تشغيل الوضع الليلي
سقيمٌ وخدمتكَ تُشفيني (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ)
منذ 5 سنوات عدد المشاهدات : 1279
بقلم: زهراء علاء
إنَّ حُبّ محمدٍ وآل محمدٍ (صلوات الله عليهم أجمعين) فطرةٌ وضعها الله تعالى في قلوب مُحبيهم، وهذه الفطرة كالنبتةِ تحتاجُ إلى سَقيٍ بِماء الإيمان..
كُنتُ ألتمس هذا الشعور - شعور الحُب - الذي غُرِس في داخلي لهم، حيث كان نقي السريرة .. كُنتُ أبحثُ عنه منذ نعومة أظافري، رجوتُ الله (تعالى) أن يثبت أعمدة هذا الحبِّ وأنْ لا يحول بيني وبين الطريق المؤدي إليه، وكنتُ انتظرُ الأيام التي أرى فيها ثمره هذا الحب قد أينعت ..
كانت جُلَّ أمنياتي أنْ يكون الحسين (عليه السلام) هو من يتولى زمام أمرِ هذا الحبِّ ويرشدني إلى الطريق الأمثل، فتنهيدةُ هذا الطلب أراقت دمعتي وقضَّت مضجعي. كُنتُ أحلم أنْ أخدم في حرمه الشريف، وعندما كانت تخبرني صديقتي عن أيامها التي قضتها في الخدمة الحسينية أيام زيارة الأربعين، كان الحزن يُخيّم على قلبي ويمتطي اليأس نفسي، فلقد كان أهلي يرفضون ذهابي إلى هناك خوفًا عليّ..
وهكذا ظلت روحي تعاني من هذا الأمر كُلّما اقترب موعد الخدمة إلى أنْ ساقَ الله (تعالى) في طريقي أشخاصًا يمهدون لي سُبل السير إليه.. يا لِتعاستي، فلقد مرّت هذه السنون عبثًا دون أنْ أحظى بخدمتك يا أبا عبد الله.
انطلق الجميع للزيارة وبقيتُ أنا مع خَيبتي والغُصة تملأ فمي الناشف، لكن لم يهُن دمعي وانكساري على الله (تعالى)، وعرفتُ أنَّ تأخير طلبي كلَّ هذه السنين حيث هيأ ذهابي في الوقت المناسب، الوقت الذي فقدتُ فيه الأمل، وأوشك هذا الحب أنْ يتلاشى فأفقد أجرَ صبرِ كلِّ هذه السنين.
(زينب...) إحدى الهبات الإلهية التي وضعها الله في طريقي، كُنت دائمًا ما أتكلم عنها أمام أهلي، حتى غُرِس حبها في قلوبهم، فكانوا يطمئنون عليّ عندما أكون معها؛ ولهذا زال خوف أهلي عندما رأوا إلحاحي وطلبي للذهاب للخدمة برفقتها، اقترب موعد الزيارة وأنا كُلي أملٌ أنْ أكون هذه السنة بين صفوف خادمات الإمام (عليه السلام).
اتصلت بي زينب وهي تخبرني بأنَّها ستذهب إلى الزيارة والخدمة بنفس الوقت، عندها انشرح صدري وسال الدمع من عيني شوقًا وحبًا إلى الإمام الحسين (عليه السلام). يا الله لقد استُجيب دعائي! أوشكت نفسي من نفسي تضيع، هل حقًا تحقق حلمي؟! بعد أنْ كادَ أنْ يُحطَّم سراج الأمل في داخلي عندما فشلت جميع محاولاتي في الذهاب لخدمتك يا أبا عبد الله ..
هل فعلًا قبلتني؟! هل قبلت أنْ تتكفل بهذا الحُب؟ حينها أخبرتُ أهلي، فأذنوا لي بالذهاب مع زينب .. ذهب أبي مسرعًا لإحضار سيارته ليوصلني إلى المستشفى التي تعمل بها (زينب)، وأنا في طريقي إليها شعرتُ بأنَّ روحي قد حلّقت عاليًا في السماء، وصلت إلى (زينب)، وعندما رأيتُها دعوتُ الله (تعالى) أنْ يوفقها في حياتها؛ لأنها كانت سبباً في تسهيل طريق خدمتي لأبي عبد الله (عليه السلام).
انطلقنا وانطلق معنا التوفيق الإلهي في مسيرنا صوب كربلاء، وقبل أنْ نصل شعرتُ بشعورٍ غريب لا يمكن للحروف أن تصفه، طوال الطريق وأنا أحدث نفسي: ماذا أفعل عندما أراك؟ ماذا أعمل لشكرك!
وعلى هذه الحال دخلنا الحرم الحسيني الشريف، دخلنا لمكان يسمى بـ(شعبة الزينبيات)، سلَّمتُ على صديقاتي وشعرتُ بالأمان التام والتسليم المطلق. وكنتُ متشوقةً جدًا للخدمة. انتهينا من الصلاة وأحضرت لي (زينب) وشاح الخدمة ..
أتت اللحظة التي انتظرتها كلَّ هذه السنين، لحظة أنْ أكون بين صفوفِ الخادمين عند أبي عبد الله (عليه السلام).. كان مكان خدمتي عند الرأس الشريف، للتوِّ سكنت الروح وسكتَ أنينُها، وانفرجت أسارير قلبي .. تموّجت روحي بين الحزن والفرح؛ الفرح باللقاء والحزن على مصابه الأليم.
شُغِفتُ في العمل بقربه، وقفتُ دقيقةَ صمتٍ لأستجمع شعوري، لا بل نفسي التي تاهت عند رأسه الشريف قائلةً: (يا أبا عبد الله كُنتُ أبحثُ عن الحُب فوجدتك أهلًا له، أدركتُ أنّك مُقيمٌ بين أوصالي، وغايتي في البحث عن الشيء المفقود في نفسي توقفت؛ إذ لا فقدَ بوجودك ولا وجودَ بفقدك، يا بهيَّ الطّلعة، يا غاية المُنى، فبعزتِك لا تحرمني من هذا العطاء، وأنْ تثبت لي قدمَ صدقٍ معك يوم الورود وتسهل لي طريق البحث عن الموعود).
وعندما انتهى وقت خدمتي رجعتُ إلى الشعبة، استلقيتُ في فراشي، وبدأتُ أتمعن في تفاصيلِ المكان، حينها رأيت لوحةً مكتوبًا عليها على ما أتذكر: "أختي الزائرة اخفضي صوتكِ فأنتِ في أرضٍ سارت عليها السيدة زينب ورقية (لا أتذكر صيغةَ النصِ كاملًا) لكن كان نصًا مؤثرًا جدًا، بكيتُ حينها وتذكرتُ عندما كُنتُ في الثانوية وكُنتُ أذهب إلى كربلاء وأنا لم أرتدِ العباءة بعد إلا عند دخولي إلى الحرم الشريف، وعندما كنت أضحك بصوتٍ عالٍ أنا وصديقاتي)..
هنا أدركتُ ماهي كربلاء وقدسيتها!
غفوتُ على تنهيدةِ تلك الأيام التي ذهبت دون أنْ أدرك أهمية الأمر، حتى أيقظني صوت هتافات الزائرين بـ(لبيك يا حسين)، التي كانت تملأ الغرفة، وهيّجت الشوق.. كان الكلُّ نائمًا في الغرفة، أخذتُ وشاحي بكلِّ هدوءٍ وذهبتُ إلى الحرم، ومن ثم عملتُ في المفرزة الطبية، وتعلّمت أشياءً كثيرةً أضافت خبرةً لدراستي. حينها قالت لي إحدى الأخوات: هل تذهبين للسقاية؟ لم أكن أعرف ما هي، لكني وافقتُ وبدأتُ بتوزيع الماء إلى الزائرات المتوجهات صوبَ أبي عبد الله (عليه السلام).. يا الله، كان المنظرُ حزينًا جدًا؛ فالكلُّ متعطشٌ ومتلهفٌ لشرب الماء، ساعد الله تعالى قلبك يا حبيبي يا أبا عبدالله.
شارفت الزيارة على الانتهاء، ودّعتُ سيدي بركعتي شكر وامتنان له ووعدته وعودًا كثيرةً، أهمها البحث والتعمق بمعرفة صاحب الزمان (عجل الله فرجه)، وطلبت منه أنْ يشرف بنفسه على هذا الوعد وأنْ يسهل لي طريقي إليه إذا تعسّر المسير.
رجعتُ إلى المنزل أخبرت أهلي بكافةِ التفاصيل ومن شدةِ الفرح أكررُ نفس الموضوع عليهم في ذلك الحين. عندما ذهبت إلى فراشي تذكرتُ كلَّ موقفٍ وكلَّ دقيقهٍ مرّت هناك .. نمتُ من شدةِ التعب جراء السفر من كربلاء عندئذٍ رأيتُ في المنام أنّي ما زلتُ في الخدمة الحسينية، أسمع تلك الهتافات التي لم تفارق مسمعي (لبيك يا حسين ... لبيك يا حسين) وعندما أفقتُ بكيت وتألمت. تمنيت لو أنَّ عمري ينقضي بجوارك يا أبا عبد الله بقيت على هذه الحالة ثلاثة أيام أرى نفس الرؤيا حينها كان النوم صعبًا جدًا ..
قررت أن أباشر بتنفيذ الوعود التي وعدتُ أبا عبد الله (عليه السلام) بها، تغيّرتُ جدًا، فأصبحت أكثر حرصًا على إيماني وأكثر شغفًا وحبًا للموعود.
فيا سيدي أبا عبد الله، لاريب عندي أنّك أنت من عززت أواصر الحُب بيني وبين صاحب الزمان (عجل الله فرجه)، وجعلتني أسير على خطى أختك الحوراء في عفتها وحيائها.. أنت من جعلتني أحيى من جديد، من أضفتَ لونًا لأيامي .. عَلَيْكَ مِني سَلامُ اللهِ أبَدًا ما بقيتُ وَبَقِيَ الليْل والنهار.
اخترنا لكم
الأربعينية ثورة اعلامية
بقلم: حوراء رضا لا يخفى على العالم دور الإعلام في عصرنا الحالي (عصر العولمة) الذي انتشر بشكل كبير سواء أ كان عبر بحور الانترنت أو عبر القنوات الفضائية التي تحاول جاهدةً إيصال رسالة ما الى شعوب الأمم، ناهيكم عن الكم الهائل من الصحف والمجلات التي كان لها دور كبير في نشر الخبر وإيصاله للجهات المعنية. الإعلام بحد ذاته نقل بعض الوقائع والأحداث التي تخص قضية معينة والتي تحتوي بين طياتها أفكار ومفاهيم، فتكون رسالة توعية للأمم بشكل عام وللمهتمين بشكل خاص. ومن هنا يتبين لنا الدور المهم للإعلام وما يحمله من أفكار تساهم في تطور الفرد والمجتمع سواء. وكان للإعلام الديني منبره الخاص الذي ساهم بنشر مفاهيم الحق ومنهج الباطل لينير الطريق أمام البشرية حيث يتميز الطيب من الخبيث. ولا يخفى على أحد أن الإعلام الحسيني الذي كان وما زال يسعى جاهدًا لنشر السبل التي تؤدي بحياة الفرد والإمة نحو حياة أفضل، ممثلًا بين دفتيه منهجًا عظيمًا لسيد أعظم، حمل في رسالته مفاهيم سامية... فساهم الإعلام بنشر الثورة الحسينية بمختلف الطرق والوسائل لإيصالها للعالم، ومع تعدد وسائل الأعلام قد نلاحظ أن مسيرة الأربعين التي تهافت إليها النفوس من مختلف الدول حملت أروع وأسمى وأقوى أنواع الإعلام إنه إعلام العشق الحسيني ذاك الإعلام الذي كان فريدًا من نوعه وساهم بنشر القضية الحسينية وبشكل كبير وعلى نطاق واسع المدى، فمن خلال تلك الأمواج الجماهيرية والتي هي من فئات قبلية متعددة وهذا بحد ذاته بيان لثورة حسينية إعلامية تحمل رسالة خالدة استنشقت عطرها من زهرة وريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهي إلى يومنا الحالي، وما زالت تبين للعالم (أن حب الحسين اجنني) فما أروع تلك المبادئ التي اتخذتها من سيدها ومعشوقها الإمام الحسين (عليه السلام) في بيان رفض الظلم والعدوان والهوان. فخطى الزائرين دليل واضح لبيان هذا المفهوم الذي واجهوه برايات حملتها أيديهم معلنين أنّ رايات النصر و الإباء باقية رغم الظلم والمحن ولابد للمظلوم أن ينتصر ولو بعد حين وهناك صرخات وهتافات رغم تعددها إلّا أنها صوت واحد، رددت شعارًا مشتركًا ، ومبتغاها مع اختلاف أطيافها، هدف واحد، والكل بنفس القلب المشتاق (لبيك يا حسين)، كلمة يصدح صداها وكأن هذا القلب يحتوي الإمام الحسين (عليه السلام) فقط متناسين بذلك كل عزيزًا تركوه وجاؤوا سائرين لمعشوقهم الأول... وماذا بعد؟ مسيرة الأربعين ثورة إعلامية كبيرة ضاهت في محتواها أقوى وسائل الأعلام في مفاهيم كان لابد من إيصالها للعالم ليكون على بينة من أمره، مسيرة بحد ذاتها هزت أركان العالم لأنها تحمل في الروح ذكرى لأعظم مأساة حصلت في تاريخ البشرية؛ لإنقاذ الدين والحفاظ عليه. فرسمت دماء الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأنصاره طريق النصر والحق للمحبين والموالين المتأسين بسيد الشهداء (عليه السلام) فالسلام عليك سيدي أبا عبد الله ورحمة الله وبركاته، ورزقنا الله في الدنيا زيارتكم وفي الآخرة شفاعتهم، ووفقنا المولى (جل وعلا) بخدمتكم.
اخرى
حوارٌ مع النسيم!
بقلم: أريج الانتظار كان يمشي وحيدًا، والحزنُ يعتصرُ قلبَهُ، لا يشعر ببهجةٍ تُفرِحُهُ، فقدَ كلَّ طعمٍ لملذّات الدنيا، قادته قدماه بالقرب من شاطئ البحرِ ليلًا، كان كلُّ شيءٍ هادئًا هناك، لا صوتَ سوى صوتِ الموج، ونسيمُ الهواء يأتي بتردداتٍ متواليةٍ حاملًا معه نغماتِ الطيور المهاجرة.. هو محتاجٌ للحديثِ أكثر من أيِّ شيءٍ آخر، لا يستطيعُ البوحَ ولا الصبرَ على كلِّ هذا الصخب في عقله وهذه الكلمات في جوفه، فقرّر أنْ يتكلم بكلِّ ما بخاطرَه لعلّه يستريح من حملِ هذه الأحرف أو لعلّه يجدُ جوابًا مقنعًا أو حلًا لمشكلته. لم يجدْ أحدًا غير النسيم الذي يملأ صداه ما حوله، فتأمل لبرهةٍ تقلُّباتِ الأمواجِ والأضواء البعيدة على شاطئ الضفةِ الأخرى، أخذ شهيقًا فزفيرًا وقال بصوتٍ منخفض: هل تستطيع أنْ تُجيبني? لم يردْ عليه أحدٌ، كرّرَ السؤالَ بصوتٍ أعلى بقليل: هل من أحدٍ يستطيع أنْ يرد عليّ سؤالي? لا صوتَ، ولا جوابَ، وبعد لحظات ... سمعَ صوتًا: أنا أسمعُك... قال للصوت مستغربًا: من أنت? أجاب الصوت: تحدّث، أنا هنا، أستمعُ لكلِّ من يأتي للحديث. قال في نفسه: أحقًا يسمعُني النسيم! وقال للصوت: هل تفهم لغتي? أجاب: نعم. قال: قُل لي من أنت? أجاب: أنا نسيمُ البحر. قال له مندهشًا: أحقًا تسمعني?! أجاب: أسمعُك جيّدًا. قال له: هل تستطيعُ أنْ تُجيب على كلِّ من يأتي هنا، وتعطي إجاباتٍ مقنعةٍ لمن يسألك? النسيم: في بعض الأحيان أُفلِحُ في ذلك. قال له: لأجرب أنا أيضًا، لعلك تسعفني بإجاباتٍ ناجعة. النسيم: تفضلْ على الرحب. قال: قد مللتُ من كلِّ شيءٍ في هذا العالم، لا أستطيعُ أنْ أتقبله هكذا، ومن دونه الحياةُ صعبةٌ جدًا لا طعم لها. النسيم: من تقصد؟ من دون من?! قال: سيّدي، سيّدُ هذا الزمان. لم يُجِب النسيم، وبقيَ صامتًا . قال له: ألم تعرفه? النسيم: ومن لا يعرفُ سيّده وإمامه ؟! قال له: أنتَ لستَ من بني آدم، فهل رأيتَه يومًا? هل مرَّ من هنا? هل مررتَ بالقرب منه يومًا? هل لامستْ نفحاتُك طرفَ ثوبه? هل امتزجَ عطرة مع نفحاتك? أرجوك أجبني.. النسيم: في أيامٍ مضت كان لديَّ شعورُك هذا تمامًا، ولم أستطعْ صبرًا على حالي وشوقي له وللقياه والتبرك بعطره الطاهر ونسيمه المقدس الذي يحمل عبير الجنان، وتساءلتُ كثيرًا: هل ألتقي به يومًا ولو من بعيد؟! لذا قرّرت السفر لأماكنَ شتى، يكثرُ وجوده فيها، بحثتُ، وانتظرتُ، وسألت الكثير، ولم يُجِبني أحدٌ، فرجعتُ إلى هنا والحزنُ رفيقي.. حتى جاء شخصٌ يومًا على ضفافِ هذا البحر الذي أنت واقفٌ أمامه الآن... قال له: تسارعتْ دقاتُ قلبي، هل كان هو? ? أجبني. النسيم: لم أكن أعرفه، كان حزينًا، وكان وجهُه يشعُّ نورًا. جاءني هنا فجرًا وبيده كتابٌ، أخذ يقرأ كلماتٍ أو طلاسمَ أو دعاءً لم أفهمها جيدًا، وعيناه تمطران دمعًا كأنّه لؤلؤ البحر يتساقطُ على وجنتيه. خطر لي أنْ أكلّمَه فترددتُ، وبعدها قررتُ أنْ أسأل النسيم الذي كان حوله .. فقلت له بعد السلام: من أين أنتم? ومن هذا السيد؟ هل لك أنْ تُعرّفني به أجابني: أخي نحنُ غرباء هنا، هذه ليست بلادنا، نسكنُ بلادًا بعيدةً، وقد جئنا هنا للعمل، أنا تعلقت بهذا الرجل وأصبحت ألازمه أينما ذهب؛ لأنّه رجلٌ تقيٌ من علماءِ الدين. قلت له: وما هذا الذي بيده? قال: كتابٌ لتجديد العهد لسيّده. قلت له: ومن هو سيّده? قال: صاحبُ هذا الزمان، أمير الأكوان، ابن سيّد الأنام، الحجة القائم (عجل الله فرجه) عندما سمعت منه هذه الكلمات كِدتُ أنْ أضمحل مع ذرات الهواء لفرط الشوق الذي غمرني حين سمعت اسمه المقدس ... قلت له: هل سيّدك قد حظيَ بلقاء سيّده يومًا يا تُرى؟! قال: لا أدري، لكنّه يتردد على مكانٍ مشهورٍ في بلادنا باسم سيدي الحجة (عجل الله فرجه). قلت له: هل لك أنْ تدلّني عليه? قال: إنّه مسجدٌ يُسمى "جمكران" بعد ذلك نهض السيّد وودّعني النسيم وذهبا... فعزمتُ على الذهاب إلى المسجد الذي ذكره... وبعد أيامٍ وصلتُ إلى حيث يوجد "جمكران" محط شوقِ القلبِ، ومملكة أمير القلوب وسلطانها... لا أستطيعُ أنْ أصِفَ لك هيبة ذلك المكان وشموخ أركانه وجمال الأريج الذي يأتي منه ليمتزج بكلِّ النسيم الذي يطوف حوله... مكثتُ هناك أيامًا، انتظرُ حول بابه الأمامي، لعلي أحظى خلالها بلقائه، كنتُ أستمع لتراتيل القرآن الكريم ولأذكار السحر والفجر العذبة، كنتُ أرجو نظرةً واحدةً ولمرةٍ واحدةٍ فقط وكان نسيمُ الفجرِ هناك مختلفًا جدًا؛ لأنّه نسيمٌ من الجنة ... تعرّفتُ بعدها على نسيمِ المسجد العبق... ولم أفصح له عن غاية وجودي، كتمتُ هذا الأمر لحين وصولي لمبتغاي ... وذات يومٍ قد تزيّن المسجد بحلةٍ أنيقةٍ جدًا، وبأنواع الزهور ذات الألوان الزاهية، كأنّه يتجهّز لحفلٍ بهيٍ، أو للقاء أحدٍ جليل، كان الكلُّ مبتهجًا, والسرور يغلب على الجميع وقد كُتِب على أعلى الباب (ولادة الأقمار). أذكر كان شهر شعبان قد أقبل، وولادة أنوار بيت فاطم (عليها السلام) سيسطع ضياؤها للأكوان، ومضت ليالي شعبان الخمسة الأولى مكللةً بمحافلَ ملكوتيةٍ في رياض المسجد، وفي الليلة الخامسة عشرة منه كان نسيمُ المسجدِ العبقُ مشغولًا جدًا ولم أرَه منذُ أيامٍ، صادفته يدخل الباب، فتوقف حين لمحني وراح يقتربُ منّي .. وقال: هل لك أنْ تدخل معي؟ قلت له: لِمَ لا أدخل؟ هل لديك ما تفعله في الداخل؟ قال: نعم، تعالَ معي. دخلنا إلى المصلى في داخل المسجد، كان واسعًا جدًا.. قلت له: إنّي لم أرَ أكبر من هذا المسجد، فهو ذو مساحةٍ كبيرة. قال لي: لكي يصلي خلفَ الإمام (عجل الله فرجه) كلُّ أصحابه، فصُمِّم لكي يسعَ عددهم جميعًا... تجوّلنا في كلِّ أنحاءِ المسجد، وارتفعنا إلى خارجه فوق التلال التي تحيطه، حتى وصلنا إلى مكانٍ فيه صندوقٌ قديمٌ جدًا، قد مُلِئ أوراقًا، دخل إليه النسيم العبق وخرج مسرعًا.. قلت له: ما هذه الأوراق؟ أجاب: إنّ هذه رسائلُ يكتبها الزوار إلى الإمام الحجة (عجل الله فرجه) قلت له: وهل تصلُ إليه؟ أجاب: بكلِّ تأكيدٍ نعم. قلت له: ومن يُوصلها? أجاب: هذا من وظيفةِ المسؤول عنها ... وانصرفنا إلى طريق العودة، و قبل أنْ نصل وجّهتُ نظري إلى الصندوق، فلم أرَ أيّةَ ورقةٍ في داخله! حينها علِمتُ أنّها وظيفته ولم يشأ أنْ يبوح بذلك... وكان حينئذٍ قد سبقني ولم أستطع اللحاق به... فقلتُ في نفسي: هذه الليلة حتمًا سيأتي سيّدي إلى هنا، فهي ليلةُ شروق الشمس من خلف السحاب، لعلّي أراه وأطفئ نار الشوق التي تكاد أن تفنيني بدأ الحفل مبكرًا وتم إشعال الشمع في كلِّ مكانٍ، بدا المكان كأنّه سماءٌ مُلأت نجومًا تنتظرُ بدرها أنْ يطلَّ عليها مكتملًا لتقتبس من نوره الدُرّيّ... وفي لحظةٍ مرَّ نسيمٌ فاح عطره الأخّاذ في كلِّ الأرجاء، لم يمرْ عليّ في وجودي عطرٌ يُشبهه أبدًا، و نظرتُ إلى المكان القريب من المنبر وإذا بنورٍ يسطعُ اخترق المسجد نحو السماء، بدا كشمسٍ أشرقت وسط ظلام الليل الحالك وعمّت الصلوات المحمدية المكان وحجب النور الرؤية عنّي، ولم أتذكر شيئًا بعدها .. وعندما أفقتُ أدركتُ أنّه هو لا غيره، كان النسيم الذي يحملُ عطره، كان مع سيّدي الحجة (عجل الله فرجه) في المسجد عند المنبر يستقبلُ تهاني مواليه ومحبيه، ويدعو لهم ويستقبل هداياهم بقضاءِ حوائجهم.. في تلك الليلة وذلك اليوم، كانت ولادتي للحياة، لقد رأيتُ النور الذي جعلني أبصر قلت له: هنيئًا لك، ادعُ لي لأرى النور وتُبصر عيناي اللتان اجتاحهما العمى بسبب ما اقترفته من ذنوبٍ تحجب حبيبي عني وتبعدني عنه، لا تنسني عندما تذهبُ إلى هناك مرةً أخرى... وفجأةّ أحدٌ ما يكلمني: لماذا أنت هنا؟ هيّا انهض... فتحتُ عيني، وإذا أنا مُلقى على الشاطئ، والشمسُ تكادُ أنْ تُشرق، وشخصٌ ما يُكلِّمني: لقد تأخرتَ على موعدك... هيّا قُم ... نهضتُ مسرعًا ألملمُ حالي ودعكتُ عينَي لأرى بوضوحٍ فلم أرَ أحداً حولي ... فقط وجدتُ ورقةً كُتِب عليها ثلاثًا ... العجل العجل يا مولاي يا صاحب الزمان.
القصص
لماذا يكره بعض الأبناء آباءهم؟
أسباب عديدة تؤدي بالأبناء إلى الابتعاد النفسي عن آبائهم، وهذا الأمر له الأثر الخطير في القضاء على الأسر والبيوت، وله عواقب وخيمة جدا على تماسك المجتمع. ولو تتبعتا أسباب ابتعاد الابناء عن آبائهم لوجدنا منها: ١- استخدام القسوة في التعامل مع الأبناء مما يقلل من الجانب العاطفي والنفسي بينهم، وينشئ حاجز البعد بينهما، وهنا لا يشعر الابناء بمنزلتهم في نفوس آبائهم مما يزيد من حالة التوتر والضغط النفسي لديهم.. ٢- عدم اعطاء الاباء وقتاً لأبنائهم يشمل الاستماع الى آرائهم وحل مشكلاتهم وتلبية متطلباتهم، وهذا ما يُشعر الابناء بانهم غير مقبولين وغير مرحب بهم لدى آبائهم مما يزيد الجفاء بينهما ويقطع روابط المحبة والوئام .. ٣- التفكير الأناني لدى بعض الآباء ،حيث نشاهد في مجتمعنا بأن البعض من الآباء يوفرون لأنفسهم ما لذّ وطاب من الاكل والملبس ، والتنزه خارج البلد مع الأصدقاء دون تلبية متطلبات الأسرة والاولاد وهذا ما يثير مشاعر الكراهية في نفوس الأبناء، فمن حق الابناء على الآباء توفير وسائل الترفيه وإشعارهم بانهم جزء مهم من حياته ، والابتعاد عن التفكير الضيق الذي يسبب شرخا في الوسط العائلي. ٤- استخدام الضرب والقسوة ضد الزوجة وعدم احترامها والتنكيل بها أمام أبنائها من الاسباب التي تزيد الفجوة بين الاولاد وأبيهم . حيث نسمع أن البعض من الاباء وهو يقوم بضرب زوجته بأساليب وحشية تجعله يسقط في نظر أبنائه ، حيث يمقت اغلب الابناء هذا السلوك الهمجي لعدم انسجامه مع الفطرة السليمة وبالتالي سيؤدي إلى زيادة مشاعر الكراهية ضد الأب المتسلط. ٥- البخل على الأبناء وعدم الاهتمام باحتياجاتهم المادية رغم إمكانية الأب المادية فهذه الصفة من الصفات المقيتة التي تجعل الابناء يكرهون آباءهم ويبتعدون عنهم نفسيا وذهنيا وبدنيا. ٦- أساليب الاستهزاء والسخرية والتقليد والنقد الدائم والصياح المستمر والمقارنة ، كل هذه الأساليب تثير مشاعر الكراهية في نفوس الأبناء ضد آبائهم. ٧- ملاحظة الأبناء لسلوكيات غير أخلاقية في شخصية الأب كالكذب والتحايل والخداع والتجاوز على حقوق الآخرين أو التناقض بين أقواله وأفعاله. ٨- حرمان الأب أبناءه من التعليم وزجُّهم في العمل بوقت مبكر من أجل تحصيل الأموال وهذا ما نلاحظه في حياة الطفولة المسروقة، فالبعض من الأهل يتمتع بحالة مادية جيدة وترى أطفاله يمارسون العمل بعمر مبكر والمفروض انهم يتمتعون بطفولتهم حالهم حال بقية الأطفال. قاسم المشرفاوي
اخرىالتعليقات
يتصدر الان
لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع
يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي
اخرىبين طيبة القلب وحماقة السلوك...
خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي
اخرىلا تقاس العقول بالأعمار!
(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي
اخرىالمرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)
بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.
اخرىالطلاق ليس نهاية المطاف
رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي
اخرىهَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ
عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي
اخرى