تشغيل الوضع الليلي
الإمام الباقر (عليه السلام) وتزكية النفس
منذ 7 سنوات عدد المشاهدات : 26053
إنّ تزكيةَ النفسِ بحاجةٍ إلى روحٍ اقتحاميّة، كما إنّ عمليّة الوصول إلى تزكية النفس ليست بالأمر السهل، كما يقول ربُّنا عز وجل: { فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ }(1)، فتحتاج إذاً إلى الاقتحام.
ومن المعلوم أنّ الاقتحام بحاجةٍ إلى الشجاعة والبطولة وتركيز الإرادة وشحذ العزيمة؛ لأنّ الإنسان في هذه الحالة يريد أن يتحدّى قواه ويزكّي نفسه، ويطوّع شيطانه ويروّض هذه النفس الأمّارة بالسوء.
ولذلك فانّ الله سبحانه وتعالى جعل الفلاح الذي هو خلاصة القيم والتطلّعات البشريّة -مساوياً- لتزكية النفس في قوله السابق:
{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}(2).
ومعنى { دَسَّاهَا } الذي يدسّ نفسه في تراب ما تريده النفس وفي وحل التطلّعات الشخصيّة الأنانية.
وقال الله تعالى :
{ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى }(3).
التزكية في اللغة مصدر زكّى الشيء يزكيه، ولها معنيان:
-المعنى الأول: التطهير, يقال زكّيتُ هذا الثوب أي طهّرته, ومنه الزكاء أي الطهارة.
-والمعنى الثاني: هو الزيادة, يقال زكّى المال يزكوا إذا نمى ومنه الزكاة لأنّها تزكية للمال وزيادة له.
وعلى أساس المعنى اللغوي جاء المعنى الاصطلاحي لتزكية النفوس, فتزكية النفس شاملة لأمرين :
أ – تطهيرها من الأدران والأوساخ.
ب – تنميتها بزيادتها بالأوصاف الحميدة.
وعلى هذا المعنى جاءت الآيات القرآنية بالأمر بتزكية النفس وتهذيبها, قال الله تعالى : {قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى}
وقال سبحانه : {ونفسٍ وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دساها} .
وتزكية النفس تتمّ باتّباع تعاليم الدين والنيّة الخالصة لله, واتّباع أوامره ونواهيه, وإمامنا الباقر (عليه السلام) يرشدنا إلى مقوّمات تلك التزكية, فطالب التزكية لابدّ له مِن استاذٍ مرشدٍ عارفٍ بالأمراض النفسية وعلاجاتها, يشخص مصالح الامور ومفاسدها, ولهذا ورد عن أحد المعصومين: "هلَكَ مَن ليس له حكيم يرشده".
وقبل الغور في أعماق مقومات التزكية لابد أن نعلم أنّ التزكية لا تتحقق إلاّ بعد أن تنطلق من القلب والضمير, وتتفاعل مع الشعور بخشيةٍ مستمرة, وحذرٍ دائم, وتوقٍّ من الرغائب والشهوات, والمطامع والمطامح؛ لتتهيأ النفوس لتلقي اُسسها وتقريرها في الواقع, ولهذا ركّز الإمام الباقر(عليه السلام) في الجانب النظري على أهم المقومات التي تدفع النفس للتزكية وهي :
أ ـ تحكيم العقل.
ب ـ تبعية الإرادة الإنسانية للإرادة الإلهية.
ج ـ استشعار الرقابة الإلهية.
د ـ التوجّه الى اليوم الآخر.
وتفصيــلها:
أ ـ تحكيم العقل :
إنّ الله تعالى خلق الانسان مركباً من عقلٍ وشهوة, وهذا مائزه عن سائر المخلوقات, كما ومنحه معرفة سبل الهداية من خلال البينات والحقائق الثابتة, وهو مكلّف بإعداد القلب للتلقي والاستجابة والتطلع الى افق اعلى واهتمامات أرفع من الرغبات والشهوات الحسّية, والخوض في عالم ما وراء الحس, ولهذا ركّز الإمام (عليه السلام) على تحكيم العقل على جميع الرغبات والشهوات, ليكون للإنسان واعظ من نفسه يعينه على تزكية نفسه(4).
قال الإمام الباقر(عليه السلام) : "مَن لم يجعل الله له من نفسه واعظاً, فإن مواعظ الناس لن تغني عنه شيئاً"(5).
فالعقل إن استجاب لنداء الفطرة السليمة فانّه حتماً سيستجيب لمواعظ الناس.
وقال أيضاً : "من كان ظاهره أرجح من باطنه خفّ ميزانه"(6).
والمراد بالظاهر هنا ظاهر الحال قولاً وفعلاً, فمن يتصرف أمام الناس برزانةٍ ونماقة أدبٍ إلاّ انّ باطنه مشوب بالخيانة لظاهره فذلك هو الخسران العظيم.
ب ـ تبعية الإرادة الإنسانية للإرادة الإلهية :
إنّ تكامل النفس لا يتم إلاّ من خلال التطابق بين الإرادة الإنسانية والإرادة الإلهية وذلك باتباع المنهج الإلهي الذي رسمه الله تعالى لعباده مِن تكاليف, وهذا التطابق يحتاج إلى تسليمٍ مطلق للإرادة الإلهية, ومجاهدة الهوى, والهيمنة على رغبات النفس, وعدم اطلاق عنانها, فإنّ مجاهدة هوى النفس تجعل الإنسان مستعدّاً بالفعل لتلقّي الفيوضات الإلهية, والوصول إلى أرقى درجات التزكية النفسية(7).
قال الإمام الباقر (عليه السلام) : "يقول الله عزّ وجلّ: وعزّتي وجلالي, لا يؤثر عبد هواي على هواه إلاّ جعلت غناه في قلبه, وهمّه في آخرته..."(8).
ويستطيع الإنسان أن يصل إلى تلك المرحلة بالطريقة الإحراقيّة كما يسميها بعض علماء الأخلاق, وتتجلى في تغاضي المرء عن جميع المشتهيات, ويخلي باطنه من النوايا والرغبات, ولا يكون همّه إلاّ القرب من خالق المخلوقات, عند ذلك ستشرق نور المعرفة الحقيقيّة في باطنه, ويستغني عن كلّ ما سوى السبوح القدوس.
ج ـ استشعار الرقابة الإلهية :
لا تتم التز كية إلاّ باستشعار الرقابة الإلهية في العقل والضمير والوجدان, والإحساس بأنّ الله تعالى محيط بالإنسان احاطة تامة, يحصي عليه حركاته وسكناته, ومن لا مراقبة له لا حياء له؛ حيث غفلةٍ تُوقِعُه في المزالق والمتاهات, ولهذا ركّز الإمام الباقر (عليه السلام) على هذه الرقابة الدائمة لتكون هي الدافع لإصلاح النفس وتزكيتها(9)، ففي موعظته لجماعة من أنصاره قال: "ويلك . . . كلّما عرضت لك شهوة أو ارتكاب ذنب سارعت اليه وأقدمت بجهلك عليه, فارتكبته كأنك لست بعين الله, أو كأن الله ليس لك بالمرصاد !..."(10).
د ـ التوجّه الى اليوم الآخر :
إنّ التوجه الى الحياة الاُخرى الخالدة يمنع الانسان من الانحراف ويدفعه لتخليص النفس من ربقة الشهوات وظلمة المطامع وأدناس الهوى, ويساعده على تحطيم أصنام الذات, وقد أشار الإمام الباقر(عليه السلام) إلى ذلك اليوم ليجعلوه نصب أعينهم ليكون حافزاً لهم لإصلاح النفس وتزكيتها(11), ومما جاء في موعظته لجماعة منهم قوله (عليه السلام) : " . . . يا طالب الجنّة ما أطول نومك وأكَلَّ مطيّتك, وأوهى همتك, فلله أنت من طالب ومطلوب!
ويا هارباً من النار ما أحثّ مطيتك إليها وما أكسبك لما يوقعك فيها!
يا ابن الأيام الثلاث : يومك الذي ولدت فيه, ويومك الذي تنزل فيه قبرك, ويومك الذي تخرج فيه إلى ربك, فياله من يوم عظيم!
يا ذوي الهيئة المعجبة والهيم المعطنة ما لي أرى أجسامكم عامرة وقلوبكم دامرة؟!"(12).
وبيّن الإمام (عليه السلام) أنّ الدنيا دار بلاء وامتحان، وأن هذا الابتلاء يتناسب مع درجة إيمان الإنسان فقال : "إنّما يبتلى المؤمن في الدنيا على قدر دينه"(13).
وما على المرء سوى الصبر بجميع أقسامه:
-صبر العوام: وهو حبس النفس على وجه التجلُّد وإظهار الثّبات في التحمُّل لتكون حاله عند العقلاء وعامّة الناس مرضيّةً ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُون﴾ .
-صبر الزهّاد والعبّاد وأهل التقوى وأرباب الحلم، لتوقُّع ثواب الآخرة ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .
-صبر العارفين فإنّ لبعضهم التذاذاً بالمكروه لتصوّرهم أنّ معبودهم خصّهم به من دون الناس، وصاروا ملحوظين بشريف نظره {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ *أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}(14).
___________________________
(1) البلد: 11.
(2) الشمس: 7-10.
(3) طه: 75-76.
(4) ظ: أعلام الهداية, للشيخ القرشي.
(5) تحف العقول : 214 .
(6) المصدر السابق.
(7) ظ: أعلام الهداية, للشيخ القرشي.
(8) جامع الأخبار : 270 .
(9) ظ: أعلام الهداية, للشيخ القرشي.
(10) تحف العقول : 212 .
(11) ظ: أعلام الهداية, للشيخ القرشي.
(12) تحف العقول : 212 - 213 .
(13) جامع الاخبار : 313 .
(14) أوصاف الأشراف, للشيخ الطوسي.
اللّهمّ لاتدع خصلةً تُعابُ منّي إلاّ أصلحتها, ولا عائبةً اؤنَّبُ بها إلاّ حسّنتها, ولا اُكرومةً فيَّ ناقصةً إلاّ أتممتها, برحمتك يا أرحم الراحمين.
علوية الحسيني.
اخترنا لكم
لآلئ من نهج البلاغة الحكمة الرابعة/ الفصل الثاني والصَّبْرُ شَجَاعَةٌ
بقلم: يا مهدي أدركني روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "الصَّبرُ مِنَ الإِيمانِ بِمَنزِلَةِ الرَّأسِ مِنَ الجَسَدِ، فَإِذا ذَهَبَ الرَّأسُ ذَهَبَ الجَسَدُ، كَذلِكَ إذا ذَهَبَ الصَّبرُ ذَهَبَ الإِيمانُ".(1) أكد الإسلام كثيرًا على أهمية الصبر، وذلك من خلال آيات الذكر الحكيم والروايات الشريفة، فما هو السر وراء ذلك؟ إن الصبر هو حالة نفسانية يمكن لأيِّ فردٍ شاء أنْ يكتسبها وينميها حتى تترسخ لديه وتصبح ملكةً يصعب زوالها عنه، ولكي يتضح لنا معنى الصبر أكثر وتتضح لنا صورته سنتعرض للنقاط التالية باختصار: الأولى: معنى الصبر في اللغة الصبر: هو حبس النفس وانتظار وتحمل مع الرضا من دون شكوى، وهو ضد الجزع. الثانية: الصبر فضيلة إنَّ هناك العديد من الصفات التي لا يمكن حصرها لكثرتها، ولكن قسّمها العقلاء إلى قسمين وهما (الفضيلة والرذيلة)، فكلُّ صفةٍ من تلك الصفات إذا كانت تضيف نوعًا من التكامل للإنسان سُميت فضيلة، وإلا فإنّها رذيلة. ومما لا شكَّ فيه أنَّ الصبر من الصفات التي تفتح طريق التكامل غير المتناهي للإنسان، وهذا الأمر لا يختلف عليه اثنان، لذا عدّ الصبر من الفضائل التي يسعى الإنسان لاكتسابها، بل هو أم الفضائل وأساسها؛ فإنَّ الإنسان إذا تحلى به أصبح قادرًا على أنْ يتحكم بنفسه وأهوائها، وبها يمسك به لجام الغضب، ويكبح به شهواتِ النفس التي تسوقه إلى هوانه وإذلاله. الثالثة: طعم الصبر إنَّ الصبر من الألفاظ التي إذا ما ذُكِرت يتسارع الذهن إلى معنى الألم وطعم المرارة، حتى أصبح من المتعارف عند الناس إذا أرادوا أنْ يصفوا طعم شيءٍ مرّ وصفوه بالصبر تمامًا كمن يريد أنْ يصف الطعام الحلو بالعسل، فهو أصبح لازمًا له ولا ينفك عنه عرفًا. والسبب في ذلك أنَّ الصبر عادة ما يكون على الأمر الصعب الشاق الذي فيه عناء وتعب للنفس، والنفس بطبيعتها تميل إلى كلِّ ما هو سهلٌ وفيه راحة، وتنفر مما هو صعب عسير. الرابعة: الصبر وجهاد النفس 1- إنَّ الإنسان خلق في دار الدنيا لا لأجل الراحة واللهو واللعب، وإنّما خُلِق ليتكامل. 2- إنَّ الواقع الذي نعيشه يطرح لنا نماذج متفاوتة من التكامل بين البشر. 3- إنَّ وجود هذا التفاوت دليلٌ على أنَّ التكامل أمرٌ ليس بالسهل، وأنَّ هناك موانعَ تعرض عليه وتحول دون الحصول عليه. 4- نجد في عالمنا الكثير ممن استطاعوا أنْ يتخطوا تلك الموانع ويصلوا إلى درجات تكاملية عالية جدًا. نخلص مما تقدم إلى نتيجتين: الأولى: أنَّ وجود ذلك التفاوت في التكامل لدى البشر إنّما كان نتيجةً لتعاملهم مع الابتلاءات التي تعرّضوا لها، فإنَّ طريق التكامل هو طريقُ صعودٍ نحو القمة، وعادةً ما يكون الصعود شاقًا ويستغرق وقتًا للوصول إليه، لذا فمن أراد أنْ يسلك هذا الطريق عليه أنْ يعلم أنَّه سيواجه الكثير من العقبات، فهو ليس طريقًا مفروشًا بالورود. الثانية: أنَّ من أراد أنْ يسلك طريق التكامل عليه أنْ يعلم أنَّه لا يستطيع أنْ يخطو خطوةً واحدة فيه من غير الصبر، فالصبر هو عكازه الذي يساعده ليصل إلى القمة، ومن دونه لا يستطيع الوصول، وحتى لو ارتفع قليلًا ولكن السقوط سيكون حينها سريعًا وموجعًا. فكلما ارتفع وازدادت قوةُ الصبر لديه كلما ازداد جهاد النفس، فالعلاقة طردية، حتى يغلب هوى نفسه. فهو في الحقيقة في معركةٍ عدوها نفسه والصبر سلاحه، والشجاع من استطاع أنْ يمسك بهذا السلاح ويغلب هوى نفسه ويروضها ويؤدبها لينال وسام الشجاعة. فالشجاعةُ الحقيقية هي: أنْ تكتم غضبك أنْ تعفو عمّن أساء إليك وأنت قادرٌ على رد إساءته. أنْ تتحمل أنواع البلاءات وتستأنس بها تلك الشجاعة التي لا يمكن لها أنْ تتقوم من دون سلاح الصبر، وهذا ما أشار إليه النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) مُخاطِبا أصحابهُ: "قَدِمْتُم خَيرَ مَقْدَمٍ، وقَدِمْتُم مِن الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجهادِ الأكْبَرِ: مُجاهَدَةِ العَبدِ هَواهُ". ..................... المصادر 1- الكافي: ج 2 ص 87 ح 2 2- كنز العمّال: ج 4 ص 430 ح 11260
اخرى
هل تعرفين نفسك؟!
بقلم: خادمة الزهراء (عليها السلام) كان هذا سؤال أُستاذة الأخلاق في الحوزة العلمية لطالباتها... هل تعرفين نفسك؟! وعرضت السؤال نفسه على كل واحدة من الطالبات، وكُل واحدة منهن أجابت بما يجول في خاطرها، وأنا بقيت متحيرة من هذا السؤال، بماذا سأُجيب؟ إلى أن حان دوري فسألتني، هل تعرفين نفسك؟! بالرغم من كونه جملة واحدة وكلماته قليلة ولكن المعنى كبير وعميق جدًا... فلو استطعنا أن نعرف قدر أنفسنا لما أصابنا العُجب والتكبر والرياء وحب الذات والأنا… فقلت لها: إننا لو أحطنا بالمساوئ المترتبة على ذنوبنا وقُبّحها وأحطنا ببواطن الأمور وبالآثار المترتبة عليها إحاطة كاملة لعرفنا حقيقة أنفسنا... ولكن لم تكن الإجابة وافية وشافية فرجعت إلى البيت وأنا أُفكر في هذا السؤال وبقيت أُفكر وأسألُ نفسي: من أنا؟ ومن أكون؟ وعدة اسئلة خطرت في ذهني من هذا السؤال... وتذكرت جواب إحدى الأخوات التي أجابت بالآية القرآنية (إن الانسان على نفسه بصيرة)... ولكن هل أنا صاحبة بصيرة حتى أتوصل إلى معرفة نفسي؟ نظرت إلى يدي وقلبتها، قلت: إن هذا ظاهر يدي والماديات التي تحتها لا يمكنني معرفتها... لحم وعظم ودم وملايين كريات دم حمراء وبيضاء تحتها لا يمكنني الإحاطة بها ورؤيتها، وهذه أمور مادية فكيف بالأمور الباطنية؟! روح ونفس وفكر وغيرها... وبعد التأمل في الآيات القرآنية وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام) ورواياتهم وصلت إلى نتيجة وهي: أن الإنسان كلما تأمل بعظمة خلق الله تعالى، عَظُمَ الخالق في نفسه، وكلما عَظم الخالق استصغر نفسه وذللها لخالقه، وكلما عرف رحمته مع جبروته وقدرته وسخطه مع لطفه وكرمه، وكلما جاهد نفسه لرضا معشوقه وهام به حبًّا استصغر نفسه، وكلما استصغر نفسه وذللها أمامه فتح الله بصيرته وعرفه نفسه ورفع مقامه بين الناس وجعله من عباده الصالحين، قال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ). وعليه فالعاقل يتأمل في عظمة خلق الله تعالى ليستدل على وجود الله تعالى فيفتح الله تعالى بصيرته لمعرفة الله تعالى، ومنها يستطيع معرفة نفسه. نجد في سيرة الأنبياء والأئمة والصالحين (عليهم السلام) أنهم عندما يتوجهون لعبادة الله تعالى فإنهم يتذللون أمامه، هذا لأنهم عرفوا من يعبدون، لذلك استحقروا أنفسهم في حضرته، وكل من عظم الخالق في نفسه عرف قدر نفسه، وكما ينسب للإمام علي (عليه السلام): دواؤك فيــك ومــا تشـــــعـــر***وداؤك منـــك فـــــلا تبصـــر أتـــزعــم أنــك جــرم صغـيــر***و فيــك انطوى العـالـــم الأكـــبر.
اخرى
كانَ صوتُه في الظل (قصة قصيرة)
بقلم: حيدر عاشور حين استعادَ قواهُ بدأ يشعرُ بنفثاتِ الشمسِ المُحرقة، وعى المكانَ الذي كانَ فيه، وأدرك أنّ له فرصةً واحدةً، وربما حظًا واحدًا في أنْ يعيشَ طاهرًا بعد ساعاتِ النور الإلهي التي تغلغلتْ في أعماقِ جسده.. ألـمـّتْ برأسه أفكارٌ عديدة، تارةً يُفكرُ في المنظرِ المحيطِ به، مُنتظرًا اللحظةَ التي يأتي فيها شخصُه العظيم، وتارةً يغيبُ عن الوعي ليعيشَ الحالة، وكأنّه هو قد عادَ من جديدٍ لينشرَ من فيوضاتِه القُدسية.. كان يدّعي لسنواتٍ طويلةٍ أنّ بوسعِه تذكُّرَ أشياءٍ شاهدَها وقتَ تقمُّصه الشخصية، حين كانت أسماله تتحرّكُ بهيكلٍ بشري هزيلٍ على ناقةٍ يقودُها رجلٌ ذو بأسٍ شديد، وآخرُ قصيرٌ جدًا يحملُ لوحةً تعريفيةً، تؤكدُ للمشاهدين، الاسمَ والكنيةَ واللقبَ الطاهر، وصوتُه كأنّه يأتي من بعيدٍ أصم عبر كثافاتِ الصمتِ ممزوجًا بأصداءَ لا أسماء لها. كان يعرفُ أنّ الصوتَ البعيدَ ليس كلامَه، ولكنّه يسمعُ صوتَه هو، كما لو كانَ في داخلِه. ومن عجائبِ اللحظة، كُلّما نثرَ الصوتُ الناعي كلماتِه، كان المستمعون يجهشونَ بالبكاء، ويُغدِقون عليه بالأموالِ والهدايا، ويتساءلون عمّا إذا كانت هناك كرامات ستحدثُ بترقُّبٍ شديد، وهم ينظرون إلى وجهه الشاحب وجسده الهزيل، ولا يعلمون أنّ المرضَ يسري في جوفه يأكله رويدًا، رويدًا.. لم يُطِقْ بعدُ صبرًا، ومرَّ في عينيه شعاعٌ غريبٌ، كأنّه مزيجٌ من اليأسِ والسخرية، أريدُ أنْ أعرفَ، أعلمُ أنّ التفكيرَ بذلك مُريعٌ؟! ولكنّي أُريدُه. والناقةُ أشعرُ بها تتقهقرُ وتتقدمُ وتتهادى، وتأخذُني في دورانها، لكأنّي أسمعُ الصوتَ بوضوحِ ونقاءِ لغة، ولكأنّ أُذُنيّ مُلتصقتان على حافةِ السرج، ولكأنّ فمي يتكلمُ، تسقطُ الكلماتُ منه بكُلِّ هدوءٍ وكياسة، وبدون هوادة، أمامَ العذابِ الذي يُمارسُه الجلّادون للسبايا من أهلِ بقيةِ اللهِ على الأرض ووَرَثةِ علمِه وحكمتِه، وأمامَ حشدٍ من الموالين والمُعزّين يحملون كفنًا لصغيرِ الطفِّ يتأرجحُ بخِفةٍ، وحينَ اقتربَ الكفنُ من الناقةِ أثارَ فيّ لوعةً من الرُعبِ الخفي، هنا ارتفعَ الصوتُ وسطَ ضجيجِ وصَخَبِ الموجوعين: "اعلمْ رحمكَ اللهُ أنّ للهِ عليكَ حقوقًا مُحيطةً لك في كُلِّ حركةٍ تحركتَها، أو سَكَنَةٍ سكنتَها، أو منزلةٍ نزلتها، أو جارحةٍ قلَبتها، وآلةٍ تصرّفتَ بها: بعضُها أكبرُ من بعض"... يعرفُ حقَّ اليقين لم يكنِ الكلامُ كلامَه. وكان هناك شيءٌ واحدٌ يهمُّه، حرارةُ انفعالِه الداخلي وتفاقمُ قلقه، وملأه الدوارُ فضمَّ جسدَه النحيلَ إلى سرجِ الناقة، ضمّةً هستيريةً، فدخلَ في الغيبوبةِ وفاضتْ روحُه إلى عالمِ ملحمةِ العروجِ الملكوتي الدامي الصاعد إلى الله تعالى في غيبِ الغيوبِ في فاجعةِ طفِّ كربلاء التي صرعتْ وجندلتْ خيرةَ خلقِ الله، بعدَ أنْ عاثتِ السيوفُ والرماحُ والسهامُ الكافرةُ في الأجسادِ الشريفة، وهم مُقتّلون مُلقون نثرًا على رمضاء كربلاء.. فمن يُطيقُ تلك المشاهدَ الرهيبةَ، بل من يُطيقُ الحياةَ بعدَ الكارثةِ الباكيةِ المُبكية المُفجعة؟! وسادتْ حالةٌ سامةٌ من الهدوء المُميت، لم يَعُدْ يرى أحدًا، وهو يرتعدُ بسخونةٍ على ناقتهِ، ليعودَ الصوتُ في أوجِ نقاوتِه، يسمعُه في داخلِه ويلهجُ به لسانُه، وينطلقُ في هواءِ الموكبِ ككتلةٍ رنينيةٍ ترتفعُ بالتدريج، تخنقُ القلبَ بالعبرات، إنَّ عليك (حَقّ الهَدْيِ) أَنْ تُخلِصَ بهَا الإرَادَةَ إلَى رَبكَ، وَالتَّعَرُّضَ لِرَحْمَتِهِ وَقَبُولِهِ، ولا تُرِيدَ عُيُونَ النَّاظِرِينَ دُونهُ، فـَإذَا كُنْتَ كَذَلِكَ لَمْ تَكُنْ مُتَكَلِّفًا ولا مُتَصَنِّعًا وَكُنْتَ إنَّمَا تَقْصِدُ إلَى الله. وَاعْلَمْ أَنَّ الله يُرَادُ بالْيَسِيرِ وَلا يُرَادُ بالْعَسِيرِ.. عندما يسمعُ ويتأمّلُ المرءُ جيدًا للصوتِ لمراتٍ، وهو عارفٌ ممّن هذه النواصحُ الإلهية فهي مذاقٌ مُسبقٌ لعذابِ الموتِ يغضّنَّ جبينَه بظلِّ ألمِ وجزعِ صاحبِ الصوتِ والعلامةِ المخلدة التي تركها عليه الموتُ كانت بالضبطِ الرمزُ الفارقُ بينه وبين كُلِّ الرجال العاديين على الأرض. ومن المؤكدِ أنّ مثلَ هذا الصوت الذي أبحرَ به طوالَ مسيرةِ مسرحِ التعزيةِ هو التذكيرُ والفرصةُ إلى معرفةِ حقِّ الله الذي كان يُردِّدُه في ساعاتِ الغضب والجنوحِ إلى غرور الحياة، وعندما ذكر اسمَ اللهِ أنشدَ هامسًا: "فأَمَّا حَقُّ اللهِ الأَكْبَرُ فَإنَّكَ تَعْبُدُهُ لا تُشْرِكُ بهِ شَيْئًا، فَإذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ بإخلاص جَعَلَ لَكَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَكفِيَكَ أَمْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَحْفَظَ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْهَما" عندئذٍ وهنَ إنشادُه، تضاعفَ وتردّدَ صداه برنينٍ جليل، سمع أنينًا قويًا جاء دون شكٍّ من هناك، في مسرحِ القتلِ كان الجلّادون الأمويون يتقاتلون على أخذِ كُلِّ ما يقدرون أخذه من فرائسهم، فهم مُتعطشونَ للقتلِ والنهبِ والغزو والغنائم، وكُلُّ الميتات التي أوقعوها بقافلةِ العشقِ لم يكنْ عليها أنْ تفيضَ بالدمِ وحسب، بل استمتعوا بقطعِ الرؤوس بمراسمَ الحقدِ والثأرِ من رائحةِ زوجِ سيّدِ الكون، لكي يطولَ العذابُ وتصدر عن ضحاياهم – القربان- صرخاتٌ حزينةٌ طويلة، تجعلُ السامعَ يشعرُ بعُزلةِ الحياة التي لا يُمكِنُ التعبيرَ عنها، وهو يردُّ على الضحيةِ صرخةً بصرخة. من ذلك المكان المُعبّدِ بدماءِ الأطهارِ من تلك الصفوف النخبوية من الرجالِ التي تقتسم السماءَ المليئةَ بالنجوم. كان الصوتُ يشبهُ ذلك النهار الدامي وهو يُجلجِلُ في وجهِ قُبّةِ السماء المُرصّعةِ بالأرواحِ الزكية: ها أنا بعدَ كُلِّ هذه المصائب أسيرُ مع البقيةِ الباقيةِ من ريحانةِ أعظمِ رجلٍ في الملكوتين، كسبايا في أرضٍ وعرةٍ يتصفّحُ فيها العدوُ والصديقُ وجوهَنا مُقادينَ في بلادِ العربِ وبين أمراءِ القبائل الهمجية.. لم يكنْ في هذه الغيبوبةِ ما يُطمئنُه، ولكن كان الصوتُ رفيقًا ودودًا حنينًا، أحسنُ من جِلستِه على الناقة، وهو يُتمتِمُ مع نفسه: إنّني لا أكادُ أنْ أصدقَ أنْ يكون إعصارُ الطفِّ رهيبًا إلى هذا الحد، وهو يذبحُ الأقمارَ، ويفلُ بريقها، على يدِ أمراءٍ همج، وغلمانِ القبائلِ الخائنة. كنت واحدًا من أولئك النهّابين المُتوحشين الذين لا يعرفونَ كيفَ يُعبِّرون عن حُبِّهم، فيقتلون بطريقِ الجهلِ الشخصَ الذي يُحبّونه في كُلِّ عصرٍ وزمانٍ وبنفس المكان أو في أي مكان.. كان صوتُه في الظل، ولا يُمكِنُ أن يُرى، وبدا من صوتِه الرصين أنّه هو، لكن الغريب أنّ الساحاتِ ممتلئةٌ، ومجموعة من الناس تتحدّثُ بأصواتٍ خفيضةٍ وعاليةٍ أو تتحدّث إلى نفسِها، كان عزاءً جنائزيًا يُخيّمُ عليه حزنٌ بغمغمةٍ لا تنتهي، والصوتُ الوحيدُ الذي يُمكِنُ سماعه من حينٍ لحينٍ، وهو يقرأ قوانينَ وحقوقَ تمسُّ ذاتي وحدي.. واشتدَّ الدافعُ بداخلي تدريجيًا ليصلَ إلى حُلُمِ يقظةٍ ربما كان حُطامًا يُمكِنُ أنْ يحلمَ به إنسانٌ مثلي، كما هو معَ أحلامِ يقظتي الكثيرة، والمُتعةُ التي أشعرُ بها في هذه اللحظة هي شعورٌ إنسانيٌ حقيقيٌ يرتجفُ لها عقلي، ويتجدّدُ في صدري الجَزِعِ العميقِ وأنا في مَلبسِ شخصيتِه العظيمة. كان يُراقِبُ هذه المُقاومةَ النفسيةَ الروحيةَ المُثيرةَ للشفقة، وعليه أنْ يمسكَ الفرصةَ، وربما الحظَّ الأخير في أنْ يعيشَ طاهرًا.. فجأةً صرخ: من أين أبدأ..؟ خنقتْه العبرةُ وأغميَ عليه وكأنّه قد مات فعلًا. فعَلَتْ صرخاتُ الموالين، ونحبَ الناحبون، وشمرتِ النساءُ على رؤوسهن التراب، وضربَ الرجالُ ظهورَهم بالسلاسل النصلة، وصحا على ضربةٍ على الرأسِ أذهلته، لما تحملهُ من قوةٍ مملوءةٍ بالودِ، لم يرَ أحدًا ولكن بوسعه أنْ يشعرَ أكثر من أن يرى.. إنّها رسالةٌ عميقةٌ ارتجفَ لها عقلُه تحتَ وطأةِ الإثارةِ لتقمُّصِ شخصيةٍ عظيمةٍ، تومضُ عيناه، يلتهبُ الدمُ في كُلِّ جسدِه، وتفيضُ بذلك التعبير عن الشخصيةِ التي يُجسِّدُها بشكلٍ يتحدّى أيّ تعبير، لم يكنْ بوسعِه أنْ يُصدِّقَ أنَّ الصوتَ الذي يدقُّ في المدى دونَ انقطاعٍ في أُذُنيه، يتعلّقُ بالطبيعةِ المُطلقةِ للحقوقِ العقابية، ولم يشك فيما حدث وهو يعيشُ خلالَ اللحظاتِ الشعورَ المُعذَّبَ بالنقاهةِ، بعدَ أنْ كانَ ولا يزال شخصًا يعاني من مرضٍ مجهولٍ في غمراتِ الخوف، يختفي عنه لحظةَ تجسيدِه الشخصية وهو مُشبعٌ بشكلٍ خفي في العقلانية المُفترضة، وينتابهُ شعورٌ بالراحةِ التي تشبهُ الإنهاك. الغريبُ أنّه يسمعُ الصوتَ بنغمةِ التوسّل البالغةِ الوضوح، ولحظةُ الفراقِ تنتظره بلهفة، كان صوتًا إلهيًا من أصواتِ الوداعِ إلى الأبدية، استنهضَ نفسه، وهو يسترقُ النظرةَ الأخيرةَ من وراءِ البُرقُعِ الأبيضِ ناحيةَ المُعزّين لقافلةِ العشقِ الملكوتي تحتَ ضوءِ الشمسِ الوهّاج، ثم انعطفَ الركبُ وابتعدتِ الناقةُ ببُطءٍ عن الطريق، بينما كان جسدُه ينتقلُ على أيادي بما يليقُ بالأجداثِ الطيبة.
اخرىالتعليقات
يتصدر الان
لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع
يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي
اخرىبين طيبة القلب وحماقة السلوك...
خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي
اخرىلا تقاس العقول بالأعمار!
(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي
اخرىالمرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)
بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.
اخرىالطلاق ليس نهاية المطاف
رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي
اخرىهَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ
عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي
اخرى