تشغيل الوضع الليلي

النَّبأ العَظیم

منذ 5 أشهر عدد المشاهدات : 478

بقلم: مريم الخفاجي
كان موكبه المهيب يشقّ صحراءَ جرداءَ تلتهب من حرارة الشّمس، عاد و عادت معه قلوب ملآى بندُبة الفراق الذي تحسّسونه وهو يوضّح لهم مناسك حَجِّهِم، ألا هَاهُنا مناكُم، و هَاهُنا عَرَفَتُكم، قَصّروا، طُوفوا، اعتَمروا، واكمِلوا الهَديَ، ثم بعدها نعى لهم نفسه الزكيّة.
إنها حَجّة الوَداع، وليسَ أقسى على القلب من وداعٍ طويل.
نعم؛ هم على موعد يجهلونه لكنّه ليس لناظره ببعيد لوداع رحمة الله الكبرى، وعينه في خلقه، وخليفته...
إنّ وعد الله نافذٌ في غضون عامٍ لا يُعلم في أيّ يوم منه تُنكَب الأُمّة وتُثلم ثلمتها العُظمى.
والمؤمنون حيارى إذا ما أُغلقت باب محمد (صلى الله عليه وآله)، فمن الملاذ و من يتوجه إليه الأولياء؟
ترى هل ستوصدُ باب الله؟
هل ستتفرّق الأمّة وتتشَتّت الأقوال؟
هل ستبقى دون مرشدٍ ولا هادٍ يرجعون له في شؤونهم؟
"ليت أبا الزهراء يتلطّف فينا، يتمهّل، يُوجّه، ويُعلمنا أين المأوى بعده... فقد اعتادت نفوسنا على أنّه الآخذ بأحوالنا، المراعي لأوضاعنا المشحونة بالضغينة".
هذا كان حال المريدين للدّين الثبات والبقاء، و المتوقعين من النبي خيرًا وافرًا، فما محمدٌ إلا رسولٌ استنقذهم الله به من الجّهل والضّلال، وبعيدٌ على الله أن يُفلت أيادي عباده ليرجعوا القهقرى، أو أن يُترك أمر الوصي ّ دون بيانٍ واضح جليّ، فيبقى مخفياً لا يعلمه إلا الله، إنّه مخالف لقواعد اللّطف والحُب الالهي، ولا يشبه قانون الحجّة المفترضة على الخلق، فإنّ الحاقدين سُرعان ما سيُزوِّرون حقيقة الأنبياء، التي لا تخفى على المُتَّقين، لكنّها على عوامّ الناس سريعة النفوذ.
بعضهم كانت أقدامه لا تحمله من شدة التفكير والخوف من المستقبل الآتي، و بعضهم كان يقطع المَسافات يشبه التائه الذي هام على وجهه لا يدري أفي بر هو أم في بحر، ولا يحرّك له ساكنًا حال الأمة مهما عصفت بها رياح البلاء، وبعضٌ، كاد أن يجزم من شدّة سروره أنّ عهد محمد (صلى الله عليه وآله) الذي قضّ مضاجعهم و سلب نفوذهم سيؤول إلى الزّوال، إنّها سِنيّ سترحل معه، وسيُنسَى ذكره و لن يُرفع له عَلَمٌ بعد ذلك، كانوا يُمنّون النّفس طويلاً طويلاً.. و ينتَشون فرحةً وسروراً، و ينشدون أمجادَ جهالتهم الغابرة التي سحقتها رسالة السّماء منذ عشرين و نيّف من الأعوام منذ أن بُعث محمد (صلى الله عليه وآله) رسولًا للعالمين.
حتى قَطعت جميعَ الأفكار أصواتُ رُسُل قافلة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فُرسانٌ تفرقوا وتوزّع شملهم وهم ينادون بأمرِه للحجيج أن يجتمعوا...
لقد كان أمرًا نافذًا على كل الحَجيج، لم يكن لأحد منهم حق التّراجع والتّذمر والعصيان...
هو مُفترق الطّرق، والصحراء الخالية من كل شيء، لا مِنبر، لا مَسجد، لا مَكان يُظلّلهم ويقيهم أشعة شمس ظهيرة لاهبة.
ومحمد (صلی الله علیه وآله) سيّد الخلق يشقّ الزّمن، بجسده الذي ناهَزَ الثّالثة والسِّتين، يمشي الهوينة على رمالٍ حارّة هَشّة، تَتَفتّتُ تحت قدميه المباركتين تَذللًا، يحمل في قلبه قنديل نُور يكفي لأن يضيء للعالمين حياة.
ارتقى منبرًا صنعوه من سُرُج الدّواب بعد أن صلّى فيهم، كان يسعى بذلك أن يَشق للأمّة ظلام أرواحهم الدّامس، ليعيدها حيث نشأتها الأولى، لا يلوّثها صخب الدنيا.. وكأنّه بدأ يفتح بابًا من الهداية جديدًا لم يدخلوه من قبل.
ولمّا يتكلم بعد، حتى شُدّت الأبصار إليه، وكأنّها تتزاحم لتُلامس نور المحيّا الذي يُستسقى به الغمام.
سبق قولَه صمتٌ ثقيل مَهيب، لا يشقه صوتٌ وكأنّ على رؤوسهم الطّير، ولن يتكلّم "إلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَن وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا" (1).
حمد الله، وأثنى عليه، فلقد كانت تلك سنّة الأنبياء، أرباب التّوحيد، وأهل الحَمد لإله السّماء، وانبرى يخطب فيهم، وكلّما طال الخطاب يزداد الهدوء فيصبح أعمق، وعلى نسقٍ لم يعهدوه، قرّب اليه صِهره وليد بيت الله، نظر في وجهٍ فيه نضرةُ النعيم، أخذ يرنو إليه بودٍ حتى أشرق وجهه المستدير حُبورًا، وأخذ بيده ثم رفعها عاليًا عاليًا لتراها أنظار البعيد والقريب، فبان بياض إبطيهما، ثم قال بلسان المرسلين الذي يُلامس حرفهم شغاف الروح:
-يا أيّها النّاس؛ من أولى النّاس بالمُؤمنين من أنفسهم؟
فتلعثَمت العقول، وتساءلت الأذهان، وتضاربت أقوال أفكارهم، ثم سرعان ما أوكَلوا جميعهم لسيد الخلق الجواب، ليهتدوا بطيب القول فقالوا: الله ورَسوله أعلَم.
لقد كانوا على يقينِِ من أنّ قوله فصل وحكم وعلم.
حينها انساب الوحي كنهرِِ عذبِِ يروي ظمأ العطاشى بصوت لطيف كلطف المطر إذا ما هطل على أرضٍ جدباء ليُحييها:
-إنّ الله مولاي، و أنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه، فعلي مولاه.
فخطفت الحروف أسماع الجميع، واعترت أرواح بعضهم رعدة ورجفة اصفرّت لها وجوههم، وبعض آخر باغته الأنس والبهجة.
كررّ ثم كررّ حتى بلغ ثلاثًا... ثم أكمل يسقي بيدٍ من حنان زائحًا عن العقول كل ستائر العمى والآذان تلتقط النبأ العظيم جيدًا:
- "اللهم والِ مَن وَالَاهُ، وَعَادِ من عَادَاه، أحِبّ من أحَبَّه، وابغض من أبغَضَه، وانصُر من نَصَره، واخذل من خَذَلَه، وأدِر الحَقَّ مَعَه حيث دار"...
وأتمّ آمرًا لهم: - "ألا فليُبلغ الشّاهد الغائب" (2)...
فبُهت الذي كَفَر، و يئست قلوب المنافقين المتربصين، وباءت كل أمانيهّم بالتهاوي، وكان وعد الله مفعولاً حين قال: "الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ".(3).
وخلّد الكون لحظة من صِنف الأبد، ورسالة أُكملت ونعمة أُتِـمّت، حين أصبح وجهُ عليٍّ مقصد الراجين النّجاة، والراغبين إلى الله، فقد زهق الباطل وتسربت إليه حشرجات موتٍ لمخططات سنين وأعوام.
وانبثق من عنان السّماء صوت جبريل يصدح ببشرى من الله: " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" (4).
لقد رفع الله عن قلب أبي القاسم (صلى الله عليه وآله) غمًّا ثقيلًا، وجعل على مد ناظريه فرحًا، حتى غمرت الحجیج فرحة التنصيب، وتهافت جمعهم مبايعًا، ماسكًا يد أبي الحسن وقد تقدمهم أبو بكر وعمر قائلين: "بخٍ بخٍ لك يا أبا الحسن أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن و مؤمنة" (5)، بعد أن أمرهم سيّد الخلق (صلى الله عليه وآله) بمبايعة الوليّ الناصح، ولم يكن يُسمع في تلك الظهيرة إلّا قول: "سمعنا وأطعنا لما أمرنا الله ورسوله بقلوبنا وأنفسنا والسنتنا و جميع جوارحنا" (6).
لم تکن المرّة الأولى التي أفصح محمد (صلى الله عليه وآله) بها عن أمر الربّ الجلیل، لكنّها المرّة الأولى التي أبلغ فيها دستورًا لا مناص منه ولا فرار.
فما زالت في ذاكرة بعض المُسلمين حوادث متعددة، مازالوا يذكرون حين كان يحكي لهم رسول الله (صلی الله علیه وآله) عن رجل قاسه بثلاثة أنبياء حين كان يقول: - "أُرِيكُمْ آدَمَ فِي عِلْمِهِ وَ نُوحاً فِي فَهْمِهِ وَ إِبْرَاهِيمَ فِي حِكْمَتِه‏"؟
فتعجب الصحب والحاضرون، فأيّ رجل ذاك الذي يحوي صفات الأنبياء؟
وما كان أسرع أن طلع عليهم فتى، فاشرأبّت له أعناقهم، فكان عليًّا.
حينها تساءلَ أَبُو بَكْرٍ:
- يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَ قِسْتَ رَجُلًا بِثَلَاثَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، بَخْ بَخْ لِهَذَا الرَّجُلِ مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ الله؟
فاستنکر النبي (صلى الله عليه وآله) علیه سؤاله: أَلَا تَعْرِفُهُ يَا أَبَا بَكْر؟ َ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِب‏.
فلم یجد أبو بكرٍ غير أن يقول: - بَخْ‏ بَخْ‏ لَكَ‏ يَا أَبَا الْحَسَنِ‏ وَ أَيْنَ مِثْلُكَ يَا أَبَا الْحَسَن. (7)
ومَضت قرون، وحلّت قرون، وافئدة من الناس تهوي إليه، وليسَ كلّ الناس، فمن ينظر بعين الله فقط هو من يستشعر ولايته، أمّا حاقد وناصب للعداء، فذاك لعله يتمنى أن يُمحى من كونٍ نُصّبَ فيه علي أميرا.
وها هما "محمد" و "علي" قد أوسع الله عليهما، وشرح صدريهما فانشرحت صدور المؤمنين، وبذا كانت أوسع شيء فيهم (8) بمحمد وعلي، ولا تنقشع غمائم الجور إلا بمحمد وعلي (صلوات الله عليهم أجمعين)
________
(1) سورة طه، آية 9
(2) كتاب سليم بن قيس، ج2، ص758/ قرب الاسناد، ص57/ المسترشد، ص470/ الكافي،ج2،ص24/ دعائم الاسلام، ج۱،ص۱٦
(3) سورة المائدة/ آية 3
(4) سورة المائدة/ آية 3
(5) رجال الکشي، ج [4]، ص86 / بحار الأنوار، ج37،ص251/ في رحاب الغدير، ص389
(6) في رحاب الغدير، ص389.
(7) كشف الغمّة، ج1ص115
(8) الکافي، ج٢،ص٢٢٦ "المؤمن أوسع شيء صدراً"

اخترنا لكم

تجلياتٌ معرفية في الخطاب المهدوي (1)

بقلم: علوية الحسيني "يَا أيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَسْتَنْصِرُ اللهَ وَمَنْ أجَابَنَا مِنَ النَّاس، وَإِنَّا أهْلُ بَيْتِ نَبِيَّكُمْ مُحَمَّدٍ وَنَحْنُ أوْلَى النَّاس بِاللهِ وَبِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله" هذا أول جزءٍ من خطبةٍ للإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، يخاطب الناس في أولِ ظهورٍ علني له، مسندًا ظهره إلى الكعبة, معرّفًا بنفسه لهم. وكل فقرةٍ من هذا المقطع الدعائي تحتمل وجهين، أحدهما يحتمل أن يتكلم الإمام عن نفسه (عليه السلام) خصوصًا، والآخر عن أهل البيت (عليهم السلام) عموماً وهو منهم ضمنًا. فقوله (عليه السلام):"يَا أيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَسْتَنْصِرُ اللهَ وَمَنْ أجَابَنَا مِنَ النَّاس" لعل الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يشير لأهل البيت عمومًا، فيكون مقتضى كلامه: أنّه استعمل اسلوب النداء حينما بدأ يخاطب ويطلب النصرة من الله تعالى، وممن أجاب دعوته (عجّل الله فرجه الشريف)، وهي الدعوة الى الله تعالى، حيث قال "إنّــا" إشارة منه إلى ديدن أهل البيت (عليهم السلام) بصورة جمعية، فهم عندما تتكالب الأعداء عليهم يطلبون النصرة من الله تعالى، ومن مواليهم، فيشكلون قوة رادعة بوجه الأعداء -وان كانوا قلة؛ فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة. وسيرة الأطهار كفيلة ببيان ذلك. ولعل الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يشير إلى شخصه الكريم، مستعملاً أسلوب التفخيم والتعظيم بقوله "إنّــا" فيكون مقتضى كلامه: أنّي أيضًا أطلب النصرة من الله تعالى وممن يواليني. يذكر أنّ أصحاب الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يجيبون دعوته رغم اختلاف مناطقهم وجنسياتهم، فأين ما يكونوا يأت بهم الله تعالى عند مولاهم؛ فعن المفضَّل بن عمر، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لقد نزلت هذه الآية في المفتقدين من أصحاب القائم (عليه السلام)، قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً﴾ [البقرة: ١٤٨]، إنَّهم ليُفتَقدون عن فرشهم ليلاً فيصبحون بمكّة، وبعضهم يسير في السحاب يُعرَف باسمه واسم أبيه وحليته ونسبه، قال: قلت: جُعلت فداك، أيّهم أعظم إيماناً؟ قال: الذي يسير في السحاب نهاراً"(1). قوله (وَإِنَّا أهْلُ بَيْتِ نَبِيَّكُمْ مُحَمَّدٍ) لعل مراد الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) هو أنّ أهل البيت (عليهم السلام) هم أهل بيت النبي الذي تدين به البلدة التي يكون ظهوره فيها، وهي مكة المكرمة؛ فيبدأ يعرّف بأهل البيت لطائفة تخالفه في المعتقد، لا تقول بإمامة الإمام علي والأئمة من بعده (عليهم السلام)، بل تعتقد بخلافة السقيفة. ومن المؤكد أنه يستدل لهم بما لا يقبل الشك، وبما يؤدي إلى القطع واليقين. ولعل مراد الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) التعريف بنفسه كونه فردًا من أهل بيت محمد (عليهم السلام) فإنّه بدأ يعرف بنفسه (عليه السلام) بأنه من أهل البيت (عليهم السلام). وكون المهدي من أهل البيت (عليهم السلام) هو ما دلّ عليه النقل عند العامة والخاصة، فقد روي "عن ‏إبراهيم بن محمد ابن الحنفية ‏، عن ‏أبيه‏، عن ‏علي ‏(ر)‏ ‏قال: قال رسول الله ‏(ص[صلى الله عليه وآله]) ‏ ‏المهدي ‌‏منّــــا أهل البيت يصلحه الله في ليلة"(2). كما وروي "عن النبي (ص[صلى الله عليه وآله]) أنه قال : لو لم يبق من الدنيا الا يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلًا من أهل بيتي يواطيء اسمه اسـمي واسم أبيه اسم أبـي يملأ الأرض قسطًا وعدلاً كما ملئت ظلمًا وجورا"(3). وروي عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: "يكون تسعة أئمة بعد الحسين بن علي تاسعهم قائمهم (عليهم السلام)"(4). قوله "وَنَحْنُ أوْلَى النَّاس بِالله" لعل الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يشير لأهل البيت عمومًا، فيكون مقتضى كلامه: نحن أهل البيت أفضل الناس عند الله، وأقربهم منزلة منه، وأكثرهم معرفة به. ودليل هذا نجده في الأدعية والزيارات التي صدحت بتلك الأولوية، ففي الزيارة الجامعة الكبيرة: "مَنْ اَرادَ اللهَ بَدَأَ بِكُمْ، وَمَنْ وَحَّدَهُ قَبِلَ عَنْكُمْ، وَمَنْ قَصَدَهُ تَوَجَّهَ بِكُمْ"(5). فبواسطة أهل البيت (عليهم السلام) عرفنا أصول الدّين من توحيد الله تعالى وعدله ووجوب بعثته للأنبياء والأئمة ووجود معاد- وإن كان العقل أيضًا يدل على ذلك، لكن قولهم يزيد من اطمئنان الفرد وصحة ما توصل إليه عقله- كما بواسطتهم عرفنا التكاليف الإلهية من فروع الدّين من صلاة وصوم وحج وزكاة وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وولاية أولياء الله وبراءة من أعداء الله. ولعله (عجّل الله فرجه الشريف) يشير إلى نفسه بالخصوص، مستعملاً ضمير التفخيم والجمع "نـحن"، فيكون مقتضى كلامه: أنه أولى الناس بالله؛ كونه الإمام المجعول من الله تعالى، خليفة له على الأرض، وإمامًا مفترض الطاعة. ولمفردة (أولـى) معانٍ عديدة، إلاّ أنّ ما يناسب سياق الخطاب هو: "أولى أفعل تفضيل بمعنى الأحرى، وخبر لمبتدأ محذوف يقدر كما يليق بمقامه"(6) فالتقدير: نحن أهل البيت أولى منكم بالله تعالى. وعلى كلا الاحتمالين في توجيه الضمير نحن -بكونه عائدًا لأهل البيت عمومًا أو للإمام المهدي (عليه وعليهم السلام) خصوصًا- فإنهم يـكونون أفضل الناس عند الله تعالى، فأصبحوا أولياء الله، قال تعالى مبيّنًا للفظة الأولياء: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُون}(7), فأوّل صفةٍ وصفهم الله تعالى بها هي الإيمان، ولـعل الله تعالى يشير إلى إيمان أهل البيت جميعهم بالله تعالى(عليهم السلام) بعد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وإقرارهم بالربوبية في عالم الذر، ففي عالم الذر وبعد أن خلق الله تعالى مخلوقاته بهيأة ذرات [على رأي] نثرهم وسألهم: مَن ربّكم؟ فكان أول من أجاب بالشهادة هم محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم)، فقد روي "عَنْ دَاوُدَ الرَّقِّيِّ أن أَبَا عَبْدِ الله (عَلَيْهِ السَّلام) قال: فَلَمَّا أَرَادَ الله أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ نَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ: مَنْ رَبُّكُمْ فَأَوَّلُ مَنْ نَطَقَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه) وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلام) وَالائــِمَّةُ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِمْ فَقَالُوا أَنْتَ رَبُّنَا..."(8). وأسبقيتهم على غيرهم بإقرارهم (عليهم السلام) بـالربوبية لله تعالى في عالم الذر كان مقدّمة لتحميلهم العلم الإلهي، وجعلِهم أولياء على خلقه وخلفاءه على بريته. والروايات الشريفة وصفت هذا الحدث العظيم بأنّ الله تعالى جعلهم (صلوات الله عليهم) حملة عرشه. فقد روي "عَنْ دَاوُدَ اَلرَّقِّيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ عَنْ قَوْلِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: «وَ كٰانَ عَرْشُهُ عَلَى اَلْمٰاءِ » فَقَالَ: مَا يَقُولُونَ؟ قُلْتُ: يَقُولُونَ إِنَّ اَلْعَرْشَ كَانَ عَلَى اَلْمَاءِ وَ اَلرَّبُّ فَوْقَهُ. فَقَالَ: كَذَبُوا مَنْ زَعَمَ هَذَا فَقَدْ صَيَّرَ اَللَّهَ مَحْمُولاً وَ وَصَفَهُ بِصِفَةِ اَلْمَخْلُوقِ وَ لَزِمَهُ أَنَّ اَلشَّيْءَ اَلَّذِي يَحْمِلُهُ أَقْوَى مِنْهُ. قُلْتُ بَيِــّنْ لِي جُعِلْتُ فِدَاكَ. فَقَالَ إِنَّ اَللَّهَ حَمَّلَ دِينَهُ وَ عِلْمَهُ اَلْمَاءَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ أَرْضٌ أَوْ سَمَاءٌ أَوْ جِنٌّ أَوْ إِنْسٌ أَوْ شَمْسٌ أَوْ قَمَرٌ فَلَمَّا أَرَادَ اَللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ اَلْخَلْقَ نَثـَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ مَنْ رَبُّكُمْ فَأَوَّلُ مَنْ نَطَقَ رَسُـــولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ أَمِــيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ وَ اَلْأَئِمَـــّةُ صَلَوَاتُ اَللَّهِ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا أَنْتَ رَبُّنَا فَــحَمَّلَهُمُ اَلْعِلْمَ وَ اَلدِّينَ ثُمَّ قَالَ لِلْمَلاَئِكَةِ هَؤُلاَءِ حَــــمَلَةُ دِيــنِي وَ عِــلْمِي وَ أُمَــنَائِي فِي خَلْقِي وَ هُمُ اَلْمَـــــسْئُولُون"(9). وهنا لعلّ سائلًا يسأل: هل أنّ ولاية أهل البيت (عليهم السلام) فقط على بني جنسهم؟ أي فقط على البشر من أنبياء ورسل وسائر الناس؟ أم تمتد ولايتهم الجعلية وتشمل حتى الملائكة فيكونون (عليهم السلام) أولياء على الناس والملائكة؟ جواب تلك الأسئلة يتضح من خلال تتمة الرواية المتقدمة "... ثُمَّ قَالَ[الله وسبحانه تعالى] لِبَنِي آدَمَ: أَقِرُّوا لِلَّهِ بِــالرُّبُوبِيَّةِ وَ لِهَؤُلاَءِ اَلنَّفَرِ[النبي والأئـمة عليهم السلام] بِــالْوَلاَيَةِ وَ اَلطــَّاعَةِ. فَقَالُوا[المـلائكة]: نَعَمْ رَبَّنَا أَقـْرَرْنَا، فَقَالَ اَللَّهُ لِلْمَلاَئِكَةِ: اِشْـــهَدُوا. فَقَالَتِ اَلْمَلاَئِكَةُ: شــَهِدْنَا..."(10). كما أنّ أولوية أهل البيت (عليهم السلام) على غيرهم كانت لأسبابٍ اخرى محل آثارها في عالم الدنيا, منها: 1- تنزههم عن دناءة الآباء وفجور الأمهات، فأهل البيت –والإمام المهدي منهم- (عليهم السلام) معروفون بطيب المولد, والعفاف المستقيم. 2- سلامة الخِلقة، فجميعهم (عليهم السلام) متصفون بسلامة الأبدان من التشوهات والأمراض التي تنفر الناس من الإيمان بهم كأئمة واجبي الإتباع بجعلٍ إلهي. 3- كمال الخُلق، وسيرة الأئمة (عليهم السلام) كفيلة ببيان كمال أخلاقهم ودرجة لائقية تعاملهم مع الناس. 4- كمال العقل، فالعقل الذي يتورع عن ارتكاب المعاصي، وتكون التقوى ملكة نفسانية لدى صاحبه، رغم امكانية فعله للمعاصي، لا يكون إلاّ عقلاً كاملاً، وهذا ما اتصف به أهل البيت (عليهم السلام). فجميع تلك الخصائص تجعلهم (عليهم السلام) أولى الناس بالله تعالى. والأصل في ذلك كله هو الجعل الإلهي. قوله: (وَبِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله) الواو حرف عطف، عطف الجملة على السابقة، والمعنى نحن أهل البيت أولى الناس بمحمد (صلى الله عليه وآله). ولعل الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) يشير إلى نفسه خصوصًا مستعملاً ضمير التفخيم والجمع "نـحن"، فيكون مقتضى كلامه: أنا أولى الناس بـمحمد (صلى الله عليه وآله) رغم أن هذا المعنى مستبطن في الأول. وقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "إنَّ المَهْديَّ مِنْ عِــتْرَتي، مِنْ أهلِ بَيْتي، يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، يُنْزِلُ لَهُ مِنَ السَّماءِ قَطْرُها، وتُخرِجُ لَهُ الأَرْض بَذْرُها، فَيَمْلأُ الأَرْضَ عَدْلاً وَقِسْطاً، كَما مَلأَها الْقَوْمُ ظُلْماً وَجَوْرا"(11). _________________________ (1) كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: ص٦٧٢، ب٥٨، ح٢. (2) مسند الإمام أحمد بن حنبل لأحمد بن حنبل, مسند العشرة المبشرين بالجنة, مسند الخلفاء الراشدين, ومن مسند علي بن أبي طالب (ر), ح646. (3) منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية, الفصل الثاني في أن مذهب الامامية واجب الاتباع - الجواب عن كلام الرافضي على حديث المهدي من وجوه, ج4, ص95. (4) الخصال للشيخ الصدوق: ص480. (5) مفاتيح الجنان للشيخ القمي: (6) غيبة الطوسي للشيخ الطوسي: 178. (7) يونس: 62-63. (8) الكافي: للشيخ الكليني, ج1, باب العرش والكرسي, ح7. (9) المصدر نفسه. (10) المصدر نفسه. (11) غيبة الطوسي: 180. اَللّـهُمَّ اَعِذْهُ مِنْ شَرِّ كُلِّ باغ وَطاغ وَمِنْ شَرِّ جَميعِ خَلْقِكَ، وَاحْفُظْهُ مِنْ بَيْنِ يَديهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمينِهِ وَعَنْ شِمالِه.

اخرى
منذ 9 أشهر
1941

أم البنين (عليها السلام) الوجيهة عند الله تعالى بالحسين (عليه السلام) في الدنيا والاخرة

تعني الوجاهة بشكل عام: الحرمة والرفعة والقوة والمُكنة لمالكها عند الخلق. ويمكن أن نصنف الناس في سعيهم لبلوغ الوجاهة إلى صنفين: الصنف الأول: صاحب النظرة المحدودة الذي يسعى لبلوغ الوجاهة عند أهل الدنيا وفي الدنيا فقط، فتراه يبحث ويتقرب من كل الأسباب المادية الدنيوية المتمثلة بجمع المال والثروة والدرجات العلمية العالية، والكون من الطبقات الاجتماعية الرفيعة ليبلغ الوجاهة والرفعة في اعين الناس. الصنف الثاني: صاحب النظرة غير المحدودة الواسعة، حيث يتصل بمصدر القوة والعزة سبحانه وتعالى، وبأوليائه فيبلغ الوجاهة في الدارين، ويبلغ الرفعة المادية والمعنوية. ومن هنا نعرف: أن الأمر متوقف على الإنسان نفسه، الله تعالى وفق حكمته وعدله لا يُعطي شيئًا مادياً أو معنوياً من دون استعداد وقابلية في من سيُعطى، وهذا يُوصلنا بالنتيجة إلى معرفة عظمة وكمالات صاحب تلك الوجاهة، وزكاة تلك النفس (أي الصنف الثاني). وهنا سنتطرق إلى ملكة واحدة توصل الإنسان لبلوغ الوجاهة عند الله تعالى وكيف تجلت في مولاتنا أم البنين (عليها السلام) وبمقدار ما وفقنا تعالى، وهي "التقوى" حيث قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ... إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } (الحجرات: 13). ويمكن تعريف الكرامة بأنها مقدار القرب من الله تعالى، وبلوغها -كما بينت الآية- بالتقوى، فهي استشعار حضور الله تعالى ورقابته لنا، ورعايته وعنايته، وهي في اللغة مشتقة من الوقاية فعن الإمام علي (عليه السلام) يقول: "اعلموا عباد الله أنّ التقوى دار حصن عزيز..." (١). وهي تصقل هذا القلب وتصفيته وتطهره وتجعله مؤهلاً ليكون محل لتقبل الفيوض الإلهية ورحمته وكرامته كما قال تعالى: {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ} (الحجرات:3) "فروح التقوى لا تُعطى إلا بعد إن يُمحص العبد ويختبر باختبارات الصبر والرضا والتسليم ثم إذا نجح يعطى ملكة التقوى" كما يعبر أحد علمائنا. وهي أساس كل نية صادقة وإيمان خالص وطاعة وعمل مقبول عند الله كما في قوله: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ}(التوبة:108). ففي حديث قدسي يبين ثمرة بلوغ التقوى: "يا ابن آدم أنا أقول للشيء كن فيكون، أطعني فيما أمرتك أجعلك تقول للشيء كن فيكون" بالنتيجة نصل لنفس المطلب وهو الوجاهة، أي بلوغ القدرة على التصرف خارج الأسباب الطبيعية، وامتلاك قدرات غيبية. ومن هنا يمكن أن نقول: إن أعظم مصاديق الطاعة والعمل لله تعالى قد بُينَ لنا في حديث قدسي آخر حيث ورد في "دعوات الراوندي" (اختصاراً أخذنا الشاهد منه فقط) أنه روي أن الله تعالى قال لموسى (عليه السلام): ".... فأي عمل عملت لي؟ قال موسى عليه السلام: دلني على العمل الذي هو لك، قال: "يا موسى هل واليت لي وليًا، وهل عاديت لي عدوا قط؟ فعلم موسى أن أفضل الأعمال الحب في الله، والبغض في الله"(3) أي أن على رأس موارد الطاعة والعمل الخالص لله هو ولاية أولياء الله، والكون مع حجج السماء كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التوبة:119)، وأعلى مصاديق الصادقين هم النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) من الأئمة الاطهار. وبعد هذه المقدمات نصل إلى مطلبنا وهو بلوغ مولاتنا أم البنين (عليها السلام) أعلى درجات التقوى المتجلية بولاية أمام زمانها سواء في زمن الإمام علي (عليه السلام) وولديه الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) كما هو بَيّن في مختصر سيرتها المشهور والواصلة إلينا. وكلامنا هنا عن ولايتها للإمام الحسين (عليه السلام) بشكل خاص، وهذا إن دل فإنه يَدل على عِظم مقام هذه السيدة، وسعة وجودها الإلهي بما تملكه من استعدادات وقابليات أهّلتها لتكون بهذه الوجاهة والكرامة عند الله سبحانه وتعالى. كما ورد في وصفها من قبل أحد علمائنا أنه قال في حقها: "كانت من النساء الفاضلات العارفات بحق أهل البيت (عليهم السلام) ... ذات تقى وزهد وعبادة" (٤). من مصاديق الوجاهة للسيدة أم البنين (عليها السلام) في الدنيا: - المودة في قلوب الخواص والعوام. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} (مريم: 96). وعن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال: "التقوى سنخ الإيمان" (٥). فتحقق الايمان يعني تحقق التقوى، والسيدة الجليلة كانت ذات شأن عند الأئمة حيث كانوا يكنّون لها حباً ووداً واحتراماً خاصاً. حيث مما ورد في وصف شأنها "كانت أم البنين (عليها السلام) من النساء الفاضلات، مخلصة في ولائهم، ممحضة في مودّتهم، ولها عندهم الجاه الوجيه، والمحلّ الرفيع، وقد زارتها زينب الكبرى بعد وصولها المدينة تعزّيها بأولادها الأربعة، كما كانت تعزّيها أيام العيد.." (٦). وهذا أوجب لها مودة ليس فقط في قلوب خواص المؤمنين بل في قلوب عامة المؤمنين، وهذا واضح من خلال ما لها من عظمة في النفوس، وما لها من ذكر مستمر، وإحياءٍ لأمرها دائم. - درجة العلم والمعرفة التي جعلتها صاحبة رفعة قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ...}البقرة (282). ظاهراً كانت السيدة شخصية عادية من حيث عدم انتمائها لبيوت الأنبياء والأوصياء قبل ارتباطها بالإمام علي (عليه السلام)، إلا إن الله تعالى وهبها درجة علم ومعرفة بحججه عجيبة! وهذا يُشير إلى سمو روح هذه السيدة الإلهية وطهارة نفسها ونقاوتها وتقواها التي أوصلتها إلى هذه المرتبة من الذوبان بسيد الشهداء (عليه السلام) حتى إنها تخلت عن اسمها رعاية لمشاعر ذرية بيت النبوة والإمامة، وفدته بذراريها، وهل هناك أحب للأم من أبنائها؟! إلا أنها صَنعت منهم درعاً وحصناً حول قلبها ووهبتهم لربها قرباناً ليبقى وجود حب إمامها حياً بقلبها ومحيّاً لوجودها بعد رحيلها، حيث ورد أنه لما رجعت القافلة للمدينة بعد واقعة كربلاء أنها قالت: "قَطَعت نياط قلبي أولادي الأربعة، ومن تحت الخضراء فداء لسيدي أبي عبد الله الحسين (عليه السلام). من مصاديق وجاهة السيدة في الآخرة تعالى عزّ وجل يصف نبيه عيسى (عليه السلام) بأنه وجيهاً بقوله: {... إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} (آل عمران: 45)، ثم في آية أخرى يُعطي شيئًا من مصاديق تلك الوجاهة في قوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ....وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي...} (المائدة: 110). في حدود فهمي، هذه الوجاهة هي أعلى مراتب الكرامة وتعرف بـ "معاجز الانبياء"، وهي قدرات خاصة وقوى غيبية -كما قلنا سابقاً- تُعطى لخواص الخلق يخترق بها السنن الطبيعية بإذن الله سبحانه. هي تعطى لهم لإثبات حجيتهم وصدق رسالاتهم، لكون تلك الأقوام تميل إلى البراهين الحسية الملموسة التي يرونها بالعين، ولكنها تكسبهم أيضاً ذات المطلب وهو إظهار قربهم وكرامتهم عند الله تعالى للناس أجمعين. ومولاتنا أم البنين (عليها السلام) حازت على مقام القرب الإلهي في الأخرة من خلال ظهور كراماتها في الدنيا عند التوسل بها، وذلك بجعلها وسيلة لقضاء الحوائج الصعبة، والمشكلات المعقدة في حياة أي إنسان لديه عقيدة وإيمان بعظم شأنها، والأمر خاضع للتجربة والمحاولة والكرامات لا تُعد ولا تُحصى، فهي باب من أبواب الله سبحانه وتعالى الذي لا يُغلق بوجه سائل أو محتاج يطرق أبوابه. لذا نستطيع أن نقول: إن مولاتنا أم البنين (عليها السلام) بمقدار ما هي [وسيلة] لنبلغ مطالبنا ومقاصدنا، هي [مطلب] و[مقصد] أيضاً من خلال التأسي بها والسير على سيرتها ببلوغ درجة التقوى (القرب) من خلال الطاعة القصوى لإمام زماننا (عجل الله فرجه) والأئمة الأطهار (عليهم السلام) لنبلغ الوجاهة بهم عند الله في الدنيا والآخرة كما هي بلغت ذلك وذلك بمقدار استطاعتنا. __________________________ (١) نهج البلاغة، الخطبة ١٥٧. (٢) بحار الأنوار ج٩٠، ص٣٧٦. (٣) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج ٦٦، ص ٢٥٣. (٤) زينب الكبرى للنقدي، ص٣٣. (٥) تحف العقول، ص١٥٤. (٦) العباس للمقرم: ص ٧٢-٧٣، نقلاً عن مجموعة الشهيد الأول. فاطمة الركابي

اخرى
منذ 11 شهر
3687

عرّفني حجّتك

بقلم: زهراء حسام عند كل مناسبة دينيّة الأجدر بنا وبها هو الاستفهام من ضمائرنا، هل نحن في عامّة الأيّام والشهور كنّا في حالة ترجمة لمشروع صاحب هذه المناسبة؟ وكم سيتأكّد السؤال ويصعُب وقعُه عند طرحه في المناسبات الخاصّة بالإمام الثاني عشر، ومَكمن الصعوبة عندما يكون السؤال متعلّقاً بالشريحة التي ينتظرها الإمام للقيام بالأمر المُرتقب، وهم الشباب، وهل أن قاعدتهم بالمستوى الذي يُناسب أمر القيام؟ لو ذهبنا بعيدًا عن المشكلات الأخلاقية والاجتماعية التي تُمنى بها هذه الشريحة، وهي مشكلات معلومة الحلول (وإن تأخروا وتثاقلوا في تطبيقها) الى مشكلات تتعلّق بأصول الدين، تتمثل بالفكر والعقيدة. ما نلاحظه في بعض الطبقات الشبابية الساعية الى التطوير الفكري والثقافي بأن هناك طموحاً لديهم نحو التجديد والحداثة، تجديد يصل في أحيان كثيرة الى مستوى خروج مفهومٍ ما مِن المفاهيم الدينية عن معناه! فيصير غيره لا هو! ما عادوا يريدون ديناً يحظر الاختلاط بين الجنسين، ولا يعطي أهمية للحجاب، يريدون غناءً محللاً وعباداتٍ مألوفة للذوق مما يشتهون. لا مقدّس وإن ارتبط بالله، لا عقيدة غير مستوعَبة لعقولهم وإن نزل بها كتاب مبين، لا يريدون ثابتاً، بل.. لا يريدون حقيقة! يريدون ما يريدون هم فقط.. هكذا، بمعية البعض ممن افترش لهم مائدة الإرادات هذه لينتقوا منها ما لذ وطاب! مثلاً.. وبحكم التواجد في الجامعة أعرف بعض الطّالبات ممن هنّ بعيدات عن الدين وأجوائه ورجالاته، قد استغرقن في المسلسلات والغناء، شُغلهن مراقبة الوقت للتسمّر أمام التلفاز ومشاهدة كل ما لا ينفع.. فجأة تتحول الى مدوّنة تكتب ضد ثوابت وكُبريات الدين، فجأة نسمعها وعند زيارة مرقد سيد الشهداء تقول لزميلاتها: لماذا تُمسكن بالشباك، هذه خرافة! سبحان الله! أ في هذه الحالة من حالات كثيرة مشابهة أأتي وأقول أن المشكلة سببها "رجال الدّين" أو "المؤسسة الدينية" أو "الخطاب الديني" وهي وأمثالها مكانها قصيّ عن الدين برُمّته ولا تلتزم بأصغر مسألة فيه لتأتي وتفنّد وتُخرّف قضيّة عقائدية.. لماذا؟ لأنها قرأت وبحثت؟! كلا ومن أين؟ لأنها جلست في مجلس أحد علماء الدين في الحوزة ولم يقنعها فتبرأت من الدين، أو أنه استخدم أسلوباً جافاً معها فانتبذت الى غير هذه الملة؟ [وهل أن فضاضة الأسلوب مبرر لعقلها ولضميرها خروجها من الدين]؟ هي لم تستمع للمحاضرات فنفرت من رتابتها واستهلاك مواعظها، ولستُ في مقام الدفاع وأعترف أن هناك ركاكة فظيعة لدى بعضهم لا تُشجّع على الاستماع لمقولاتهم فضلاً عن الامتثال لها. هي لم تقرأ أصغر كتاب عقائدي فما الذي حدى بها الى ترك تراثنا الكبير واللجوء الى .....! لا هذا ولا ذاك.. تلك وأمثالها إنما وجدوا رأياً شاذاً لبعض المؤلفين "الكبار" ممن زجّوا بأنفسهم في ميدان الاختصاص وهم غرباء عنه، مؤلفين يرسمون الدين باللون "الوردي" هم بارعون جداً في ميادينهم، لا أدري لماذا يحشرون أنفسهم في غيرها، بل لماذا نأخذ منهم علم الكلام وأساسيّات ديننا؟! لماذا أأخذ منهم "شريعتي" وهناك منابع أصيلة لها؟! وقرأوا رأيًا آخر لشيخ فيسبوكي يخيط العقيدة والفقه بالفصال والموديل الذي يريده المعجبون والمعلّقون! ثم.. رويدًا رويدًا يترك الشاب ثوابته ويرد عليها، ولا تقنعه بديهياتها ثم ينبذ كل شيء ويصير ملحدًا، فينتج عندنا شابٌّ لا يعرف دينًا ولا ربّاً، بل لا يعرف نفسه. لماذا، لماذا لا يجتهد هؤلاء لردّهم لأصولهم؟ لعلوم دينهم التي تديّنا بها وسرنا عليها منذ زمن الأئمة والغيبتين وعلى امتداد الخط العلمائي؟ نعم، فالدين لا يختص بحقبة زمنية ولا بمرجع معيّن حتى نُفرغ عليه غضبنا إذا ما كرهنا زماننا أو اختلفنا مع مرجعيّته! هناك أمر تعوّدناه في الشريعة، نعم في الشريعة ذاتها لا عند المتشرعة فقط حتى نشكك فيه، وهو خفاء بعض أو كثير من علل أوامرها ونواهيها، بل حتى إذا ما لاحظنا سيرة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) فهم كثيراً ما اتخذوا مواقف لم يعللوها بعلل، وما صار لهم حواريّون من أصحابهم إلا لشدّة التسليم في تلك المواقف والانقياد دون تمرّد وسؤال.. فهل هناك قاعدة شبابية بهذا المستوى ينهض بها الإمام عند قيامه بالأمر العظيم؟! في هذا المقطع من دعاء زمن الغيبة تشخيص للمشكلة مع سلسلة حلولها: "أَللّهمَّ عرِّفْنِي نَفْسَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْ رَسُولَكَ، أَللّهمَّ عَرِّفْنِي رَسُولَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي رَسُولَكَ لَمْ أَعْرِفْ حُجَّتَكَ، أَللّهمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي".

العقائد
منذ 9 أشهر
3233

التعليقات

يتصدر الان

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29143

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29043

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29043

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
27912

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنة
12667

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
12242