تشغيل الوضع الليلي

خاطرة

منذ 6 سنوات عدد المشاهدات : 1926

أراها تلملم أطراف ردائها...
ترمُقني بنظرات الوداع..
ويعزّ عليّ فراقها!
القلبُ يعتصر والعينُ تدمع...
على جميل اوقاتي معها
اخجل من تقصيري!
يناديها وجودي لابد من الرحيل؟
وفي تسارع الساعات أجد الدليل
عندما انتهت ليالي السلام
عندما بزغَ فجرها
أيقنت الرحيل...
علمت ان الليالي تصرمت
وأيامه انقضت
وأوشكَ داعي العيد ان يؤذن بالنداء
تكبيرة العيد... تكبيرة فراقك يا ليالي رمضان..
على أمل اللقاء..
#عيد_بطاعة_الله

اخترنا لكم

الغدير المنتظِر...

بقلم: العلوية شهد غدير أنا في وسط صحراءٍ مقفرة موحشة ينساب مائي عذبًا يتهادى بين ضفتيّ فراتًا. تحيط بي النخيل الشامخات ملجأ للطير من حر الصيف، يحط المسافرين عندي لينكثوا أتعاب سفرهم، بين مكة والجحفة مكاني، ويطلقون عليّ غدير خم... شاء الله أن يشرفني ويقرن اسمي باسم خير خلقه كرمني بمحمد وعلي (عليهما السلام)، ومن أنا حتى أنال هذه الكرامة! كل ما سأذكره هو شذرة من يوم تعجز الكلمات عن وصفه، اليوم الذي صادف الثامن عشر من ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة... أطلّا عليَّ بنورهما (صلوات الله عليهما) في مائة آلافٍ أو يزيدون من حجاج مكة ضيوف الله الذين بدت عليهم أتعاب السفر، وجدوا في ضفتي شفاء لبعض أتعابهم، انتشروا هنا وهناك يروون ظمأ قلوبهم، كانت الوجوه تعتريها حيرة عجيبة في المؤمنين منهم، كانت مصحوبة بحزن عميق ينتظرون من رسول الله أن يستنقذهم ولا يتركهم في حيرتهم. بينما المنافقون كانت حيرتهم في أنه كيف يعيدون سطوع نجمهم الآفل الذي حجبه محمد (صلى الله عليه وآله) بعد أن نعى لهم نفسه... نعم هذا ما فهمته من همسات كلماتهم... رسول الله ودع البيت الحرام وأخبرهم أنها حجة الوداع بعد أن علمهم مناسكهم... ضاق بي الكون الرحب من أثرِ كلماتهم وما زاد في ألمي وأنا أسمع أصوات من أرادوا أن ينقلبوا على أعقابهم حاولت أن أصرخ فيهم بأعلى صوتي لكني تذكرت أنهم لا يفقهون صوت أمواجي، أردت أن أزجرهم أن أُذكرهم بقوله: {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ } (1) لكن وا حسرتاه... بعد هنيئة هموا بتوديع بعضهم البعض فكل قبيلة سلكت طريقها وتفرقوا، وإذا بأمر من رسول الله (عليه وآله صلوات الله): أن ردُّوا من تقدم وأحبسوا من تأخر... عادوا واصطفوا متعجبين متحيرين، في عقولهم تدور دوامة من الأسئلة، ولا أخفي عليكم كنت أشد منهم حيرة لابد أن يكون أمرًا عظيمًا حتى أمر الرسول بعودتهم... اصطفوا وحجبوا الرسول عني إلّا أن نوره لا يحجب، فكان أشد نورًا من الشمس الساطعة في تلك الظهيرة، ساد فيهم هدوء شديد وكأن على رؤوسهم الطير والعيون تربوا صوب رسول الله الذي صعد منبرًا صنعه صحبه من الأمتعة، قام فيهم خطيبًا والأبصار شاخصة ينظرون إلى من استنقذهم من جاهليتهم هل يأخذ بأيديهم مرة أخرى الى طريق الحق والصواب ويهديهم الى الصراط المستقيم؟ حمد الله وأثنا عليه بصوتٍ وصل أسماع الجميع بألوفهم، كان قرآنًا ناطقًا يصدح فيهم كلما توغل في حديثه أكثر شدت إليه القلوب والأبصار أكثر وكنت أشدهم تركيزًا... بعد لحظات سرت فيهم همهمة فهمت أن شيئاً ما يحدث على تلة الأمتعة تلك، لم أفهم ما يجري حتى سمعتهم يتهامسون: إنه علي... إنه علي، كان لهذا الاسم وقع عجيب على قلبي، تهدأ النفوس عند ذكره، أعرفه جيدًا ومن لا يعرف قالع باب خيبر محطم الأصنام وزوج البتول الطاهرة وأخ رسول الله (صلوات الله عليه وآله) فهمت أن رسول الله أشار اليه أن يصعد الى جنبه، رفع يده عاليًا حتى بان بياض إبطيهما للجميع... قطع همهماتهم صوت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ينساب بنداء اخترق الزمن، لاح معه هدوءٌ شديد لا يسمع إلّا صوت رسول الله، قالها، نعم قالها: - إيها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟ ما كان لهم إلا أن قالوا: الله ورسوله أعلم... وعاد صمتهم الذي قطعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرة أخرى - إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنتُ مولاه فعلي مولاه. لقد بلغهم النبأ العظيم وهداهم الصراط المستقيم وأعطاهم الوسيلة الى الله لمن (شاء أن يتخذ الى ربه سبيلا)(٢). لاحت فرحة في قلوب المؤمنين حتى انعكست على وجوههم فأنارتها بنور الولاية فهذا رسول الله يخرجهم من حيرتهم ويهديهم صراطًا مستقيمًا لن يضلوا بعده أبدًا، ثم زادهم: (اللهم والِ من ولاه وعادِ من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله) واعتلت الأصوات مهنئة للأمير، بخ بخ لك يا علي أصبحت مولى للمؤمنين… وكما نفوس المؤمنين كنت أنا، ولكن أنا لا استطيع أن أقوم مثلهم وأصافحه وأهنئه لكنه يختلف عنهم هو يفهمني جيدًا كما يفهم الأشجار التي حولي والطيور، لقد كان له معنا حديث فنحن أُسَراء حبه، راح كل منا يهنئه بلغته وأنا هنأته بلغة أمواجي… ما زاد فرحي أن رسول الله أمر أن ينصبوا خيمة ليأخذ البيعة لعلي (عليه السلام) وهذا يعني إني سأحظى بوقت أطول قرب محمد وعلي (صلوات الله عليهم). وانقضت أجمل ثلاثة أيام في عمري بجوار رسول الله وعلي (صلوات الله عليهما) أرى الناس يدخلون بأمر رسول الله (صلوات الله عليه) الخيمة يبايعون عليًّا (عليه السلام) بالإمارة والخلافة ... أنا الغدير الذي يشهد لعلي بالخلافة والإمارة… أنا الغدير الذي كرمني الله بمحمد وعلي (صلوات الله عليهما) فأعلى شأني وذكري… أنا الغدير الذي ينتظر منذ ألف سنة ابنًا لعلي يقال له: القائم، ليأتي ويأخذ حقي من كل من أنكرني ... ____________ ١-ال عمران أية ١٤٤ ٢-الفرقان أية ٥٧

اخرى
منذ 7 سنوات
2593

سيدة الولاء والوفاء

بقلم: سماهر الخزرجي إنَّ دراسة حياة الشخصيات العظيمة والرموز الإسلامية من ضروريات الحياة لأنهم يمثلون المنهل العذب الذي ننهل منه الدروس والعبر التي ترسم لنا خارطة طريق متكاملة تسمو بنا نحو الكمال، وقد أخفى التاريخ الكثير من الحقائق وغيّب أمورًا أخرى، ومنع تدوين الكثير منها مع ما لازمه من التحريف والحشو بالأباطيل والكذب، وهذا ما نلاحظه في سيّر العظماء والصالحين ولا سيما كل من يمتُ لبيت علي (عليه السلام) بصلة، محاولًا طمس تلك الفضائل والمشاهد العظيمة، ومن تلك الشخصيات العظيمة والرموز البارزة السيدة الجليلة أم البنين (فاطمة الكلابية) (سلام الله ورضوانه عليها)، تحجيمًا لشخصها وتغييبًا لدورها الفذ في الذود عن الآل وعن حياض الدين. إلا أنّ إرادة الله شاءت غير ذلك، فرغم أنه لم يصلنا عنها وعن تفاصيل حياتها إلا القليل، إلا أنّ فضلها وذكرها ومآثرها ملأت الخافقين وأصبحت قدوة للنساء ونموذجاً للفناء والانصهار في آل البيت (عليهم السلام). ففي ذلك البيت الحجازي الشريف وفي أجواء هجيرها المتقد نشأت تلك المرأة النبيلة ذات الخصال الحميدة والسجايا الفاضلة والمآثر الكريمة، النقية، الورعة، الفصيحة، البليغة، والعفيفة النفس وقد أثرت البيئة التي نشأت وترعرعت فيها على صقل شخصيتها وتربيتها وتنشئتها تنشئة صالحة، فقد تربت في أسرة عريقة شريفة حوت من الفضائل ما لا تحويه باقي الأسر، فقد أتفق المؤرخون أن آباء فاطمة وأجدادها هم من أشجع القبائل وأفرسهم بعد بني كلب، وقد تميّزت تلك الأسرة بولائها الشديد لآهل البيت (عليهم السلام)، فظهر ذلك جليًا على شخصية أم البنين (عليها السلام)، وذلك نستشفه من حادثة الخطبة، حيث تقدم عقيل لخطبتها من أبيها لأخيه علي (عليه السلام ) وهو يقول له: جئتك بشرف الدنيا والآخرة. ويروي لنا المؤرخون أن حزام أسرّه الخبر كثيرًا إلا أنه خشى أن لا تكون صالحة لهذا البيت، حيث إنه مهبط الوحي ومختلف الملائكة ومعدن الرسالة، فإنه يرى لمثل علي (عليه السلام) أن تكون له امرأة ذات علم وعقل وأخلاق حسنة -مع علمه بما تحمله ابنته من هذه الخصال- فينبري ليسأل أُمها عنها. فتجيب الأم بثقة عالية: يا حزام والله قد ربيتها وأحسنت تربيتها وأرجو الله العلي القدير أن يسعد جدها وأن تكون صالحة لخدمة سيدي ومولاي أمير المؤمنين (عليه السلام). فتنزل الكلمات على قلب حزام كنزول الغيث على أرض جدباء، ويقدمها لأميره بصفة خادمة لا زوجة! ولا بد أن يكون لفاطمة رأي في ذلك فهذه من مختصات حياتها وشؤونه، وقد أكد الشرع على استحصال رضاهنَّ في ذلك. فتقف تلك السيدة الجليلة الواعية الناضجة العالمة الورعة عند مفترقين، فهي تعرف بسيرة من جاءها خاطبًا، وما كان يطغى على ذلك البيت من إيثار وجوع وفقر ومشقة، وتلك العائلة التي نزل بحقها قرآنًا في خواء بطونهم وإيثارهم للمسكين واليتيم والأسير، تعلم المستوى المادي والمعيشي، وأضف لذلك علمها بما جار عليهم الدهر من محن ومصائب وظلم الأصحاب لهم بعد رحيل الحبيب صلى الله عليه و آله، وقد جال في خاطرها وهي تبدي الموافقة على الارتباط به -مفتخرةً بذلك- إعراضها عن الدنيا طالبة الزهد والتقشف مشيحةً وجهها عن ملذاتها وزبرجها وزينتها وعليها أن تعد جلباب الفقر والبلاء واللأواء، مستذكرة الحديث الشريف (من أحبنا فليعد للبلاء جلبابًا) (١) وما الذي قبال ذلك؟ قباله شرف الفوز بخدمتهم والفوز الأبدي والخلود في الدارين واللحوق بالنبي وآله في درجاتهم. وأثناء ذلك تنساب إلى مسامعها تلك الآيات ((يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (29))) (٢) فتشعر بالاطمئنان وعذوبة الإيمان، فتشكر الله في سريرتها وتحمده أن خصها بهذه النعمة الكبرى.. وتدخل فاطمة ذلك البيت العلوي الشريف، وتنصهر في محبتهم وخدمتهم، وتعيش حالة من نكران الذات لأجلهم، فلقد ذابت وأذابت في ولائهم فلذات اكبادها، وتتوالى المحن على البيت العلوي ويعصف الحزن قلب فاطمة بفقدها زوجها وسندها، ثم لم يمهلها الزمن حتى يكلم قلبها بالحسن (عليه السلام)، وهي ما زالت تعيش ظلامات الحسين، ولم تنزع ذلك الجلباب الذي أعدته للبلاء وكانت شامخة كالجبل الأشم. يقول العلامة باقر شريف القرشي (رضوان الله عليه) في كتابه (العباس رائد الكرامة والفداء في الإسلام): "لم يعرف التاريخ أن ضرّة تخلص لأبناء ضرّتها وتقدمهم على أبنائها سوى هذه السيدة الزكية، فقد كانت ترى ذلك واجبًا دينيًا لأن الله أمر بمودتهم في كتابه الكريم" (٣) فكانت (سلام الله عليها) خير مصداق للأحاديث التي أمر بها النبي (صلى الله عليه وآله) بود أهل البيت بحبهم وولائهم والاتباع لهم والتمسك بحجزتهم. وكما هو معروف، فإنه عند الاختبار تظهر معادن البشر وتُعرف سرائرهم ودخائل ضمائرهم وصلابة إيمانهم، وقد أشار القرآن الكريم لذلك في قوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) )(٤) ولا أرى هناك فقد أعظم من فقد الولد فكيف إذا كانوا أربعة! وكيف الحال إن كانوا على هذه الدرجة العالية من الفضيلة ونفاذ البصيرة؟! مع إنها لم تعبأ بنبأ مقتل بنيها الأربع، بل راحت تحث الخطى لتسأل عن الحسين (عليه السلام) عن إمامها، وهذا ما يحدثنا عنه الشيخ المامقاني في كتابه تنقيح المقال قائلًا: (إن علقتها بالحسين عليه السلام ليس إلا لإمامته (عليه السلام) وتهوينها على نفسها موت هؤلاء الأشبال الأربعة إن سلم الحسين (عليه السلام) يكشف عن مرتبة في الديانة رفيعة) (٤) ولأجل ذلك تبوأت هذه السيدة الزكية تلك المنزلة الرفيعة والمقام السامي، فسلام عليها يوم ولدت ويوم ماتت ويوم تبعث يوم القيامة.. ______________ ١- غرر الحكم _٩٠٣٨ ميزان الحكمة، محمد الريشهري_ ص ٥٢٠ ٢- سورة الأحزاب الآيات _٢٨_٢٩ ٣- العباس رائد الكرامة والفداء في الإسلام، للقرشي صفحة ٢٧ ٤- سورة البقرة الآيات _١٥٥_١٥٧ ٥- تنقيح المقال للمامقاني صفحة ٣٤٧

اخرى
منذ 6 سنوات
2257

نريد وطنًا بعقيدة

بقلم: علوية الحسيني إنّ مجريات الوضع الراهن في العراق هي من موجبات إدخال الأسى على قلب حجّة الله على الأرض الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)؛ لأسبابٍ عديدة منها كونهم شيعته، وكون الدولة دولة حكومته العادلة. وبالتالي فإنّ كلّ فعلٍ أو ردّة فعلٍ من شيعته عمومًا، ومن شيعة العراق خصوصًا يغضبان الله تعالى ويغضبانه. وما نعرفه أنّ هيكلية الدّين الإسلامي عبارة عن ثلاثية لا ينفك بعضها عن بعض: 1/ أصول الدّين، وهي رأس المثلث، وتسمى بالعقيدة، التي تعنى بالاعتقاد بتوحيد الله تعالى، وعدله، وبنبوّة الأنبياء وتنزيههم عن المعصية، وبإمامة الأئمة وتنزيههم كذلك، وبالمعاد الذي هو يوم الحساب. 2/ فروع الدّين، وهي ما يسمى بعلم الفقه، الذي يعنى ببيان الأحكام الشرعية (واجب، حرام، مستحب، مكروه، مباح) في عبادات الإنسان ومعاملاته. 3/ أدبيات الدّين، وهي ما يسمى بالأخلاق، الذي يعنى بالتخلق بأخلاق القدوة الحسنة، محمدٍ وآل محمد (عليهم السلام). وبالتالي لو تخلّق المؤمن الشيعي بأخلاق الصفوة (عليهم السلام)، وأدّى تكاليفه الشرعية، لكنه جهل بأصول دينه –بعقيدته- لم يكن إيمانه كاملاً؛ لأنّه أخلّ بهيكلية النظام الدّيني الإسلامي. وفي يومنا هذا رأينا الحرق، والخراب، والدمار، والرقص، والغناء، والبهتان –اتهام الشخص بما ليس فيه-، فضلاً عن الغيبة، وسوء الظن، والتطاول على المرجعية أو التدخل في شؤونها، إن لم يزد على ذلك اتهام الله تعالى بالظلم لعباده!. وهذا وإن كان ردّة فعلٍ، وليس فعلاً دائميًا، إلاّ أنّه لا مسوّغ له بتاتًا؛ إذ يكشف عن عقيدةٍ مطعونة برماح الجهل بها، أو التشكيك فيها، أو الغفلة عنها. فحينما نردد كلمة (نريد وطنًا) يجب أن تكون عقيدتنا شامخة، هي منبع أقوالنا وأفعالنا. *فاتهام الله تعالى بالظلم لعباده، هو طعنٌ بعقيدتنا بثاني أصول الدّين وهو العدل الإلهي، وهذا سلوك خطير للغاية، مؤداه إلى الكفر –والعياذ بالله-؛ لأنّ الله تعالى عادلٌ لا يحيف في حكمه، ولأنّ الظلم قبيح، فامتنع على الله تعالى فعل القبيح. إنّ فهم مجريات الأحداث على أنّها ظلمٌ من الله تعالى هو فهمٌ قاصر ساذج، لا يصدر من مؤمن اثني عشري، قد نهل عقيدته من العترة المحمدية. فالظلم متحققٌ من العباد لأنفسهم، لا من الله تعالى، يقول تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون}(1). ويقول تعالى منزّهًا نفسه عن الظلم لعباده، جاعلاً لهم البلاء جرس تنبيهٍ لهم لعلّهم يرجعون إلى طريق الله تعالى واستشعار معيّته، {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون}(2). سكوتنا على الفساد الفكري والأخلاقي لا مبرر له شرعًا، ومن موجبات ظلم النفس وتعريضها للسطوة الإلهية؛ لأنّ الإنسان كخليفةٍ لله على الأرض يتعيّن أن يعمّ الصلاح والخير على نفسه ومجتمعه، ليليق بمنصب الخلافة، ومن يفعل غير ذلك فهو لضعفٍ أو جهلٍ في عقيدتنا في غرض الله تعالى في إيجادنا، ولهذا انتشر الفساد بكافة أقسامه –حتى المالي- في البر والبحر؛ نتيجة تهاون المجتمع بالتصدي للتعاون مع المختصين بالقضاء على الفساد الفكري ومحاربة البدع والشبهات. ونتيجة تهاون المجتمع أيضًا لردع الفساد الأخلاقي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة بالموعظة الحسنة. فما بال ثورتنا اليوم مقتصرة على الفساد المالي فقط؟!. ثم إنّ اقتصارها على هذا الفساد لا مدخلية له بظلم الله تعالى بتاتًا، فيبقى ظلم العباد لأنفسهم متحققًا على كلّ حال. *أمّا الرقص، والغناء، والبهتان، والغيبة، وسوء الظن، فهو طعنٌ بعقيدتنا في توحيد الله تعالى بالطاعة؛ إذ بهذه السلوكيات نطيع الشيطان، ونقرن طاعته بطاعة الرحمن، يقول الله الواحد الأحد في كتابه الكريم: {كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَان}(3). فاتباع خطوات الشيطان يعني الطاعة والموالاة له، ومن والى الشيطان فقد أشرك بموالاة الله الواحد، يقول تعالى: { وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينا}(4)، والخسران المبين هو خسران الدنيا والآخرة، فأمّا في الدنيا فإنّه يزيّن لأتباعه الفواحش ليرتكبوها، وما يترتب على الغناء والرقص والتسافل الروحي إلاّ ارتكاب الفاحشة، أو حتى التفكير فيها، يقول تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاء}(5). وعقيدتنا في الله تعالى أنّه صادق في قوله، فكلّ ما جاء في الآيات صدقٌ، إذًا تعيّن ضعف عقيدة كلّ من أقدم على ذلك. وأما في الآخرة فالمثوى جهنم وبئس المصير. وهكذا بالنسبة للغيبة والبهتان وسوء الظن فهو عدم طاعةٍ لأوامر الله تعالى الذي أمرنا بالاجتناب عنها؛ قائلاً: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ، وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضا}(6). وبالتالي لا يقدم على ذلك أحد إلا لضعفٍ في عقيدته في طاعة الله تعالى. *وأما التطاول على المرجعية أو التشكيك في كلامها والتدخل في شؤونها، فهو طعنٌ بعقيدتنا في الإمامة، وحصرًا في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، الذي أخبر آخر سفرائه بوجوب رجوع شيعته إلى رواة حديثهم، ومنهم نائب الإمام (عليه السلام) في حال غيبته، "وهو الحاكم والرئيس المطلق، وله ما للإمام في الفضل في القضايا والحكومة بين الناس، والراد عليه راد على الامام، والراد على الامام راد على الله تعالى، وهو على حدّ الشرك بالله، كما جاء في الحديث عن صادق آل البيت عليهم السلام"(7). أمّا الحرق، والتخريب، والدمار، هو فطعنٌ بعقيدتنا في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بعدم الحفاظ على دولته. روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) موضحًا عاصمة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) برواية مطلقة مفادها: "كأني بالقائم عليه السلام على نجف الكوفة، وقد سار إليها من مكة في خمسة آلاف من الملائكة، وجبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن شماله، والمؤمنون بين يديه، وهو يفرّق الجنود في البلاد"(8). فالوطن الذي يقدسه وليّ الله المنقذ، والملائكة، لهوَ خير وطنٍ ويجب الحفاظ عليه بكل ممتلكاته ومبادئ دينه. كما وأنّ هناك نصوصًا روائية حددت محل عاصمة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بأنّها الكوفة، منها رواية المفضل بن عمر عن الإمام الصادق (عليه السلام): قال المفضل: قلت: يا سيدي فأين تكون دار المهدي أو مجتمع المؤمنين؟ قال عليه السلام: دار مُلكه الكوفة، ومجلس حُكمه جامعها، وبيت ماله ومقسم غنائم المسلمين مسجد السهلة، وموضع خلواته الذكوات البيض من الغريين"(9). فالمجتمع الذي فسدت عقيدته، أو تعمّد الجهل فيها لا خير فيه حتى وإن حصل مواطنوه على متطلبات حقوقه، وليس الجهل العقائدي هو المعهود من شيعته ومنتظريه، فكل ما نريده وطنًا بعقيدة. نعم، حق التظاهر والمطالبة بمطاليب مشروعة مكفول دستوريًا؛ لما جاء في الدستور الوضعي العراقي سَنًّا لذلك الحق: "تكفل الدولة وبما لا يخل بالنظام العام والآداب: ...حرية الاجتماع والتظاهر السلمي وتنظم بقانون"(10) لكن بما لا يخل بالعقيدة، تعمدًا بالجهل، أو تماهلاً في التثقيف. فوطنٌ أبناؤه يجهلون ببعض عقائدهم لا نفع في خيراته المادية، ومن هنا يتضح أنّ هناك خيرات معنوية للوطن يجب أن نطلبها من الله تعالى للوصول إلى الكمال لحين زمن الظهور، واكتساء الوطن بالشرافة على جميع الأوطان، فلنردد (نريد وطنًا عقائديًا). فمن الثبات على العقيدة، والتثقف فيها تطبق فروع وأخلاقيات الدّين، وبالتالي لا غش، ولا فساد بكافة أقسامه، ولا اختلاس، ولا تزوير، وهلم جرًا من السلبيات المنتفَض ضدها. _______________ (1) النحل: 118. (2) الروم: 41. (3) البقرة: 168. (4) النساء: 119. (5) البقرة: 268. (6) الحجرات: 12. (7) عقائد الامامية: للشيخ المظفر، ص34. (8) البحار الأنوار: للعلامة المجلسي، ج52، ص337، عن إرشاد الشيخ المفيد. (9) المصدر نفسه، ج53، ص11. (10) الدستور العراقي، م38، ف3. اللّهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدُّنيا أكبر همّنا، واجعلنا من الممهدين المناصرين، بحق محمد وآله الطاهرين.

العقائد
منذ 6 سنوات
2672

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
89897

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
80763

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
62212

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 7 سنوات
52928

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 8 سنوات
49461

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
47333