تشغيل الوضع الليلي

تجلياتٌ معرفية في الخطاب المهدوي (13)

منذ 6 سنوات عدد المشاهدات : 1575

بقلم: علوية الحسيني
"وافتح لي فتحًا مُبينا"
ظاهرُ دعاء الإمام (عجل الله تعالى فرجه) هذا أنّه يُشير إلى طلب المدد الإلهي أثناء فتوحاته بعد خوض المعارك مع الأعداء, وبين هذه الفقرة الدعائية والسابقة - طلبُ النصر- ارتباط وثيق؛ لأنّ الفتح لازمه النصر.
وهذه الفقرة كسابقاتها لها جذرٌ قرآني, وهي قول الله (تعالى): {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِينا}(1), التي كانت تُشير إلى بشارة الله (تعالى) لنبيّه الأكرم, محمد (صلى الله عليه وآله) بـفتح مكة, بعد صلح الحديبية الذي أُبرِمَ بينه (صلى الله عليه وآله) وبعض المسلمين الذين ذهبوا معه لأداء مناسك العمرة وبين بعض مشركي قريش؛ "لأنّ قريش منعته (صلى الله عليه وآله) والمسلمين من أنْ يدخلوا مكة, فحطّوا عند مكان يسمى الحديبية وأبرموا معاهدةً مع كبراء قريش, طلبت فيها قريش أنْ لا يدخل مكة في ذلك العام النبي محمد (صلى الله عليه وآله) والمسلمين, وإلاّ وقع القتال, فاختار (صلى الله عليه وآله) أنْ يتركَ العمرة حتى لا يريقَ دماءً بسبب سفاهة قريش, وعاد والمسلمون نحو المدينة.
وبعد فترةٍ جاءت البشرى الإلهية بفتح مكة, فجهّز النبي (صلى الله عليه وآله) جيشًا ليفتح مكة, وينشر الإسلام فيها, ويؤدوا العمرة التي حُرِموا منها, بل ولينطلق بعد الفتح لنشر الإسلام في الجزيرة العربية, وربوع العالم, حتى أنّ قريشًا لم تقاوم أبدًا, حيث اعترفت بكيان المسلمين"(2).
وبعد هذه النبذة المختصرة عن فتح مكة بقيادة نبي الله محمد (صلى الله عليه وآله), يأتي ولده الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) ويطلب فتحًا مبينًا كفتح جدّه (صلى الله عليه وآله), بل ويُشابهه في المخرج والمدخل والهدف, فيخرج الإمام (عجل الله تعالى فرجه) من المدينة كما خرج النبي (صلى الله عليه وآله) منها, ويدخل مكة محررًا فاتحًا, بهدف نشر الدّين الإسلامي, بصورة عالمية, ولهذا قال الله (تعالى) في أواخر سورة الفتح بقوله: { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدا}(3), فكما أظهر الله (تعالى) الدّين على يد نبيّه, يظهره على يد وليّه القائم (عليهما السلام) بعد أنِ اندرست بعض معالمه, وابتدع فيه, حتى نفر عنه البعض جهلاً بحقائقه, وتعمَّق الآخر غلوًّا بظواهره.
وإنّ نطاقَ فتوحات الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) سيكونُ أوسع؛ لحكمةٍ إلهية خفية, ولطوعية بعض الأعداء بإبرام معاهداتِ صلحٍ معه, مما يُتيح له تحقيق الفتوحات.
وتأتي الفتوحات كنتيجةٍ لازمةٍ لغرض إظهار الله (تعالى) لوليّه الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)؛ إذ الفتح هو افتتاح الدول الظالمة على يده, ونشره القسط والعدل والدّين الإسلامي في ربوعها, وهذا جزءُ علةٍ لسيادة الإمام العالمية, في قبال الدول الغربية التي سوف تعلن إسلامَها, وبالتالي لا تحتاج إلى مواجهات.
وقبل الفتوحات يُعِدُّ الإمامُ (عجل الله تعالى فرجه) وسائلَ الاحتجاج العلمية, ليُخيّر أعداءه بين السلم والقتال, وهي التوراة والإنجيل, بالإضافة إلى مواريث الأنبياء السابقين (عليهم السلام). روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "أولُ ما يبدأ القائم (عليه السلام) بــأنطاكية فيستخرج منها التوراة من غارٍ فيه عصا موسى وخاتم سليمان"(4).
ومن أبرزِ فتوحاتِ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) (فـتح القدس), فيسيرُ وجيشه إلى (بحيرة طبرية) "التي تقع بين الخليل والجولان, أحد أقضية عكّا في فلسطين"(5)؛ روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "...ثم يأتي الكوفة فيُطيل فيها المكث ...ثم يسيرُ حتى يأتيَ الـعذراء هو ومن معه وقد لحقه ناسٌ كثير"(6). فحين وصوله "يستخرج من البحيرة (تابوت السكينة) الذي وُضع به آنذاك النبي موسى (عليه السلام) ويدعوهم للإيمان به دون القتال, فيُسلم قليلٌ من اليهود"(7), والبعضُ الآخر الغالب يقاتلُ الإمام (عجل الله تعالى فرجه) ولن يعترفَ بتابوتِ السكينة ظاهرًا. فيفتحُ الإمام القدس على يديه فتحًا مبينًا, ويقهرُ اليهود, وينشرُ الدّين الإسلامي فيها.
وكذا يفتحُ (القسطنطينية) "التي هي عاصمة الامبراطورية الرومانية"(8), حيث روي "أنّ الإمام يفتحها ورومية وبلاد الصين"(9), وعلى عظمة تلك الدولة ينتشرُ الإسلام, ويولّي الإمام (عجل الله تعالى فرجه) حاكمًا مؤمنًا عليها, ليبلغ رسالات الله (تعالى), ويتولى سيادة تلك العاصمة, وتطبيق قوانين الإسلام على رعاياها.
وعليه, نستطيعُ أنْ نجزمَ من بعد تحقّقِ الفتوحات وراثة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) للأرضِ كُــلِّها؛ وخيرُ شاهدٍ مؤكدٍ ودليل هو إطلاقُ الآية الكريمة لمفردة (الأرض) التي وعده الله (تعالى) بها: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُون}(10), حيثُ جاء في تفسير الآية "بأنّ الله (تعالى) كتبَ في التوراة والزبور إضافة إلى القرآن بأنَّ الصالحين سيرثون الأرض جميعًا, والوراثة هي انتقال شيءٍ في ملكيةِ شخصٍ دون معاملة"(11).
وروي أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) سُئِلَ عن ذيل هذه الآية, فقال: "القائم (عليه السلام) وأصحابه"(12). فلازمُ الفتوحات هي وراثة الأرض كلّها.
*وهنا سؤالٌ: قد يُقال: إنّ كثرة فتوحات الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) تدلُّ على سياسته الدموية, وهذا يتنافى مع فلسفة ظهوره كرحمة للعالمين؟!
فيُجاب: بأنّ أصل دعوة الإمام(عجل الله تعالى فرجه) سلميّة للغاية, وهناك مؤشرات على هذه الأصالة, "منها:
1/ وصف الروايات للإمام بأنّه رحـمةٌ للعالمين.
2/ قبول الإمام (عجل الله تعالى فرجه) لبيعة السفياني.
3/ إعراض الإمام (عجل الله تعالى فرجه) عن القتال في القسطنطينية بعد أنْ يستسلم أهلها.
4/ ابتداء الإمام (عجل الله تعالى فرجه) الإنذار بالدلائل والبراهين العقلية والنقلية.
5/ لن يقاتل الإمام (عجل الله تعالى فرجه) إلاّ من يقاتله.
6/ إطالة الإمام (عجل الله تعالى فرجه) في الوعظ الشفوي على أعدائه؛ تحفيزًا لهم على ترك القتال"(9).
ومن الممكن إضافة (عنصر الرعب) كمؤشرٍ آخر لأصالة سلميّة دعوة الإمام (عجل الله تعالى فرجه), حيث إنّه أحدُ مقوماتِ نصره, فالأعداءُ الذين يلقون رعبًا وهيبةً في صدورهم نتيجة مواجهة الإمام (عجل الله تعالى فرجه), أغلبُهم يُذعن أنّ الحقَّ مع الإمام (عجل الله تعالى فرجه), لاسيّما أنّهم قد سمعوا حدثًا كونيًا سماويًا يحثّ على اتّباعه, وعدم مقاتلته, وهو (الصيحة الجبرائيلية التي يسمعونها بلغاتهم).
كما يمكن عدُّ هذا المؤشر لازمًا للمؤشر الخامس؛ لأنّ نصر الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) مُتحققٌ, وفتوحاته واقعةٌ لامحالة, فمن آمنَ به فلنفسه, ومن كفرَ فعليها, مما يدعو الإمام (عجل الله تعالى فرجه) إلى فتح بلاد الظلم بالقتال, ومواجهة من يقف عقبةً في طريقه, بعد أنْ يدعوهم للسلام.
*وإن قِيلَ: لماذا تكون خطة الإمام (عجل الله تعالى فرجه) بما سيقومُ به من فتوحات مُعلنة؟ حيثُ أنّ ذلك سيوجبُ تآمر الأعداءِ وتكاتفهم أكثر مما لو لم يُعلنْ في الروايات عن الفتوحات والنصر المؤزر!
*فبالإمكان أنْ يُجاب: بأنّ الإمام (عجل الله تعالى فرجه) حينما طلب من الله (تعالى) أنْ يكون فتحه ذلك فتحًا مُبينًا, قاصدًا أنْ يكون فتحًا ظاهرًا للجميع؛ تناسبًا مع عالمية ظهوره, والدّين الذي يدعو له, والرسالة السامية الرحيمة التي يوصلها, وتنبيهًا لمن يحاول أنْ يقف في طريقه, ويقاتله.
وباختصار: ليُعلمِ اللهُ (تعالى) جميعَ خلقه أنّ نصر هذا الإمام (عجل الله تعالى فرجه) عالميٌ ومتحققٌ بكافةِ أقسامه وشرائطه, ولا شكَّ أنّ هذا غرضٌ من أغراضِ الله (تعالى), فينبغي تحقيقه, حيث يقولُ في كتابه الكريم: {ليظهرَه على الدّين كلّه}.
ومعه, يكون إعلان الروايات عن فتوحات الإمام وسيلةً لإعلامِ الجميع بـحكمةِ الله (تعالى) أولاً, وإعطاء (صبغة العالمية) لشخصِ ودينِ ودولةِ وليّه الموعود (عجّل الله فرجه الشريف).
بل ولعلّ ذلك الإعلان يشكلُ ردعًا لأعدائه, ويدحضُ مجردَ تفكيرهم بالنصر.
_____________________
(1) سورة الفتح: 1.
(2) ظ: تفسير الأمثل في بيان كتاب الله المنزل: للشيخ ناصر مكارم الشيرازي, ج16, ص412-417.
(3) سورة الفتح: 28.
(4) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج52, ص390, ح212.
(5) أطلس سيرة الإمام المهدي عليه السلام: لرسول كاظم عبد السادة, ص602.
(6)المصدر نفسه, ج52, ص224, ح87.
(7) ظ: الملاحم والفتن: للسيد ابن طاووس, ج1, ص147.
(8) مصدر سابق, ص615.
(9) ظ: بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج52, ص333, ح61, عن الغيبة للسيخ الطوسي.
(10) سورة الأنبياء: 105.
(11) ظ: مصدر سابق, ج10, ص256-257.
(12) تفسير القمي: لعلي بن ابراهيم القمي, ج2, ص77.
(13) ظ: على ضفاف الانتظار: للشيخ حسين الأسدي, ص160-161.


اللّهم افتح له فتحًا مبينا.

اخترنا لكم

بـوراق التوحيد الجلي عند الحسين بن علي (3) " وخسرَت صفقةُ عبدٍ لم تجعل له من حبك نصيبا"

ما المراد من الخسران في هذه الكلمة ؟ هل هو خسرانٌ مادي أم معنوي؟ وأي نوعٍ من التجارة تلك حتى يشير إليها الإمام بلفظة صفقة ؟ وما وجه ارتباط خسران الصفقة بحب الله تعالى؟ نقول: إنّ المراد من الخسران المشار إليه هو خسرانٌ معنوي حتماً؛ إذ إنّ الإمام في إطار الوصول إلى الكمالات الروحية أثناء مناجاته مع الله تعالى، ولم يلتفت للجانب المادي ومتعلقاته -وإن كان يجوز التقرّب إلى المولى بالأمور المادية- . وسوف نجد ما يؤيد معنوية ذلك الخسران بين طيّات هذا المقطع الدعائي. أشار الإمام الحسين (عليه السلام) إلى أنّ الشيء محل الخسارة هو صفقة، مما يدل على أنّ هناك تجارة بين العبد وربّه، وبدمج لفظتي (خسِرَت) و (صفقة عبدٍ) -بعد معرفة أنّ الخسران معنوي- يتضح لنا أنّ الخسارة في الجانب العبادي، إذ هنا يصح اطلاق لفظ التجارة على العبادة لعلاقة المشابهة، بل وورد بيان أقسام العبادات على لسان أمير المؤمنين (عليه السلام) حينما قال: "إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ التُّجَّارِ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ شُكْراً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْأَحْرَار"(1). إذاً مَن يعبد الله تعالى فيمتثل لأوامره ويجتنب عن نواهيه لأنـه يرغب دخول الجنة والفرار من النار فذلك متاجرٌ معه سبحانه، وكأنّه يقول له: خُذ عبادتي وأشتري منك الجنة. وهذا النوع من العبادة حسن إلاّ أنّه ليس الكمال العبادي. لكن ممكن أن يرتقي العابد إلى عبادة الأحرار، وهي عبادة الله سبحانه لأنّه أهل للعبادة، باكتسائها ببارقة حب الله ومعرفته، ثم أداء شكره لأنّه سبحانه أهل للشكر، فيمتثل لأوامر ربّه بالجذبة الإلهيّة والنفحات القدسية. لكن ما سبب تلك الخسارة؟ هذا ما يجيب عنه الدعاء نفسه بقوله (لــم يجعل له من حبك نصيبا) فإنّ علامة صدق المحبّة هو اختيار ما يريده المحبوب، واجتناب منابع الشهوات التي تبعد عن ساحة قدسه، والإعراض عن الكسل في أداء الواجبات، والمواظبة على الطاعات، فكلّما اشتدّت الطاعة اشتدّ القرب من المحبوب سبحانه. فالقلب الذي لم ينشدّ إلى خالقه في انفعالاته وحبّه، من الطبيعي أن ينشدّ إلى معاني الجاه، والمال، ويرجو الناس، ويخافهم، ويكون عبداً للدنيا وملذاتها، ويكون قلبه كريشة في مهب الريح، تتذبذب، وتتقلب، وتتحرك، متأثرة بأبسط التغيرات التي تحدث في عالم المعاني الدنيوية. ومن هنا جاء في الآثار عن حديث قدسي : "لأقطعنَّ أمل كل مؤمل من الناس غيري باليأس، ولأكسونه ثوب المذلة عند الناس"(2) فهذا ما يشير إلى وجوب العلقة بين العبد وربّه والانصياع لقضائه وقدره، ومحاولة فهم أن كلّ ما هو من الجميل جميلُ، عند ذلك تترسخ المحبة الإلهية في الأفئدة. وللمحبة الالهية آثار، بيان بعضها في ما أوحـى اللّه تـعـالـى إلـى بـعـض الـصـديقين : "أن لي عباداً من عبادي يحبوني واحبهم، ويشتاقون إليّ وأشتاق إليهم، ويذكروني وأذكرهم ... أقل ما أعطيهم ثلاثاً: الاول: أقذف من نوري فـي قـلوبهم فيخبرون عنّي كما أخبر عنهم. والثاني: لو كانت السماوات والأرضون وما فيهما في مـوازيـنـهم لاستقللتها لهم. الثالث: أقبل بوجهي عليهم[أي أشملهم برحمةٍ خاصة وجيهة]، أ فترى من أقبلت بوجهي عليه يعلم أحد ما اريد أن اعطيه ؟!" (3). وروي عن رسـول اللّه (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: قال اللّه عز وجل لداود (عليه السلام): أحببني وحببني إلى خلقي . قال : يا رب نـعـم أنـا احـبـك، فـكـيـف احـبـبك إلى خلقك؟ قال : اذكر أياديّ عندهم[أي نعمي عليهم]، فإنّك إذا ذكرت لهم ذلك أحبوني"(4). وبعد تلك الآثار الروحية أنّى لعبدٍ لم يجعل في صفقته نصيباً من حب الله جلّ جلاله؟!. ______________________ (1) نهج البلاغة: 234. (2) الكافي: ج2، ح7. (3) ميزان الحكمة: 3161. (4)المصدر نفسه، 3169. اللّهم يا منى قلوب المشتاقين، ويا غاية آمال المحبين، أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يوصلني إلى قربك. علوية الحسيني

اخرى
منذ 7 سنوات
4242

تجلياتٌ معرفية في الخطاب المهدوي (11)

بقلم: علوية الحسيني "وعجِّل فرجي وسهِّل مخرجي" قوله: "وعجِّل" فعلٌ صيغته مشدّدة, والأصل: "عَجِلَ عَجِلَ عَجَلاً, وهو بمعنى الإسراع, وجاء في القرآن الكريم: {وَعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} أي أسرعتُ إلى طاعتكَ ربّي لترضى عنّي. وعَجَّلَ بالتشديد تفيد نفس المعنى, وهو التشديد بالإسراع, فيقال: عجّل للضَّيْف: أي قَدَّم إليه الطعام" (1), وقد ذكر الفعل مشددًا في القرآن الكريم, بقوله تعالى: {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَاب} (2), "فطلبوا استهزاءً بيوم المعاد أن يسرع الله تعالى لهم بحظّهم من العذاب قبل يوم القيامة" (3). *وقوله: "فرجي" أي غمِّي؛ فيقال: "فَرَجَ اللهُ الغَمَّ: [أي] كَشَفَه" (4). فظاهر العبارة أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) يلح بدعائه على الله تعالى بأن يسرع كشف غمّه نتيجة غيبته. *قوله: "وسهِّل" أيضًا صيغة الفعل مشدّدة, والأصل "سَهُلَ سَهُلَ سُهُولَةً: مالَ إلى اللِّين وقَلَّت خشونته" (5). *وقوله: "مخرجي" المخرج هو "موضعُ الخَروج" (6).. لو تأملنا في مفردة دعاء الإمام هذه, لوجدنا أنّه يشخّص بدقة ما يريد, وهو الحكيم في قوله؛ إذ دعا بتسهيل خروجه, ولم يقل بتسهيل الظهور؛ لتغاير المفردتين, فالخروج قد يعني "خروجه عليه السلام من المدينة إلى مكة" (7), وما طلبه التسهيل والإسراع في موردٍ كهذا إلاّ لشدّة ما سيمرّ به بعد ظهوره الأصغر في المدينة المنورة؛ إذ سيرسل السفياني جيشًا إلى المدينة؛ فعن النبي (صلى الله عليه وآله): ... خرج عليهم السفياني من الوادي اليابس... فيبعث جيشاً إلى المشرق وجيشاً إلى المدينة" (8). والإمام في هذه الحال لم يعلن (عجّل الله فرجه الشريف) عن ظهوره الأكبر, فنتيجة للخطر المحدق بالإمام توجّه بالدعاء بإلحاح بأن يسهّل خروجه من المدينة؛ إذ قد يتمكن جيش السفياني من اعتقال الإمام قبل خروجه منها, وهو آنذاك لا ناصر له إلاّ الله (تعالى), بل حتى لو دعا الناس إليه، لأمكن أن لا يصدّقه أغلب الناس. ولازم تلك الرواية أنّ عدو الله (تعالى) السفياني سيعلم بتواجد الإمام في المدينة, فيرسل جيشًا لاعتقاله أو قتله. ولعل ترقب السفياني هذا, ودس جواسيسه في أماكن كمكة والمدينة, يكون نتيجة سماعه وجنوده الصيحة الجبرائيلية, في ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان, فلعله يستفهم من أهل العلم آنذاك عن خارطة ظهور الإمام, إذ أنّ إغلب الناس سيترنمون باسم الإمام؛ حسب ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: "إذا نادى منادٍ من السماء: إنَّ الحقَّ في آل محمّد، فعند ذلك يظهر المهدي على أفواه الناس، ويُشربون حبّه، فلا يكون لهم ذكر غيره" (9). فيستغل الجواسيس آنذاك هذه الفرصة ويسترقون المعلومات, ويحصلون على مكان تواجد الإمام, نظير استراق الشياطين أخبار السماء. فيترقب السفياني حصول حراك ضدّه, ليرسل شرذمته إلى المدينة, ومكة, محل الظهور. *وهنا سؤال: هل يعلم الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بوقت ظهوره؟ جوابه منبثق من العصمة التي تتطلب كل كمال، فبما أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) معصوم, "والعصمة تتجلّى بعلم لدنّي يكشف للمعصوم ما خفي علينا,... فهو إذن يعلم بساعة الظهور, إمَّا من باب أنَّ العصمة تعني فيما تعنيه علماً لدنّياً غيبياً بتعليم من الله تعالى، وإمَّا من باب أنَّ من خصائص الأئمَّة (عليهم السلام) أنَّهم إذا أرادوا أن يعلموا الشـيء، فإنَّ الله تعالى يُعلِّمهم ذلك الشيء بمجرَّد توجّه نفوسهم القدسية إلى معرفته" (10). ونحن نعلم أن ذلك العلم اللدني من الله (تعالى), وبإذنه؛ فقد روي "عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الاوَّلِ مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلام) قَالَ: مَبْلَغُ عِلْمِنَا عَلَى ثَلاثَةِ وُجُوهٍ مَاضٍ وَغَابِرٍ وَحَادِثٍ, فَأَمَّا الْمَاضِي فَمُفَسَّرٌ, وَأَمَّا الْغَابِرُ فَمَزْبُورٌ, وَأَمَّا الْحَادِثُ فَقَذْفٌ فِي الْقُلُوبِ وَنَقْرٌ فِي الاسْمَاعِ, وَهُوَ أَفْضَلُ عِلْمِنَا, وَلا نَبِيَّ بَعْدَ نَبِيِّنَا" (11). ومعه، فحتى لو قيل: إنه (عجل الله تعالى فرجه) لا يعلم بوقت ظهوره اليوم، وسيعلمه في وقت خاص، فهذا ليس بنقصٍ, بل هو اصطفاء له, وتمييز عن غيره؛ لكونه معصوما. *وعليه, فإن قيلَ: بما أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) معصوم, والمعصوم لا يصدر منه اللغو, فإذا كان يعلم بوقت ظهوره فما فائدة دعائه؟ يمكن الإجابة على هذا الإشكال اجمالًا ضمن النقاط التالية: 1- إنّ الدعاء ليس لغواً على كل حال, فدعاء الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) شوق منه لتحقيق رضا الله تعالى, بسيادة العدل في دولته الموعودة, التي سادها الظلم والجور, وللقاء بأنصاره, وشيعته, ومن سيلتحق به, بعد أن أحرقهم شوق الانتظار, وهذا بحد ذاته فعل حسن, يحكم العقل بحسنه. 2- إنّ دعاء الإمام رسالة لنا بعدم الانقطاع عن الدعاء مهما كان القدر مفروغًا منه؛ روي "عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ادْعُ وَلا تَقُلْ قَدْ فُرِغَ مِنَ الأمْرِ فَإِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَة" (12), فرغم كون خروج الإمام مفروغًا منه إلاّ أنّ الإمام لم ينقطع عن الدعاء, فدعا بتسهيل مخرجه. 3- إنّ دعاء الإمام بتعجيل الفرج محققٌ لغرض الله (تعالى), وهو هداية العباد, وتحقيق القسط والعدل, وتطبيق معالم الدّين, وهذا كافٍ لرفع اللغوية. *فإن قيل: إنّ ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) من الأمور المحتومة, اللابدية الوقوع, فكيف يدعو الإمام ربّه بأن يغيّر محتومًا؟ وإن استجاب الله (تعالى) له فهذا من قبيل اجراء البداء على علمه (تعالى)! *يجاب: إنّ هذا الإشكال مندفع بعدم لزوم المحذور مع اجراء البداء؛ انطلاقًا من فهم معنى البداء بالنسبة لله تعالى, وتفصيله يقع ضمن الوجهين التاليين: ▪️الوجه الأول: لو أُجريَ على الفقرة الأولى من دعاء الإمام, وهي "وعجّل فرجي": فإن حُمل تعجيل الفرج على تعجيل الظهور العالمي للإمام؛ بقرينة حاليّة, وهي انكشاف غم الإمام بالظهور, فكأنّه (عجّل الله فرجه الشريف) دعا باللازم, وهو (تعجيل الفرج), لا بالملزوم وهو (تعجيل الظهور). فهذا ممكن في عالم الثبوت والإثبات؛ والشواهد على ذلك كثيرة, منها ما روي عن رسول الله, محمد (صلى الله عليه وآله), أنّه قال: "لولم يَبقَ من الدنيا إلّا يوم، لــطوَّل الله ذلك اليوم حتّى يظهر المهدي من آل محمّد (صلى الله عليه وآله)"(13), فمنطوق الرواية صريح في حتمية ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), وهذا أمرٌ مفروغٌ منه, ولكنّها تشير إلى إمكان تأخير الله (تعالى) ليوم الظهور, وجعله آخر يومٍ في الدنيا. فكما أمكن تأخير ذلك اليوم, أمكن تقديمه, ومن هنا انطلق الإمام بالدعاء بتعجيل فرجه, أي بتعجيل يوم كشف غمته والإذن له بالظهور. والنتيجة/ ممكن حصول البداء في تعجيل فرج الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف), ولا محذور في ذلك؛ وذلك لأن التغيّر سيحصل في علمنا نحن, لا في علم الله (تعالى)؛ لأنّه (تعالى) بعلمه الأزلي علم أنّ الإمام سيدعو بتقديم يوم ظهوره. ▪️الوجه الثاني: لو أُجري على الفقرة الثانية من دعاء الإمام, وهي "وسهّل مخرجي": فهنا يمكن القول بجريان البداء؛ فبناءً على أنّ خروج الإمام يختلف عن ظهوره, فكما جرى بالظهور يجري في الخروج؛ لاشتراك المفردتين في هدفٍ واحدٍ؛ لهذا دعا الإمام (عجّل الله فرجه الشريف) ربّه باللطف وتسهيل العقبات عند ظهوره الأولي, أو خروجه, أما نقرأ أنّ الله (تعالى) سيحميه, ويخرجه من المدينة بلينٍ ولطف! فهذا بداءٌ بالنسبة لنا؛ حيث كنّا لا نعلم, وقد علمنا. ___________________ (1) ظ: المعجم الوسيط: لمجموعة مؤلفين, ج2, ص586. (2) سورة ص: 16. (3) ظ: تفسير الميزان: للسيّد محمد حسين الطباطبائي, ج17, ص186. (4) المعجم الوسيط: لمجموعة مؤلفين, ج2, ص678. (5) المصدر نفسه, ج1, ص458. (6) المصدر نفسه, ج1, ص225. (7) صحيفة صدى المهدي, العدد 85, ربيع الأول, 1435هـ, الأسئلة الموجهة إلى مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام. (8) معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام: للشيخ الكوراني, ج5, ص354. (9) كنز العمّال: للمتَّقي الهندي, ج١٤, ص٥٨٨, ح ٣٩٦٦5. (10) مقال: عنصر الخفاء في القضية المهدوية: للشيخ حسين الأسدي, مجلة الموعود, العدد ٤/ ذو الحجة/ ١٤٣٨هـ. (11) الكافي: للشيخ الكليني, ج1, باب جهات علوم الأئمة, ح1. (12) الكافي: للشيخ الكليني, ج2, باب فضل الدعاء والحث عليه, ح5. (13) الصواعق المحرقة: لابن حجر العسقلاني, ص249. اللّهم عجّل فرجه, وسهّل مخرجه, واجعلنا من أنصاره وأتباعه, بحق محمدٍ وآله.

العقائد
منذ 6 سنوات
1643

ذرة رمل موالية

بقلم: زينب سامي أنا دفتر ذو غلاف أسود، مكتوب عليه بخط جميل وبحبر أبيض (يا علي مدد)، مالكيِ هو شاب في العشرين من عمره، اسمه (حذيفة)، وهو يعتز بي كثيرًا، ويأخذني معه في كل زياراته، ويحتفظ بي منذ زمن طويل، ولا يكتب بي إلا المشاعر الصادقة، وأيضًا لطالما كانت دموعه الصادقة تنزل على أوراقي، وأحمل بصمات دموعه في داخليِ، وهو يخبرني دائمًا أن أشهد يوم القيامة له على صدقه وبكائه، وآخر رحلة أخذني بها مالكي (حذيفة) كانت لزيارة مولانا الأب الروحي الإمام علي (عليه السلام)، حيث كان هناك حذيفة يبكي كثيرًا، ويطلب من مولاه علي الإذن، وأن يوفقه للذهاب إلى الحج، وشوقه للوصول إلى مكة وقبر الرسول (صلى الله عليه وآله)، وأيضًا شوقه لكي يصل إلى تلك الأنوار الأربعة في البقيع، فاستجاب له الأب ومنحه جواز العبور، ويسجّل اسمه من ضمن العاشقين في هذهِ الرحلة بشكل أشبه بالمعجزة، وماهي إلّا سويعات وبضعة أيام وتنطلق حافلة المحبّين، وكان حذيفة يحلم طوال الطريق كيف يصل إلى تلك الديار؟ وهل سوف يحظى بكل ما كان يحلم بهِ؟ ومضت المسافات والطرق، وقد وصل الحجاج إلى مقرهم، وبدأ المرشد يحدثهم عن مناسك الحج، وكيفية أدائها، وكان يفكر حذيفة متى سوف نزور أئمة البقيع؟ وهل تأخذوننا إلى هناك؟ بينما كان حذيفة يساعد الحجاج بحمل أمتعتهم، كان هناك رجل كبير في السن عطوف وحنون، لمح الحزن في عينيه، حذيفة يا ولدي أراك حزينًا، هل لفقد الأهل والأحباب؟ لا والله يا عم، إن حزني ليس لهذا، ولكنني أرى في قلبي شعلة من الشوق لزيارة أئمة البقيع، وخصوصًا ونحن على أعتاب ذكرى استشهاد مولانا الباقر (عليه السلام) ولا أعرف دربًا للوصول هناك! حذيفة يا ولدي، إن وجودك الآن في الحج وأنت بهذا العمر لم يكن بالمصادفة، تفكَّرْ كيف وفقت للحضور هنا؟ بينما كان حذيفة يتذكر، داعب الرياح أوراقي، ليقرأ حذيفة ما خطته أنامله في آخر زيارة له لأبينا علي (عليه السلام) وهو يطلب منه الأذن للوصول. -نعم وجدتها! فأجاب العم: ماذا وجدت يا ولدي يا حذيفة؟ -عم، هل يمكنك أخذي إلى أقرب مكان نرى به البقيع، سوف أخبرك هناك بمجرد الوصول. وجد العم طريقة استطاع بها الوصول هو وحذيفة إلى ذلك المكان، قام حذيفة بأخذ ورقة مني وكتب بخط يديه: السلام عليك يا باقر العلم، والله أن فقدك يؤلمنا وبعدك يحزننا ساعد الله قلب إمام زماننا وعظم الله له الأجر بفقدك، وبكى حتى ابتلت الورقة بدموعه ثم قام بطي الورقة، وأغمض عينيه، وردّد: يا رب استشفع لديك وأدعوك بحق علي (عليه السلام) أن تصل هذهِ الورقة، إلى محل قبر مولاي، وتحمل إليه كلماتي ودموعي، فهبت ريح بنسيم رائع وأخذت الورقة تطير من يدي حذيفة، وشعرت وقتها بأن كلمات علي قد التفت حولي، والرياح كانت تسير بشكل عجيب حتى وصلت بي وسقطت وقامت باحتضاني حبات رمل كانت بالقرب من ضريح مولاي الإمام الباقر (عليه السلام)، وحينما سقطت سألت تلك الذرات: منذ متى وأنت هنا؟ فأجابت إحداهن -ويبدو أنها اشدهم عشقًا، وإخلاصًا لمولاها-: أنا هنا منذ سنة أربعة وعشرين ومائة، في تلك السنة التي قد فارق بها مولاي الحياة، لقد سمته أيدٍ أموية، وقد سمعت مولاي في اليوم الذي استشهد بهِ ينادي ويأمر بأن يُكفّن في رداء له كان يصلي فيه ليكون له شاهدًا، وبعدها بدأ السم يسري في بدن مولاي ويسري إليه الموت سريعًا، وكان مولاي لا يغفل عن ذكر الله أبدًا، وكان وجهه يزداد نورًا، ودنا الموت حتى ارتفع ذلك النور، وبقيت الغرفة موحشة منذ أن فارق مولاي الحياة، فرفعت كفي متوسلًا بالإله بحق الأنوار الأطهار أن يجعلني حبة رمل أسبحه وأحمده، فذهبت معهم، وحينما حملوا الجنازة كان مولاي الصادق (عليه السلام) قد كفن وغسل مولاي الباقر (عليهما السلام)، وحمله إلى مثواه الأخير هنا في البقيع بقرب مولاي الإمام زين العابدين والامام الحسن (عليهما السلام). وما أن أتمت كلامها حتى فارقت روحها الحياة، لقد كانت حبة رملة مخلصة وشديد العشق لمولاها، وصعب عليها أن تحكي قصته وتبقى في هذهِ الدنيا… رحلت وتركتني وحيدة... كم تمنيت أن أقصّ على حذيفة ما جرى، ولكنني سمعت أن حذيفة قد فارق الحياة من شدة شوقه وحبه لمولاه، وبقيت هنا أنا في هذهِ الدنيا وحيدة… انتظر أن يظهر القائم من آل محمد، فيعود الشيعة لزيارة مولاهم ويحملوني معهم.

القصص
منذ 6 سنوات
3210

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
86410

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
72429

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
58541

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 7 سنوات
50059

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
47741

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
39654