تشغيل الوضع الليلي
الضبطُ النفسي للسيّدةِ زينب (عليها السلام) في مواجهةِ عنفِ السلطة/ الجزء الثالث
منذ 5 سنوات عدد المشاهدات : 1858
بقلم: فريال ياسر الأسدي
*أساليبُ عنفِ السلطة
إنَّ سياسةَ وأسلوبَ المُعسكرِ الأموي في واقعةِ كربلاء اتسمتْ بالعُنفِ الذي سبقَ أنْ بيّنا تعريفَه لغةً واصطلاحًا وعرفنا أنّه كُلَّ سلوكٍ وتصرفٍ يؤدي إلى أذى، وهذا الأذى مرةً يكونُ جسديًا وأخرى يكونُ نفسيًا. والعنفُ يأخذُ أشكالًا مُتعددةً حسبَ الواقعِ الذي يظهرُ فيه. وأهمُّ أشكالِ العنف:
أولًا: العُنف المادي، ويُعرّفُ بأنَه كُلُّ فعلٍ يلحقُ الأذى بالمُعتدى عليه ويضره جسديًا وجسميًا، وهو أبشعُ أنواعِ العنف. ومن نماذجِ العنفِ المادي في كربلاء الذي ارتكبه المُعسكرُ الأموي ضد العترة الطاهرة:
1. قطعُ الماءِ على الركبِ الحسيني، وقد نصَّ الكثيرُ من المؤرخين على هذه الحادثةِ، ومنهم الطبري في تاريخِه حيثُ ذكر: "...وأنْ يمنعه [الإمامُ الحسين] ومن معه الماء، فأرسلَ عمرُ ابن سعدٍ عمرو بن الحجاج على خمسمائةِ فارسٍ فنزلوا على الشريعة وحالوا بين الحسينِ وبين الماء".
2. الايذاءُ الجسدي المُتمثلُ بالضربِ وسلبِ الحجابِ والخواتمِ والأقراطِ من النساءِ والأطفالِ، وإنّ المرأةَ لتُسلبُ مقنعَها من رأسِها وخاتمَها من إصبعِها وقرطَها من أذنِها".
3. حرقُ الخيامِ، حيثُ إنّ المعسكر الأموي لم يكتفِ بعدَ قتلِ الإمامِ (سلام الله عليه) بسلبِه ورضِّ جسدِه الطاهر، بل اتجهوا بأمرٍ من عمر ابن سعد إلى حرقِ الخيام، فـ(لما قُتِلَ أبو عبد الله مالَ الناسُ على ثقلِه ومتاعِه ونهبوا ما في الخيامِ وأضرموا النار فيها).
ثانياً: العنفُ المعنوي: وهو جرحُ المشاعر، ومثلُه كُلّ قولٍ أو فعلٍ يؤثرُ على نفسيّةِ الغيرِ ويجعله مُضطربًا كالإهانةِ والتخويفِ والتهديد. وقد استخدمَ المعسكرُ الأموي هذا الشكل من أشكالِ العنف في سبيلِ تحقيقِ مآربِه والتي من أهمِّها إسكاتُ صوتِ الحقِّ وإخفاؤه والقضاءُ على البقيّةِ الباقيةِ من عترةِ الرسول (صلى الله عليه وآله).
ومن صور العنف في كربلاء:
1- رضُّ جسدِ الإمامِ الحسين بعد استشهاده
وهي صورةٌ من عنفِ المُعسكرِ الأموي حيثُ إنّهم تجاوزوا كُلَّ القيم والأعراف، جاء في التاريخ: "أمرَ ابنُ زياد أن يوطأ صدرَ الإمامِ الحسينِ وظهره وجنبه ووجهه فأُجريت الخيلُ عليه".
وأسلوبُ رضِّ الجسدِ الشريفِ لسيّدِ الشهداء (عليه السلام) كان يُريدُ به ابنُ زياد إظهار القسوةِ والوحشيةِ؛ ليُزلزلَ ثباتَ أهلِ البيت (سلام الله عليهم)، ويُطفئَ ما بقي [حسب اعتقاده] لهم من مواجهةِ السلطةِ القاسيةِ..
ولكن في مقابلِ هذا الفعل الشنيعِ ماذا فعلتِ السيدةُ زينب (سلام الله عليها) قائدةُ الركبِ الحُسيني في هذه اللحظة وبعد وصولِ فرسِ الإمامِ الحسين (عليه السلام) إلى المخيم وهو يضرب الأرضَ برأسه عند خيمة الإمامِ الحسين (عليه السلام)؟
وقعتِ الفاجعةُ العظمى والرزيةُ الكبرى ألا وهي مقتلُ الإمامِ المظلوم أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، وكان من الطبيعي أنْ تفقدَ السيدةُ زينب (عليها السلام) وعيَها وتنهارَ قواها وتتعطلَ كُلّ حواسِها من هولِ المصاب، ولكنّها قلبتِ الواقع. إذ وقفت بكُلِّ وقارٍ واتزانٍ لتُسجّلَ للتاريخ أروعَ كلمةٍ من الممكن أنْ تُقالُ عند المصائب، وقفت عند جسده، مسحتِ الدماءَ وأزالتْ عنه بقايا السيوفِ وركامِ الرماح والنبال ثم رفعت يديها، ورمقتِ السماء بناظريها ونطقتْ وملءُ شفتيها الإيمان وقالت: يا محمداه، هذا حُسينٌ بالعراء، مُرملٌ بالدماء، مُقطعُ الأعضاء، ثم بسطتْ يديها تحتَ بدنِه المُقدّس ورفعته نحو السماء وقالت: إلهي تقبّلْ منّا هذا القربان".
كلماتٌ رائعةٌ تنطقُ بها السيدةُ زينب (عليها السلام) تهزُّ الجيشَ الأموي الذي كان يتصورُ أنّها مهزومةٌ، وأنَّ أهلها قتلى على رمضاءِ كربلاء، ولكنّها بهذه الكلمات بيّنت لهم أنّها الصابرةُ الصامدةُ، ولم تنهرْ بل أعطت للأمةِ دروسًا قيّمةً في التضحيةِ من أجلِ العقيدةِ حينما دعتِ الله (تبارك وتعالى) أنْ يتقبلَ من هذا البيت الطاهر قربانَ العقيدةِ وفداءَ الإيمانِ..
السيدةُ زينب (سلام الله عليها) في هذا الموقف تعدُّ نفسَها القائدَ، وتُقدِّمُ القرابين في سبيل الله (تعالى)، فلا ذلَّ ولا ندمَ، بل صبرٌ إثرَ صبرٍ، وشجاعةٌ وحكمةٌ ورجاحةٌ في العقل؛ لتكون سيدةَ الموقفِ وسيدةَ الضبطِ النفسي.
2ـ ترويعُ الأطفالِ بمقتلِ الطفلِ الرضيع.
3ـ محاولةُ قتلِ الإمام السجاد (سلام الله عليه)
وكان لها (سلام الله عليها) مواقفُ مع أهلِ الكوفةِ وفي قصرِ زيادِ وقصرِ يزيدَ في الشام، وكُلُّ تلك المواقفِ بيّنتْ مدى عظمِ الضبط النفسي الذي تحلّت به سيدةُ الطهرِ والعفافِ عقيلةُ بني هاشم التي تعلّمتِ الشجاعةَ في مدرسةِ جدِّها وأبيها، تلك المدرسةُ التي انتهلت المعارفَ والعلومَ من القرآن الكريم، والتي علّمتها السيدةُ (سلام الله عليها) أنَّ الإنسانَ يجبُ عليه أنْ لا يخشى سوى الله (تعالى)؛ لذلك وقفتْ (سلام الله عليها) أمامَ يزيد طاغيةِ زمانِها لتقول له: "كِدْ كيدك، وجاهدْ جهدك، فو الله الذي شرّفَنا بالوحي والكتاب، والنبوّةِ والانتخاب، لا تُدرِكُ أمدنا، ولا تبلغُ غايتنا، ولا تمحو ذكرنا، ولا يرخص عنك عارها"
اخترنا لكم
لو كانوا مخلصين!
بقلم: شيماء عبدالواحد المياحي لم يشهد الدين الإسلامي انتشارًا واسعًا كما هو عليه اليوم منذ بعث الله (تعالى) نبيه الأكرم (صلى الله عليه وآله) بالرسالة المحمدية من حيث سهولة وتعدد سُبل نشر العلم على أرض الواقع أو عبر المواقع الإلكترونية، وانتشار الشعائر الحسينية على أوسع نطاقٍ؛ حيث أنَّ بعض المواسم يشهدها الملايين من البشر من مختلفِ الأديان والقوميات، وربما يكون أكبر تجمعٍ بشري هو في مواسم الزيارة ولا سيما زيارة الأربعين للإمام الحسين (عليه السلام)؛ وهذا مما يسهل على المتصدين للتبليغ الديني والإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ممن هم أهل له. ولكن، في المقابل لم تمر على البشرية فترة تشهد انتشارًا واسعًا جدًا للفساد وتهيئة مقدماته بكلِّ أنواعها كما نحن عليه اليوم والتي أحد اسبابها أيضاً التقدم التكنلوجي وإتاحة التواصل مع العالم بأكمله، وكثرة المغريات التي يشهدها المرء بقصدٍ أو من دونه، مما قد تودي به وبمرور الوقت إلى الوقوع في الهاوية، خصوصًا مع عدم وجود الرادع الذي يردعه من الانجرار وراء ما تملي عليه غرائزه ونفسه الأمارة بالسوء، حتى يصل إلى مرحلةٍ يخرج فيها عن الإنسانية وينحط إلى درجةِ البهائم والعياذ بالله. وهنا يأتي سؤالٌ: أين ثمرة عمل المصلحين والمبلغين؟ قال البعض: لو كان عملهم بإخلاص لأثّمر، ونسب إلى عملهم التبليغي بعض الغايات الدنيوية! نعم، بلا شكَّ أنَّ الإخلاص أحد شروط قبول العبادات والتبليغ من أسمى العبادات فقد جاء في كتاب الله العزيز: "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيّمة"(١). ولكن لا يمكن القول بأنَّ كلَّ من تصدى للتبليغ غيرُ مخلصٍ في عمله. إذن ما هو السبب؟ يكمن الجواب في عدة نقاط: أولًا: قانون القابل والفاعل: ففاعلية الفاعل ليست على وتيرةٍ واحدة، بل هي متناسبة مع قابلية القابل. ومثاله: البحرُ فاعلٌ - بمعنى من المعاني - والنهر قابلٌ كذلك، والمستقي منهما هو القابل، ولكن البعض يأخذ من البحر فنجانًا، فيما يأخذ البعض الآخر بحيرة، كبعض البحيرات المتصلة بالبحر، فصاحب الفنجان هذه قابليته، وصاحب البحيرة هذه قابليته أيضًا. وعليه فالمرشد والمبلغ فاعلٌ - والفاعل الأعظم هو الله (تعالى)- وكلًا يستقي من علمه حسب قابليته. ثانيًا: الله (تعالى) هو خالق الأنفس، وهو الذي يتحكم بتغييرها، ولكنه (تعالى) ألقى الحجة على عباده وبيّن لهم الأسباب التي تقربهم منه (سبحانه وتعالى)، ولم يجبرهم على شيء قال (تعالى): "إنَّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"(٢) إذن التغيير والإصلاح يبدأ من الإنسان نفسه. ثالثًا: الأئمة (صلوات الله وسلامه عليهم) أرفدونا بما يصلح الإنسان ومن ذلك ما وردنا عن الإمام الجواد (عليه السلام): "المؤمن يحتاج إلى ثلاث خصال: توفيق من الله، وواعظ من نفسه، وقبول ممن ينصحه"(٣) فمتى ما اجتمعت هذه الخصال الثلاثة في أيِّ إنسانٍ سيتغلب على نفسه الأمارة وأهوائه ورغباته التي تحول بينه وبين إصلاح نفسه والاتعاظ بغيره. رابعًا: ذكر لنا التاريخ أنَّ قومًا من الناس قضوا وطرًا من حياتهم تحت منبر الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وكانوا يأتمون به في كلِّ فريضةٍ ويستقون من بحر علمه كلَّ يومٍ، ولكنهم لم يتأثروا به (صلى الله عليه وآله)، فهل يمكن أنْ يُعزى سبب ذلك إلى عدم إخلاصه (صلى الله عليه وآله)؟! لذا فعلى الإنسان أنْ يسعى لإصلاح نفسه، وأنْ يطلب من الله (تعالى) التوفيق لما يحب ويرضى، ولا يلقي باللوم على غيره، ولابُدَّ من ترك التذرع بهذه الحجج وأمثالها؛ لأنها ليست مبررًا للتهاون في الامتثال لأحكام الدين. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. -------------------------- (١) الأنبياء ٢٥ (٢) الرعد ١١ (٣) بحار الأنوار ج٧٥ / ٣٥٨
اخرى
حوارٌ مبين في زيارة الأمين (٦)
بقلم: علوية الحسيني/ ودعاء الربيعي "شاكرةً لفواضل نعمائك" محور حديث هذه الحلقة هو المقطع المبارك من زيارة أمين الله، الواردة عن مولانا الامام السجاد (عليه السلام) وهو الشكر لفواضل نعم الله تعالى. ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: لا ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر على العباد. وروي عن الإمام علي (عليه السلام): من شكر الله سبحانه وجب عليه شكر ثان، إذ وفّقه لشكره، وهو شكر الشكر. ونبين المقصود من خلال اسئلة وأجوبتها: السؤال الاول : ما هو الشكر؟ وما المراد من فواضل النعم التي دعا الامام السجاد (عليه السلام) لشكرها في زيارة آمين الله؟ ج/ الشكر: "هو عرفان النعمة من المنعم، والفرح به، والعمل بموجب الفرح بإضمار الخير، والتحميد للمنعم، واستعمال النعمة في طاعته" (1)، وهو عكس الكفران: "فإنه عبارة عن الجهل بكون النعم من الله، أو عدم الفرح بالمنعم والنعمة من حيث إيصالها إلى القرب منه، أو ترك استعمال النعمة فيما يحبه المنعم، أو استعمالها في ما يكرهه" (2). ويتحتم على العبد شكر الله تعالى في السراء والضراء؛ وقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أتاه أمر يسره قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا أتاه أمر يكرهه قال: الحمد لله على كل حال" (3). ■السؤال الثاني : هناك حديث عن الامام الصادق (عليه السلام) في موضوع الشكر، وهو (تمام الشكر اعتراف لسان السر خاضعا لله تعالى بالعجز عن بلوغ أدنى شكره، لأن التوفيق للشكر نعمة حادثة يجب الشكر عليها) فما المراد من هذا الحديث؟ ج/ إنّ المتعارف بيننا نحن كمخلوقات مادية أنّ للشكر مراتب تنتهي بأعلاها، فلو أردت شكر عبدٍ ما لأديت شكره تثمينًا منك على نعمه عليك. أمّا لو أردت شكر الله تعالى فإنّك مهما شكرت فلن تصل إلى أدنى درجات الشكر، فكيف بك أن تصل إلى أعلى درجات الشكر؟! وحالة العجز هذه الجميع يعترف بها تجاه شكر الله المنعم، والسبب واضح، فإنّ الشكر يكون على النعم، وكلّ النعم متجددة، إذًا الشكر متجدد، فلن يصل بنا الحال إلى الشكر بمرحلته الأدنى. وروي: (أن الله - عز وجل - أوحى إلى موسى (عليه السلام): يا موسى! اشكرني حق شكري. فقال: يا رب! كيف أشكرك حق شكرك وليس من شكر أشكرك به إلا وأنت أنعمت به علي؟ قال: يا موسى! الآن شكرتني، حيث علمت أن ذلك مني). وأوحي ذلك إلى داود، فقال: (يا رب! كيف أشكرك وأنا لا أستطيع أن أشكرك إلا بنعمة ثانية من نعمك). وفي لفظ آخر: (وشكري لك نعمة أخرى منك ويوجب علي الشكر لك، فقال: إذا عرفت هذا فقد شكرتني). وفي خبر آخر: (إذا عرفت أن النعم مني، رضيت عنك بذلك شكرًا). وروي: (أن السجاد (عليه السلام) كان إذا قرأ هذه الآية (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) يقول: سبحان من لم يجعل في أحد من معرفة نعمه إلا المعرفة بالتقصير عن معرفتها!). فالتقصير في بلوغ الشكر أكمل مراتبه ملحوظ علينا؛ لتجدد نعم الله تعالى. ■السؤال الثالث: كيف يكون الشكر؟ ربما يتسأل البعض عن الطريقة المثلى لشكر الله على نعمه وأنها هل تقتصر على القول واللهج ب(شكرًا لله) أو إن هناك طرق أُخرى لشكر الباري (عز وجل)؟ ج/ الشكر مفهوم واحد إلاّ أنّ له مصاديق عديدة؛ فالشكر له تقسيمات عديدة بلحاظاتٍ مختلفة. فمن تلك التقسيمات: شكرٌ جوارحي، وشكر جوانحي. الجوانح هي المستقبلات الداخلية التي توجد داخل تجاويف الجسم، وفي أحشائه، وتسمى (بروبريسبتورز). أما الجوارح فهي المستقبلات الخارجية، المتمثلة بأعضاء الحس، وأعضاء الحركة الخارجية، وتسمى (ريسبتورز). وأحد مفردات الشكر الجوانحي هي المعرفة، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: من أنعم الله عليه بنعمة فعرفها بقلبه، فقد أدى شكرها"(4)، والقلب من الجوانح، وبه تم الشكر. ومن تلك التقسيمات: شكرٌ قولي، وشكرٌ فعلي؛ إذ إنّ الإنسان يصدر منه القول والفعل. ثم إن هناك قاعدة عقلية توجب على الإنسان معرفة ربّه، تسمى (قاعدة لزوم شكر المنعم) ومفادها: أنّ المعرفة بالمنعم لابد أن تكون سابقة ثم نشكره. نعطي مثالاً عليها: لو فتحت باب الدار ووجدت هديةً دون أن تعرف من المرسل، لحكم عقلك بوجوب شكره، وقبل ذلك يحكم بلزوم معرفة المرسل أولاً، ثم شكره، إذ يستحيل شكر المجهول. ومعرفته تتحقق بالبحث عنه، وشكره يتحقق إمّا بالقول بكلمة (شكرًا، أو كلمة مرادفة لها)، وإمّا بالفعل (وهو الفعل الذي يرتضيه المرسل). كما يجب أن يكون الشكر بكلا قسميه لائقًا بحق المرسل؛ فمثلاً لا يليق بك أن تقول كلمة تدل على الشكر يستعملها الأطفال إذا كان المرسل إنسانًا كبيرا. كما لا يليق بك أن تهدي المرسل كتب أطفالٍ إذا كان المرسل إنسانًا عالمًا. وهكذا الحال مع الله تعالى، يجب أن يكون الشكر لائقًا مع مقامه سبحانه. فأمّا الشكر القولي فالآيات الكريمة، والأدعية المباركة كفيلة بتعليم العبد أدب شكر الله تعالى. وأمّا الشكر الفعلي، فعقل الإنسان قاصر عن معرفة جميع الأفعال التي تكون مرضية لله تعالى حتى تكون شكرًا له، لذا تعيّن أن يحدد تلك الأفعال من هو أكمل منه، ولا كمال مطلقاً إلاّ لله تعالى، فهو سبحانه من حدد تلك الأفعال، وهي ما تسمى بالتكاليف الشرعية، وأوجبها بدرجات، فكلّف كل عبدٍ حسب وسعه بشرطه وشروطه، وهي فروع الدّين. ثم إن الشكر القولي لازمه الشكر الفعلي؛ لأن الكلام فعل من أفعال الإنسان الظاهرة، وقد روي عن الإمام علي (عليه السلام): "شكر المؤمن يظهر في عمله، وشكر المنافق لا يتجاوز لسانه"(5)، ■السؤال الرابع: ماهي الآثار الايجابية والسلبية التي يتركها الشكر على العباد؟ ج/ من الآثار الإيجابية: 1/ الرزق بالنعم بدلالة قوله تعالى: {نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ}(6). 2/ عفو الله تعالى بدليل قوله تعالى: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون}(7). 3/ ذكر الله تعالى للعبد الشاكر بدليل قوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُون}(8). 4/ العبد الشاكر ضمن القلة المحمودة بدليل قوله تعالى: {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُون}(9). 5/ للشاكر ثواب أهل الآخرة بدليل قوله تعالى: {مَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِين}(10). 6/ التحلي بصفات أو أخلاق الله تعالى بدليل قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيما}(11). أمّا الآثار السلبية، فمنها: 1/ إن ترك الشكر مذموم عقلاً وشرعًا. 2/ الزهد في اصطناع المعروف. 3/ سرعة زوال النعم. 4/ منع الزيادة. _________________ (1) جامع السعادات: للمحقق النراقي، ج3، ص187. (2) المصدر نفسه. (3) أمالي الطوسي: للشيخ الطوسي، ج1، ص49. (4) الكافي: للشيخ الكليني، ج2، باب الشكر، ح15. (5) غرر الحكم: للآمدي التميمي، ص195. (6) القمر: 35. (7) البقرة: 52. (8) البقرة: 152. (9) البقرة: 243. (10) آل عمران: 145. (11) النساء: 146. والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآل الطاهرين الشاكرين.
البيان والبلاغة في كلمات أهل البيت عليهم السلام
معراج الروح
بقلم: أم باقر الربيعي تراتيل عشق تردد في ساحة الحق، وترانيم متيم شغف بمن أُحِب، محبوب لا يعادله أي محبوب، محبوب هو للقلب والروح أقرب، لقاء يمتزج بدموع الشوق، وما أجمله من لقاء! هو راحة بل بلسم للجراح وسرور وانشراح، بل هو الغذاء والدواء... يا سفينة الروح المتعبة حطي في شاطئ الأمان، وتمسكي بحبال الوصل دون انقطاع، وتجردي عن التكبر والعجب والرياء؛ لتنالي شرف ذلك اللقاء، وجودي بنية الإخلاص فإنّ من تقرب إليه شبرًا تقرب إليه ذراعاً، ومن تقرب إليه ذراعاً تقرب اليه باعاً، يا لَلطف الله تعالى وكرمه وجوده، فالروح تأنس بمثل ذاك اللقاء... يا روحًا اتصلت بالسماء، ففرت إلى الله تعالى؛ لتمتزج بعبير له من العطر ما لا يُباع، شذى عطره ملك كل الارجاء، ركوع وسجود وانقطاع، "ربي لا تُحرق وجهي بالنار بعد سجودي لك وتعفيري بغير مَنٍّ مني عليك بل لك الحمد والمَنّ والتفضل" (1). يا وصلة النور، أفيضي على الروح بالطهر والنقاء؛ ليتجدد العهد باللقاء، لقاء الأنس، طريق العشاق، هي الصلاة، عمود ديني، إن قُبلت قُبل ما سواها، هي الرادعة عن الأهواء "إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ" (2). هي صعود وارتقاء، فما أروع ذاك اللقاء. الصلاة هي وثيقة عقد بين العبد ومولاه، فلا يختلف اثنان من المسلمين في وجوبها، فهي من ضرورات الدين وأساسه المتين وعماده القويم، فكما تحتاج الخيمة إلى وتد قوي يثبّت وسطها فكذلك الدين، وهي معراج المؤمن نحو الملكوت العلوي؛ حيث الارتباط بمالك الأرضين والسماوات، ارتباط ينقطع عن الماديات ويتعلق بالجمال والجلال الإلهي، ذلك التعلق والانقطاع المعنوي الشفاف بنورانيته ليُلامس شغاف قلب المحب فتسيل أودية معرفة المعبود من جوانبه، وهي فرض فرضها المحبوب بخمس أوقات متفرقات قال تعالى: "إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا" (3)؛ ليتيه المحب في شواطئ العشق ويغترف من مائه ما يروي ظمأ العاشق، فبيّنها الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) بكيفيتها وكيف يكون العبد الفاني بين يدي المعبود الباقي، فيقف بتذلل وخشوع وخضوع، ويصلي صلاة مودع وكأن الموت يرفرف بجناحيه على رأسه، صلاة خاشعة في ساحة القدس الأوحد، يطأطئ الرأس في ركوعه وسجوده إعظامًا لخالقه ومنعمه ومالك وجوده... إياك أعبد ولا أعبد سواك... فأقبل عبدك العاصي، يا قابل السحرة اقبلني... ولا تحرمني ألطافك وفيوضاتك... ولنتعلم من أهل البيت (عليهم السلام) كيف نحسن ذلك اللقاء، فهم المصداق الحقيقي للانغماس والذوبان في المعشوق، يُقال إنّ أمير المؤمنين عليًا (عليه السلام) أُصيب بسهم في إحدى المعارك، فاختاروا وقت الصلاة لإخراجه؛ حيث الانقطاع التام للإمام (عليه السلام) عن العالم السفلي والتعلق بعالم اللاهوت والملكوت، ولنا في أهل بيت العصمة والطهارة أسوة حسنة، فالصلاة هي سر سعادة المرء؛ حيث استشعار الأمان والاطمئنان والراحة النفسية، وكأن يدًا خفية تُمد إلى ذلك القلب بنعم لا متناهية، فتزيل همومه وتمسح على أوجاعه وتنتشله من العالم الدنيوي، شرط الإخلاص من العبد لمولاه وسيده، لأنّ الإخلاص شرط قبول العمل. _________________ 1- مقتطف من دعاء ابي حمزة الثمالي. 2- سورة العنكبوت : آية 45. 3- سورة النساء : آية 103.
اخرىالتعليقات
يتصدر الان
لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع
يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي
اخرىبين طيبة القلب وحماقة السلوك...
خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي
اخرىلا تقاس العقول بالأعمار!
(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي
اخرىالمرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)
بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.
اخرىالطلاق ليس نهاية المطاف
رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي
اخرىهَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ
عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي
اخرى