تشغيل الوضع الليلي

تجلياتٌ معرفية في الخطاب المهدوي (13)

منذ سنة عدد المشاهدات : 916

بقلم: علوية الحسيني
"وافتح لي فتحًا مُبينا"
ظاهرُ دعاء الإمام (عجل الله تعالى فرجه) هذا أنّه يُشير إلى طلب المدد الإلهي أثناء فتوحاته بعد خوض المعارك مع الأعداء, وبين هذه الفقرة الدعائية والسابقة - طلبُ النصر- ارتباط وثيق؛ لأنّ الفتح لازمه النصر.
وهذه الفقرة كسابقاتها لها جذرٌ قرآني, وهي قول الله (تعالى): {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِينا}(1), التي كانت تُشير إلى بشارة الله (تعالى) لنبيّه الأكرم, محمد (صلى الله عليه وآله) بـفتح مكة, بعد صلح الحديبية الذي أُبرِمَ بينه (صلى الله عليه وآله) وبعض المسلمين الذين ذهبوا معه لأداء مناسك العمرة وبين بعض مشركي قريش؛ "لأنّ قريش منعته (صلى الله عليه وآله) والمسلمين من أنْ يدخلوا مكة, فحطّوا عند مكان يسمى الحديبية وأبرموا معاهدةً مع كبراء قريش, طلبت فيها قريش أنْ لا يدخل مكة في ذلك العام النبي محمد (صلى الله عليه وآله) والمسلمين, وإلاّ وقع القتال, فاختار (صلى الله عليه وآله) أنْ يتركَ العمرة حتى لا يريقَ دماءً بسبب سفاهة قريش, وعاد والمسلمون نحو المدينة.
وبعد فترةٍ جاءت البشرى الإلهية بفتح مكة, فجهّز النبي (صلى الله عليه وآله) جيشًا ليفتح مكة, وينشر الإسلام فيها, ويؤدوا العمرة التي حُرِموا منها, بل ولينطلق بعد الفتح لنشر الإسلام في الجزيرة العربية, وربوع العالم, حتى أنّ قريشًا لم تقاوم أبدًا, حيث اعترفت بكيان المسلمين"(2).
وبعد هذه النبذة المختصرة عن فتح مكة بقيادة نبي الله محمد (صلى الله عليه وآله), يأتي ولده الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) ويطلب فتحًا مبينًا كفتح جدّه (صلى الله عليه وآله), بل ويُشابهه في المخرج والمدخل والهدف, فيخرج الإمام (عجل الله تعالى فرجه) من المدينة كما خرج النبي (صلى الله عليه وآله) منها, ويدخل مكة محررًا فاتحًا, بهدف نشر الدّين الإسلامي, بصورة عالمية, ولهذا قال الله (تعالى) في أواخر سورة الفتح بقوله: { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدا}(3), فكما أظهر الله (تعالى) الدّين على يد نبيّه, يظهره على يد وليّه القائم (عليهما السلام) بعد أنِ اندرست بعض معالمه, وابتدع فيه, حتى نفر عنه البعض جهلاً بحقائقه, وتعمَّق الآخر غلوًّا بظواهره.
وإنّ نطاقَ فتوحات الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) سيكونُ أوسع؛ لحكمةٍ إلهية خفية, ولطوعية بعض الأعداء بإبرام معاهداتِ صلحٍ معه, مما يُتيح له تحقيق الفتوحات.
وتأتي الفتوحات كنتيجةٍ لازمةٍ لغرض إظهار الله (تعالى) لوليّه الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)؛ إذ الفتح هو افتتاح الدول الظالمة على يده, ونشره القسط والعدل والدّين الإسلامي في ربوعها, وهذا جزءُ علةٍ لسيادة الإمام العالمية, في قبال الدول الغربية التي سوف تعلن إسلامَها, وبالتالي لا تحتاج إلى مواجهات.
وقبل الفتوحات يُعِدُّ الإمامُ (عجل الله تعالى فرجه) وسائلَ الاحتجاج العلمية, ليُخيّر أعداءه بين السلم والقتال, وهي التوراة والإنجيل, بالإضافة إلى مواريث الأنبياء السابقين (عليهم السلام). روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "أولُ ما يبدأ القائم (عليه السلام) بــأنطاكية فيستخرج منها التوراة من غارٍ فيه عصا موسى وخاتم سليمان"(4).
ومن أبرزِ فتوحاتِ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) (فـتح القدس), فيسيرُ وجيشه إلى (بحيرة طبرية) "التي تقع بين الخليل والجولان, أحد أقضية عكّا في فلسطين"(5)؛ روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "...ثم يأتي الكوفة فيُطيل فيها المكث ...ثم يسيرُ حتى يأتيَ الـعذراء هو ومن معه وقد لحقه ناسٌ كثير"(6). فحين وصوله "يستخرج من البحيرة (تابوت السكينة) الذي وُضع به آنذاك النبي موسى (عليه السلام) ويدعوهم للإيمان به دون القتال, فيُسلم قليلٌ من اليهود"(7), والبعضُ الآخر الغالب يقاتلُ الإمام (عجل الله تعالى فرجه) ولن يعترفَ بتابوتِ السكينة ظاهرًا. فيفتحُ الإمام القدس على يديه فتحًا مبينًا, ويقهرُ اليهود, وينشرُ الدّين الإسلامي فيها.
وكذا يفتحُ (القسطنطينية) "التي هي عاصمة الامبراطورية الرومانية"(8), حيث روي "أنّ الإمام يفتحها ورومية وبلاد الصين"(9), وعلى عظمة تلك الدولة ينتشرُ الإسلام, ويولّي الإمام (عجل الله تعالى فرجه) حاكمًا مؤمنًا عليها, ليبلغ رسالات الله (تعالى), ويتولى سيادة تلك العاصمة, وتطبيق قوانين الإسلام على رعاياها.
وعليه, نستطيعُ أنْ نجزمَ من بعد تحقّقِ الفتوحات وراثة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) للأرضِ كُــلِّها؛ وخيرُ شاهدٍ مؤكدٍ ودليل هو إطلاقُ الآية الكريمة لمفردة (الأرض) التي وعده الله (تعالى) بها: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُون}(10), حيثُ جاء في تفسير الآية "بأنّ الله (تعالى) كتبَ في التوراة والزبور إضافة إلى القرآن بأنَّ الصالحين سيرثون الأرض جميعًا, والوراثة هي انتقال شيءٍ في ملكيةِ شخصٍ دون معاملة"(11).
وروي أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) سُئِلَ عن ذيل هذه الآية, فقال: "القائم (عليه السلام) وأصحابه"(12). فلازمُ الفتوحات هي وراثة الأرض كلّها.
*وهنا سؤالٌ: قد يُقال: إنّ كثرة فتوحات الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) تدلُّ على سياسته الدموية, وهذا يتنافى مع فلسفة ظهوره كرحمة للعالمين؟!
فيُجاب: بأنّ أصل دعوة الإمام(عجل الله تعالى فرجه) سلميّة للغاية, وهناك مؤشرات على هذه الأصالة, "منها:
1/ وصف الروايات للإمام بأنّه رحـمةٌ للعالمين.
2/ قبول الإمام (عجل الله تعالى فرجه) لبيعة السفياني.
3/ إعراض الإمام (عجل الله تعالى فرجه) عن القتال في القسطنطينية بعد أنْ يستسلم أهلها.
4/ ابتداء الإمام (عجل الله تعالى فرجه) الإنذار بالدلائل والبراهين العقلية والنقلية.
5/ لن يقاتل الإمام (عجل الله تعالى فرجه) إلاّ من يقاتله.
6/ إطالة الإمام (عجل الله تعالى فرجه) في الوعظ الشفوي على أعدائه؛ تحفيزًا لهم على ترك القتال"(9).
ومن الممكن إضافة (عنصر الرعب) كمؤشرٍ آخر لأصالة سلميّة دعوة الإمام (عجل الله تعالى فرجه), حيث إنّه أحدُ مقوماتِ نصره, فالأعداءُ الذين يلقون رعبًا وهيبةً في صدورهم نتيجة مواجهة الإمام (عجل الله تعالى فرجه), أغلبُهم يُذعن أنّ الحقَّ مع الإمام (عجل الله تعالى فرجه), لاسيّما أنّهم قد سمعوا حدثًا كونيًا سماويًا يحثّ على اتّباعه, وعدم مقاتلته, وهو (الصيحة الجبرائيلية التي يسمعونها بلغاتهم).
كما يمكن عدُّ هذا المؤشر لازمًا للمؤشر الخامس؛ لأنّ نصر الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) مُتحققٌ, وفتوحاته واقعةٌ لامحالة, فمن آمنَ به فلنفسه, ومن كفرَ فعليها, مما يدعو الإمام (عجل الله تعالى فرجه) إلى فتح بلاد الظلم بالقتال, ومواجهة من يقف عقبةً في طريقه, بعد أنْ يدعوهم للسلام.
*وإن قِيلَ: لماذا تكون خطة الإمام (عجل الله تعالى فرجه) بما سيقومُ به من فتوحات مُعلنة؟ حيثُ أنّ ذلك سيوجبُ تآمر الأعداءِ وتكاتفهم أكثر مما لو لم يُعلنْ في الروايات عن الفتوحات والنصر المؤزر!
*فبالإمكان أنْ يُجاب: بأنّ الإمام (عجل الله تعالى فرجه) حينما طلب من الله (تعالى) أنْ يكون فتحه ذلك فتحًا مُبينًا, قاصدًا أنْ يكون فتحًا ظاهرًا للجميع؛ تناسبًا مع عالمية ظهوره, والدّين الذي يدعو له, والرسالة السامية الرحيمة التي يوصلها, وتنبيهًا لمن يحاول أنْ يقف في طريقه, ويقاتله.
وباختصار: ليُعلمِ اللهُ (تعالى) جميعَ خلقه أنّ نصر هذا الإمام (عجل الله تعالى فرجه) عالميٌ ومتحققٌ بكافةِ أقسامه وشرائطه, ولا شكَّ أنّ هذا غرضٌ من أغراضِ الله (تعالى), فينبغي تحقيقه, حيث يقولُ في كتابه الكريم: {ليظهرَه على الدّين كلّه}.
ومعه, يكون إعلان الروايات عن فتوحات الإمام وسيلةً لإعلامِ الجميع بـحكمةِ الله (تعالى) أولاً, وإعطاء (صبغة العالمية) لشخصِ ودينِ ودولةِ وليّه الموعود (عجّل الله فرجه الشريف).
بل ولعلّ ذلك الإعلان يشكلُ ردعًا لأعدائه, ويدحضُ مجردَ تفكيرهم بالنصر.
_____________________
(1) سورة الفتح: 1.
(2) ظ: تفسير الأمثل في بيان كتاب الله المنزل: للشيخ ناصر مكارم الشيرازي, ج16, ص412-417.
(3) سورة الفتح: 28.
(4) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج52, ص390, ح212.
(5) أطلس سيرة الإمام المهدي عليه السلام: لرسول كاظم عبد السادة, ص602.
(6)المصدر نفسه, ج52, ص224, ح87.
(7) ظ: الملاحم والفتن: للسيد ابن طاووس, ج1, ص147.
(8) مصدر سابق, ص615.
(9) ظ: بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج52, ص333, ح61, عن الغيبة للسيخ الطوسي.
(10) سورة الأنبياء: 105.
(11) ظ: مصدر سابق, ج10, ص256-257.
(12) تفسير القمي: لعلي بن ابراهيم القمي, ج2, ص77.
(13) ظ: على ضفاف الانتظار: للشيخ حسين الأسدي, ص160-161.


اللّهم افتح له فتحًا مبينا.

اخترنا لكم

حوارٌ مبين في زيارة الأمين (١١)

بقلم: علوية الحسيني ودعاء الربيعي "مُفارقةً لأخلاق أعدائِكَ" الأسئلةُ حولَ هذه الفقرة هي كالتالي: ■السؤالُ الأول: ما المُرادُ من مُفردة الخُلُق؟ وكيف وضَّحَ القرآن الكريم هذا المفهوم؟ ج/ الخُلُق: هو "عبارة عن هيئةٍ قائمةٍ في النفس، تصدرُ منها الأفعالُ بسهولةٍ من دون الحاجةِ إلى تدبّرٍ وتفكّرٍ"(1). أما القرآنُ الكريم فقد تعرّضَ إلى الأخلاقِ بقسميها الحسنة والسيئة, مؤكدًا على ضرورة التحلّي بالأولى, ناهيًا عن التخلّق بالثانية. هو كتابُ هدى وكمال, رسمَ للإنسان قواعدَ الأخلاقِ في التعاملِ مع بني أقرانه, كقوله (تعالى): {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم}(2), فالآيةُ الكريمةُ تُشيرُ إلى التصدُّق, ذلك الخُلُق العظيم الذي يؤدي إلى التكافلِ الاجتماعي. وآياتٌ أخرى رسمتْ له أخلاقياتِ التعامُلِ مع ربِّه, كقوله (تعالى): {مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَه}(3), فالآيةُ الكريمةُ تُشيرُ إلى العلاقة بين العبدِ وربِّه إذا كانت مشوبةً بالتعدّي على الحدود التي رسمها اللهُ (تعالى) لعباده. ومن ناحيةٍ أخرى نجدُه قد رسمَ لنا قواعدَ أخلاقِ المهن, وأخرى نجدُه قد رسمَ لنا أخلاقياتِ بناءِ الذاتِ الإنسانية, وهكذا. وبما أنّ الأخلاقَ أحدُ رؤوسِ هرمِ المنظومةِ المعرفية الدينية بالإضافةِ إلى أصولِ الدّين –العقيدة- وفروعه -الفقه-, فقد أولى لها القرآنُ الكريمُ درجةً من الأهمية, وحثّ ما حثّ عليه من فضائلها, ونهى ما نهى عنه من رذائلها. ■السؤال الثاني: من هُم أعداء الله (تعالى) المقصودون في الزيارة بحيث يطلبُ الإمامُ السجاد من الله (تعالى) أنْ يُبعدَه ويُجنبه أخلاقَهم؟ ج/ إنّ الله (تعالى) ذكر أعداءه في كتابه الكريم في آياتٍ عديدة, منها آياتٌ أوضحتْ مصيرَ أعداءِ الله (تعالى) فقط دون أنْ تُحدِّدَ ماهيةَ أولئك الأعداء، كقوله تعالى: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ الله إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُون}(4), وكقوله (تعالى): {ذَٰلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْد}(5), ومنها ما أوضحتْ عدم محبةِ الله (تعالى) بمن عاداه, كقوله (تعالى): {وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين}(6). وبما أنّ القرآن الكريم يفسّر بعضُه بعضًا, فنجدُ المرادَ من (أعداء الله (تعالى)) في آياتٍ أُخر, منها ما عرّفتهم بالظالمين؛ كقوله (تعالى): {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُون}(7), وأولُ من تعدّى حدود الله (تعالى) هو ابليس, فكان أولَ أعداءِ الله (تعالى), ولهذا نهانا (سبحانه) عن اتّباعه بقوله (تعالى): {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِين}(8). ومن تلك الآيات ما عرّفت أعداء الله بالكافرين؛ كقوله (تعالى): {فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِين}(9). ومن تلك الآيات ما عرّفتهم بأنّهم أعداءُ رسلِ الله (تعالى) وملائكته, وبالتالي هم كافرون, وهذا ما صرّحتْ به هذه الآية الكريمة في ذيلها: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لله وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِين}(10), فالآيةُ الكريمةُ أشارت إلى حكمِ المُعادي الكافر بأوائل أصولِ الدّين: التوحيد -بقوله عدوًا لله- , والعدل الإلهي -بقوله وملائكته التي هي أحد الطرق التي يُكلّم الله (تعالى) به أنبياءه ورسله بالتكاليف الشرعية فيوصلونها إلى العباد, وذلك من عدله (تعالى) أنّه يُعلِّم عبادَه بالتكاليف ثم يُثيب المطيع, ويعاقب العاصي-, والنبوة –بقوله ورسله-. *فائدة: إنّ الآيةَ الكريمة حينما قالتْ من كان عدوًا لملائكةِ الله (تعالى) فإنّها أوضحتِ المقصودَ من معاداةِ الكفار للملائكة وذلك بعدمِ الإيمان بهم, إلاّ أنّ الآيةَ عطفتْ في الحكم -معاداةَ الله (تعالى) لهم-, فقالت: من كان عدوًا لله, وملائكته, ورسله, وجبريل, وميكال (عليهما السلام). فتكرارُ العطفِ على فردين من أفراد الملائكة جبرائيل وميكائيل (عليهما السلام) رغم أنّ نوعَ الملائكةِ قد ذُكِرَ في بداية الآية, يدعو إلى التساؤل: لماذا التكرار؟! جوابه: نحنُ نعتقدُ أنّ الله (تعالى) حكيمٌ, منزّهٌ عن اللغوِ في الحديث, فحينما كرّرَ حكمَ معاداةِ الملَكين -جبرائيل وميكائيل (عليهما السلام)- فلعله كان ذلك منه إشارةً منه (تعالى) إلى ما صدرَ من الكافرين في زمن النبي محمد (صلى الله عليه وآله) حينما كفروا ببعض الملائكة؛ فكان سببُ نزولِ هذه الآية: "أنّ ابن صوريا وجماعةً من اليهودِ جاؤوا للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وقالوا له: خصلةٌ واحدةٌ إنْ قلتَها آمنتُ بك واتبعتُك. فسألوه: أيّ ملكٍ يأتيك بما يُنزل الله عليك؟ قال (صلى الله عليه وآله): جبريل. قال ابن صوريا: ذاكَ عدوّنا ينزِلُ بالقتال والشدّة والحرب، وميكائيل ينزِلُ باليُسر والرخاء. وطلبوا أنْ يكونَ ميكائيلُ هو الذي يُنزّل الأحكامَ من عندِ الله (تعالى) على قلبِ النبي (صلى الله عليه وآله) حتى يؤمنوا به!"(11), وما كانَ ذلك إلاّ تملُّصًا من الإيمان بالدعوة المحمدية إلى دين الله (تعالى). وبهذا يتضحُ لنا من هم أعداء الله (تعالى), وهذا ينطبقُ على ذراريهم, ومؤيديهم, وإنْ كانوا يطلقون على أنفسهم أنّهم مسلمون. ■السؤال الثالث: هل المرادُ من المُفارقةِ لأخلاق أعداءِ الله تعالى هي نفسها البراءةُ منهم، أم أنّ مفهومَ البراءة يختلفُ عن مفهومِ المفارقة؟ ج/ نعم, فكما توجدُ هناك ملازمةٌ بين أخلاق الله (تعالى) وأوليائه ووجوب الاتصاف بها, توجد ملازمةٌ بين أخلاقِ أعداء الله (تعالى) ووجوب النفورِ منها والتبرّي من أصحابِها. وبالعقلِ -إجمالًا- يستطيعُ كلّ إنسانٍ أنْ يُفرّقَ بين الأمورِ الحسنة والسيئة, فيُدرك أنّ الكذبَ -مثلاً- قبيحٌ فلا يكذب, ويُدرك في قباله أنّ الصدقَ -مثلاً- حسنٌ فيتصف به. إذًا فمسألة التمييز بين الحسن والقبح لها تأصيل عقلي؛ والأخلاق من المسائل التي تخضع لذلك, فبالعقل أُدرِكَتِ الأخلاق حتى قبل العلم بالنصوص النقلية الصادرة عن النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)؛ بدليل قوله (عليه وآله السلام) : "إنّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"(12), فلم يقل لأعلِّم الأخلاق, وإنّما ليتمم ما هو موجود لديهم بالفطرة, ويبيّن لهم أكمل الأخلاق. وعليه, إنّ الإنسانَ يُدركُ بعقله الأخلاقَ السيئة التي توجبُ غضبَ الله (تعالى) فينفر منها, ويتبرأ ممن يتصف بها. كما يدرك بعقله الأخلاق الحسنة التي توجب رضا الله (تعالى) فيتصف بها, ويوالي من يتصف بها. إذًا فالنفورُ شيئًا فشيئًا من أخلاقِ أعداء الله (تعالى) يؤدي إلى البراءة منها وممن يتصف بها. كما التحلّي بأخلاقِ أولياء الله (تعالى) يؤدي إلى اكتسابها وتولّي من يتصف بها. ■السؤال الرابع: كيف يُمكِنُ لنا أنْ نُقبّحَ أفعالَ وأخلاقَ أعداء الله (تعالى) في أعيُنِ الناس حتى يتجنبوا محاكاتها أو اتباعها؟ وما هي الرسالة التي من الممكنِ أنْ نوجهها للأجيالِ الشابة فيما يخصُّ الابتعاد عن أخلاق أعداء الله (تعالى)؟ ج/ قُلنا سابقًا إنّ الأمورَ القبيحةَ واضحةٌ عقلًا عندَ كلِّ إنسان؛ طبقًا لنظريةِ (الحسن والقبح العقليين), فالقبيحُ قبيحٌ لا يحتاجُ لأن نُقبّحه لسالكيه, فمنْ يتصف بقبائحِ الأخلاق يُدرك حتمًا أنّه على غيرِ الحالةِ المُعتادة عندَ عامةِ الناس من الأخلاقِ الحسنة؛ بدليلِ أنّ البعضَ حينما يريدُ أنْ يعكسَ قُبحَ أخلاقِه يتردّدُ ويخشى الناس, فنجدُه لا يكذبُ أمام أيّ أحدٍ, ولا يخونُ, ولا يُفشي سرًا أمامَ أيّ أحد. وفي أحيانٍ أخرى نجدُ البعض يتجاهرُ بقبائحِ الأخلاقِ أمامَ الملأ, كمن يتعدّى حدودَ الله (تعالى) ويسبُّ اللهَ ورسولَه وكلَّ من ينصحه, فهؤلاء رانَ على قلوبِهم ما كانوا يكسبون, بل وبعضُ الآياتِ تصفُهم بأنّهم كالأنعامِ وأضل, بعد عدمِ استجابتِهم للرشد, وعدم ارعوائهم عن طريقِ الغي. وأمّا الرسالةُ التي من الممكن أنْ نوجهَها لكلِّ من يتخلّق بأخلاقِ أعداء الله (تعالى) فتتمثل بالنقاط التالية: 1/ ضرورةُ معرفةِ الآثار السلبية من الاتصافِ بأخلاقِ أعداء الله (تعالى) (الأخلاق القبيحة), من قبيل: أ- فساد الإيمان: عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: "إنّ سوءَ الخُلُق ليفسدَ الإيمان كما يُفسِدُ الخلُّ العسل"(13). ب- تعذيب النفس: عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "من ساء خُلُقه عذّب نفسه"(14), حيثُ إنّ الجميعَ ينفرُ منه؛ لسوء خلقه, فيبقى معتزلًا مستوحشةً نفسه. ج- الاحتقار في المجتمع: إذ من وظائفِ الآمرِ بالمعروف والناهي عن المنكر أنْ يأمرَ وينهى حسب الدرجات والشرائط, وحالُ عدم الاستجابة يُبدي الانزجار واللامبالاة لمن اتصفَ بأخلاقِ أعداء الله (تعالى). د- توهين الشخصية: إذ إنّ صاحبَ الأخلاق السيئة ضعيفُ الرأي, وهنُ الشخصية؛ لبعدِه عن النهجِ القويم. 2/ بيانُ محاسنِ الأخلاق والآثار الإيجابية من التحلّي بها, وأنّها أخلاق النبي وآله (عليهم السلام). 3/ ترويضُ وتهذيبُ النفس بإشرافِ مرشدٍ يكون كالطبيب الروحي له. 4/ ضرورةُ معرفةِ أنّ طريقَ التكاملِ لا زال مفتوحًا, فبإمكان الإنسان سيء الخلق أنْ ينسلخَ بسهولةٍ من تشبهِّه بأعداء الله (تعالى), ويُصبِحُ كأحدِ أولياء الله (تعالى). ___________________ (1) الحقائق في محاسن الأخلاق: للفيض الكاشاني, ص54. (2) البقرة: 261. (3) الطلاق: 1. (4) فصلت 19. (5) فصلت: 28. (6) البقرة: 190. (7) البقرة: 229. (8) البقرة: 208. (9) البقرة: 98. (10) البقرة: 98. (11) ظ: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزّل: للشيخ ناصر مكارم الشيرازي. (12) حديث مشهور. (13) الكافي: للشيخ الكليني, ج2, باب سوء الخلق, ح3. (14) المصدر نفسه, ح4. اللّهم استعملنا فيما تُحبُّ وترضى, بحقِّ محمدٍ وآله أولي الخُلُق السجي والعُلى.

البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
منذ سنة
536

تجلّي النورِ المُتألِّق

بقلم: أُم مصطفى الكعبي يقولُ الشيخُ صدرُ الدين القونوي (قُدِّسَ سِرُّه) في شأنِ المهدي الموعود (عليه السلام): ألـيـس هــو الـنورَ الأتَـمَّ حـقيقةً ونُـقطةَ مِـيمٍ مـنه إمـدادُها يَـجري يَـفيضُ عـلى الأكـوانِ ما قد أفاضَهُ عـليه إلـهُ الـعرشِ فـي أزَلِ الـدهرِ فـما ثَـمّ إلا الـميمُ لا شـيءَ غـيرُهُ وذو الـعين مِـن نُـوّابهِ مُفرَدُ العصرِ هـو الـرُّوح فـاعلَمْهُ وخُـذْ عهدَهُ إذا بـلَغْتَ إلـى مَـدٍّ مَـديدٍ مـن الـعمرِ كـأنّـك بـالـمذكورِ تَـصـعَدُ راقـيًا إلـى ذروةِ الـمجدِ الأثيل على القَدْرِ ومــا قَــدْرُهُ إلا أُلــوفٌ بـحكمهِ عـلى حَـدِّ مَـرسومِ الـشريعةِ بالأمرِ بِـذا قـال أهـلُ الـحَلِّ والعَقْدِ فاكتفِ بـنصِّهِمُ الـمبثوثِ فـي صُحُفِ الزُّبْرِ فــإنْ تَـبْغِ مـيقاتَ الـظهورِ فـإنّه يـكونُ بِـدَورٍ جـامعٍ مَـطْلعَ الـفَجْرِ بـشمسٍ تُـمِدُّ الـكلَّ مِن ضوءِ نورِها وجـمعُ دَراري الأوجِ فـيها مـع البدرِ وصَـلِّ عـلى الـمختارِ مِـن آلِ هاشمٍ مـحـمّدٍ الـمبعوثِ بـالنهي والأمـرِ في مولدِ النورِ يغمرُ جوانحي اشتياقٌ عارمٌ لأُسطِّرَ حروفًا تجولُ في خاطري، وكما هو ديدني في كُلِّ عامٍ قبلَ كُلِّ مناسبةٍ لأئمةِ الهُدى (صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين) أنْ تكونَ لي وقفةٌ مُكثَّفَةٌ من البحثِ والمُطالعةِ لأستقيَ ولو رشفةً من رشفاتِ النورِ الإلهي الساطعِ، ولو صُبابةً من مَعينِ معرفتِهم؛ لأكونَ قد تزوّدتُ وعرجتُ بروحي إلى سنا ذكرِهم بمولدِ بقيةِ اللهِ (تعالى) الإمامِ المهدي (عجل الله فرجه). سؤالٌ يجولُ في خاطرِ البعض: هل الإمامُ المهدي موجودٌ؟ فقلتُ: كيف نُثبِتُ وجودَ الشمسِ ونحنُ بنورِها نحيا؟! ولكنّي حينما رأيتُ كثرةَ التشكيكِ والإشكالاتِ من بعضهم، وقد تشعّبتْ فرقُ الضلالِ وتفنّنَ البعضُ في طرحِ الشُبُهاتِ ليُضلِّوا الناسَ عن سبيلِ اللهِ (تعالى)، تأمّلتُ لحظةً وبدأتُ التفكيرَ في كتابةِ مقالٍ بهذا العنوان قصدتُه هو، المهدي الموعود.. هو نورُ اللهِ (تعالى) في أرضه، وهل يُعقَلُ أنْ ننكرَ النورِ وهو يشملُنا بضيائه، والاعتقادُ بأنّه نورٌ نابعٌ من عقيدةٍ سليمةٍ صافيةٍ مصقولةٍ بعلومِ أهلِ البيت (عليهم السلام) لا تُخلخلها الشبهاتُ ولا تُميلها العقائدُ الفاسدةُ، فكُلّما بلغَ الإنسانُ من القوّةِ والإيمانِ مبلغًا راسخًا نظرَ بعينِ البصيرةِ على أنّ الإمامَ المهديَ نورٌ موجودٌ ولا يحتاجُ الاعتقادُ بوجودِه إلى دليلٍ يدلُّ عليه، وبهذه البصيرةِ لا يسألُ بل ولا يخطرُ في عالمِ ذهنه سؤالٌ عن وجوده. وردتِ الكثيرُ من النصوص الدينية التي تثبتُ مولدَه، منها ما ورد في الدعاءِ في ليلةِ النصفِ من شعبان المُعظم وهو: ((اللهم بحقِّ ليلتِنا ومولودِها وحُجّتِك وموعودِها التي قرنتَ إلى فضلِها فضلًا فتمّتْ كلمتُك صدقًا وعدلًا لا مبدّلَ لكلماتِك ولا معقّب لآياتك، نورُك المُتألِّقُ وضياؤك المُشرق والعلمُ النور في طخياءِ الديجور الغائب المستور جلَّ مولدُه وكرُمَ محتده والملائكةُ شُهّدُهُ واللهُ ناصرُه ومؤيده إذا آنَ ميعاده والملائكة أمداده، سيفُ اللهِ الذي لا ينبو ونورُه الذي لا يخبو وذو الحلم الذي لا يصبو......" مثلما وردت نصوص تُثبتُ أنّه سيظهر وسيخرجُ مما يدلُّ على أنّه موجودٌ لا محالة منها ما روي عن إمامنا الرؤوف علي الرضا (عليه السلام): "فإذا خرجَ أشرقتِ الأرضُ بنورِه ووضِعَ ميزانُ العدلِ بينَ الناسِ فلا يظلمُ أحدٌ أحدًا، وهو الذي تُطوى له الأرضُ ولا يكونُ له ظلٌ، وهو الذي يُنادي مُنادٍ من السماءِ يسمعُه جميعُ أهلِ الأرضِ بالدُعاء إليه يقول: ألا إنَّ حجةَ اللهِ قد ظهرَ عندَ بيتِ اللهِ فاتبعوه؛ فإنَّ الحقَّ معه وفيه وهو قولُ اللهِ (عزّ وجل): "إنْ نشأ نُنزِل عليهم من السماءِ آيةً فظلّتْ أعناقُهم لها خاضعين" ومما هو متسالمٌ عليه في عقيدتنا الإمامية أنَّ الأرض لا تخلو من حجةٍ، وقد وردتِ الكثير من النصوص في ذلك منها ما روي عنهم (عليهم السلام): (لولا الإمامُ لساختِ الأرضُ بأهلِها)، ومن المعلومِ أنَّ الإمام العسكري (عليه السلام) قد استُشهدَ فلا بُدّ أن يكون الإمامُ المهدي (عجل الله فرجه) مولودًا بل ولا زال موجودًا. فلولا الحجةُ لما بقيَ العالمُ على صلاحه ولتلاشى كُلُّه، فهو (عجل الله فرجه) قُطبُ العالمِ كُلِّه؛ لذا يُعبّرُ على اللسانِ بما هو شائعٌ عن الإمامِ الحجة (عليه السلام) أنّه قطبُ عالمِ الإمكان، وهو إشارةٌ إلى أنّه مركزه. أضف إلى ذلك فإنَّ ليلةَ القدر مُستمرةٌ إلى يوم القيامة كما يوضِّحُ ذلك النبيُّ (صلى الله عليه وآله) لأبي ذر بعدما سأله: يا رسولَ اللهِ ليلةُ القدرِ شيءٌ يكونُ على عهدِ الأنبياء ينزلُ فيها عليهم الأمرُ فإذا مضوا رُفِعتْ؟ قال النبي (صلى الله عليه وآله): لا بل هي إلى يوم القيامة. فالملائكةُ كانتْ تنزلُ على النبي (صلى الله عليه وآله) ثم على الأئمةِ واحدًا بعدَ واحدٍ في ليلةِ القدرِ بما قُدِّرَ فيها من الآجال والأرزاق وكُلِّ أمرٍ يحدثُ من موتٍ أو حياةٍ أو خصبٍ أو جدبٍ أو خيرٍ أو شر. وإنّ الملائكةَ الآن مُستمرةٌ في النزولِ على الإمامِ الغائب من كُلِّ سنةٍ في ليلةِ القدر، هكذا فسّرَ بعضُ المُفسرين نزولَ الملائكة في زمانِ الإمامِ الغائب (عليه السلام) استنادًا إلى روايات، منها ما روي أنّ صاحبَ هذا الأمرِ في شُغلٍ، تُنزَّلُ الملائكةُ إليه بأمورِ السنةِ من غروبِ الشمس إلى طلوعِها في كُلِّ أمرٍ، سلامٌ هي له إلى أنْ يطلعَ الفجر.

اخرى
منذ 6 أشهر
422

لم يكنْ خطابًا عاديًا

لم يكنْ خطابًا عاديًا بل كانَ يُركِّزُ على إحياءِ النهضةِ الحُسينية والحفاظِ عليها؛ لتصل إلى أبعد مدى مُمكن #الخطاب_الزينبي

الخواطر
منذ 7 أشهر
215

التعليقات

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
104042

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
99851

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ سنتين
57472

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
54336

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 3 سنوات
53136

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
51348