تشغيل الوضع الليلي

تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ

منذ سنة عدد المشاهدات : 1100

يصف القرآن الكريم الحجج الواهية التي يطرحها الكفار المعاصرون للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، بأنها شبيهة بتلك التي كان يطرحها كفار الأمم السابقة لأنبيائهم، ولذا وصف قلوبهم بأنها متشابهة في قوله (عز وجل):" كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الاْيَاتِ لِقَوْم يُوقِنُونَ "(1)

فيوجه القرآن الكريم التقريع واللوم الى من عاصر الرسول (صلى الله عليه وآله) لسيرهم على نهج من سبقهم ولتشبثهم بنفس آرائهم المنحرفة وبذلك سلكوا مسلكاً مشابهاً لما سلكه من سبقهم على مختلف الأجيال ومر العصور، في حين ينبغي أن يكون مرور الزمن عاملاً هاماً في زيادة وعيهم عمّن سبقهم، وسبباً مساهماً في تفهّمهم لما لم تتفهمه الأجيال السابقة..

ولو طبّقنا ما كان عليه المشركون المعاصرون للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) ومدى تشبثهم بآراء من سبقهم من مشركين على الطغاة والمجرمين الذين يقتلون الشيعة اليوم ومدى تشبثهم بآراء وأفعال قتلة الامام الحسين (عليه السلام)، لوجدنا أنهم متشابهون وإلى حد كبير ومن عدة نواحي :

أولاً: تشابه الذريعة في القتل :
عندما قتل بنو أمية الامام الحسين (عليه السلام) ومن معه كان تبريرهم لفعلتهم الشنيعة وجريمتهم الفظيعة أن قالوا: إن الامام الحسين (عليه السلام) خارجي أي إنه خارج عن الدين الاسلامي ، وأشاعوا ذلك لدرجة أنه لما جيء بالسبايا وفيهم الإمام علي بن الحسين السجاد ( عليهما السلام) أسيراً فأقيموا على درج المسجد حيث يقام السبايا وفيهم علي بن الحسين عليهما السلام وهو يومئذ فتى شاب، فأتاهم شيخ من أشياخ أهل الشام فقال لهم: الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم، وقطع قرن الفتنة، فلم يألُ عن شتمهم)(2)
وأما ذراريهم اليوم فيقتلون الشيعة الموالين ويعذبونهم بشتى ألوان التعذيب، وما تبريرهم لجرمهم الجسيم هذا إلا أن قالوا إنهم مشركون بالله ودمهم لذلك مباح .... فتشابه دافعهم الى القتل لتشابه قلوبهم ...

ثانياً: كيفية القتل :
لم يكتفِ بنو أمية بقتل الإمام الحسين (عليه لسلام) ومن معه بل ومثلوا بالأجساد الشريفة، وحزوا النحور الطاهرة، وما يفعله ذراريهم اليوم هو ذات الجرم وذات الجناية، ومقاطع الفيديو التي ينشرونها على مواقعهم الباطلة خير دليل على ذلك ..

ثالثاً: سبي النساء :
لم يشفِ غليل بني أمية قتل الرجال من الركب الحسيني وحسب بل وتعدّوا على النساء الطاهرات فقاموا بسبيهن، وهذا ما فعله ذراريهم اليوم بل وفاقوا اجدادهم جرما حيث قاموا بالاعتداء على النساء المسبيات ايضا وبيعهن وووو كما هو معلوم للجميع ...

رابعاً: اتخاذهم يوم عاشوراء عيداً
اتخذ قتلة الامام الحسين (عليه السلام) يوم العاشر من المحرم عيداً لهم فكانوا يتبادلون التهاني والتبريكات فيما بينهم، ويقيمون الأفراح وما الى ذلك، وقد ورد ذلك في زيارة عاشوراء:" اللَّهُمَّ إن هذا يومٌ تبرَّكت به بنو أميَّة وابن آكلة الأكباد اللعين ابن اللعين على لسانك ولسان نبيِّك (صلى الله عليه وآله) في كل مَوطنٍ وموقفٍ وقفَ فيه نبيُّك (صلَّى الله عليه وآله)"، وها هم ذراريهم اليوم يتبادلون التهاني والتبريكات فيما بينهم، ويقيمون الاحتفالات والأفراح، بل ويقدمون الحلوى وقد نقش عليها يوم عاشوراء ايضاً ...

خامساً : صيام يوم عاشوراء :
صام آل زياد يوم عاشوراء شكراً لقتلهم الإمام الحسين (عليه السلام) فقد روي عن محمد بن عيسى بن عبيد قال: حدثني جعفر بن عيسى أخوه ، قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن صوم عاشوراء وما يقول الناس فيه؟ فقال: عن صوم ابن مرجانة تسالني؟! ذلك يوم صامه الأدعياء من آل زياد لقتل الحسين (عليه السلام) ،....."(3)
وها هم ذراريهم اليوم يروجون ويشجعون على صيام هذا اليوم.

فإن قلتَ: وما ذنبهم هم إن كانوا قد وجدوا من الروايات التي تحث على صيامه والتي وضعها أمثال أبي هريرة ؟
نقول: وقد جاء أيضاً من علمائهم من قال بأن هذه الروايات من الموضوعات، فهذا ابن الجوزي يقول في الموضوعات:
"تمذهب قوم من الجهال بمذهب أهل السنة فقصدوا غيظ الرافضة فوضعوا أحاديث في فضل عاشوراء"(4)
ثم يذكر الأحاديث الموضوعة قائلاً:
"فمن الاحاديث التي وضعوا ....عن الاعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله إن الله (عز وجل ) افترض على بني اسرائيل صوم يوم في السنة يوم عاشوراء وهو اليوم العاشر من محرم فصوموه ووسعوا على أهليكم ...."(5)
وما تمسكهم بنهج قتلة الإمام الحسين (عليه السلام) إلا لأنهم راضون كل الرضا بفعالهم، ولو شاء الله وأعيدت واقعة كربلاء لتراهم يتسابقون الى قتله (بأبي هو وأمي).
ولذا فقد روي عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: قلت لأبي الحسن على بن موسى الرضا (عليهما السلام): يا ابن رسول الله ما تقول في حديث روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: إذ خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين (عليه السلام) بفعال آبائهم فقال (عليه السلام): هو كذلك، فقلت: فقول الله (عز وجل): (ولا تزر وازرة وزر اخرى) ما معناه، فقال: صدق الله في جميع أقواله، لكن ذراري قتلة الحسين (عليه السلام) يرضون بأفعال آبائهم ويفتخرون بها، ومن رضي شيئاً كان كمن أتاه ولو أن رجلا قتل بالمشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند الله شريك القاتل، وانما يقتلهم القائم إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم"(6)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البقرة 118
(2) العوالم ج1 ص419و420
(3) الكافي ج4 ص146
(4) الموضوعات ج2 ص200
(5) المصدر السابق
(6) مسند الإمام الرضا (عليه السلام) ج1 ص423و424

رضا الله غايتي

اخترنا لكم

عبيد الله بن الحر الجعفي نموذج ممن خذل الامام الحسين ولم ينصرْه

ولد في أوائل القرن الأول الهجري، وتوفي سنة (68 هـ) غرقا في الفرات (1). عاصر من المعصومين: الإمام علياً (عليه السلام)، والإمام الحسن (عليه السلام)، والإمام الحسين (عليه السلام)، والإمام علي بن الحسين (عليه السلام)، وعاصر الخلفاء الثلاثة، وعاصر من الحكام الأمويين: معاوية بن أبي سفيان، ويزيد بن معاوية، ومعاوية بن يزيد، ومروان بن الحكم، وعبد الملك بن مروان. مما قيل فيه: قال الطبري: ((كان رجلاً من خيار قومه صلاحاً وفضلاً)) (2). قال ابن الأثير: ((كان من خيار قومه صلاحاً وفضلاً واجتهاداً)) (3). قال ابن منظور: ((كان عثمانياً وكان شجاعاً فاتكاً)) (4). قال خير الدين الزركلي: ((قائد من الشجعان الأبطال، كان من خيار قومه شرفاً وصلاحاً وفضلاً)) (5) من ذاكرة التاريخ: أبرز جوانب حياته: شارك في الفتوحات الإسلامية في القادسية والمدائن وجلولاء وحلوان ونهاوند (6). – رجع إلى الكوفة بعد استشهاد الإمام علي (عليه السلام)، بعد أن بيّن لمعاوية أن الإمام علياً (عليه السلام ) على حق وهو على باطل (7). – التقى به الإمام الحسين (عليه السلام) وهو في طريقه إلى كربلاء، وعرض عليه الانضمام إلى جنبه ونصرته، فأبى وقدم سيفه وفرسه للإمام الحسين (ع)، فرفض أخذهما وقال له: ((إذا بخلت عنا بنفسك فلا حاجة لنا بمالك)) ثم تلا قوله تعالى: {و ما كنت متخذ المضلين عضدا} وقال (عليه السلام): ((لقد سمعت جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: من سمع واعيتنا أهل البيت ولم ينصرنا أكبه الله على منخريه في النار)) (8). – رجع إلى الكوفة بعد واقعة كربلاء فاتهمه ابن زياد بأنّه كان يقاتل مع الحسين (عليه السلام)، فقال لابن زياد: ((لو كنت معه لرُئي مكاني)) (9). _ كان ممن ناصر المختار ثم غدر به لأسباب سياسية ومادية . _ للأسف امتنع عن نصرة الحسين الا أنه بايع بني أمية في عهد عبد الملك بن مروان ... – هرب من ابن زياد ومرّ بكربلاء، ونظر إلى مصارع الحسين (عليه السلام) وأنصاره، فرثى الإمام الحسين (عليه السلام)، فهو أول من رثى الحسين (عليه السلام). (10) – شارك مع مصعب بن الزبير في قتال المختار الثقفي (11). – حبسه مصعب بن الزبير وذلك لعدم الثقة والأمان به، وخوفاً أن ينقلب عليه كما فعل مع المختار، لكنّه خرج من السجن بشفاعة رجال من مذحج (12). سار بأصحابه إلى الكوفة ثم تفرق عنه جمعه بعد معركة، وخاف أن يؤسر، فألقى بنفسه في الفرات فمات غريقا سنة (68 هـ) (13). من أشعاره: قال في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام): أيا لك حسرة ما دمت حياً *** تردد بين صدري والتراقي غداة يقول لي بالقصر قولاً *** أتتركنا وتعزم بالفراق حسين حين يطلب بذل نصري *** على أهل العداوة والشقاق فلو فلق التلهف قلب حر *** لهمّ اليوم قلبي بانفلاق ولو آسيته يوماً بنفسي *** لنلت كرامة يوم التلاقي مع ابن محمد تفديه نفسي *** فودع ثم أسرع بانطلاق لقد فاز الألى نصروا حسيناً *** وخاب الآخرون ذوو النفاق (14). وقال أيضا: يقول أمير غادر وابن غادر *** ألاكنت قاتلت الحسين بن فاطمه و نفسي على خذلانه واعتزاله *** وبيعة هذا الناكث العهد لائمه فيا ندمي ألا أكون نصرته *** ألا كل نفس لا تسدد نادمه و إني لأني لم أكن من حماته *** لذو حسرة ألا تفارق لازمه سقى الله أرواح الذين تبادروا *** إلى نصره سحا من الغيث دائمه وقفت على أجداثهم ومحالهم *** فكاد الحشا ينقض والعين ساجمه (15) قصص وعبر: – قال معاوية لعبيد الله بن الحر الجعفي: ((لعلك يا بن الحر تطلعت نحو بلادك ونحو علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: إن زعمت أن نفسي تطلع إلى بلادي وإلى علي، إني لجدير بذلك، وإنه لقبيح بي الإقامة معك وتركي بلادي، فأما ما ذكرت من عليّ فإنك تعلم أنك على الباطل، فقال له عمرو بن العاص: كذبت يابن الحر وأثمت، فقال له عبيد الله: بل أنت أكذب مني)) (16). – كانت لعبيد الله بن الحر الجعفي زوجة بالكوفة، فلما طالت غيبته زوّجها أخوها رجلاً يقال له عكرمة بن الخبيص، وبلغ ذلك عبيد الله فأقبل من الشام، فخاصم عكرمة إلى الإمام علي (عليه السلام)، فقال له: ((ظاهرت علينا عدونا فغُلْتَ، فقال له: أيمنعني ذلك من عدلك؟ قال: لا)) فقص عليه قصته، فرد عليه امرأته، وكانت حبلى، فوضعها عند من يثق به حتى وضعت، فألحق الولد بعكرمة، ودفع المرأة إلى عبيد الله (17) __________________________________ المصادر: 1- الكامل في التاريخ 4/ 294، والأعلام للزركلي 4/ 192. 2- تاريخ الطبري 4/ 586. 3- الكامل في التاريخ 4/ 287. 4- مختصر تاريخ دمشق 15/ 307. 5- الأعلام 4/ 192. 6ـ انظر تاريخ الطبري 4/ 589، والكامل في التاريخ 4/ 291، والفتوح 3/ 340، وخزانة الأدب 1/ 297. 7- خزانة الأدب 1/ 297. 8- مقتل الحسين (ع) لأبي مخنف ص 73، انظر الإرشاد للمفيد 2/ 81-82. 9- الكامل في التاريخ 4/ 288، والأعلام 4/ 192. 10- راجع الكامل في التاريخ 4/ 287-288. 11- الكامل في التاريخ 4/ 290. 12- الكامل في التاريخ 4/ 290-291، والأعلام 4/ 192. 13- الكامل في التاريخ 4/ 293-294، والأعلام 4/ 192. 14- مقتل الحسين (ع)، للخوارزمي 1/ 228، وأدب الطف 1/ 96-97. 15- الكامل في التاريخ 4/ 288-289، والبداية والنهاية 8/ 210-211 ومختصر تاريخ دمشق 15/ 308. 16- خزانة الأدب 1/ 297. 17- الكامل في التاريخ 4/ 287. علي جابر

اخرى
منذ سنة
4767

سهم سوء الظن ودرع حسن الخُلق

بقلم: تقوى القلوب كانت ابتهال جالسة في الحافلة التي تُقِلّها الى منزلها، قرب النافذة تتأمل شوارع مدينتها الحبيبة، مجرد رؤية الإعمار أو ملاحظة الخير للناس كفيل بإدخال الفرح إلى قلبها، لأنها تحب الخير لكل النّاس، مهما كان اختلافهم، يكفي أنّهم صنيعة الرب العظيم سبحانه وتعالى، ولكنها هذه المرة كانت شاردة الذهن، حزينة، بسبب موقف حدث مع زميلتها التي كانت تربطها بها علاقة جيدة على الرغم من أنَّ المدة لم تكن طويلة، ولكنها كانت كفيلة بمعرفة إحداهنّ للأخرى، حاولت ابتهال استرجاع أحداث الموقف علّها تتمكن من تحديد ما آلمها وأدخل على قلبها الهمّ لمعالجة جرحها بصمت، كما اعتادت في أغلب الأحيان. عند رؤيتها لرفيقتها سلمى استقبلتها بابتسامة لطيفة وحيّتها بكل حب: -ابتهال: سلام عليكم عزيزتي سلمى، كيف الحال؟ -سلمى: وعليكم السلام والرحمة، أهلا برفيقتي، الحمد لله، وأنتِ كيف حالك؟ -ابتهال: بخير والحمد لله، استلمت نتيجتي "قالت هذه الكلمة بابتسامة وشوق معلنة عن النتيجة بمشاعر الفرح". -سلمى "بترقب": هيا اخبريني، نجاح أم ماذا؟ -ابتهال: الحمد لله حمدًا يبلغُ غاية رضاه، نعم يا رفيقتي النجاح هو ثمرة الجهد والمثابرة، وأنتِ؟ -سلمى: نجاح وبامتياز أيضًا، قالتها بشيء من الزهو. -ابتهال: كنت واثقة من نجاحك الباهر، وأنا على ثقة بأنك تمتلكين القدرة على تحقيق أهدافكِ بكل جدارة، وبتفوق (قالتها من باب التشجيع، وهي تعلم أنّ الكلمة الطيبة حسنة). وما كان من سلمى بعد سماع هذا الإطراء إلا أن ركزت على عيون ابتهال وهي "تقلب عينيها بطريقة الحَوَل* تعرف ابتهال أنّها حركة للبعض لطرد حرارة العين او الحسد كما يعتقدون" فشعرت بذهول، لأنها كانت تظنّ أن المستوى العلمي لسلمى يمنعها من ممارسة مثل هذه الأعمال، كما إنّها ظنّت أنّ معرفة سلمى بها كافية لدرجة عدم توقع صدور الحسد من ابتهال. فتداركت نفسها بإنهاء اللقاء بلباقة ودون أن تُشعِر زميلتها بأنّها على علم بمعنى هذه الحركة، حفاظًا على مشاعرها، وما اهتمام ابتهال بقلوب النّاس ومشاعرهم، كبيرًا كان أو صغيرًا، مثقفًا كان أم بسيطًا، قريبًا كان أو بعيدًا، إلا طلب لقرب الله تعالى ورضاه. -ابتهال: بالتوفيق يا سلمى، عليّ الرجوع الآن للمنزل لئلا تقلق عليّ والدتي، ولأدخل السرور على قلبها بنجاحي، أستودعك الله يا سلمى. -سلمى: إلى اللقاء. فكرت مليًّا بالموقف في محاولة منها لتحليله، لعلمها أنْ ما من مشكلة إلا ولها حلّ، وما من مرض إلا وله علاج، لا ينبغي للمؤمن أن يفكر فقط في نفسه، بل عليه أن يهتمّ بالآخرين ويأخذ بأيدي من يتمكن من الأخذ بأيديهم للقرب من الله تعالى، نعم هذا هو أحد أهداف ابتهال. تأملت... الشريعة المقدسة حريصة على رعاية مشاعر الأخرين، وعلى سبيل المثال: عند رؤية شخص مريض أو مُعاق، يوجد دعاء يردده المؤمن لئلا يقع بمثل ذلك البلاء، ولكن يجب فيه مراعاة ذكر الدعاء إخفاتًا لكيلا يدخل الحزن على قلب صاحب الابتلاء، وهذا رعاية لمشاعره، وهناك الكثير من أمثال ذلك في الشريعة المقدسة. تُرى لا يوجد دعاء، أو رقيّة يرددها من يخشى الحسد؟! ولكن دون إشعار الطرف المقابل؟ لأنّه قد يكون الشخص الآخر لا ينوي الحسد، فيكون صدور مثل هذه الأفعال بالإضافة لكونها سوء ظنّ، هي أيضًا مصدراً لدخول الهمّ لقلبه... لا بدّ من وجود أكثر من دعاء وليس دعاء واحد في تراث أهل البيت (عليهم السلام) لأنّهم أهل العلم والمعرفة بجميع الأمراض الروحية، وتراثهم غنيّ بالأدوية المناسبة لمعالجة هذه الأمراض، فهم امتداد للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وهو من كان يُقال في حقه: "طبيب دوّار بطبه" فتذكرت أنها قرأت في أحَد كتب الأدعية أنّ من خشيَ على نعمة من حسد حاسد أو خاف من صدور الحسد من نفسه، فعليه بذكر الصلاة على محمد واله الكرام (اللهم صلّ على محمد وال محمد) على تلك النعمة لتحصينها. هنا شعرت ابتهال بشيء من الراحة، ووطّنت النفس على البحث عن دعاء مناسب وإيصاله إلى رفيقتها التي كانت تخشى كثيراً من الحسد، ولكن كان شغل ابتهال الشاغل هو كيفية إيصال هذه الأدعية من دون أن تُشعِر سلمى بأنّها قد علمت مغزى حركاتها، وتريد إيصال المعرفة اليها دون المساس بها بسوء؟! نعم، هذا ما كان يشغل ابتهال، لأنها تهتم بقلوب المؤمنين، لعلمها بأنّه الطريق المختصر لرضا ربّ قلوب المؤمنين، فهو غاية المنى. مع اقتراب الحافلة من الشارع المؤدي لمنزلها، ومع وصولها لهذه النتيجة المرضية، استعادت ابتهال روحها ونشاطها المعهود، وحبها للتواصل مع الآخرين، لأنّها كانت على ثقة شديدة بأنّ الله تعالى سيوفقها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكل حبّ ورفق. *شكل من الحَوَل ينحرف فيه محور عين عن محور الأخرى.

اخرى
منذ أسبوعين
164

ظلم وتحريف!

زهير بن القين انموذجاً تساؤل دار في ذهني، بعد أن أغلقت كتابا كنت اقرأ فيه، شعرت كأن جدران غرفتي تتساءل معي باستغراب، حتى أحسست أن تساؤلها كاد يُطبق على فكري وشرودي؛ مال هذا الزمن مع الأطياب والأشراف ؟! فيُقذفون بالسحر والجنون هنا، ومخالفة العقيدة هناك؛ هززت رأسي وتألم قلبي. طُرق بابي، ولم أكن أريد أن أتكلم مع أحدٍ؛ فأنا أبحث عن إجابة عما يدور من خواطر واسئلة مبعثرة في خلجات فكري؛ لكني استجبت للطرق بتململ وقلت: أدخل. واذا بها أختي الكبرى؛ هي مثقفة، تقرأ الكثير، وطالبة مجتهدة في كليتها، تكبرني ببضع سنين؛ لكنها تكبرني دهرا بمعرفتها التي اكتسبتها من كثرة مطالعتها وعشقها للغوص في بحور المعرفة، وهي من شجّعتني على حب القراءة والمطالعة. بوجلٍ سألتني: عزيزتي، قلقت عليك، لِمَ لَمْ تخرجي من غرفتك للجلوس معنا؟ أجبتها بلهفه: أيا حبيبتي، لقد هداك الله اليّ! قالت مستغربةً: ماذا؟! امسكتها من يدها وسحبتها الى مكان جلوسي وقلت: أرجوك اجلسي بقربي وأجيبي عن سؤالٍ حيرني. -لا حار لُبكِ أُخيتي؛ أجابت بحنان. سألت ولم أتردد: لِمَ الاشراف يُرمَونَ بالتُهم والخروج عن الدين والمذهب؟! أجابت: عزيزتي الناس ذووا النفوس الدنيئة لا تُطيق ان يروون أو يسمعون من هم أرقى منهم شرفاً؛ فيقذفونهم بشتى التُهم ، ولكن أخبريني عن أي مُتهم تريدين ان تبحثي؟ قلت: عن احد أصحاب الامام الحسين عليه السلام؛ زهير ابن القين. ردّت وقد بانت في نبرت صوتها المرارة والألم: آه يا حبيبتي أنه أحد المظلومين، والذين ظلمهم التأريخ، والكثير من الباحثين الى يومنا هذا!! أجبتها وفي قلبي لهفة وفي صوتي حزن: كيف أخبريني؟ تنهدت اختي وقالت: زهير ابن القين كان سيدا في قومه، شجاع لا يخاف لومة لائم، لم يذكر التأريخ لنا شيئاً عن صباه سوى القليل، منها انه كان يقتفي أثر الامام الحسين عليه السلام ليحرسه، وكان الامام صغيرا، فزهير يكبره بسنوات وكان لكثرة حبه للإمام لا يُطيق ان يُصيبه أي مكروه؛ فقد كان يحبه حبا جما، كان صُلب الايمان بصير بعقيدته وبحبه لآل بيت الرسول. لكنه اخفى عقيدته وحبه ليتسنى له القيام بأقدس مهمة وكَّلهُ الله بها؛ وهي نصرة الامام الحسين عليه السلام في عاشوراء؛ حتى قالوا عنه أنه عثماني الهوى. وأردفت بحماس: وهل يُعقل أن يكون عثماني العقيدة ولا يكون مواليا لمعاوية وابنه الذي مهّد لهما عثمان طريق الخلافة؟ ولم يذكر التأريخ لزهير أي موقف يدل على عثمانيته، أو أي كلام يعلن فيه هذا الامر، لا في زمن عثمان ولا بعده، ولماذا لم يطالب بدم عثمان كما طالب البعض؟ قلت مندهشة: حقاً، لم يخطر ببالي هذا التساؤل. أكملت اختي قائلةً: وأمرٌ آخر، لماذا واكب الامام الحسين عليه السلام في مسيره للعراق؟ حيث ان الامام خرج قبل ان يُكمل مراسم الحج، فلماذا لم يُكمل زهير حجه هو أيضا؟! فلو لم يخرج لكان ابتعد عن قافلة الامام مسير خمسة أيام على أقل تقدير. وتابعت تطرح الاسئلة: ثم لماذا كان يسير بنفس طريق الإمام وقد كان فارساً يعرف الصحراء وطرقها، وسيدا في قومه ذا مال وفير، فيستطيع ان يستعين بدليل يستأجره ليدله على الطريق إن لم يعرف الطريق، كي يبتعد عن المسلك الذي يسلكه الامام. قلت وانا متلهفة لسماع المزيد من فيض أختي الحبيبة: اكملي عزيزتي اكملي. قالت: وإذا سلّمنا بأن هذا ما حدث، وعندما نزلوا في مكان واحد، وأرسل الإمام رسولاً لزهير وهو كاره للقاء الامام! لكنه يذهب مع الرسول بتحريض من زوجته! وحين عاد من اللقاء عاد مستبشرا بأنه سيموت مع الامام! حينها تذكر حديثاً دار بينه وبين سلمان المحمدي. قاطعتها ولم ادعها تُكمل وقلت: اذكري لي هذا الحديث. قالت: قرّي عينا سأذكره لك، لما رجع زهير الى اهله ليخبرهم بقراره تذكر حديثاً ذكره لهم قائلا: (إنّا غزونا البحر وفتح الله علينا وأصبنا غنائم فقال لنا سلمان المحمّدي (رضي الله عنه): أ فَرِحتم بما فتح الله عليكم وأصبتم من الغنائم؟ فقلنا: نعم! فقال: اذا أدركتم سيد شباب ال محمد فكونوا أشد فرحا بقتالكم معهم مما اصبتم اليوم من الغنائم)1. الا يحق لنا ان نسأل: كيف ينسى زهير مثل هذا الحديث ولا يذكره الا في هذا الموقف؛ بل الأرجح انه لم ينس هذا الحديث المهم، بل اخفاه ليظهره في وقته وزمانه المناسب. وهنا استغربت كثيرا وسألت اختي: كيف لم ينتبه المؤرخون لهذا ونقلوا ما نقلوا بدون تمحيص؟! استشعرت أختي مني الاستغراب وزادت عليه قائلة: وهل يُعقل أن الامام يُسلم ميمنة الجيش بيد زهير وهو حديث العهد بمعرفة ولاية اهل البيت؟! رجعت بذاكرتي لأحداث كربلاء وقلت: نعم.. إن قيادات الجيش كانت محصورة في ثلاث مناطق، الميسرة بيد حبيب ابن مظاهر رضي الله عنه، والقلب بيد ابي الفضل العباس عليه السلام، والميمنة بيد زهير ابن القين رضي الله عنه. ردت مؤكدةً لكلامي: اجل حبيبة قلبي.. ثم إن الامام قال لزهير بعد ان خطب بالقوم ليعظهم (أقبل، فلعمري لئن كان مؤمن ال فرعون نصح لقومه وابلغ في الدعاء، لقد نصحت لهؤلاء وابلغت مالو نفع النصح والابلاغ )2 . واردفت اختي بسؤال: فماذا بعد تشبيه الامام لزهير بمؤمن ال فرعون الذي اخفى ايمانه ولم يظهره الا في حينه وحاجته. لعمري أن هذا الحديث عن لسان امامنا لكافٍ لكل ذي لب على ايمان زهير بولاية اهل البيت؛ كان قد اخفى ولايته ليحفظ نفسه من القتل او الاسر حتى يلتحق بركب العشق والخلود. تكسّرت انفاسي في صدري وخرجت مني نهيدة كادت ان تخنقني، وبصعوبة قلت: لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم؛ فعادت اليَّ بعض انفاسي لأنطق بها قائلة: ما لهذا التاريخ يُمجّد من لا مجد له ولا رفعة، ويرمي بالتُهم مَن النقاءُ يغار من نقائه؟! اجابت أختي الحبيبة: عزيزتي دأب المؤرخون التابعون للسلاطين على تغيير الحقائق، وتحريف ما يمكن تحريفه؛ لكي تصل صورة الدين وحُماته مشوهة تُدخل الريب في قلوب المتابعين والباحثين، او أن يذكروا وقائع غير صحيحة ومبطنة يغفل عنها بعض الباحثين ويستغلها البعض ضد المذهب... ثم قالت لي مرشدةً: اوصيك بقراءة كتاب (مع الركب الحسيني من المدينة الى المدينة )3 بعد ان وجدت ضالتي قلت: ليس لهذا الامر الا مُحيي الشريعة. قالت اختي مستبشرة: أحسنتِ .. اذا فلنقرأ داء الفرج، ثم نخرج لوالدتنا فهي بانتظارنا. ________________________ 1-المفيد-الارشاد ج2 ص73 2- 750 قصة من حياة الامام الحسين(ع) 296 3-وقائع الطريق من مكة الى كربلاء ج3 ص209 سراج الموسوي

اخرى
منذ سنة
566

التعليقات

يتصدر الان

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29179

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29065

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29062

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
28291

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنة
12795

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
12393