تشغيل الوضع الليلي

عملُ كادحٍ ومأوى متهالك!

منذ 5 سنوات عدد المشاهدات : 1187

بقلم: نورا كاصد العبودي
كنتُ ما أزال واقفًا لكن شيئًا ما انسلَّ من داخلي صوتي، قلبي، أو قواي!
بقيتُ أحاول أنْ أجتاز مأساتي!
لكن لا جدوى...
لا تتعجبوا يا سادة!
فكلُّ شيءٍ أصبح مختلفًا، ومتغيرًا...
عملُ كادحٍ ومأوى متهالك!
آمالي كلها اندثرت وأنا أحمل أكياس الحنطة لأتقاضى الأجر نهاية اليوم، فتكتمل حيرتي حينما يخبرني البقال أنَّ النقود لا تكفي ثمنًا لرغيف خبز، وبعضٍ من الملح وأربع فردات تمر!
بكاءُ طفلتي الوحيدة قد نخر عظام رأسي، وشكوى زوجتي التي آلمني حقًا جوعها وعملي الذي أنهك جسدي!
وبعد أنْ تجرد العالم من إنسانيته!
أصبحتُ خاوٍ لا أقوى على حمل الثياب فتبرعت بها إلى مديري؛ كي يغطي بها ضميره النائم!
أما أنا فاستلقيت على حطامي...

اخترنا لكم

الملاذُ الأخير

بقلم: حيدرعاشور لم يبقَ لي في هذهِ الحياةِ الغارقة بالأحزان وطغيان الألم والأنين الذي رافقني منذ موت ابني الذي كادَ أنْ يلتحق بالجامعة بعد أنْ أنهى دراسته الإعدادية. كان مولعًا بالشعرِ منذُ صغره، ربما كان متأثرًا بأمي التي كانت تُنشدُ الأشعار الحزينة في المناسبات المؤلمة لاسيما في نهايات الليل، وفي خلوتها وعزلتها في غرفتها، فقد شعرتُ بأنّه يتلصصُ عليها ويكتبُ بعض ما تلتقطه أُذُناه من كلماتٍ وصورٍ مؤثرة، نسجتْها الذاكرةُ الشعبيةُ حين تُعاتبُ الزمنَ والأولاد والزوج والقدر، وظلم الآخرين، والغدر، والوحدة، والكبرياء الضائع وسط الزمن الرخيص، وهي تؤطرُ تلك الأشعار بصوتٍ حزينٍ يُثير الشجن والأسى. وظلّ ماهر يُذكرني بها وقد غادرتنا الى عالم الأبدية ... وبعدها بعامين التحق ماهر بجدته، فشعرتُ كأنّ خيطًا سريًا يربطهما معًا، فكانا هما الاثنين في الحضور والغياب مما زاد من طعنةِ الزمن لروحي وعقلي الذين لم يحتملا ما جرى لي بهذه السرعة، وبدا البيتُ فارغًا وساكنًا حدّ البلادة، وكنت أتجنبُ النظر في وجه زوجتي التي انهمكت في وظيفتها كمعلمةٍ نوعًا من السلوى، لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد بعد أنِ انهارت قدرتي على الاحتمال، ولم أعدْ أحفل بشيءٍ بهذه الحياة، وبدأت تنهش رأسي الهموم، وصورة كلٍّ من أمّي وابني لا تغادر ذاكرتي وعقلي وأحداقي المتعبة. ومع مرور الزمن بتُّ أكرهُ الرجوع إلى البيت؛ لأنه الباعث الخطير على إثارة شجوني.. فأهرب إلى أي مكانٍ آخر، ولأنني موظفٌ في دائرة الآثار، بدأتُ أقرأُ في المكتبة عن سيرة الممالك التي اندثرت والملوك الذين قضوا نحبهم لعلّي أجدُ فيما أقرأُ سلوى أو عزاءً مما أنا فيه؛ فمن يطلعُ على هموم وأحزان غيره ربما تهونُ عليه مصائبه.. أما زوجتي "رهف" فقد انهمكت في تصحيح أوراق امتحان التلاميذ وكتابة درجاتهم وتهيئة الدروس لهم.. وحين مللتُ من القراءة بدت لي عادة السير في الشوارع الخالية، وهي تبعثُ لي شعورًا بالراحة، وكدتُ اعتاد على غلقِ باب غرفتي والاستغراق في عزلةٍ وانطواءٍ غريبين، حتى بدأ الأمر يلحق أذى كبيرًا وفجوةً بيني وبين رهف، إذ لم نلتقِ ولم نتحدث كما في السابق. مرت شهورٌ عديدةٌ ونحن لم نتبادل سوى تحية الصباح أو نهايات الليل، وأنا أعود متعبًا من السير في الشوارع، شعرتُ حينها إنني في وادٍ ورهف في وادٍ آخر، انفصلنا تمامًا نفسيًا واجتماعيًا رغم أننا تحت سقفٍ واحد. ومع مرور الأيام والأشهر دبَّ السأم والضجر بيننا، وكأننا نتهمُ بعضنا بفقدان ابننا الوحيد، وبدأت "رهف" تُكثر الذهاب إلى أهلها وتطوّر الأمرُ حيث تظلُّ غائبةً أسبوعًا أو أسبوعين. وفي لحظةٍ غريبةٍ ومجهولة، لا أدري كيف تطوّر الأمر في تلك الليلة المشؤومة التي كنتُ فيها متعبًا، وأنا أشاهد في الشوارع من في عمره وهم يمرحون ويضحكون ... تشاجرتُ معها لسببٍ تافه، وربما مُفتعل، وكأننا تواطأْنا على الخلاف، وشعرنا أنّنا لا يمكن أن نحتمل الوحدة القاسية، ونظراتنا الحزينة المتبادلة مليئة بكلِّ أنواع التساؤلات والعتاب والحزن الدفين ... قلت لها صارخًا: إنني لم أعد أطيق وجودكِ في هذا البيت ... ساد الصمتُ لهذه الجملة الصادمة ... اقتربت مني تاركة أوراقها: ماذا تقصد؟ _أقصد ... إنني لم أعد أطيقكِ وأنت منشغلةٌ عني بالأوراق والامتحانات والدروس. _ وما الذي تريده مني؟ لم يعجبني ردها البارد وكأنها لا تُدرك بركان الأحزان الذي يعصفُ بعقلي ... صرختُ مرةً أخرى وكأني لا أحتمل الحوار الطويل والثرثرة الفائضة، وقد طوقني الغضب وسد عليّ كل منافذ التفكير.. _ أشعر أننا يجب أنْ نبتعدَ عن بعضنا بأيةِ طريقةٍ، ما حدث نسف ما بيننا.. أصابتها الدهشة مرةً أخرى: _ ماذا تقصد؟ _ اذهبي إلى أهلك واتركيني وحدي، ربما أجدُ حلًا لنفسي ... فأنا لم أعد أفهم نفسي. لم تطِق رهف صبرًا، فأخرجت ملابسها وحاجياتها واتصلت بأهلها وطلبت من شقيقها إسماعيل أنْ يأتي ويأخذها، حاول إسماعيل هاتفيًا أنْ يؤجل الأمر حتى الصباح، لكنها احتدت في طلبها وقالت له: _ إذا لم تأتِ إلي فإنني سأخرج هذه الساعة وحدي... وبعد ساعةٍ أو أقل خرجت دون أنْ تنبس بكلمةٍ، وأنا أغلق باب غرفتي تحسبًا لدخول إسماعيل وتجنبًا لثرثرته المعروفة. وها قد مضى على تلك الليلة أكثر من سنتين، وأصبح البيت وكأنه بيت أشباحٍ، واستغرقت في عزلتي وطلبتُ إجازةً طويلةً من وظيفتي، شعرتُ لأول مرة في حياتي بهذه الوحدة القاتلة ولم يكلف أحدٌ نفسه لزيارتي، أما أختي الوحيدة التي تسكنُ (بعقوبة) فقد انقطعت بها السبل وضاعت اخبارها بعد الأحداث الأخيرة من تفجيرات وانقطاع الطرق وأصبحت بعقوبة المدينة الوادعة عبارة عن مدينة مُخيفة وساخنة، وكأن أختي تبعث بأخبارها وتوصي بأنْ لا أفكر بزيارتها أبدًا. صار البيت يُخيفني وقررتُ في لحظةٍ غريبةٍ أنْ أسكن في مكانٍ آخر، فلربما أجد شيئًا من الراحة وبالفعل هجرتُ البيت، وخشيةَ أن يُنهب أو يُحرق قررت أنْ أؤجره وأقيم في أحد الفنادق... وبهذا دخلتُ إلى عالم الفنادق الغريب، والذي تتحول فيه إلى إنسانٍ منقطعٍ عن العالم وتصبحُ مجرد رقمٍ أصم في السجلات، وأنت تحملُ مفتاح غرفتك، تتلمسه كلّ لحظةٍ خوفًا من ضياعه، وأيقنت أنّ الناس ينظرون إلى من يسكن الفنادق على أنّه إنسانٌ من الدرجة الثانية؛ لأنه اختار الخروج من عوالم الناس إلى نوعٍ من الفردية الموحشة. وفي الأشهر الأخيرة أدمنتُ زيارة المقبرة، وفي كلِّ مرةٍ أشعرُ بالضياع والبحث عن ماهر لما ينتابني من شعورٍ غريبٍ وانفعالٍ محتدم ... وفي أحد الأيام وفي صباحٍ مبكر جدًا اتجهت إلى القبر وأنا أحمل بعض الزهور والماء، أصابتني الدهشة القاتلة وأنا اسمع صوتًا يشبه صوت ماهر وأرى ملامحَ تطابق وجهه ...رتلتُ بعض الآياتِ مع نفسي .. ما الذي يحدث؟! هل نهض ماهر من قبره؟! ... بدأت أتحسس عينيَّ المُتعبتين في هذا الغبش الصباحي وأسرعتُ من خطواتي .. وحين وصلتُ أدهشني الأمر أكثر وكشف لي عن حقيقةٍ أغفلتها كلّ هذه الأعوام .. فلقد وجدتُ رهفَ وهي تبكي بحرقةٍ مؤلمة وتنادي ماهر بكلماتٍ وتعاتبه لأنه تركها وحيدة... كمِ اجتاحني الشعور بالذنب وما زال رأسي يدور من تطابق وجهها مع وجه ماهر، وصوتها! يا إلهي ... لماذا لم انتبه إلى هذا التشابه، ثم عدتُ لأقول: ليس في الأمر غرابة، فهي أمه، لكني كنتُ مصابًا بعمى الأحزان التي أفقدتني الانتباه إلى ما حولي ... اقتربتُ منها فشعرت أنّها ارتبكت أو أنها لم تتوقع حضوري في هذه المصادفة الغريبة ... سألتها سؤالا عاديًا: _ هل جئتِ لوحدك؟ _ معي إسماعيل ذهب ليزور قبر أمي. وبعدها لم أستطع أنْ أنطق جملة أخرى، وقد استغرقنا في بكاءٍ غريب ... شعرتُ كم هي قريبةٌ مني وهي تشاركني هذا الحزن الذي أكل قلبي وعقلي ... لكن هاجسًا وُلِدَ على حين غرةٍ ودون توقعٍ أو تخطيط بأنّي لابُد أنْ أعيد "رهف" لأنها تحملُ كلّ هذا العبق الذي يُذكرني بماهر، وأدركتُ بأنّ الكائن الوحيد الذي يشبه ماهر على هذه الأرض هي "رهف" أوضحتُ لها شعوري بسرعةٍ وجرأةٍ وتحت تأثير الانفعال ... اندهشت وقالت: يجب أنْ تهدأ، فإسماعيل لا يحبُ أنْ يراك _ إنني سأعودُ إليكِ بأيةِ طريقةٍ وستعودين إلى بيتكِ. أجابت بحزن: _ ليس الأمر بهذه السهولة فنحن في مجتمعٍ تحكمه التقاليد وأنت تعرف أنّ الأمر معقد.. جنّ جنوني حين حضر إسماعيل بوجهه المقطب، تحدثت معه بقوةٍ وقلت له: حين نعود إلى بغداد سأتوجه إليك طالبًا عودة "رهف" وأنا حاضر لكلّ الاجراءات التي يفرضها الدين والتقاليد، لقد وجدتُ ابني في أعماق هذه المرأة وعسى أنْ يعوضنا الله بماهر آخر. أمسك بأخته وسارا بعيدًا بعد أنْ وجد أنّ حالتي لا تحتمل النقاش، ولاسيما نحنُ في مقبرة ... لكنني قرأتُ في عينيه وعينيها موافقةً خفيةً تحتاجُ مني أنْ أسرع في خطواتي فتوجهت مسرعًا خلفهما وكأني وجدتُ... ملاذي الأخير.

اخرى
منذ 5 سنوات
3309

مُــحاكـمة

بقلم: علوية الحسيني إنّ الإنسان بطبيعته خلق مجبولاً على فطرة كونه اجتماعياً لا انعزالياً، والحالة الاجتماعية تلك تجعل بعض المصالح متضاربة فيما لو ترك أمر تنظيم حقوق كل فردٍ سدىً دون أن يكون هناك قانون يقر الحقوق والالتزامات لكل فرد من أفراد المجتمع. هذا القانون تارةً يكون شرعياً، وهو ما حكم به الله تعالى في دستوره المخلد القرآن الكريم، والروايات المفسرة له. وتارةً يكون وضعياً، وهو ما تحكم به المحاكم القضائية اليوم الدولية والمحلية استناداً لدستور يضعه مشرّعون قانونيون؛ ولهذا سمي بالقانون الوضعي. اليوم أريد تسليط الضوء بشكلٍ مختلف على واقعةٍ حصلت منذ مئات السنين، وهي واقعة ظلامة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وسيتم عرض أفعال أعدائها على الشرع والقانون لنرى هل تعتبر جريمة ولها عقوبة، أم أنّ السيّدة الزهراء (عليها السلام) قد خولط عقلها خبلاً -والعياذ بالله- كما يزعم أحد أعداءها (١). لنُعِدْ إحداث الواقعة اليوم وليحكم كلٌ وفق اختصاصه، ومن لا اختصاص له فليجعل كتاب الله تعالى دستوراً يستخرج منه عقوبة أولئك الأشخاص. وعليه ينعقد هذا المقال على استقلال كل مطلب بجريمةِ اولئك الشرذمة، والمطلب الأخير سيأخذنا إلى العيش في زمن الدولة الإسلامية العادلة المتمثلة بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف). المطلب الأول: عقوبة مَن أحرق داراً لغيره. الفرع الأول: شرعاً -في فقه الشيعة: روي عن "علي عليه السلام أنه قضى فيمن ... أو قطع شجرا أو أفسد زرعا أو هدم بيتا ... أن يغرم قيمة ما أفسد واستهلك ويضرب جلدات نكالا وان أخطأ لم يتعمد ذلك فعليه الغرم ولا حبس عليه ولا أدب..." (٢) -في فقه أبناء العامة: "... وأما ما تلف من الأرض بفعله، أو سبب فعله، كهدم حيطانها، وتغريقها، وكشط ترابها، وإلقاء الحجارة فيها، أو نقص يحصل بغرسه أو بنائه، فيضمنه بغير اختلاف في المذهب، ولا بين العلماء؛ لأن هذا إتلاف، والعقار يضمن بالإتلاف من غير اختلاف" (٣) الفرع الثاني: قانوناً "يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمسة عشر سنة كل من اشعل النار عمدًا في مال منقول... إذا كان من شأن ذلك تعريض حياة الناس أو أموالهم للخطر" (٤). المطلب الثاني: عقوبة مَن انتهك حرمة مساكن وملك الغير. الفرع الأول: شرعاً: -في فقه الشيعة: روي "عن عبد العزيز بن محمد أنّه قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من أخذ أرضا بغير حقها أو بنى فيها قال: يرفع بناؤه ويسلم التربة إلى صاحبها، ليس لعرق ظالم حق، ثم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أخذ أرضا بغير حقها كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر (٥) -في فقه أبناء العامة: عن أبى بكرة أنّ النبي (صلى الله عليه [وآله]) قال: "إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ..." (٦) الفرع الثاني: قانوناً "يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تزيد على مائة دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين: من دخل محلا مسكونًا أو معدا للسكنى أو أحد ملحقاته وكان ذلك بدون رضاء صاحبه وفي غير الأحوال التي يرخص فيها القانون بذلك" (٧) المطلب الثالث: عقوبة جريمة مَن آذى إنساناً بالترويع والضرب؟ الفرع الأول: شرعاً -في فقه الشيعة: "حدثتنا فاطمة بنت علي بن موسى عليهما السلام قالت: سمعت أبي عليا يحدث عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه وعمه زيد عن أبيهما علي بن الحسين عن أبيه وعمه عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: لا يحل لمسلم أن يروع مسلما"(٨). أيضاً وقال الصدوق في مناهي النبي صلى الله عليه وآله: "ألا ومن لطم خد مسلم أو وجهه بدد الله عظامه يوم القيامة، وحشر مغلولا حتى يدخل جهنم إلا أن يتوب" (٩). وعن "علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في اللطمة يسود أثرها في الوجه أن أرشها ستة دنانير، فإن لم تسود واخضرت فإن أرشها ثلاثة دنانير فإن احمرت ولم تخضر فإن أرشها دينار ونصف" (١٠) -في فقه ابناء العامة: عن النعمان بن بشير عن النبي (صلى الله عليه[وآله]) أنه قال: لا يحل لرجل أن يروع مسلمًا"(١١) الفرع الثاني: قانوناً "من اعتدى عمدا على آخر بالجرح أو بالضرب أو بالعنف أو بارتكاب أي فعل آخر مخالف للقانون فسبب له اذى أو مرضا يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات والغرامة التي لا تزيد على ثلاث مائة دينار او بإحدى هاتين العقوبتيتن: أ- اذا نشأ عن الاعتداء كسر عظيم. ب-اذا نشأ عن الاعتداء أذى أو مرض أعجز المجني عليه عن القيام بأشغاله المعتادة مدة تزيد على عشرين يوما" (١٢) المطلب الرابع: عقوبة جريمة مَن أجهض جنيناً لامرأةٍ الفرع الأول: شرعاً -في فقه الشيعة: عن "علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس أو غيره، عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: دية الجنين خمسة أجزاء خمس للنطفة عشرون دينارا، وللعلقة خمسان أربعون دينارا، وللمضغة ثلاثة أخماس ستون دينارا، وللعظم أربعة أخماس ثمانون دينارا..." (١٣). -في فقه أبناء العامة: (وإن ضرب بطنها ، فألقت جنينا حيا ، ثم مات من الضربة، ففيه دية حر إن كان حرا، أو قيمته إن كان مملوكا، إذا كان سقوطه لوقت يعيش لمثله، وهو أن يكون لستة أشهر فصاعدا) هذا قول عامة أهل العلم . قال ابن المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم ، على أن في الجنين ، يسقط حيا من الضرب ، دية كاملة ، منهم ; زيد بن ثابت ، وعروة ، والزهري ، والشعبي ، وقتادة ، وابن شبرمة ، ومالك ، والشافعي ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي ; وذلك لأنه مات من جنايته بعد ولادته ، في وقت يعيش لمثله ، فأشبه قتله بعد وضعه" (١٤). الفرع الثاني: قانوناً "يعاقب بالحبس من اعتدى عمدا على امرأة حبلى مع علمه بحبلها بالضرب او بالجرح او بالعنف...دون ان يقصد اجهاضها وتسبب عن ذلك اجهاضها" (١٥) المطلب الخامس: عقوبة جريمة مَن غصب أرضاً الفرع الأول: شرعاً -في فقه الشيعة: روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "من أخذ أرضا بغير حقها كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر" (١٦) -في فقه أبناء العامة: (ومن غصب أرضا ، فغرسها ، أخذ بقلع غرسه وأجرتها إلى وقت تسليمها ، ومقدار نقصانها ، إن كان نقصها الغرس) الكلام في هذه المسألة في فصول : أحدها، أنه يتصور غصب العقار من الأراضي والدور، ويجب ضمانها على غاصبها. هذا ظاهر مذهب أحمد وهو المنصوص عن أصحابه، وبه قال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن" (١٧) الفرع الثاني: قانوناً القانون المدني تعرض لهذا التصرف وعدّه تجاوزاً غصبياً "فيلزم الغاصب بردة مع أجر مثله وإذا تعرض العقار إلى تلف ولو بدون تعد من الغاصب لزمة الضمان"(١٨) هذا ما اشارت له المادة 197 من القانون المدني رقم 40 لسنة 1951 . المطلب السادس: تحريك الدعوى الجنائية. في زمن ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) فهو أرواحنا فداه سيحرّك الدعوى ويقضي فيها ويقتص من شياطين الظلم والجور، روي "عن الإمام الصادق عليه السلام: إذا قام الإمام قائم آل محمد صلى الله عليه وآله حكم بين الناس بحكم داوود عليه السلام، لا يحتاج الى بينةٍ، يلهمه الله تعالى فيحكم بعلمه، ويخبر كل قومٍ بما استبطنوه" (١٩) فالإمام لا يحتاج إلى شهود، ولا ادّعاء عام، ولا تحقيق، بل سيحكم بما أفاضه الله تعالى عليه من فطنة تكشف ما يبطنه المجرمون. لكن أقل ما يمكننا فعله اليوم، هو تحريك دعوى قضائية إلى قاضي محكمة الدولة الإسلامية الجعفرية المتمثلة بالإمام المهدي (أرواحنا فداه) فباسمي واسم جميع الشيعة نقدم عريضة دعوى تحقيق: م/النظر في جريمة قتل السيّدة زهراء محمد (عليها السلام) المدعي: جميع الشيعة المدعي عليه: أبناء السقيفة بسم الله الرحمن الرحيم السيد قاضي محكمة تحقيق الكوفة الإمام المهدي (عليه السلام). نرجو من سيادتكم التحقيق في سبب استشهاد السيدة الزهراء ابنة محمد (صلى الله عليه وآله)، والتحقيق مع من شرع بحرق باب دارها، ولطمها، وتسبب في اسقاط جنينها وكسر بعض أضلاعها، وهتك حرمة بيتها بدعوى أنه يريد مبايعة زوجها لأحدى الولايات. وشهد على ذلك كل من: ١-علي بن ابي طالب ٢- الحسن بن علي ٣-الحسين بن علي ٤-أسماء عميس ولسماحتكم الشكر والتقدير. التوقيع: □□□ الشيعة. عندئذٍ سيصدر مولانا قاضي التحقيق (عليه السلام) مذكرة توقيف. المطلوب تبليغه: أبناء السقيفة تقرر حضوركم للمحكمة الجنائية الجعفرية في الكوفة في اليوم الفلاني؛ نتيجة الدعوة المرفوعة عليكم من شيعة الزهراء (عليها السلام) وفي حال عدم حضوركم في الزمان والمكان المعينين سيتم إلقاء القبض عليكم وفق القانون المهدوي. ثم يصدر الإمام مذكرة أمر قبض وتحري آمرًا موظفيه: إلى جميع أعضاء الضبط القضائي وأفراد الشرطة أنكم مأذونون ومكلفون بالقبض على المدعو فلان وفلان وفلان؛ كونه متهمًا بجريمة حرق وضرب وترويع وغصب أموال السيدة فاطمة محمد (عليها السلام). لذا نفوضكم بالاحتفاظ بالمجرمين تحت الحراسة وتوقيفهم، حتى يتم إحضارهم أمامنا كي يجيبوا على الجرائم التي ارتكبوها، المعاقب عليها بمقتضى المادة (..) من القانون المهدوي. القاضي: الإمام المهدي. الختم◇. _____________________ (1) التعليق على صحيح مسلم: للعثيمين، ج٩، كتاب الجهاد والسير، ص٨٧. (2) جامع احاديث الشيعة: للبروجردي، ج١٩، ص٨٠، ح١. (3) المغني: لابن قدامة، ج٥، م٣٩٣٣. (4) قانون العقوبات العراقي المعدل لسنة ١٩٦٩، م٣٤٢. (5) جامع احاديث الشيعة: للبروجردي، ج١٩، ص٧٧، ح١. (6) صحيح البخاري: للبخاري، كتاب الفتن، ح٦٦٦٧. (7) قانون العقوبات العراقي، م٤٢٨. (٨) عيون أخبار الرضا عليه السلام: للشيخ الصدوق، ج٢، ص٧٠، ح٣٢٧. (9) امالي الصدوق: للشيخ الصدوق، ص٢٥٠. ونقل عنه في بحار الأنوار، ج٧٢، ص١٤٨. (10) فروع الكافي، ج٧، كتاب الديات، باب الخد، ص٣٣٣، ح٤. (11) الترغيب والترهيب: للمنذري، ج٣، ح٢٨٠٦. (12) قانون العقوبات العراقي، م٤١٣، ف٢. (13) فروع الكافي: للشيخ الكليني، ج٧، ص٣٤٣، ح٢. (14)) المغني: لابن قدامة، كتاب الديات، مسألة ضرب بطنها فألقت جنيناً حياً ثم مات ٦٨٥٨. (15) قانون العقوبات العراقي، م٤١٩. (16) جامع احاديث الشيعة: للبروجردي، ج١٩، ص٧٧، ح١. (17) المغني: لابن قدامة، كتاب الغصب، مسألة غصب أرضا فغرسها ٣٩٣٣. (18) ظ: القانون المدني العراقي رقم ١٧٠ لسنة ١٩٥١، م١٩٧. (19) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي، ج٥٢، ص٣٣٩. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون، وحسبنا الله وكفى، سمع الله لمن شكى، وعجّل لمن يُندب ويُبكى.

اخرى
منذ 6 سنوات
2717

داءٌ مزمنٌ بعلاجٍ ممكن

بقلم: Abbas satar داء السكري مرضٌ مزمن، يحدث عندما يعجز البنكرياس عن إنتاج الأنسولين بكميةٍ كافية، أو عندما يعجز الجسم عن الاستخدام الفعال للأنسولين الذي ينتجه، والأنسولين هو هرمون ينظّم مستوى السكر في الدم. يُعد فرط سكر الدم أو ارتفاع مستوى السكر في الدم من الآثار الشائعة التي تحدث جرّاء عدم السيطرة على داء السكري، ويؤدي مع الوقت إلى حدوثِ أضرارٍ وخيمة في العديد من أجهزةِ الجسم، ولاسيما الأعصاب والأوعية الدموية. أنواع داء السكري: 1-داء السكري من النمط (1) (الذي كان يُعرف سابقًا باسم داء السكري المعتمد على الأنسولين أو داء السكري الذي يبدأ في مرحلة الشباب أو الطفولة)، ويتميز بنقص إنتاج الأنسولين، ويقتضي تعاطي الأنسولين يوميًا. لا يُعرف سبب داء السكري من النمط 1، ولا يمكن الوقاية منه باستخدام المعارف الحالية. وتشمل أعراض هذا الداء فرط التبوّل، والعطش، والجوع المستمر، وفقدان الوزن، والتغيرات في البصر، والإحساس بالتعب، وقد تظهر هذه الأعراض فجأة. 2-داء السكري من النمط 2 يحدث هذا النمط (الذي كان يُسمى سابقًا داء السكري غير المعتمد على الأنسولين أو داء السكري الذي يظهر في مرحلة الكهولة)؛ بسبب عدم فعالية استخدام الجسم للأنسولين، وتحدث في معظمها نتيجةً لفرطِ الوزن والخمول البدني. وقد تكون أعراض هذا النمط مماثلةً لأعراض النمط 1، ولكنها قد تكون أقل وضوحًا في كثيرٍ من الأحيان؛ لذا فقد يُشخّص الداء بعد مرور عدة أعوامٍ على بدء الأعراض، أي بعد حدوث المضاعفات. 3-السكري الحملي هو فرط سكر الدم الذي تزيد فيه قيم كلوكوز الدم على المستوى الطبيعي، دون أنْ تصل إلى المستوى اللازم لتشخيص داء السكري، ويحدث ذلك أثناء الحمل. والنساء المصابات بالسكر الحملي أكثر تعرضًا لاحتمالات حدوث مضاعفات الحمل والولادة، كما أنهنَّ وأطفالهنّ أكثر تعرضًا لاحتمالات الإصابة بداء السكري من النمط 2 في المستقبل، ويُشخّص داء السكري الحملي عن طريق التحري السابق للولادة. أعراض الإصابة بداء السكري: -ازدياد عدد مرات التبول في اليوم الواحد. -العطش بصورة غير طبيعية. -شرب السوائل بشكلٍ كبير لتعويض ما يفقده الجسم من سوائل نتيجة لكثرة التبوّل. -الشعور بالإرهاق والتعب والضعف العام. -نقصان الوزن مع أنّ كمية الطعام التي يتناولها الفرد وعدد وجباته لم يتأثر. -زيادة الرغبة في تناول المزيد من الطعام بشكل ملحوظ -بطء شفاء الجروح. أسباب داء السكري: ١-العوامل الوراثية. ٢-السمنة المفرطة وتراكم الدهون في الجسم من أبرز أسباب الاصابة بمرض السكر حيث إنّه يسبب تغيرات وظيفية في خلايا الجسم. ٣-عدم ممارسة التمارين الرياضية، حيث إنّها تعمل على تعزيز صحة الجسم وحمايته من الأمراض وضبط مستوى السكر في الجسم ومحاربة السمنة. ٤-الإفراط في تناول الأطعمة التي تحتوى على نسبةٍ عاليةٍ من الدهون الضارة وخصوصًا الوجبات السريعة. ٥-تلف البنكرياس يسبب مشاكل صحية عديدة ومنها مرض السكر. ٦-الضغط النفسي والعصبي، فإنّه يزيد من فرص الإصابة بمرض السكري. مضاعفات داء السكري: -مضاعفات مزمنة: *أمراض القلب والأوعية الدموية: يزيد مرض السكري بشكلٍ كبير خطر حدوث مشاكل القلب والأوعية الدموية المختلفة، بما في ذلك مرض الشريان التاجي المصاحب لوجود ألم في الصدر، أو الإصابة بالذبحة الصدرية، أو النوبات القلبية، أو تصلب الشرايين. *تلف الأعصاب: يؤدي زيادة السكر إلى التأثير بشكلٍ سلبيّ على جدران الأوعية الدمويّة الصغيرة التي تُغذّي الأعصاب، ممّا يؤدي إلى إتلافها على المدى البعيد. *اعتلال الكلى: تحتوي الكلى على ملايين الشعيرات الدموية التي يُطلق عليها اسم كُبيبات الكلى، والتي تقوم بالتخلّص من النفايات الموجودة في الدم، إلا أنّ مرض السكريّ يمكن أنْ يُلحق بهذا النظام العديد من الأضرار، حيث يمكن أنْ يسبب الإصابة بالفشل الكلوي، الأمر الذي قد يتطلب لإجراء عملية غسيل الكلى أو زرع الكلى. *اعتلال الشبكية: يشكّل مرض السكري خطرًا على الأوعية الدموية الموجودة في شبكية العين، ممّا يؤدي إلى الإصابة بالعمى، حيث تُعرف هذه الحالة باسم اعتلال شبكية السكريّ، بالإضافة إلى أنّه من الممكن أنْ يؤدي إلى إعتام عدسة العين أو إصابتها بالزرق. *أضرار القدم: يُتلِف مرض السكريّ الأعصاب في القدمين، ومن الممكن أنْ يُضعف تدفّق الدم إليهما، مما يزيد خطر مضاعفات القدم المختلفة. *الأمراض الجلدية: يجعل مرض السكري الأشخاص أكثر عرضةً لمشاكل الجلد، بما في ذلك الالتهابات البكتيرية والفطرية. *إصابة السمع: تزيد مشاكل السمع عند الأشخاص الذين يعانون من مرض السكري *مرض الزهايمر: يزيد مرض السكريّ من النوع الثاني خطر الإصابة بمرض الزهايمر. *السكتة الدماغية: لا بدّ من الحفاظ على مستويات طبيعية من ضغط الدم، وجلوكوز الدم، والكولسترول، وذلك لتجنب خطر الإصابة بالسكتة الدماغية. -مضاعفات حادة: ١-التبول المتكرر. ٢-العطش الشديد. ٣-الخمول والنعاس. ٤-الحامضة الكيتونية السكرية. كيف يمكن الوقاية من داء السكري؟ ١-تناول السَلَطات المختلفة. ٢-ممارسة الرياضة وخاصة المشي. ٣-تناول الحبوب الكاملة. ٤-شرب القهوة. ٥-الابتعاد عن التدخين. ٦- تجنب الوجبات السريعة. ٧-المحافظة على الهدوء وتجنب التوتر. تشخيص داء السكري: ١-الأعراض السريرية: كثرة التبول، العطش، الهزال، نقص الوزن، زيادة الشهية، التعب، عدم شفاء الجروح، الالتهابات المتكررة. ٢-مستوى السكر في الدم: تبلغ نسبة السكر الطبيعية في الدم 100ملغ/دل (المجال 70-110 ملغ/دل). ٣-كشف السكر في البول. ٤-اختبار تحمل الغلوكوز الفموي. علاج داء السكري: ١-تحسين النظام الغذائي والنشاط البدني. ٢-خفض مستوى الكلوكوز في الدم عن طريق اخذ الادوية. ٣-الإقلاع عن التدخين. ٤-ضبط المستوى الكلوكوز في الدم. ٥-ضبط مستوى ضغط الدم. ٦-رعاية القدمين. ٧-ضبط مستوى الدهون في الدم (لتنظيم مستويات الكولسترول).

اخرى
منذ 5 سنوات
1472

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
85471

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
71592

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
57259

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 6 سنوات
49240

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
47253

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
35993