تشغيل الوضع الليلي

العــدل الإلهي في كلمات السيدة زينب (عليها السلام) (2)

منذ سنة عدد المشاهدات : 2075

ثانياً: فــي خطبتـهـــا فــي مجلـــس الإمـــارة فــي الكوفـــة

قولها (سلام الله عليها ) : " ما رأيت إلا جميلاً "(1)
إشارة الى أن الجمال يكمن فيما أراده الله (تعالى) وقضاه وقدَّره وإن كان لا يتناغم مع رغبات النفس البشرية ، بل وإن سبَّب لها الألم وجر إليها الحزن والهم.
وقد يُقال: كيف يمكن الحكم على واقعة كربلاء وما جرى فيها من جرائم بالقبح تارةً و بالحسن أخرى؟ ألا يعد الحكم على الشيء الواحد تارةً بأنه حسن وأخرى بأنه قبيح تناقضاً؟ وبالتالي لو كان الحسن والقبح عقليين لما اختلفا؟
ولكنه يُجاب:
أولاً : إن وصف الأفعال بالحسن والقبح ليس على شاكلة واحدة، وإنما هو على أشكال متنوعة، وقد أوضح السيد الطباطبائي (طيب الله ثراه) ذلك في قوله :
"فمن الأفعال ما حسنه دائمي ثابت إذا كان ملاءمته لغاية الاجتماع و غرضه كذلك كالعدل، و منها ما قبحه كذلك كالظلم"
الى أن قال : "و من الأفعال ما يختلف حاله بحسب الأحوال و الأوقات و الأمكنة أو المجتمعات...
و ضرب أمثلة على ذلك فقال :
"و أكل الطعام حسن مباح إذا كان من مال آكله مثلا، و هو بعينه سيئة محرمة إذا كان من مال الغير من غير رضا منه لفقدانه امتثال النهي الوارد عن أكل مال الغير بغير رضاه، أو امتثال الأمر الوارد بالاقتصار على ما أحل الله" (2)
و مما لا شك فيه أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يخرج بأهل بيته و أصحابه إلا امتثالاً لأمره (عز وجل) و بالتالي فإن كل ما تعرضوا له على قساوة منظر صورته الملكية ، فإنه الغاية في الحسن و الجمال في صورته الملكوتية .
ثانياً : ذكر السيد الطباطبائي (قده) أيضاً : "إن الحسن موافقة الشيء و ملاءمته للغرض المطلوب و الغاية المقصودة منه " (3)
وعندما ننظر الى واقعة كربلاء بهذا المنظار نجد أنها غاية في الحسن والجمال ؛ وذلك لأنها وإن أثقلت بكل ما تحمله من صورٍ تكلم الفؤاد كلماً ، ويعتصر لها القلب حزناً وألما ، فهي أيضاً أشرقت بقرابين عظيمة لله (تعالى) العظيم ، ولشرعه القويم ، كان هدفها إعادة الأمة المحمدية الى الصراط المستقيم ، حيث شرعت بالانحراف عنه منذ أن نُحّيَ عن منصبه مَن كان للرسول الأكرم (صلى الله عليه و آله) بمنزلة هارون من الكليم ، بيدَ أن مصلحة خاتم الأديان ورعايته من التحريف اقتضت من الله الحكيم أن لا يقوم بالإصلاح في الأمة إلا الذِبح العظيم ، الحسين الشهيد الذي وصفه بذلك القرآن الكريم .
وعليه، فقد وصفت العقيلة زينب (عليها السلام) ما رأته بالجمال وذلك لــ (أن دين الاسلام الخاتم للأديان قد تعرض بسبب انحراف السلطة لخطر التحريف و التشويه ، بحيث تضيع معالمه ، ولا يتيسر الوصول و التعرف عليه لمن يريد ذلك ، كما حصل في الأديان السابقة ، وأن الإمام الحسين (عليه أفضل الصلاة والسلام) قد واجه ذلك الخطر ، ودفعه بنهضته المقدسة ، وما استتبعها من تضحيات جسام )(4).
وقد تأكد هذا المعنى أيضاً في زيارة الأربعين للإمام الحسين (عليه السلام) حيث نقرأ فيها :
" فأعذرَ في الدُّعاءِ ومنحَ النُّصحَ وبذلَ مُهجتهُ فيك ليستنقذَ عبادكَ من الجهالةِ وحيرةِ الضَّلالةِ "(5) .

ثالثاً : ما جرى في واقعة الطف قبيح ، وترك الدين بيد الطغاة يحرفونه كيفما يشاؤون قبيح أيضاً ، إلا أن ترك الدين يُحرّف والشريعة تُزيّف أقبح مما جرى في الطف ، وما جرى في الطف أحسن من تحريف الدين وتزييف الشريعة ، فيحكم العقل بالتعرض لواقعة الطف قضاءً لتقديم الأرجح على الراجح ، فإن تقديم الراجح على الأرجح قبيح عند العقل(6)
كما أن قولها (صلوات ربي عليها ) : " ما رأيت إلا جميلاً " شهادةٌ لها بأنها قد حازت على أرفع درجات اليقين ؛ لأنه يمثل عين الرضا بقضاء الله (تعالى) و قدره ، و قد روي عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) أنه قال :
"أعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع، وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين، وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا "(7)
وعن الإمام الصادق (عليه السلام) : " الرضا بمكروه القضاء من أعلى درجات اليقين "(8).
وأما قولها (عليها السلام) : " هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم ، فانظر لمن الفلج يومئذ " (9)
فقد جاء رداً على ما كان ابن مرجانة يحاول جاهداً ترسيخه في الأذهان لتبرأة ساحته و من كان معه متوسلاً بتحريف العقيدة الاسلامية -و قد كان و لازال هذا ديدن أغلب من يتخذون من دين الله الحنيف و المذهب الحق الشريف مسنداً لحكمهم- حيث قال : " كيف رأيت صنع الله بأخيك واهل بيتك؟" مُدعياً بسؤاله هذا أن ما وقع في الطف بكل ألوانه الوحشية المختلفة ، وبشتى أشكال الإجرامية المتباينة ، من قتل لصفوة البشرية ، الى تمثيل بالجثث الطاهرة الزكية ، الى رضِّ أضلع النفوس الراضية المرضية ، الى حرق الخيام على من فيها من العيال ، الى نهب التراث وسلب النساء والأطفال ، كل ذلك إنما هو (صنع الله)! وأن الجيش الأموي و من أمرهم بالخروج لم يكونوا إلا أدوات لتنفيذ ذلك الصنع الإلهي ، محاولةً منه لإسباغ الشرعية على الوحشية الأموية ، و تقديم المبرر الديني المشرعن على اقتراف تلك الجريمة النكراء ، و محاولة لتبرأة الوحوش البشرية .
وقد وافق ادعاء ابن زياد هذا قول الأشاعرة بالجبر؛ وذلك لأن ادعاءه بأن الجيش الأموي لم يكن سوى أداة نفذت صنع الله هو عين القول الذي قالت به الأشاعرة من أن الانسان مجبرٌ على ما يفعل ، وأن الله (تعالى) كما خلق أعضاء الانسان فقد خلق أفعاله . وقد ثبت خطأ هذه النظرية ؛ لأنها تنسب الظلم إليه (سبحانه وتعالى) و إن لم تصرح بذلك ، و إلا فهل يمثل عقاب المُجبر على المعصية سوى الظلم؟؟
ولذا فقد ردت الحوراء زينب (عليها السلام) عليه قوله ، وهي العالمة غير المعلّمة حيث قالت: "هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم ، فانظر لمن الفلج يومئذ "
فأسقطت بذلك نظرية الجبر التي حاول التمسك بها جملة وتفصيلا ، و أكدت أن فعل الانسان إنما هو مزيج من فعل الله (تعالى) و فعل الانسان نفسه ، من خلال عبارتها الموجزة المبنى و العميقة المعنى .

فإن الله (عز وجل) قد كتب عليهم القتل أي الجهاد في سبيله و في سبيل إحياء دينه ، وهم (سلام الله عليهم) قد لبوا نداء الله(تعالى) ، و امتثلوا لتكليفهم بإرادتهم ، إلا أن من قتلهم هو أنت يا ابن زياد ولهذا فإن الله سيجمع بينك و بينهم يوم الحساب فتُقدم الحجج و الأدلة التي تدينك يومئذٍ ، و تخاصم من قبل من قتلتهم ، فانظر في ذلك اليوم لمن الفوز والظفر.

وبقليل من التأمل نجدها (سلام الله عليها ) قد أشارت في عبارتها الى مسألتين مهمتين في العدل الإلهي وهما :

أولاً : تفنيد نظرية الجبر في مسألة القضاء والقدر ، فقد أثبتت (سلام الله عليها ) بأن ابن زياد هو من قتلهم بكامل اختياره و بلا جبر من الله (تعالى) عليه بقرينة قولها : " وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم " و الله عادل بل هو العدل عينه ، و عليه لا يمكن أن يعرض للحساب فضلاً عن العقاب إلا من كان حراً مختاراً في فعله لم يجبره أحد على المعصية .
ثانياً : مسألة العدل الجزائي ، أي إن كل إنسان سيجزيه الله (تعالى) بما كسب ، فيثيب المحسن على إحسانه ، ويعاقب العاصي على عصيانه ، و ذلك في قولها : " وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ " .

وعلاوة على ما تقدم فقد تضمنت كلماتها تذكير الطاغية بعدم الاغترار بهذا النصر المزيف لأن النصر و الظفر الحقيقي سيكون يومئذ من نصيب الإمام الحسين (عليه السلام) وسائر شهداء الطف .

وأما قولها: "واني لأعجب ممن يشتفي بقتل أئمته ، ويعلم انهم منتقمون منه في اخرته" (10) فقد تضمن هو الآخر التأكيد على العدل الجزائي لله (جل وعلا)، لأن كلمة «منتقمون» من مادة الانتقام، وتعني العقوبة والجزاء، وقد يتصور القارئ أنها العقوبة المقترنة بإخماد نار الغضب وتفريغ ما في القلب من انفعال وحب الانتقام كما هو المعنى الوارد في محادثاتنا اليومية في عصرنا الحاضر، إلا أن هذا الأمر لا وجود له في المعنى اللغوي للكلمة.


(1) ابن طاووس ، اللهوف في قتلى الطفوف ص67
(2) السيد الطباطبائي ، الميزان في تفسير القرآن ج5 ص10
(3) المصدر السابق
(4) السيد محمد سعيد الطباطبائي : فاجعة الطف 143 و144
(5) الطوسي : مصباح المتهجد 788
(6) أنظر محاضرات في الإلهيات : للشيخ السبحاني ص170
(7) الري شهري : ميزان الحكمة ج4 ص144
(8) المصدر السابق
(9) إبن طاووس : اللهوف في قتلى الطفوف ص67
(10) المصدر السابق ص 68

رضا الله غايتي

اخترنا لكم

زينة أبيها...

بقلم: فاطمة الركابي إن من المعاني التي شُرح بها اسمها الشريف، والذي يُشير الى عمق وجمالية العلاقة بينها وبين الإمام علي (عليه السلام) كأب هو إن اسمها الشريف مشتق من: (زَين) و( أب) (١). وهو ما يعرف كلقب لها وهو "زينة أبيها". ولو بحثنا عن بعض مصاديق الزينة كثقافة قرآنية لوجدنا أن من مصاديقها: (البنون) كما في قوله تعالى:{...وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} (الكهف:46)، وهي الزينة الظاهرية التي يَحصل عليها الإنسان. فقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله): "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: ...، إلى أن قال: أو ولد صالح يدعو له" (٢). بالنتيجة فإن البنين إن كانوا من أهل الصلاح والبِر، فهم زينة ظاهرية لكن باقية لا تزول بزوال الدنيا التي نُسبوا إليها كما في الآية. وعليه، فإن السيدة زينب (عليها السلام) وفق هذا المصداق هي ليست بقية صالحة وحسب، بل من أعلى مصاديق الباقيات الصالحات التي تركها أمير المؤمنين (عليه السلام)، لما لها من الشأن والعظمة عند الله سبحانه. وهناك مصداق قرآني آخر وهو: (الإيمان) كما في قوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}(الحجرات:7)، حيث تُبين هذه الآية أن هناك زينة حقيقية للإنسان، فالإيمان الذي يَحمله قلب العبد، هو الصبغة الإلهية التي تلون وجوده وتُنير قلبه، والنبي الأكرم (صل الله عليه وآله) وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) في يوم الخندق بأنه الأيمان كله، حيث قال عنه: "برز الإيمان كله إلى الكفر كله" (٣). وفي هذا إشارة عظيمة لو حاولنا أن نربط بين ما يحمله الإمام من زينة وهي الإيمان الكامل، وبَين وصف السيدة (عليها السلام) بأنها "زينة أبيها"، فأي درجة من الإيمان تحمل السيدة؟ تعالى وحده يعلم! إن الإيمان - كما يقولون - "كالعشق تماماً، ينجذب الإنسان أمامه ثم يستوعب كل وجوده" نعم! هذه العبارة قد تلخص لنا حقيقة الإيمان ومراتب كماله، ولكن تخفي في طياتها تفاصيل كثيرة، وإنما لها أهلها، وهم النبي (صلى الله عليه وآله) وآل بيته (عليهم السلام)، فأهل البيت (عليهم السلام) بكلماتهم قد بينوا لنا أكمل درجات الإيمان وتجلى ذلك في سلوكهم وعملهم، فكما في الحديث "إن الايمان عمل كله" (٤) والسيدة زينب (عليها السلام) كسيدة علوية هاشمية مخدرة، عُرفت وتجلت أمامنا حقيقة كمال إيمانها من خلال مواقفها في مسيرها مع الإمام الحسين (عليه السلام) في واقعة الطف. فعن إمامنا الصادق (عليه السلام) أنه قال: "من أحب في الله، وأبغض في الله، وأعطى في الله فقد كمل إيمانه" (٥). حيث إن أعظم مصاديق الحب في الله تعالى هو حب أولياء الله تعالى ومعاداة أعدائه، والسيدة بكل مواقفها وخطواتها وخطاباتها كانت مُظهرةً لحبها لولي أمرها وإمام زمانها سواء كان الإمام الحسين (عليه السلام)، أو الامام السجاد (عليه السلام) بعد استشهاد أبيه سيد الشهداء. أما في خصوص العطاء في الله سبحانه المذكور في الحديث، فهي (عليها السلام) أعطت أبناءها في كربلاء حتى قِيل إنه لم يذكر التاريخ أنها كانت تسأل عنهم أو تتفقدهم، بل سخرت كل وجودها في سبيل الله سبحانه. وورد أيضًا عنهم (صلوات الله عليهم): "ثلاثة من كُن فيه استكمل إيمانه: لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يرائي بشيء من عمله، وإذا عرض عليه أمران أحدهما للدنيا والآخر للأخرة آثر أمر الآخرة على أمر الدنيا" (٦). وهي (سلام الله عليها) قد كانت مصداقًا حقيقيًا لمن لا يخاف في الله تعالى لومة لائم، ومِمَن يقول الحق وإن عز، وإن كان به قد تُفقد النفس، فقد صرحت بالحق حتى زلزلة عروش الظالمين حتى قيام يوم الدين، وللمتأمل في خطبها يجد أن العبارات كلها تشير إلى هذه الحقيقة. وبخصوص الصفة الثانية بهذا الحديث فهو متحقق بها أيضًا، فهي كانت في كنف زوجها عبد الله تعيش حياة كريمة مرفهة، فهو -كما ينقل التاريخ- كان ثريا جدًا، لكنها أعرضت عن زينة الدنيا ولازمت الإمام الحسين (عليه السلام)، ملبية دعوته كما قال: "من لحق بي منكم استشهد معي، ومن تخلّف لم يبلغ الفتح، والسلام" (٧)، فهي وإن لم تستشهد إلا أنها بلغت الفتح. وفي حديث آخر: "إن الله (عز وجل) وضع الإيمان على سبعة أسهم، على البر والصدق واليقين والرضا والوفاء والعلم والحلم، ثم قسم ذلك بين الناس، فمن جعل فيه هذه السبعة الاسهم فهو الكامل" (٨). والسيدة (عليها السلام) قد جمعت هذه الأسهم السبع: السهم الأول: البِر. ومن مصادقه هو الانفاق المادي كالمال لأهل الاستحقاق، حيث كانت من ألقاب السيدة أنها تلقب "المرأة الكريمة" (٩)، وأم العواجز (١٠) حيث كانت تأوي وترعى وتنفق على العجزة وكبار السن والفقراء والمعوزين - وكما يُنقل- كانت تبني لهم دورًا بقرب دارها ليسهل عليها تفقدهم ورعايتهم. ومن مصاديقه هو الإنفاق المعنوي كالاهتمام بتعليم النسوة وحل مشكلاتهن الدينية والدنيوية. السهم الثاني: الصدق. فقد كانت (عليها السلام) من أهل الصدق، بل هي الصديقة الكبرى على كل النساء بعد أمها الزهراء (عليها السلام) فهي بالقياس بأمها فقط "صديقة صغرى"(١٠). السهم الثالث: اليقين. فالسيدة (عليها السلام) لما فقدت صاحب النهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، وحامل اللواء وكفيلها العباس (عليه السلام)، ولما تعرضت لسبي مع كونها فخر المخدرات، سارت في طرقات الكوفة والشام، ودخلت قصر أهل الجور والظلم، بقيت هي... هي زينب بنت علي (عليما السلام) لأنها لم تفقد رب السماء الذي بعين قلبها كانت تراه، فهي كانت ترى جميل صنعه، لا قبيح صنع خلقه فثبتت وواصلت. السهم الرابع: الرضا. هي (عليها السلام) لم تَكن من أهل الصبر فقط، بل من أهل الرضا بمكروه القضاء، فبلغت مرتبة الصبر الجميل حيث لما قيل لها "كَيْفَ رَأَيْتِ صُنْعَ اللَّهِ بِأَخِيكِ وَ أَهْلِ بَيْتِكِ ؟ فَقَالَتْ : مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلًا،..."(١١)، وقولها: "اللهم تقبل منا هذا القربان"(١٢)، وكأنها تقول لنا: إنها ترتجي من كل ما أصابها بلوغ وتحقق القرب من مولاها، فكيف لا تكن راضية به؟! السهم الخامس: الوفاء. فمن القابها "أمينة الله" (١٢)، فهي الوفية بعهدها والأمينة على رسالتها ودورها الذي كلفت به من قبل إمام زمانها سيد الشهداء، فهي لم تنكسر بفقده بل واصلت المسير، وأدت رسالتها، فكانت لسفينة النجاة الشراع الذي أوصل نهضته إلى بر الأمان. فمن يرتبط بالله تعالى ويَكن تابعاً لدعاة الحق المرسلين من قبل الله تعالى، فإنه لا يتوقف بفقدهم عن مسعاه، بل تبقى رسالته حية في داخله، لأن رب الرسالة حي لا يموت. السهم الخامس والسادس: العلم والحلم. حيث قالوا في كلماتهم الطاهرة: "وعلما في حلم" (١٣)، فقد قرن الحلم بالعلم، فمن ثمار تحقق وجود العلم الإلهي في القلب هو وجود الحلم في حامله، والسيدة كانت من أهل الحلم لأنها من أهل العلم، كما وصفها إمامنا زين العابدين (عليه السلام) بأنها "عالمة غير معلمة" (١٤). فهذه محاولة واشارات عابرة حول تحقق كمال الإيمان في السيدة زينب (عليها السلام) التي كانت زينة لأبيها علي (عليه السلام). _____________________________ (١) زينب الكبرى من المهد الى اللحد: ص٢٦، نقلا عن كتاب القاموس. (٢) بحار الأنوار: ج٢، ص٢٣. (٣) بحار الأنوار: ج ٣٩، ص ١. (٤) الكافي للكليني: ج٢، ص٣٣. (٥) أصول الكافي: ج٢، ص٥١٠، ح١. (٦) تنبيه الخواطر: ج١، ص٥٦٢. (٧) كامل الزيارات، ابن قولويه: ص ١٥٧. (٨) اصول الكافي: ج٢، ص٤٥٢، ح١. (٩) زينب الكبرى من المهد الى اللحد: ص٢٧، نقلا عن كتاب لسان العرب. (١٠) المناقب لابن شهرآشوب: ج٤، ص١١٥. (١١) زينب الكبرى من المهد الى اللحد: ص٢٢٣. (١٢) مقتل المقرم: ص307. (١٣)بحار الأنوار: ج ٧٥، ص ٣٠. (١٤)بحار الأنوار:ج٤٥، ص١٦٢.

اخرى
منذ سنة
1524

التوحيــد الصفـــاتي

بقلم: رضا الله غايتي للتوحيد مكانةٌ عليا في الشريعة الخاتمة بل في الشرائع السماوية كافة، إذ ما من رسول إلا وتصدرت رسالته الدعوة إلى التوحيد ورفض الشرك، قال(تعالى): "وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ" (النحل36). وللتوحيد مراحل لابد للمكلف من قطعها جميعاً ليكون موّحِداً وهي: التوحيد في الذات، وفي الصفات، وفي الخالقية، وفي الربوبية، وفي العبادة. ولعدم إمكان التعرض إليها جميعاً ارتأينا الاقتصار على التوحيد في الصفات. صفاته (تعالى) تنقسم إلى قسمين: فمنها ما ينسب الى ذاته ابتداءً بلا توسط أي شيء كالعلم، والقدرة، والغنى، والارادة، والحياة وتسمى بالصفات الثبوتية الحقيقية، ومنها ما تُنسب إليه بلحاظ ما يصدر عنه من الأفعال: كالخالقية، والرازقية، والتقدّم، والعلّية، وتسمى بالصفات الثبوتية الاضافية. وقد وقع الخلاف في الصفات الثبوتية الحقيقية بين الأشاعرة وغيرهم في أنه: هل أنها عين ذاته المقدسة أو غير ذلك؟ بخلاف الصفات الثبوتية الاضافية التي لم يقع فيها هكذا خلاف؛ لأنها صفاتٌ تجري عليه (سبحانه) تبعاً لمنشأ انتزاعها، فبلحاظ خلقه للخلق اتسم بالخالقية، وبلحاظ رزقه إياهم اتسم بالرازقية وهكذا. ولبيان عقيدتنا في الصفات الثبوتية الحقيقية لابد من تقديم مقدمة مفادها: إن الصفات بشكل عام تكون على قسمين: قسم يلازم تصور الموصوف تصور الصفة ولا ينفك عنها ولا يمكن سلبها عن موضوعها ويستحيل وجوده بدونها، وتسمى ذاتية وعينية مثل إضاءة النور، وحرارة النار، وظلمة الليل، وضوء النهار، وقسم يمكن سلب الصفة عن الموصوف، وتصوره بوجوده معها أو من دونها، وتسمى عرضية وزائدة، كحرارة الحديد وضوء القمر، والصفرة من الوجل والحمرة من الخجل. وبقليلٍ من التأمل في الصفات محل النزاع (العلم، والقدرة، والغنى، والارادة، والحياة) نقطع بأنها لابد أن تكون ذاتية وعينية ويستحيل أن تكون عارضة وزائدة؛ وذلك لأنها لو كانت عارضة على ذاته المقدسة وزائدة عليها لكان (سبحانه) محتاجاً ومفتقراً إليها، والاحتياج والافتقار سمة الإمكان وهو (جل وعلا) واجب الوجود، وعليه من المحال أن تكون صفاته زائدة، ولابد أن تكون ذاتية وعينية. كما أن القول بأن صفاته زائدة على ذاته يقتضي أن يكون (سبحانه) فاقداً لها ثم اتصف بها، بمعنى أنه كان جاهلاً (وحاشاه) ثم أصبح عالماً، وكان عاجزاً ثم أصبح قادراً، وكان مفتقراً ثم أصبح غنياً، وهكذا! ولدفع هذا الإشكال الذي أوقع الأشاعرة فيه أنفسهم قالوا بقدم هذه الصفات بقدمه (سبحانه)! فوقعوا بما هو أسوأ وهو القول بتعدد القدماء. وبما أن كل ذلك محالٌ عليه (سبحانه)، إذاً يتأكد أن تكون صفاته ذاتية وعينية لا عارضة وخارجية كما قالت الأشاعرة. وبالإضافة إلى ما تقدم فإن الأدلة الشرعية هي الأخرى قد أثبتت عينية الصفات، ففي القرآن الكريم ورد قوله (تعالى): "وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ"(يوسف76)، ومن المعلوم في اللغة أنّ (ذي) تدل على المصاحبة والمقارنة، وعليه فإن (ذي علمٍ) هو (من كان علمه عارضاً على ذاته وخارجاً عنها) وهذا لابد أن يكون فوقه (عليمٌ) وهو (من كان علمه صفة ذاته وعين ذاته) وهو الله (عز وجلّ).(1) وأما في السنة النبوية فقد روى الحسين بن خالد عن الامام الرضا (عليه السلام): "سمعت [الإمام]الرضا يقول: لم يزل الله سبحانه عليماً قادراً حياً قديماً سميعاً بصيراً، قلت: يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن قوماً يقولون أنه عالم بعلم، وقادر بقدرة، وحي بحياة، وقديم بقدم، وسميع بسمع، فقال (عليه السلام): من قال بذلك ودان به، فقد اتخذ مع الله آلهة أخرى، وليس من ولايتنا على شيء، ثم قال (عليه السلام): لم يزل الله عز وجل عليماً، قادراً، حياً، قديماً، سميعاً، بصيراً لذاته"(2). كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "وكمال الإخلاص له: نفي الصفات عنه؛ لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه...."(3) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)انظر: الميزان في تفسير القرآن ج11 ص121 (2)مسند الإمام الرضا (ع)ج1ص205 (3)في ظلال نهج البلاغةج1ص20

اخرى
منذ سنة
746

هل في الدين كهنوت؟! (التقليدُ الفقهي نموذجًا)

بقلم: مرتضى الأغلامي دائمًا ما تُثارُ شبهاتٌ على الدينِ، ولعلَّ نصيبُ الأسدِ منها ارتبط بالعلماءِ وبرجالِ الدين والإصاباتُ كثيرة!! سنركز في هذا المقال على واحدةٍ من تلك الشبهات، حيثُ يقولُ البعض ويدّعي أنّ رجالَ الدينِ قد حوّلوا الدينَ إلى كهنوتٍ، وحوّلوا العلاقةَ بين الإنسانِ وربِّه إلى علاقةٍ كهنوتية؛ ولتوضيح صحةِ دعواهم من عدمها سنتكلم بعدةِ نقاط: الأولى: ما المقصود من الكهنوت؟ الكهنوتُ: مفردةٌ مأخوذةٌ من الكهانةِ ومن كاهن، وكانت تُستعملُ عند العرب حتى في الجاهلية. فالكاهنُ هو الشخصُ الذي يرتبط بالله (تعالى)، بحيث هو الذي يوصلُ للناس تعاليمَ الإلهِ؛ فهو الناطقُ الرسمي باسمها. وقد ارتبط الكاهن بمعرفةِ الغيب من هذه الجهة؛ فتكهَّن أيّ عَلِم الغيب في بعض معانيها. ثم بعد ذلك ارتبط مصطلح الكهانة بالكنيسةِ، فصار تعبيرًا كنسيًا بامتياز؛ وذلك لأنّ في الكنيسةِ منصبًا اسمه (الكاهن). والكاهنُ هو الشخصُ الذي يتفرّغُ لدراسةِ علمِ اللاهوتِ الكنسي فترةً طويلةً، فإذا وصل إلى مرتبةٍ معينة يُعطى سرُّ الكهنوت، ومنذُ ذلك اليوم يُسمى بـ(كاهن) نعم، بعد الثورةِ الفرنسيةِ توسّعَ استعمالُ هذا المصطلح، حيثُ أصبح يُطلقُ على اختصاصِ فئةٍ بشيءٍ معينٍ، وترى أنّه حقٌّ لها، مثلُ هؤلاءِ يُسمى بـ(كهنوت). النقطة الثانية: الشُبهة: هل يوجد كهنوتٌ دينيٌّ في الوسطِ الديني، لاسيّما في مدرسة أهلِ البيت (عليهم السلام)؟ البعضُ يقولُ: نعم، موجودٌ، ويتمثّلُ في مسألةِ التقليد، حيثُ العاميّ(1) لابُدّ أنْ يأخذَ أحكامَه من المجتهد، وإلا فعمله باطلٌ. والعامي لا يحقُّ له العمل بما توصّل له هو، فهذا ممنوعٌ، وهذا هو الكهنوت، حيثُ حُصِرتِ الفتوى وأخذ الأحكام الشرعية بالمجتهد فقط، ومُنِعَ سائرُ الناسِ من ذلك حتى وإنْ كانوا متعلمين. وفي مقامِ الجوابِ نقول: أولًا: من قال: إنّ مدرسة أهلِ البيت (عليهم السلام) تُلزِمُ العامي بالتقليد حيثُ يمكن له أنْ: 1/ يكون مجتهدًا، والاجتهادُ ليس حكرًا على المراجع. 2/ يحتاط، بأنْ يجمع بين أقوالِ العلماء في المسائل المُختلف فيها بينهم والتي يحتاجُ في إفراغ ذمته احتياطًا إلى الجمع بينها. 3/ يُقلِّد، إذا لم يكن مُحتاطًا ولا مُجتهدًا. فالمكلفُ أمام ثلاثةِ طرق، والأفضلُ أنْ يكونَ محتاطًا؛ لأنّه سبيلُ النجاة. إذن لا حصر في المقام، ومن ثم فالتقليدُ ليس كهنوتًا. ثانيًا: ما هي دائرة التقليد؟ *هل يقلّد المكلفُ المجتهدَ في الأصول الاعتقادية؟ -لا يجوز التقليد في الأصول. *وهل يُقلّد المكلفُ المجتهدَ في كلِّ الفقه؟ - ليس كلّ الفقه تقليديًا، بل الضرورياتُ لا تقليدَ فيها، إذنْ دائرةُ التقليدِ ليست عامة، بل دائرته في الفقه النظري فقط. وحتى في الفقه النظري هذا ليس كلُّ شيءٍ فيه تقليدًا، حيثُ تشخيصُ الموضوعاتِ يكونُ على المقلِّد نفسه، بل يمكنُ له أنْ يُخالفَ المجتهد إذا علِمَ بضعف مستنده- على تفصيل في الفقه- فأين هذا من الكهنوت؟! وأين من إسقاطِ بعضِ المثقفين هذه المصطلحات على رجالِ الدين في مدرسةِ أهل البيت (عليهم السلام)، وما هو إلا إسقاطٌ فاشل. ثالثًا: قد يُقالُ: حتى التقليد في الأحكام الشرعية النظرية لا أريدُ الرجوع فيها إلى رجلِ الدين المجتهد. فنقول: هذا الرجوع صغرى لكبرى قاعدةٍ عقلائية، مُسلَّمة، وكلُّ حياتِنا تقومُ عليها، وهي رجوعُ غير المُتخصص إلى أهلِ الاختصاص، فإنْ كنتَ ترى في التقليد كهنوتًا فحياتُك كُلُّها كهنوتية!! النقطة الثالثة: قد يقولُ شخصٌ: سلّمنا بالرجوع إلى المتخصص، ولكن لا نُسلِّم أنّ المجتهدين أهلُ تخصص؟ فإشكالي في الصغرى، فلا أسلِّمُ أنّ الدينَ تخصصٌ، بل الدينُ للجميع، كُلُّنا سواسيةٌ أمامَ الدين، فلا تفرقةٌ أبدًا، وقد يقول: إنّي دكتور في التخصص الفلاني، وقد درستُ في أفضلِ الجامعات، فلا أُقلد، إذ لا تخصص في الدين، ومن ثم يحقُّ لي أنْ آخذَ بفهمي. وفي مقام الجواب، نقول: إنَّ هذا الكلام مبنيٌّ على عدّةِ خلطاتٍ بين عدّةِ أمور: الخلط الأول: صاحبُ هذه الدعوة خلَطَ بين الانتماء للشيء وبين لزوم فهمه، فإذا انتميت لجهةٍ من الجهات، هل بالضرورة يقتضي هذا الانتماء الإحاطة بكلِّ جهاتها؟ فمثلا أنا أنتمي لدولةٍ، هل يعني هذا معرفتي بكلِّ قوانينها؟ قطعًا لا ضرورة في ذلك، فقد ينتمي الشخص لدولة ولا يعرف عن قوانينها شيئًا؛ لذلك يوكلُّ محاميًا للدفاع عنه في المحكمة حتى وإنْ كان مطلعًا على القانون بشكلٍ إجمالي؛ لأنّه يجهل بتفاصيله، كما أنَّ فهمه للقانون ليس بحجة. وكذا فالانتماءُ إلى الدين حقٌّ للجميع ولكن لا يعني ذلك قدرة المنتمي له على فهمِ نصوصِه لمجرّدِ انتمائه، فهذا خلطٌ بين حقِّ الانتماء وبين حُجّية فهم ما ينتمي إليه، إذن في الانتماء يوجد تساوٍ، ولكن في الفهم لا يوجد تساوي. الخلط الثاني: وهو مُركبٌ من شقين: أ‌- هل اطلاعُ شخصٍ على شيءٍ يجعلُ منهُ قادرًا على فهمِ ذلك الشيء؟ فقد يقولُ شخصٌ: اطلعتُ على كلِّ ما اطلعَ عليه المجتهد، ولكن نقول: هذا يجعلُ منك مُثقفًا، ولا يجعلُ منكَ مُختصًا، وهناكَ فرقٌ بين الثقافةِ والاختصاص. فلو قرأتَ ألفَ كتابٍ في الطبِّ مثلًا فإنّك ستكونُ مُثقفًا بثقافةٍ طبية، ولكن لا تصير بذلك طبيبًا قطعًا؛ لأنّ المثقف من عنده سعة اطلاعٍ، ولكن كلامه يبقى سطحيًا، خلاف المُتخصص الذي يتكلم بعمقٍ. ثم إنَّ الثقافةَ في علمٍ ما لا تُعطي للشخص الحقَّ في إبداء رأيه في ذلك العلم كمتخصصٍ، وعليه، فكونه مثقفًا في الجانب الديني لا يُعطيه الحقّ في إبداء رأيه كمتخصصٍ، كأن يُفتي مثلًا. ب‌- كونُ الإنسانِ متخصصًا في علمٍ من العلوم، لا يجعله مُتخصصًا في علومٍ أخرى، وهذا واضحٌ. فرجلُ الدين ليس له حقٌّ أنْ يقول: أنا أتكلمُ في كلِّ شيءٍ، وهكذا بالنسبةِ إلى سائر التخصصات غير الدينية، لا يحقُّ للمتخصصِ فيها أنْ يتكلم في الدين، بمعنى يعطي رأيًا يكونُ حجةً على الآخرين وعلى نفسه، وعليه يلزم أنْ يرجع غير المتخصص إلى المتخصص. سؤال: ما هو الدليل على أنَّ آلية الاستنباط هي التخصص؟ الجواب: عمليةُ الاستنباط هي عمليةٌ تدخلُ فيها عدةَ علومٍ، فإنْ أنت إذا سلَّمت أنّ هذه العلوم هي تخصص فأنت متخصص، التصحيح فإنْ أنت أحطت بكلِّ هذه العلوم فأنت متخصص. ومقدماتُ عمليةِ الاستنباط هي: 1/ مصادر التشريع عندنا هي: القرآن الكريم والسنة الشريفة، والقرآنُ الكريم نصٌ بالعربية، فلا يُمكنُ لأيِّ شخصٍ فهمه بغيرها، أو بغير إحاطته بجميع العلوم العربية المتعددة. وعليه، لابدّ للمستنبط أنْ يدرسَ علوم اللغة العربية جميعها وبدقةٍ. أما السنة الشريفة فنتعامل معها من ثلاثٍ زوايا: أولاها- بحث الصدور، أي صدور الرواية، هل أنّها ثابتة للمعصوم أم لا؟ وهذا يتوقف على مراجعة التراجم، وعلم الرجال، وعلم الدراية للحكم على سندِ الروايةِ بكامله. كما يحتاجُ إلى البحثِ عن صحةِ نسبةِ الكتابِ لصاحبه، وهل إنّ هذا الكتابَ هو نفسُ الكتاب الأصلي؟ أم نَقُصَ منه أو زيدَ عليه؟ وهنا لابُدَّ من الرجوعِ إلى علمِ المخطوطات، هذا إذا كانت نظرية الفقيه هي الاعتماد على السند. وتوجدُ نظريةٌ أخرى هي عدم الاعتماد على السند فقط، بل نعتمد على القرائن أيضًا، فمتى ما كانت القرائن تعطينا قطعًا بصحةِ صدور الحديث نأخذ به، كأن يكون الحديث موافقًا للقرآن الكريم. ثانيها- فهم دلالة النص، فنحتاجُ إلى الإحاطةِ بعلوم اللغة. ثالثها- بحث جهةِ الصدور، فمعرفتنا بصحة الصدور، وبمعنى متن الرواية ليست كافيةً، إذ لا بُدَّ من بحثٍ آخر وهو هل إنَّ الإمامَ كان جادًا في هذا المعنى، فقد يكونُ كلامه تقيةً مثلًا. ولأجلِ معرفةِ أنّ الفتوى في هذه الرواية كانت لتقيةٍ أم لا يلزمُ النظر فيها، هل كانت موافقةً للأطراف التي اتقى منها الإمام لذلك الزمان وذلك المكان، وعليه، لابُدّ أنْ نعرفَ الآراء في زمانه ذاك، حتى نرى مدى موافقة فتوى الإمام لها، فلابُدّ أنْ نعرفَ الفتاوى للمذاهب في كلِّ زمن الأئمة (عليهم السلام). وهذه العلوم كُلُّها تخصصية، إذن عملية الاستنباط اجتهادية، ومثل هذه الدعاوى غير معقولة؛ إذ مثل هذه الدعاوى قد يكون(2) غرضها إدخال المجتمع المؤمن في الفوضى؛ لأنّ عدم الرجوع لأهل الاختصاص في الدين يصنعُ الفوضى؛ ولذلك كانت المرجعية (باعتبارها الجهة المتخصصة في الدين) صمامَ أمانٍ، أما إذا كانتِ الفتوى لكلِّ من هبَّ ودبَّ فتحصل فوضى عارمة ويصيرُ كلُّ شخصٍ له حقُّ الفتوى. ومن هنا نحتاجُ أنْ نكونَ أصحابَ بصيرةٍ ولا ننخدع بسرعة، وعندما نسمعُ أيَّ دعوى من هذه الدعاوى فلننظر إلى ما ورائها(*) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) لا يُراد من كلمة (العامي) معنىً سلبيًا، بل يُرادُ منه: غير أهل الاختصاص، فيُطلق على كلِّ مقلِّدٍ حتى طلاب العلم. (2) وهذا ليس من باب نظرية المؤامرة، بل هذا واقعٌ حاكمٌ، ومحتملٌ قويٌ وواردٌ. (*) أساس هذا المقال محاضرةٌ لسماحة الشيخ أحمد سلمان (حفظه الله).

اخرى
منذ يومين
104

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
50963

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
38026

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
30699

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
30456

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
24499

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
23775