب الأب، والأم، لكن أعرفن أني قد أخطأت بهذا التصرف، واجَعلْنَ مني عبرةً لمن تعتبر، اعرفن أني عندما خُنت الثقة التي أعطاني إياها أبي: ق َرَرتُ أن أقَتَل أبي...

اخرى
منذ 8 أشهر
326

التعليقات

يتصدر الان

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29237

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29096

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29091

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
28650

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنة
12934

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
12614