تشغيل الوضع الليلي

سنابلُ البراءة

منذ 5 سنوات عدد المشاهدات : 1206

بقلم: وفاء لدماء الشهداء
للهِ دُرُّكم يا آلَ عقيل، كبارُكم ساندوا الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله)، وجادوا بكُلِّ عطاءٍ جميل، ثم صنعوا مع السبطِ الشهيدِ بعد حين ملحمةَ الخلود، وفدوا إمامَ زمانِهم الحُسين (عليه السلام) بكُلِّ غالٍ وثمين..
وصغارُكم قُتِلوا ظُلمًا، وسُحِقوا تحتَ سنابكِ خيلِ الأعداءِ قهرًا، حينما فرّوا في صحراءِ الطفِّ هلعًا من نيرانِ حقدِ الظالمين. وكأنّ قدرَ هذه الأسرةِ الجليلة أنْ تكونَ للإسلامِ فداءً، ولنصرةِ الحقِّ نبراساً، وعلى دربِ التضحياتِ الجسامِ مناراً للثائرين.
ومن بين أولئك الأطفالِ الفارين في صحراءِ كربلاء الشاسعة، طفلان صغيران لمسلمٍ بن عقيل (عليه السلام)، فرّا معًا وهما لا يعلمان إلى أين يتجهان! ذهبا ينشدانِ موطنًا للإيمان، ومحلًا يشعران فيه بالراحة والأمان، بعد أنْ فتكَ الشيطانُ بقلبِ الإنسانِ، وأغراهُ بالسجودِ له بعدما كرّمه ورفعَ شأنَه واجتباهُ للخلافةِ الرحمن!
ولكنّه الشيطان...
نعم هو الشيطان، كان يمشي في الطريقِ ليحظى بغنيمةٍ يُسِرُّ بها قلبَ السلطان، وأيّ شيءٍ يا تُرى؟ أنفسُ وأغلى ثمنًا من ذُريّةِ من نصروا الإمام الحسين (عليه السلام) بالحسام والبيان واللسان؟!
طار الشيطانُ فرحًا، وترنّمَ جذلًا، بعدما عرف أنّهما يتيمان، ومن ذُريّةِ من استشهد عطشًا في أرضِ كوفان، فأخذهما مسرورًا وهو يحلمُ بجائزةِ أميرِه المشؤوم، فدخلا قصر اللعين، يحملان رسالةَ دماءِ شهداءِ الطفِّ الصالحين، ويريان أنّهما مُكلفان بحفظِها وصيانتِها وإيصالِ صداها مهما كانت الأثمان؛ لذا لم يُسلِّما عليه بالإمارة، ولم ينحنيا أمامَه بكُلِّ ثقةٍ وجسارة، فاستشاطَ اللعينُ غضبًا، وتميّزَ غيضًا، وراحَ يهزأُ بالدماء، ويفخرُ بما جرى على يديه في أرض كربلاء، فانطلقا يُبينانِ له الحقيقة، ويكشفانِ عن بصرهِ غشاوةَ العمى؛ ليسلبانِ منه نشوةَ النصرِ الكاذب، ويتوعدانه بظهورِ الحقِّ واعتلاءِ رايته، ولو بعد حين.
فتوسّل بأساليبِ من سبقوه، فأمر بحبسهما والتضييق عليهما، غافلًا عن أنّ الذهبَ يُمتحنُ بالنار؛ ليشتدَّ بريقه ويتألقَ نوره فيأخذ بالأبصار، وأنّ الأرواحَ النقية تزدادُ نصوعًا، وتتوهج اللآلئ في أعماقِها كُلّما ازدادت أمواجُ البلاء.
نعم، في جُدرانِ السجنِ القاسية لابنِ زيادٍ (لعنه الله واخزاه) كانا هناك؛ لينسجا للتاريخِ من سجلِ آلامِهما الحكايا الموجعة والقصص المُبكية، بعد أنْ علا وجهيهما الشحوب، وفتكت بقلبيهما الآلام، فقد أوغل اليُتمُ فيهما مكانًا قصيًا، وغادرتْهما الابتسامةُ برحيلِ تلك الأنوارِ البهيّة في كربلاء الفداء والتضحية، ولم يبقَ معهما غيرُ ذكرياتِ الطفِّ الأليمة، التي لم تزلْ تطعنُهما ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، وتنخرُ روحيهما البريئتين.
زهرتان نضرتان ذبلتا في سجون الطواغيت، لكنّهما لم يفتآن يبينان من هما وعظيم قربهما من نبي الإسلام، ويدعوان إلى سبيل الله (تعالى) بطيبِ الموعظة وجميلِ الكلام.
فرقَّ السجّانُ لعتمةِ أيامهما، وبكى مُعتذرًا عن جهلهِ بحقِّهما، ثم فكّ أصفادَ الوجعِ عنهما، فابتغيا أنْ يُرفرفا كحمامتين جميلتين لم تألفا إلا أعالي السماء موطنًا، ولم تعشقا إلا القممَ مسكنًا.
هربا، فساقتهما أقدامُها في طريقِ الكفاحِ إلى بيتِ امرأةٍ مؤمنةٍ في زمنٍ عزَّ فيه الإيمان، ونَدُرَت فيه المواقفُ الجريئة التي تُترجِمُ صدقَ الولاءِ للإسلام والحُبِّ لذُريّةِ مُحرّرِ الإنسان من سطوةِ الظلمِ والعدوان..
ففرشتْ لهما قلبَها، ووضعتْ لهما روحها، وهي تشمُّ منهما بقايا عطرِ أميرِها العادل علي (عليه السلام)، وترى في وجهيهما آثارَ غربتِه في ذلك الزمن الموحش.
يا لها من حكايةٍ عجيبةٍ! فمع مسلمِ بن عقيل (عليه السلام) كانت طوعةُ الأبيّة، ومع طفليه كانت هذه العجوز الوفيّة، ولأولِ مرةٍ ينعمُ الطفلان الصغيران في بيتِ العجوزِ بالأمان، ويحتضنُ أحدُهما الآخرَ في مشهدٍ دمعت له عينُ التاريخ والإنسان.
ولكنّه الشيطان...
نعم مرةً أخرى يأتي الشيطان؛ ليُحرِّكَ الطمعَ القابعَ في سراديبِ ضلالِ النفوس؛ ليحبسَ الحمامتين ويحول دون تحليقهما، ويمنعَ في قسوةٍ وغلظةٍ رفرفةَ جناحيهما، ويفلح الشيطان في تحريضِ من باع نفسه بالخسيس؛ ليستلَّ سيفَ البغي ويحصدَ سنابل البراءة، فيحزَّ رأسين صغيرين، لمُبلِّغِ رسالةِ الإمام الغريب سفيرِ الحُسين (عليه السلام)، فيودِّع القلوبَ وجعًا لا ينتهي، وحسرةً لا تنقضي على مرِّ السنين.
فالسلامُ على تلك الدماءِ الزكيّة التي لوّنت نهر الفرات، وتناثرتْ ذودًا عن الإسلامِ في زمنِ الطغاة، سلامٌ عليكما سادتي وأنتما تُكملان نهضة السبطِ الشهيد، وتتحديان بنقاءِ الطفولةِ كُلّ سلطانٍ عنيد، وتكشفا زيفَ ادعاءِ الأعداءِ وبشاعتهم؛ ليكون موقفكما استمرارًا لرسالةِ ساداتِكما، يُطلِقُ في المدى علاماتِ استفهامٍ كبرى، كُلّما مرَّ أحدٌ على تاريخٍ حوى قصتكما، أو نزلَ بأرضٍ احتوت أجسادكما، وفازتْ بأنوارِ ضيائكما لتبقيا معلمًا للأحرار، ونبراسًا للثوار، وملاذًا لمن يبتغي نصرةَ الحقِّ بسيفِ البيان، ويرفض في إباءٍ وصمودٍ الخضوع للطاغوت والشيطان، مهما تجبّر المنكر ولبسَ لباسَ الحقِّ ليخدعَ الرائي ببريقِ الألوان.
سلامٌ عليكما سادتي من قلبِ كُلِّ موالٍ لا زالَ يتنسمُ عندَ ضريحكما عطرَ التحدي والإصرار، ويستمدُّ منكما ثباتَ القدمِ في مُنزلقِ الطريقِ عند اشتدادِ العُتمةِ وغيابِ ضوء النهار، سلامٌ عليكما سادتي وأنتما تُلوِّنان بدماءِ البراءةِ لوحةَ الفداءِ التي حوتْ أسماءَ الفائزين بنصرةِ أبي الضيم سيّد الشهداء.

اخترنا لكم

أقلام وأرواح بين كفَّيّ القمر

تحقيق: آمال الفتلاوي ليس جماداً، هو روح تنبض فيه الحياة، يصرخ، يهمس، يتمرد، يطيع، يبكي، يضحك، يحزن، يفرح، أحياناً يأبى الانصياع لسيده، وأحياناً يسيل طوعاً كانسكاب الماء الرقراق بين الأصابع، فهل من يتقن كل هذه الأحاسيس يُسمّى جماداً؟ ينوء بحلل الجمال، تطوف حوله الكلمات صاغرة، حينما يستولي اليأس عليك؛ يطل من شرفات الأمل، يفتح لك كوّة ترى فيها شذرات شروق الأمل، تنعكس برؤياها في عينيك نوافذ مشرعة للجنان. تنتابه حالات جنون، كزوبعة مجنونة، وحينما يهدأ ينساب وسط الصمت كنسمات ندية، إنه القلم؛ بانثيالات جنونه، يأبى كاتبه أن يبرأ منه، في نوباته لا يأبه أن تهوي الشمس في المغيب، أم تبزغ في ولادة الفجر، توقيته يختلف عن التواريخ، لا يقيّده الزمان، ولا يهتم للمكان، فارس يعتلي صهوة جواده، للخيال فضاء رحب يطلق فيه العنان يقلد الطبيعة؛ فيجيد الهروب من الزمان والمكان. لم يستطع هذا المجنون إلا أن يطيع أرواحاً محلّقة كاليمام، حملت بأجنحتها نوايا السلام، طافت على أضرحة أحبتها، تضمخت بعطر الولاء، قادها نقاء سريرتها إلى مساقط النور، تبعتها، نقبّت عن أمكنة هذه الأنوار، روّضت هذا المتمرد على حبّ أهل البيت D وتطويع تمرده في حبهم إلى شوق يلهب قلب القارئ، في حزنهم يؤجج جمر الأسى، في أفراحهم ينثر البشر والسرور كاللؤلؤ والدرر، يغمر النفس بالفرح والاستبشار. إذن، هو ليس جماداً، هو كالجواد يحتاج فارساً يسلس قياده، ويوجهه إلى حيث يريد، وهذا ما فعله كتّاب وكاتبات مدونة الكفيل، الذين سخّروا أقلامهم في خدمة الدين والمذهب، وتراءى في عيونهم بريق المنائر الشامخة، بعبراتها، بشجوها، بحبورها، أسالوها على القرطاس بمداد الحب والولاء، قدموها بضاعة مزجّاة إلى ساقي العطاشى، يتأملون منه قبولها بانتظار أن يسقيهم من كأسه الوافي في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون. قبل أيام مرت الذكرى التأسيسية الثانية لمدونة الكفيل، ارتأت (صدى الروضتين) أن تقدم تحقيقاً شاملاً تعريفياً عن المدونة؛ لبيان مدى أهميتها كمشروع ثقافي يسهم في إحداث حراك أدبي في الساحة الأدبية لا يُستهان به، يقدم نهضة ثقافية حداثوية كجزء أساسي يكوّن ثيمة لأدبٍ ولِدَ من رِحم الأدب الحسيني، تشكلت جزيئاته واكتملت صورته في إطار الولاء المذهبي، بعنوان حمل اسم كافل الحوراء رفرفت في سمائه ألوية الإبداع. لِمنْ لا يعرف مدونة الكفيل: مدونة الكفيل: هي مدوّنةٌ إلكترونيّة تسعى الى تنشيط وتجميع جهد الأقلام المعرفيّة، نافذة من نوافذ الحوزة الالكترونية لمعهد تراث الأنبياء على شبكة الكفيل العالمية، تابع إلى قسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة. تُعنى المدونة بنشر البحوث والمقالات في مختلف جوانب الحياة: (الاجتماعية، والعقائدية، والثقافية، وغيرها). بدا العمل فيها في أواخر شباط 2018 باسم (أقلام معرفية) وفيما بعد تم تغيير الاسم الى (مدونة الكفيل). تستقبل المدونة الكثير من البحوث والمقالات، وهي موجودة على مواقع التواصل المختلفة: (قوقل، فيس بوك، تليغرام، انستغرام). التنوع في النشر يشمل: قضايا الأسرة، القصص، الخواطر، المناسبات الدينية، القضايا الاجتماعية، العقائد، المقالات المترجمة، قصص الأطفال، التربية، دراسات في الإمامِ المهدي f النكات العلمية في القرآن، ظواهر اجتماعية غير منضبطة، المرأة بين الإسلام والغرب، البيان والبلاغة في كلمات اهل البيت D. موقع المدونة على هذا الرابط: https://alkafeelblog.edu.turathalanbiaa.com/ الهيكلية الادارة للمدونة: ١- الشيخ حسين الترابي (مدير معهد تراث الأنبياء). ٢- الشيخ حسين الأسدي (رئيس تحرير مدونة الكفيل) ٣- السيد أمير الميالي (مدير تحرير مدونة الكفيل) ٤- الأستاذة حنان الزيرجاوي (إدارة الشؤون النسوية في مدونة الكفيل) لمعرفة تفاصيل أكثر كان لابد لنا من الغوص في عمق بحرها، وانتقاء فنار ينير لنا سدف اللجج العميقة لاستخراج اللؤلؤ والمرجان من خيراتها، وعرضها على القراء، فكان اللقاء مع الأب الروحي والمؤسس لها الشيخ حسين الترابي (دامت توفيقاته) مدير معهد تراث الأنبياء الذي أجاب مشكوراً عن أسئلتنا كالآتي: - تُعد مدونة الكفيل مشروعاً من مشاريع الحراك الثقافي التي تبنتها العتبة العباسية المقدسة، كيف يتم الحفاظ على هذه الهوية من الانجراف في مهاوي الانفلات الثقافي (إن صحّ التعبير) الرائجة في المجتمع بشكل عام؟ يمكن الحفاظ عليها من خلال إحياء القلم بكل صوره ووضع آلية له يمكن من خلالها عدم الانجراف عن هويته الحقيقية، إضافة إلى بيان قيمته الحقيقة من خلال المنظور الإسلامي قرآناً وسنة، ومن خلال المنظور غير الإسلامي بوضع تجارب الغرب بهذا الصدد، وكيفية استثماره، وإن اختلفنا معهم في المضمون. - لا يخفى على الجميع أن هناك مشكلة لدى الشرائح النخبوية في التواصل الفكري مع الشباب (وهي مشكلة عامة)، ما هي الاستراتيجيات المتبعة في المدونة بهذا الجانب؟ حسب معرفتي القاصرة، أن المشكلة ليست منحصرة بالشباب، وانما في النخب الفكرية، وتحديداً في عدم مدِّ جسور ذات رؤية واضحة تجعل الشباب يقتربون من تلك النخب، ولو بإثارة بعض الحوافز المعنوية أو المادية، ومن خلال تجربتنا في المدونة استطعنا تكوين أسرة بعنوان (أسرة مدونة الكفيل) وهي مجموعة على برنامج (التليغرام) تضمّ جميع كتّاب المدونة، وأيّ عضو ينتمي لها ولو من الصفر يجد الكل متعاوناً معه كأفراد أسرته، يجد فيها التشجيع والتوجيه الحاني بشكل يخلو من السخرية، فلا يشعر المنتمي لهذه الأسرة بأي شعور سلبي، بل على العكس يجد الأجواء الإيجابية التي تحفزه على الإبداع أينما يتجه، وهذه استراتيجية ناجحة في تواصل النُخب مع الشباب بالأخص أنهم في نفس الأسرة (المجموعة)، ولديهم محاضرات أسبوعية تُقدّم خلاصة تجارب هذه النُخب. - هل يُعد توظيف الخطاب الإعلامي في دفع عجلة الحِراك الإصلاحي من أهداف إنشاء المدونة، أو كانت لغاية تأسيس خطاب ثقافي، يهتم بالحراك الأدبي فقط؟ نعم بكل تأكيد، الخطاب الإعلامي هي الأداة التي يُعبَّر فيها عن الحراك الإصلاحي، واللسان الذي يوصل مفاهيم الإصلاح إلى الآخرين، ولا يخفى على الجميع ما للإعلام من أهمية، فهو يمثل في بعض الأحيان الرأي العام وبه تتغير كثير من الأسس والقوانين، بل حتى الحكام والدساتير، وأرى أن الحراك الإصلاحي يحتاج إلى مقومات، منها: أن يكون هناك خطاب ثقافي ببصمة أدبية يكون سبباً للتغيير على مستوى الفرد، والأسرة، وبالتالي المجتمع. قدمنا جزيل امتناننا لجناب الشيخ حسين الترابي على ما قدمه لنا من إيضاحات لاستفساراتنا على الرغم من انشغالاته، إلا أنه أبدى تعاوناً تاماً، وسلاسة في التعامل نشكره عليها. حملنا استفساراتنا الأخرى، وألقيناها على طاولة جناب الشيخ حسين الأسدي (دامت توفيقاته) رئيس تحرير المدونة الذي يرعى أسرة المدونة بشكل حانٍ، فهو الأخ والرفيق الذي يُحيطهم بعنايته، ويتابعهم ويُنظم برامج المدونة، ويسعى إلى أن يكون هذا التنظيم مناسباً للجميع، دماثة أخلاقه سِمة اتصف بها، ودقته في العمل، ميزة تعلّمها من يعمل معه، الحديث مع جنابه جرى كالآتي: - ما هي آليات مدونة الكفيل لمسك العصا من الوسط في الحفاظ على نخبوية الخطاب الثقافي الديني مع مراعاة إيصاله لشرائح المجتمع كافة؟ أ‌- قد يبدو مسك العصا من الوسط -وإن كان أمراً يحكي عن توازن في التعامل مع الآخر- والوصول إلى نتيجة مرضية فيه ترضي جميع الأطراف، وفي كل الأحوال ضرباً من الخيال، لذلك على الإنسان في طريق النجاح أن يعمل على طرح ما يعتقد به، مع بيان واضح للأدلة التي يعتمد عليها ويستند إليها في دعاواه وقضاياه، وهذا ما تصبو إليه مدونة الكفيل، إذ بيّنت –واسمها شاهد صدق على ذلك- على أنها مُدونة تُعنى بالشأن الثقافي الذي لا يخرج عن حدود الشرع والعقل، والأعراف المتوافقة مع هذين المبدئين، وبالتالي، فالموضوع الذي تكون فحواه متوافقة مع هذه الأسس سيلقى المقبولية في الطرح والنقاش وبالتالي النشر، أما ما لا يتوافق مع هذه الأسس، فهو من البداية قد تعدى حدوده، ورمى بذور زرعه في غير أرضه، ولن يحصد منه حينئذٍ إلا الرفض. ب- المدونة تسعى إلى اختيار القوالب اللفظية الواضحة والمستعملة بين عموم الناس بشرط أن لا تخرج عن حدين رئيسين: • الحد الأول: أن لا يخرج اللفظ عن كونه فصيحاً. • الحد الثاني: أن يؤدي معناه من دون الحاجة إلى تكلف عناء البحث، وتجشم المراجعة للكتب اللغوية. وبهذا استطاعت المدونة بأقلامها الفتية والمخضرمة أن توصل الفكرة بأجزل لفظ وأخصره، وبأوضح معنى وأجلاه، ولا ندّعي الكمال في ذلك، إلا أنها خطوة جادّة للوصول إلى الهدف. - هل كان لمدونة الكفيل أثر في تقريب وجهات النظر بين الطبقة النخبوية التي تواجه عاصفة من الانتقادات أهمها (ضعف الخطاب الإقناعي) وبين جمهور البسطاء؟ ليس من أهدافنا إقناع الآخر كيفما كان، وإنما نسعى إلى أن نقنعه بالفكرة الصائبة، وإنْ كانت تخالف هواه ومشتهياته، وبذلك نحن في تحدٍ من نوع حقيقي، ففي الوقت الذي نريد الحفاظ على هويتنا الإيمانية، نواجه الكثير من القراء الذين قد أخذوا مواقف سلبية مسبقة عن الدين، وبالتالي فإن المقدم عندهم هو الاتهام، فالنقد، فالرفض، وبهذا يلزمنا أن نبدأ الحديث معهم من الزوايا المشتركة، والتي يؤمنون بها، ثم ننتقل بالتدريج إلى حيث نرجعهم إلى حكم العقل الذي يربطهم بالدين ربطاً قوياً، وهذا يعني: ضرورة الحفاظ على انسيابية معينة في الخطاب، تضمن استمرار الآخر بالتواصل معنا، إلى أن نصل معه إلى هدف معين. ونفس الكلام يُقال في تقريب وجهات النظر بين الخطاب التوعوي الذي يعتمد الدقة في الطرح وتحري الحقيقة، وبين جمهور واسع من الذين يمكن تمرير الخدع عليهم بسهولة، التحدي يكمن في فضح الأكاذيب، وبيان الحقيقة، بأسلوب يتناغم مع ما يؤمن به عامة القراء وبمختلف المستويات، وهو هدف مهم، ونسعى لتحقيقه قدر الإمكان، وهو على أية حال لا يخلو من صعوبات واقعية.

اخرى
منذ 5 سنوات
1273

داءٌ مزمنٌ بعلاجٍ ممكن

بقلم: Abbas satar داء السكري مرضٌ مزمن، يحدث عندما يعجز البنكرياس عن إنتاج الأنسولين بكميةٍ كافية، أو عندما يعجز الجسم عن الاستخدام الفعال للأنسولين الذي ينتجه، والأنسولين هو هرمون ينظّم مستوى السكر في الدم. يُعد فرط سكر الدم أو ارتفاع مستوى السكر في الدم من الآثار الشائعة التي تحدث جرّاء عدم السيطرة على داء السكري، ويؤدي مع الوقت إلى حدوثِ أضرارٍ وخيمة في العديد من أجهزةِ الجسم، ولاسيما الأعصاب والأوعية الدموية. أنواع داء السكري: 1-داء السكري من النمط (1) (الذي كان يُعرف سابقًا باسم داء السكري المعتمد على الأنسولين أو داء السكري الذي يبدأ في مرحلة الشباب أو الطفولة)، ويتميز بنقص إنتاج الأنسولين، ويقتضي تعاطي الأنسولين يوميًا. لا يُعرف سبب داء السكري من النمط 1، ولا يمكن الوقاية منه باستخدام المعارف الحالية. وتشمل أعراض هذا الداء فرط التبوّل، والعطش، والجوع المستمر، وفقدان الوزن، والتغيرات في البصر، والإحساس بالتعب، وقد تظهر هذه الأعراض فجأة. 2-داء السكري من النمط 2 يحدث هذا النمط (الذي كان يُسمى سابقًا داء السكري غير المعتمد على الأنسولين أو داء السكري الذي يظهر في مرحلة الكهولة)؛ بسبب عدم فعالية استخدام الجسم للأنسولين، وتحدث في معظمها نتيجةً لفرطِ الوزن والخمول البدني. وقد تكون أعراض هذا النمط مماثلةً لأعراض النمط 1، ولكنها قد تكون أقل وضوحًا في كثيرٍ من الأحيان؛ لذا فقد يُشخّص الداء بعد مرور عدة أعوامٍ على بدء الأعراض، أي بعد حدوث المضاعفات. 3-السكري الحملي هو فرط سكر الدم الذي تزيد فيه قيم كلوكوز الدم على المستوى الطبيعي، دون أنْ تصل إلى المستوى اللازم لتشخيص داء السكري، ويحدث ذلك أثناء الحمل. والنساء المصابات بالسكر الحملي أكثر تعرضًا لاحتمالات حدوث مضاعفات الحمل والولادة، كما أنهنَّ وأطفالهنّ أكثر تعرضًا لاحتمالات الإصابة بداء السكري من النمط 2 في المستقبل، ويُشخّص داء السكري الحملي عن طريق التحري السابق للولادة. أعراض الإصابة بداء السكري: -ازدياد عدد مرات التبول في اليوم الواحد. -العطش بصورة غير طبيعية. -شرب السوائل بشكلٍ كبير لتعويض ما يفقده الجسم من سوائل نتيجة لكثرة التبوّل. -الشعور بالإرهاق والتعب والضعف العام. -نقصان الوزن مع أنّ كمية الطعام التي يتناولها الفرد وعدد وجباته لم يتأثر. -زيادة الرغبة في تناول المزيد من الطعام بشكل ملحوظ -بطء شفاء الجروح. أسباب داء السكري: ١-العوامل الوراثية. ٢-السمنة المفرطة وتراكم الدهون في الجسم من أبرز أسباب الاصابة بمرض السكر حيث إنّه يسبب تغيرات وظيفية في خلايا الجسم. ٣-عدم ممارسة التمارين الرياضية، حيث إنّها تعمل على تعزيز صحة الجسم وحمايته من الأمراض وضبط مستوى السكر في الجسم ومحاربة السمنة. ٤-الإفراط في تناول الأطعمة التي تحتوى على نسبةٍ عاليةٍ من الدهون الضارة وخصوصًا الوجبات السريعة. ٥-تلف البنكرياس يسبب مشاكل صحية عديدة ومنها مرض السكر. ٦-الضغط النفسي والعصبي، فإنّه يزيد من فرص الإصابة بمرض السكري. مضاعفات داء السكري: -مضاعفات مزمنة: *أمراض القلب والأوعية الدموية: يزيد مرض السكري بشكلٍ كبير خطر حدوث مشاكل القلب والأوعية الدموية المختلفة، بما في ذلك مرض الشريان التاجي المصاحب لوجود ألم في الصدر، أو الإصابة بالذبحة الصدرية، أو النوبات القلبية، أو تصلب الشرايين. *تلف الأعصاب: يؤدي زيادة السكر إلى التأثير بشكلٍ سلبيّ على جدران الأوعية الدمويّة الصغيرة التي تُغذّي الأعصاب، ممّا يؤدي إلى إتلافها على المدى البعيد. *اعتلال الكلى: تحتوي الكلى على ملايين الشعيرات الدموية التي يُطلق عليها اسم كُبيبات الكلى، والتي تقوم بالتخلّص من النفايات الموجودة في الدم، إلا أنّ مرض السكريّ يمكن أنْ يُلحق بهذا النظام العديد من الأضرار، حيث يمكن أنْ يسبب الإصابة بالفشل الكلوي، الأمر الذي قد يتطلب لإجراء عملية غسيل الكلى أو زرع الكلى. *اعتلال الشبكية: يشكّل مرض السكري خطرًا على الأوعية الدموية الموجودة في شبكية العين، ممّا يؤدي إلى الإصابة بالعمى، حيث تُعرف هذه الحالة باسم اعتلال شبكية السكريّ، بالإضافة إلى أنّه من الممكن أنْ يؤدي إلى إعتام عدسة العين أو إصابتها بالزرق. *أضرار القدم: يُتلِف مرض السكريّ الأعصاب في القدمين، ومن الممكن أنْ يُضعف تدفّق الدم إليهما، مما يزيد خطر مضاعفات القدم المختلفة. *الأمراض الجلدية: يجعل مرض السكري الأشخاص أكثر عرضةً لمشاكل الجلد، بما في ذلك الالتهابات البكتيرية والفطرية. *إصابة السمع: تزيد مشاكل السمع عند الأشخاص الذين يعانون من مرض السكري *مرض الزهايمر: يزيد مرض السكريّ من النوع الثاني خطر الإصابة بمرض الزهايمر. *السكتة الدماغية: لا بدّ من الحفاظ على مستويات طبيعية من ضغط الدم، وجلوكوز الدم، والكولسترول، وذلك لتجنب خطر الإصابة بالسكتة الدماغية. -مضاعفات حادة: ١-التبول المتكرر. ٢-العطش الشديد. ٣-الخمول والنعاس. ٤-الحامضة الكيتونية السكرية. كيف يمكن الوقاية من داء السكري؟ ١-تناول السَلَطات المختلفة. ٢-ممارسة الرياضة وخاصة المشي. ٣-تناول الحبوب الكاملة. ٤-شرب القهوة. ٥-الابتعاد عن التدخين. ٦- تجنب الوجبات السريعة. ٧-المحافظة على الهدوء وتجنب التوتر. تشخيص داء السكري: ١-الأعراض السريرية: كثرة التبول، العطش، الهزال، نقص الوزن، زيادة الشهية، التعب، عدم شفاء الجروح، الالتهابات المتكررة. ٢-مستوى السكر في الدم: تبلغ نسبة السكر الطبيعية في الدم 100ملغ/دل (المجال 70-110 ملغ/دل). ٣-كشف السكر في البول. ٤-اختبار تحمل الغلوكوز الفموي. علاج داء السكري: ١-تحسين النظام الغذائي والنشاط البدني. ٢-خفض مستوى الكلوكوز في الدم عن طريق اخذ الادوية. ٣-الإقلاع عن التدخين. ٤-ضبط المستوى الكلوكوز في الدم. ٥-ضبط مستوى ضغط الدم. ٦-رعاية القدمين. ٧-ضبط مستوى الدهون في الدم (لتنظيم مستويات الكولسترول).

اخرى
منذ 5 سنوات
1555

صرخة حب

بقلم: آمال الفتلاوي للقلب همسات تحيا بها الروح.. وللروح التياعٌ يوجع القلب.. والحسين نبض القلب يملكه.. حياة الروح بحبه تنتقي أملا.. ترجو به التحليق إلى اللامحدود.. جميلة هي كلمة: أحبك نراها ولدت بكل براءة من ثغر طفل يلثم شباك الضريح... أو تخرج بكل حرقة من شهقة ملهوف أقفلت الدنيا أبوابها بوجهه إلا باب الحبيب... أو بشوق من قلب محبٍ لا يعرف للنوم طعمًا من دون أن يُرقّي نفسه بتعويذة الحب هذه... أو بكل حنان من قلب أم رأت ملاذها سيد شباب أهل الجنة تدعو تحت قبته لأولادها... تحت القباب يسمو الحب بطهارته وينتصر على نجاسة الكره... (أحبك يا حسين) صرخة قلب تشتاق إلى لثم نقاء النفوس... (أحبك يا حسين) صرخة شوق إلى أطياف نورك نلوذ بها من الذنوب... (أحبك يا حسين)... حبل من السماء نرتجي فيه لطفاً من الرحمان بالغفران ينتشلنا.. (أحبك يا حسين) صراخ الضمير تدركه رحمة الجبار... لنحيا من جديد.

اخرى
منذ 5 سنوات
1221

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
86059

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
72139

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
58099

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 7 سنوات
49766

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
47567

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
38623