تشغيل الوضع الليلي

عمائم شرف ح ٢

منذ شهرين عدد المشاهدات : 210

بقلم: غدير خم حميد
الشهيد السعيد الشيخ علي نافع العبودي
على مر الزمان كان العدو متربصًا بالعراق بلد الخيرات والمقدسات، تكالبت الأعداء وتوالت الحملات لإذلال شعبه الأبي الشريف ذي البطولات، وكانت داعش خطة جديدة للنيل من هذا البلد وأهله، شرذمة خبيثة جاءت بالقتل وسوء الأفعال والأقوال، حاملة أفكارًا شيطانية لتشويه اسم الإسلام وقتل الشعب العراقي، فانبرت المرجعية الرشيدة وكما عودتنا لحماية الأرض والعرض والدين والإسلام والمسلمين فنادت بالجهاد الكفائي، فتوى مقدسة أنقذت العراق ومقدساته من الكثير من المآسي والآلام، وبمجرد انطلاقها تسارع أصحاب الغيرة وأهل الحق لتلبية النداء، وكان من بينهم علماء أجلاء وطلبة علم كرام فضلاء من الحوزة العلمية الشريفة التي اعتدنا منها العطاء، سارعوا إلى ساحات الجهاد بعد أن كانوا دائمًا مسارعين إلى نيل العلم والمعارف الدينية، وما أكثر من رحل منهم وهاجر إلى العلياء بعد أن عطّر أرجاء الوطن بعبق دمائه، وتعفّرت بتراب الأرض جبهته، فلا يمكن والحالة هذه أن ننسى فضلهم أو لا نذكر تضحيتهم؛ ومن هنا جاءت التسمية "عمائم شرف" سعيًا متواضعًا منّا لتخليد ذكراهم الطيب وجهادهم المبارك..
ومن هذه العمائم المباركة التي ما نزال مدينين لها الشهيد السعيد الشيخ علي نافع العبودي ـ أبو وارث، الذي ولد في مدينة البصرة، منطقة المطيحة، بتاريخ ١٩٦٤م، شهيد أبيٌّ ترعرع على مبادئ الإسلام، واتبع أخلاق أهل البيت (عليهم السلام)، كان مثابرًا على طلب العلم منذ صغره رغم صعوبة ظروفه المعيشية، فمنذ دراسته الإعدادية انتقل إلى مدرسة مسائية، في سبيل الحصول على لقمة الحلال نهارًا والسعي في طلب العلم ليلًا، كان للشهيد اهتمام بتغذية المجتمع بمفاهيم الدين وأخلاقياته، إذ سعى لخلق ثلة صالحة حوله، كان من بينهم شهداء نالوا شرف الشهادة على أيدي أزلام البعث الظالم، وكان أخوه أحدهم؛ لما له من دور مهم في الانتفاضة الشعبانية المباركة، ورغم استشهاد أخيه فإنه لم يتوقف في مساعيه للثورة بوجه الظلم والطغيان، إذ أظهر بسالة وشجاعة منقطعة النظير في انتفاضة الإباء التي قام بها أهالي قرية مهيجران، لكن جبروت الظلم والطغيان تمكن من إطفاء شعلة الانتفاضة فاضطر للهجرة عن البلد مرغمًا، لكنه عاد بعد عام شوقًا إلى وطنه، فعانى الكثير بسبب ملاحقات رجال البعث له حتى توفي والده العزيز أثر مداهمتهم اللعينة للمنزل بحثًا عنه.
إلا أن (أبا وارث) صاحب العزيمة والإصرار والهدف النبيل استمر في دراسة العلوم الدينية في الحوزة العلمية رافضًا الاستسلام لظلام البعث وظلمه، لذا فإن صاحب هذه السيرة العطرة والروح الساهرة في سبيل دين الله أبى إلّا أن ينضمّ إلى قطاعات الحشد الشعبي المقدس بعد انطلاق الفتوى المباركة، وقد سارع مع ثلاثة من أبنائه للدفاع عن المقدسات وحماية العتبات المطهرة، وكان مثالًا في التضحية والفداء رغم ألم المرض وما لديه من المشاكل الصحية، غير أن روحه الأبية لم تسمح له بالتقاعس حتى فاضت روحه الطاهرة بعد أن كتب سيرة حياته بانتصارات باهرة، فقضى نحبه ومضى شهيدًا اثر انفجار عبوة ناسفة غادرة في طريقه في منطقة الدور، فعرج في العارجين، وانضمت روحه إلى أرواح الخالدين بتاريخ ٢١ـ٣ـ٢٠١٥م
فالسلام عليك يا ابا وارث ورحمة الله تعالى وبركاته.

اخترنا لكم

العيوب عند الزوجين...إضاءة وحلول

بقلم: منتهى محسن محمد من المتعارف عليه أن أول برمجة نتلقاها جميعا هي برمجة الأهل والأسرة فهي التي تؤسس لنا متبنياتنا الأولية في الفكر والسلوك ، وهي ليست صعبة التغيير إذا ما وجدت الإرادة والوعي لذلك. فقد يعيب الزوج على زوجته ضعف اهتمامها بالتنظيف ويدقق في هذه المسألة كثيرًا، وذلك لأنه تلقى قدرا مبالغا في هذا الجانب من خلال برمجته الأولى، ولما وجد الفرق بين البرمجة الاولى والواقع المعاش اهتزت الصورة لديه وأعرب عن انزعاجه وتذمّره خاصة بعدما يجد ان هنالك من يضع له الحلول الجاهزة كمحاولة للخلاص من مشكلته الخطيرة جدا ؟! ومن تلك الحلول الجاهزة الزواج من امرأة ثانية حيث تتيح له هذه الفرصة قدرا اكبر من تحقيق مطالبه بذلك الجانب المفقود لدى الزوجة الاولى ، وسواء جاءت الامور على ما يريد ام لا ، فالأمر سيان فربما لا ينعم بالهدوء والاستقرار مطلقا بعد ذلك ، وستكون له جملة من المشاكل الجديدة التي يثقل حملها . والملفت: أن صانعي هذا الحل يعتقدون بان ذلك الموقف يجبر الزوجة على الانصياع والانتباه إلى ما يريده زوجها من مستوى النظافة –مثلًا- الذي يطمحه، وهذه الطريقة بمثابة ورقة تهديد وإنذار لها، لعل لبَّها يعود اليها . وبالرغم من ان الزوجين قد تلقيا البرمجة في النواة الأولى المتمثلة بالأسرة باختلاف طريقة المعاطاة فإننا نجد أنهم قد تنافرا بالرؤى فأصبح الزوج يدقق أكثر وظلت الزوجة غير مكترثة بالأمر . فهل يحق لسين او صاد من الناس ان يوجهوا عناية الزوج نحو تحقيق رغباته بالزواج من ثانية؟ والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو : ماذا لو انعكست الصورة وعاشت الزوجة مع زوج غير مكترث في جزئية من الحياة؛ كان لم يشبعها عاطفة ولم يسمعها كلمات الحب والمجاملة ولم يشعرها بأنوثتها! اغلب الظن أن الكلام سيتجه الى مصبٍّ واحد متفق عليه من قبل الجميع: ( تحملي واصبري. هذا زوجك وأبو أولادك ..والرجل لا عيب فيه.. وهل ستخسرين أسرتك وأولادك لأجل هذا المطالب التافهة؟!) وبالرغم من أن مسألة احترام الذات وتوقيرها وإبداء المحبة والاهتمام بالآخر من أهم سبل العيش بالسلام الداخلي والاستقرار العاطفي ، إلا انه لا يمثل شيئًا ذا أهمية في أعين الناس ، متناسين ان هذه الجزئية تعد كيان المرأة ومصدر سعادتها وطاقاتها، ولأنه لا بدائل للمرأة، صار عليها لزامًا أن تتجرع ذلك الإهمال وترتوي من جفاف عاطفة الرجل حتى نهاية العمر إن لزم . ولهذا نشير بان التفكير في الأخر يوجب علينا تفعيل مبدأ العدالة والإنصاف، فالنواقص موجودة وليس هنالك كمال الا للخالق جل جلاله، وعليه فلا بد من تقبّل الآخر بوضع خصاله الإيجابية قبل السلبية ونتعامل معه على ذلك الاساس، ولا داعي لان نكبر مساحة الحطام بإشعال النار من جانب اخر ! وهنا ثمة حلول اجدها ذات منفعة لكلا الطرفين : 1- ان يتقبل الرجل زوجته ويتحمل هذه الجزئية التي لا تلبي طموحاته؛ في الوقت الذي يلاطفها لكي تتحسن في ادائها، وقد حثت السنة على ذلك كثيرا . 2- لأنها انسانة كرمها الله مثله فعليه ان لا يتهمها ويوبخها دائما بذلك؛ وأن يكون حلو المعشر معها ليكسب ودها ثم تقوم بما يريد، لان من يعشق يذوب في محبوبه . 3- على الزوج تلمس جوانب الزوجة الجيدة، فلها بالتأكيد خصائص جميلة عليه ان يكافأها عليها تحفيزًا لتعديل السلوك. 4-لينظر الى نفسه في مرآة الحياة؛ هل هو خالٍ من العيوب؟ هل هو كامل ومثالي ولا ينقصه عيب او شائبة؟ وليحاسب نفسه ويتصور ان هنالك من يقرعه باستمرار لواحد من العيوب، وليشعر بالأزمة ذاتها التي تشعر بها زوجته عنما يؤنّبها باستمرار حول ما يريد. 5- ولابد من الإشارة إلى أن الزوجة لو شعرت بالحنو من زوجها والاهتمام المطلوب والتوجيه الواعي الرصين فلربما نهضت بمسؤولياتها على أتم وأحسن وجه . 6- على الزوج أن يشارك زوجته العمل المنزلي –قدر إمكانه وكلما أتيحت له الفرصة- ويتخلى عن الأنا الذكورية التي تقولب عليها جراء ما أمْلته عليه التقاليد والعرف البالي... 7- ان يزج نفسه وزوجته في متابعة محاضرات تختص بتنمية العلاقة الأسرية ،كأن تكون على الشبكة العنكبوتية او في دورات التنمية البشرية واقتناء بعض الكتب المفيدة بهذا المجال. 8- ان يصبر الزوج على زوجته ويستعين بالله في تسهيل الأمور وتوفير الجو الآمن لسعادته وسعادة اسرته؛ لا ان يسمع تلقين إحداهن بتركها، ولا أن يستجيب لها فلعله يخرج من مأزق ليقع في مأزق أخر اكبر وأوسع . 9- إذا لم يجد في كل ذلك عونا له فليبحث في دائرة معارفه على شخصية نسوية لها علاقة طيبة مع زوجته ويحاول ان يلقنها ما يطمح أن يراه من زوجته، عبر رسائل ودودة ومحترمة خالية من التجريح والاهانة لعله يحدث تغييرا غير مباشر بإذن الله . وكما قال الله تعالى :( لعل الله يحدث بعد ذلك امرا) 10- على الزوج أيضا التأسيس للأبناء المشاركة في عمل البيتي كأمر ثابت -ذكورا كانوا ام إناثًا- فالجميع مسؤول على النظافة وليس من العدالة أن يتكل الكل على مهارة الأم بذلك، وإنما جميع الأفراد يتعاونون في ذلك، ليس في هذه الحالة فحسب وانما بشكل مطلق، لان المرأة أيضا لها تطلعاتها، وإذا تمّ تقسيم العمل على الأفراد سنجد حيزا من تحقيق ذلك التطلع، إضافة إلى انه أسلوب راقي في التربية يعلّم الأبناء على تحمّل المسؤولية واتباع النظام والتقيد به. وبعد هذه النقاط من الحلول تبقى الامنيات والدعوات ترفرف على شُرف كل البيوت في أن يغمرهم الله بدفء المشاعر ويسود التفاهم والاهتمام والحب بين الزوجين ..... والله ولي التوفيق

اخرى
منذ 11 شهر
914

المعالم التربوية في السلوك النبوي 《٢》

تعددت الطرق التربوية التي اتبعها الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) لتربية الأمة من خلال سلوكياته للارتقاء بالمجتمع المسلم إلى مستوى الخلق الرفيع الذي يوصل الفرد إلى أعلى درجات الإنسانية. ومن هذه السلوكيات النبوية المؤثرة في تربية الأمة هو أسلوب ضرب الأمثلة الواقعية ومحاكاة جنباتها مع محاولة إشراك الأفراد فيها لتعزيز هذا المفهوم بالمصاديق المادية لتترسخ هذه القيم والمبادئ في النفوس. فقد رُوِيَ عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السَّلام) أنهُ قَالَ :إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) نَزَلَ بِأَرْضٍ قَرْعَاءَ. فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : " ائْتُوا بِحَطَبٍ " .فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، نَحْنُ بِأَرْضٍ قَرْعَاءَ ، مَا بِهَا مِنْ حَطَبٍ ! قَالَ : " فَلْيَأْتِ كُلُّ إِنْسَانٌ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ ". فَجَاءُوا بِهِ حَتَّى رَمَوْا بَيْنَ يَدَيْهِ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ .فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) : " هَكَذَا تَجْتَمِعُ الذُّنُوبُ ". ثُمَّ قَالَ : " إِيَّاكُمْ وَ الْمُحَقَّرَاتِ مِنَ الذُّنُوبِ ، فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ طَالِباً ، أَلَا وَ إِنَّ طَالِبَهَا يَكْتُبُ ﴿ ... مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾(1).(2) ومن المعلوم ان هذا الأسلوب الذي يعتمد على الواقعية في ضرب اﻷمثلة أبلغ تأثيرا في النفس البشرية من أسلوب الوعظ والإرشاد وأكثرها ترسيخا في القلب والعقل فالمفاهيم النظرية لا تترسخ في العقول والأذهان إن لم تطبق بشكل عملي لتقريب المعنى، وهنا يريد (صلى الله عليه وآله) عدم تحقير الذنوب مهما صغرت لأن ذلك يؤدي إلى الاجتراء شيئا فشيئا على المعصية من الصغائر إلى الكبائر وإن كانت أكثر الذنوب ناتجة من اللمم -الصغائر من الذنوب- التي تتراكم علينا وعلاجها أن لا ننظر إلى حجم المعصية بقدر ما ننظر إلى من عصينا. كما يرسم لنا (صلى الله عليه وآله) من خلال تعامله مع خادمه منهجا متكاملا في أدب التعامل مع المرؤوسين فعن أنس قال: (والله لقد خدمته تسع سنين ما علمته قال لي لشيء صنعته لم فعلت كذا وكذا؟ ولا عاب علي شيئا قط والله ما قال لي أف قط)(3)، وعنه أيضا قوله: (والذي بعثه بالحق ما قال لي في شيء قط كرهه: لم فعلته؟ ولا لامنّي نساؤه إلا قال دعوه)(4). وهنا تتجلى أرقى سلوكيات النبي (صلى الله عليه وآله) في التعامل مع خادمه أنس ليرسم لنا ملامح التعامل مع الأقل شأنا من الخدم أو المرؤوسين، وكذلك يعطي لنا المعالم الرئيسية للصفات التي يجب أن يتحلى بها الرئيس في العمل او المدير في التعامل مع الموظفين وهي التواضع والحلم لتكسب الإدارة قلوب الموظفين كما تشجعهم على العمل بإخلاص وتفان ومحبة وبالتالي زيادة الإنتاج في أي مجال، فالتعامل الأخلاقي الراقي مع الموظفين يصب بالتأكيد في مصلحة الجميع من رئيس ومرؤوس بعكس الإدارة المتزمتة والمتعالية والغاضبة والمتطلبة والمانة عليهم. فلو تحققت مرونة تعامل الادارة مع الموظفين والحلم على جهلهم والتنبيه على أخطائهم والعمل معا على تجاوز وإصلاح تلك الأخطاء كي لا تتكرر مرة أخرى بالحكمة والموعظة الحسنة واعتبارهم اخوة أو أبناء لأنهم يركبون سفينة واحدة (المؤسسة) وهدفهم الوصول بها إلى بر الأمان (أي تحقيق الهدف من العمل بأقل خسائر ممكنة وتعزيز قيمة العمل وزيادة الإنتاج) لما شاهدنا كل هذا التناحر والاختلاف والمشاكل في المؤسسة الواحدة الذي ينعكس سلبا على تقدم المجتمع وبالتالي تقهقره في مواكبة عجلة التطور الحضاري. وعلى صعيد آخر نجد معالم التربية في سلوك النبي (صلى الله عليه وآله) في أدق مفاصل الحياة المنزلية للفرد، فمثلا نرى سلوكه في أدب التعامل مع الضيف واحترامه في مسألة الجلوس معه على الطعام، فعن أبي عبد الله (عليه السلام): (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أكل مع قوم طعاما كان أول من يضع يده وآخر من يرفعها ليأكل القوم)(5) وعن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام): (ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أتاه الضيف أكل معه ولم يرفع يده من الخوان حتى يرفع الضيف يده)(6) ومما لا شك فيه ان هذا الخلق النبوي إذا تأصّل في الأمة فإن له تأثيرا كبيرا في نفسية الضيف لما يجد من تقدير واحترام وانعكاس ذلك في زيادة تقوية المحبة والتواصل بين أفراد المجتمع. وفي صميم الحياة الزوجية نرى سلوك رسول الله (صلى الله عليه وآله) لتعليم اﻷمة من خلال تعاونه مع أهل بيته في أعمال المنزل للتخفيف من أعباء الزوجة، فعن أبي عبد الله (عليه السلام): (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحلب عنز أهله)(7) وبالرغم من مكانته (صلى الله عليه وآله) كخاتم الأنبياء والرسل وحبيب إله العالمين وموقعيته القدسية لدى المسلمين إلا أننا نرى تواضعه ورأفته بنسائه حينما يشارك أهل بيته الأعمال المنزلية وهو درس عظيم جدا من رجل عظيم ورسول كريم لحث رجال أمته على الرأفة بنسائهم والرحمة بهن ومشاركتهم المرأة في مسؤولياتها المنزلية فهم الملجأ الآمن لهن، ولا يخفي تأثير هذا التفهم لمسؤوليات المرأة الكبيرة في تعميق أواصر المودة والرحمة والسكن النفسي بين الزوجين وانعكاس ذلك على الأبناء ووحدة اﻷسرة بشكل خاص لتماسك المجتمع بشكل عام؛ لأن اﻷسرة نواة المجتمع، فبالمودة والرحمة والتعاون نبني أسرة مسلمة نموذجية تسير على خطى النبي الذي كان كما جاء عنه (صلى الله عليه وآله): (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)(8) وهذه الخيرية التي أرادها رسول الله لرجال أمته لا تأتي من خلال الغلظة والخشونة في التعامل مع الزوجة ولا من خلال التعالي عليها أو النظر إليها كمصنع للإنجاب فقط أو كخادمة عليها إنجاز المهام المنزلية وهو يأمر وينهى ويغلظ في القول والفعل بحجة أنه يتعب في كسب المعاش، نعم نحن نقدر تعب الرجل في كسب الرجل لمعاشه خارج المنزل فهو عبادة ولكن تعب الرجل في الكد على عياله ليس مسوغا بأن ينقلب شخصا آخر بمجرد دخوله إلى المنزل يصب جام غضبه على الزوجة والأولاد ويهيل السباب والشتائم عليهم ومصادرة حقوقهم حتى في الدفاع عن انفسهم بالكلام ، أو نجد بعض الرجال ينظر لزوجته نظرة دونية فيفخر بذكوريته مثلا او عقله المتكامل لأنه يعتبر المرأة ناقصة عقل ودين ويتكبر عليها ويستضعفها ويمتهنها لضعغها. الخيرية التي أرادها رسول الله من رجال أمته لنسائهم هي بمشاركة الرجل زوجته مسؤولياتها واهتماماتها المنزلية ولو بالسؤال والتشجيع المعنوي، فالمرأة بطبيعتها لا تنتظر من الرجل أن يشاركها أعمال المنزل بشكل مادي وإنما بشكل معنوي من خلال اهتمامه بها ومشاركتها آلامها وتعبها ومعاناتها في المنزل لتستطيع أن تستند عليه وتكمل المسيرة في إدارة بيتها وتربية أولادها بمعنويات عالية وبود وتفاهم كبير بين الزوجين. وبهذا القدر اليسير من جواهر السيرة النبوية نكون قد رسمنا بعض المعالم التربوية في السلوك النبوي من خلال السلوك العام خارج المنزل وداخله لنتخذ من سلوكيات الرسول (صلى الله عليه وآله) منهجا للحياة وسبيلا كاملا للنجاة لنضمن بذلك الفوز برضوان الله وجنانه. الهوامش (1)سورة يس الآية 12 (2)الكافي ج2 ص288 (3)قطوف من الشمائى المحمدية ص21 (4)كان رسول الله ص90 (5)الكافي ج6 ص407 ح 11657 2 باب الأكل مع الضيف (6)المصدر السابق ح 11659 4 (7)الكافي ج5 ص138 ح 8450-2- باب عمل الرجل في بيته (8)وسائل الشيعة ج2 ص171 ح[25337]8 عبير المنظور

اخرى
منذ سنة
1865

واقعة الطف وحداثويّة الرؤى

بقلم: مرتضى علي الحلّي - إنَّ مقتضيات حياتنا المُعاصرة ومُشكلاتها عامةً تتطلّب منّا -في أسلوب التعاطي مع واقعة الطّف الخالدة ومشروعها الإحيائي المَكين الرائد والقائد- تقديم فَهمٍ أصيل ومنهج قويم يرفدُ حياتنا تقويمًا وإصلاحًا، حاضرًا ومُستقبلًا. - وما مِن شكّ في أنَّ الإمام الحُسَين (عليه السلام) هو أكبر وأعمق -مَفهومًا وقيمةً ودلالةً وهدفًا- من الشعائر الجزئيّة، والتي تُمثِّل في تطبيقها تعبيرًا مشروعًا عن سِمة الولاءِ الصادق والاعتقاد الحقّ في أيامٍ معدودات، ينفكُّ عنها مَن يُمارسها تطبيقًا بمجرد انتهاء أمدها الوقتي. - ولكن مَن يدرك تلك المفاهيم والقيم والدلالات والأهداف -التي كان الإمام الحُسَين (عليه السلام) يسعى من أجل تحقيقها اعتقادًا ومنهجًا وسلوكًا، وآمنَ بها- لا ينبغي به أن ينفكَّ عنها أخذًا في حَرَاكه الحياتي فردًا ومُجتمعًا. - وذلك باعتبار أنَّ الإمام الحُسَين (عليه السلام) قد أضاف إلى الحياة عامةً إضافاتٍ معنويّةً وقيميَّةً وأخلاقيّةً وحتى سياسية، يمكن لكلّ مَن يقبلها طوعاً أن يتفاعل معها في مُجمل مناحي الحياة المُعاصرة. - وهذا الإمكان إنّما يتأتى من الاستجابة الإرادية الواعية لكلّ ما نبّه عليه في وقائع نهضته الشريفة. - وينبغي أن تكون الاستجابة الإرادية هذه بعد انتهاء ممارسة الشعائر تُمثِّل انطلاقة إلى الحياة إصلاحًا وتغييرا، وهي تلبيّة إيمانية يجب أن تأخذ طريقا سَلكًا إلى آخر الصراط. - والقرآن الكريم قد ندبنا -إرشاداً منه إلى قيمة وأثر الاستجابة الطوعيّة في الواقع- لدعوة الله تعالى ولدعوة المعصوم نبيًّا كان أو إمامًا. قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا استَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)) (الأنفال: 24). والحياة هنا أعم من كل ما نحسّه ونعيشه عياناً وذهناً، إذ إنّها تتجلى عند المعصوم بصورة قد لا تشبه في ملامحها ما ندركه نحن خاصة. لذا قال الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) قولته الشهيرة: (الموتُ في حياتكم مقهورين والحياةُ في موتكم قاهرين) [نهج البلاغة، ت، د، صبحي الصالح: خطبة51] - إنّ الحياة الحقيقيّة التي أرادها اللهُ تعالى لنا والمعصوم من بعده هي حياة تقوم على أساس العزّة والتكريم وجهاد النفس الأكبر، جهاد النفس الأمّارة بالسوء إلى مواجهة العدو، والذي قد يتمثّل اليوم بسلوك أو فكر أو ثقافة أو طاغوت وفاسد منحرف.

اخرى
منذ 5 أشهر
1150

التعليقات

يتصدر الان

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29237

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29096

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29091

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
28647

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنة
12933

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
12613